منتدى الهندسة الكهربية

الإهداءات



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
سوال ماجدحسن منتدى للمهندسين الاستشاريين للهندسة الكهربية 2 11-15-2011 06:24 PM
سوال فى الاضاءة لو سمحتوا الاجابة على Alaa Mohammed قسم خاص بأسئلة الاعضاء 1 07-29-2011 08:36 AM
سوال ماجدحسن قسم خاص بأسئلة الاعضاء 0 06-14-2011 08:15 AM
سوال ماجدحسن منتدى للمهندسين الاستشاريين للهندسة الكهربية 0 06-12-2011 08:36 AM
سوال مهم جدا واريد الاجابه اسلام شوقي مكتبة الهندسة الكهربية 0 02-15-2011 02:18 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-20-2011, 11:14 AM   رقم المشاركة : [1]
عضو مميز
الصورة الرمزية م / على مدكور
 

م / على مدكور is on a distinguished road
افتراضي زوال إسرائيل قبل ظهور المهدي
ساهم معنا بنشرالمنتدى ---»  





الجزء الأول
الفصل الأول :
البداية
الفصل الثاني :
زوال إسرائيل قبل ظهور المهدي
الفصل الثالث :
مختصر لمجمل أقوال المفسرين
الفصل الرابع :
وكل شيء فصّلناه تفصيلا
الفصل الخامس :
تاريخ وجغرافيا بني إسرائيل في القران
الفصل السادس :
تاريخ اليهود في التوراة والتلمود
الفصل السابع :
فلسطين عبر التاريخ


البداية
قبل عدة سنوات ، كنت قد قرأت كتاب ( أحجار على رقعة الشطرنج ) للأدميرال الكندي ( وليام كار ) ، حيث يؤكد المؤلف في هذا الكتاب بالشواهد والأدلة ، سيطرة اليهود على واقعنا المعاصر . بعد قراءتي لهذا الكتاب ، وبالنظر لما يجري على أرض الواقع ، تملكتني حالة من اليأس والقنوط . فأحلامنا وأمانينا ، إذا ما سار الناس من حولنا ، على هدي ما يُخطّطه وينفذه اليهود – وهم سائرون وما زالوا – أصبحت هباءً منثورا ، وستسير الأمور إلى الأسوأ يوما بعد يوم ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
لم أكن أعلم آنذاك ، أن بعد كل هذا الكفر والظلم والفساد ، استفحل في الأرض ، وأخذ ينتشر في أرض الإسلام والعروبة ، انتشار النار في الهشيم ، بعد أن مُحيت آثار العيب والحرام ، من مفردات قاموس أهلها ، ستظهر في آخر الزمان ، خلافة راشدة على منهاج النبوة ، تُعيد هذه الأمة للحياة من جديد ، فأحاديث الفتن وما يكون بين يديّ الساعة ، لم تكن معروفة للعامة قبل سنوات قليلة ، ولم تلق أي اهتمام كون الساعة بعيدة عنا – حسبما نحب أن تكون – كل البعد . ومؤخرا بدأ كثير من الدارسين والباحثين ، يخوضون غمار ما جاء فيها من أحاديث ، منبّهين لظهور الكثير من أشراطها الصغرى ، ومحذّرين من قرب أشراطها الكبرى .
معرفتي بوجود تلك الخلافة ، التي ستقطع الطريق ، على أصحاب المؤامرة اليهودية العالمية ، وتلغي أحلامهم بسيادة العالم ، من القدس ، كانت لي بمثابة الضوء في آخر النفق ، تلك المعرفة الجديدة أعادت لي الأمل ، بعدما تملكني الكثير من اليأس والقنوط ، من أحوال أمتي العجيبة . اعترتني حالة من الفضول ، أردت معرفة المزيد ، حيث ساعدني حبي القديم للمطالعة ، فعدّت لمطالعة كل ما يقع بين يديّ ، من كتب على مختلف مواضيعها ، من عقيدة وفقه وسيرة وتاريخ ، فضلا عن القرآن العظيم وتفسيره ، فتبين لي أن العلم والمعرفة ، يهتكان الكثير من أستار الجهل بأمور الحياة الأخرى ، ويزداد المرء بهما إيمانا ويقينا وصلة بربه ، وثباتا على دينه ، فازددت حبا للمعرفة والمتابعة .
شملت مطالعاتي في تلك الأثناء ، بعض الكتب التي تناولت سيرة المهدي ، وأكثر ما حاز على اهتمامي من هذه الأحاديث ، ما يتعلق بالمهدي وظهوره ، والمعارك التي سيخوضها . وبعد تحليلي لتلك الأحاديث ، ومحاولة الربط فيما بينها ، تبين لي بأن دولة إسرائيل الحالية ، لن تكون موجودة عند ظهور أمره ، وأن المهدي سيدخل القدس ، وبلاد الشام ككل بلا حرب ، فتبادر إلى ذهني بعض التساؤلات ، التي كان لا بد لي من الإجابة عليها ، بدافع الفضول في البداية ، وأهمها كيف اختفت إسرائيل قبل ظهور المهدي ؟ ومن الذي كان سببا في اختفائها ؟
كنت سابقا أعتقد – كما كان وما زال – يعتقد عامة المسلمين اليوم ، أن الطريق إلى تحرير القدس ، ستكون بالوحدة العربية ، وهذا بلا شك ضرب من الخيال . أو بالعودة إلى الإسلام وقيام الخلافة الإسلامية ، وهذا أيضا أمر بعيد المنال ، والواقع لا ينبئ بذلك ، واليهود الآن يسيطرون على مجريات الأمور ، أكثر مما نسيطر على زوجاتنا وأولادنا ، فهم يراقبون ويُحاربون ، أي جسم مسلم أو عربي ، تحول من حالة السكون إلى الحركة ، وكل المحاولات الإسلامية والقومية العربية النهضوية ، وُئدت واشتُريت وبيعت في سوق النخاسة ، فلا أمل في المنظور القريب ، حسب ما نراه على أرض الواقع .
وأما إسرائيل فعلى ما يبدو ، أنها ستبقى جاثمة فوق صدورنا ، تمتص دماء قلوبنا ، وتعدّ عليها نبضاتها ، لتثبت للعالم أننا ما زلنا أحياء ؟! والعالم يأتي وينظر ويهزّ رأسه موافقا ، ويمضي مطمئنا ، نعم إنهم ما زالوا أحياء . وكأن العالم ، ينتظر منا أن نموت أو نفنى ، فيستيقظ يوما ما ، فلا فلسطين ولا فلسطينيون ، ليرتاح من تلك المهمة الثقيلة والمضنية ، التي رُميت على كاهله – وكأنه بلا خطيئة اقترفتها يداه – كي يرتاح من مراقبة طويلة ، لعملية احتضار شعب أُدخل إلى قسم العناية الحثيثة ، منذ أكثر من50 عاما ، وما زال حيا .
وبالنظر إلى الواقع – قبل ثلاث سنوات – ولغاية هذه اللحظة ، فإنك تراه يقول بأن إسرائيل ستبقى . ولكن الأحاديث النبوية الشريفة ، ترفض ما يقوله الواقع وتؤكد زوالها ، قبل ظهور المهدي والخلافة الإسلامية ، ولكن كيف ؟ ومن ؟ ومتى ؟ ، وللإجابة على هذه الأسئلة كان لا بد من البحث . ومن هناك ، وقبل ثلاث سنوات تقريبا ، كانت البداية .
ما يملكه عامّة المسلمين في بلادنا من معتقدات ، فيما يتعلّق بتحرير فلسطين ، يتمحور حول ثلاثة عبارات تقريبا ، هي : أولا ؛ عبارة " شرقي النهر وهم غربيه " المشهورة لدينا ، بين فلسطينيي الشتات ، وثانيا ؛ عبارة " عبادا لنا " ، وثالثا ؛ عبارة " وليدخلوا المسجد " . والتفسيرات المعاصرة لهذه العبارات في مجملها ، حصرت التحرير بقيام الخلافة الإسلامية ، حتى أصبحت من الأمور العقائدية ، ويؤمن بصحتها الكثير من الناس ، إن لم يكن الأغلبية العظمى .
أما حديث لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ، ويا مسلم يا عبد الله ، الذي غالبا ما نتدواله ، فهو يتحدث عن مسلمين حقيقيين ، لن يتوفروا في ظل هذه الأجواء على المدى القريب ، أو يتحدّث عن خلافة إسلامية ، ومما أعلمه أن الخلافة الإسلامية ، لن تكون إلا بظهور المهدي ، وخلاف ذلك لم أجد في السنة النبوية ، من الأحاديث ما يشير إلى هذه الفترة ، فهي مغيبة تقريبا ، إلا من حديث هنا ، أو هناك .
في النصف الثاني من عام 1998م ، ومن خلال البحث الأولي في العديد من المصادر ، أمسكت ببعض الخيوط ، التي قادتني بدورها إلى الآيات ، التي تحكي قصة العلو والإفساد اليهودي في سورة الإسراء ، فطفقت أسبر معاني ألفاظها وعباراتها وتركيباتها اللغوية ، فتحصلّت على فهم جديد لآيات هذه السورة ، يختلف تماما عن معظم ما تم طرحه سابقا ، ومن خلال هذا الفهم استطعت الإجابة على معظم تساؤلاتي ، وتساؤلات أخرى كانت ترد في ذهني ، بين حين وآخر ، أثناء كتابتي لهذا البحث .
عادة ما كنت أطرح ما توصلت إليه ، شفاها أمام الآخرين ، وغالبا ما كانت أفكاري ، تُجابه بالمعارضة أحيانا بعلم ، وأحيانا من غير علم ، وغالبا ما كان النقاش يأخذ وقتا طويلا ، وكان هناك الكثير ممن يرغبون بالمعرفة ، كل حسب دوافعه وأسبابه الخاصة ، وكانت الأغلبية تفاجأ بما أطرحه من أفكار ، فالقناعات الراسخة لدى الأغلبية ، مما سمعوه من الناس أو وجدوه في الكتب ، والواقع الذي يرونه بأم أعينهم ، يخالف بصريح العبارة ما أذهب إليه .
والمشكلة أن الأمر جدّ خطير ، فالواقع الجديد والمفاجئ ، الذي سيفرض نفسه بعد عدة شهور ، عندما يأتي أمر الله ، ولا ينطق الحجر والشجر بشيء ! كما كانوا يعتقدون ، سيوقع الناس في الحيرة والارتباك . وتتلاطم الأفكار والتساؤلات في الأذهان تلاطم الموج في يوم عاصف ؛ ما الذي جرى ؟ وما الذي يجري ؟ وما الذي سيجري ؟
لذلك وجدت نفسي ملزما بإطلاع الناس ، على ما تحصّلت عليه ، وعلى نطاق أوسع من دائرة الزملاء والأقارب . وبالرغم من محدودية قدراتي وتواضعها ، إلا أني حاولت جاهدا ، أن أصهر كل ما توصلت إليه ، مما علّمني ربي ، في بوتقة واحدة . تمثّلت في هذا الكتاب ، الذي بين أيديكم ، في أول محاولة لي للكتابة ، كمساهمة متواضعة ، في الدعوة إلى الله ، ونصرة لكتابه الكريم ، قبل أن يوضع على المحك ، عندما يتحقّق أحد أعظم الأنباء المستقبلية ، بشكل مخالف ، لما اعتادوا أن يسمعوه ويقرءوه ، من آراء وتفسيرات ، كثرت في الآونة الأخيرة ، تتناول ما تُخبر عنه سورة الإسراء ، من إفساديّ بني إسرائيل .
كما وحاولت جاهدا أن أقدم هذا الكتاب ، في أسرع وقت ممكن ، بعد أن تأخرت سنتين وأكثر ، شغلتني فيها مشاكل الحياة الدنيا ومصائبها ، عن إخراج هذا الكتاب إلى حيّز الوجود ، ومن ثم لأسعى لإيصاله ، إلى أكبر عدد من أمة الإسلام ، لعله يجد فيهم من يلق السمع وهو شهيد ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
هذا الكتاب سيكون بإذن الله ، متوافرا باستمرار ، ضمن موقع خاص به ، على شبكة الإنترنت ، وإن تعذّر الدخول إليه ، لسبب أو لأخر ، فبالإمكان الوصول إليه ، عن طريق أحد محركات البحث ، بكتابة عنوان الكتاب ، أو أحد العبارات الموجودة على صفحة الغلاف ، حيث تستطيع من خلال هذا الموقع :
1. الحصول على نسختك من الكتاب ، على قرص مرن ، معدّة على برنامج ( وين وورد ) وجاهزة للطباعة .
2. إبداء أي ملاحظة أو استفسار ، من خلال سجل الزوار ، أو البريد الإلكتروني .
3. متابعة أطروحات جديدة ، قد تصدر للمؤلف مستقبلا .

20/ 07 / 2001 – 29/ 04 / 1422
905 – 8012 – 69098 – 1900
المؤلف


قال تعالى
( وَبَشِّرْ عِبَادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
( الزمر )




زوال إسرائيل قبل ظهور المهدي
استفاضت كثير من المؤلفات لكبار العلماء والأئمة ، في ذكر المهدي وسيرته ، وأكدت على حتمية خروجه آخر الزمان ، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ، ابن حجر والشوكاني والسيوطي والصابوني وغيرهم ، وهناك من أفرد له بابا ، أو كان له مقالا في كتاب ، كالذهبي وابن تيميه وابن القيم والقرطبي والبرزنجي وغيرهم . وهناك الكثير من الكتب المتخصصة الحديثة ، جمعت أقوال أولئك العلماء والأئمة في المهدي وأحداث آخر الزمان ، فمن رغب بالاستزادة فليرجع إليها ، فهي متوافرة بكثرة في المكتبات هذه الأيام ، والإلمام المسبق بالأحاديث الواردة في المهدي ، سيساعد كثيرا في فهم ما استخلصته من أفكار في هذا الفصل .
وأما من ينكر أحاديث المهدي ، فلا التفات لقوله ، فالأحاديث الصريحة وغير الصريحة ، التي أتت على ذكر أخبار المهدي ، بلغت حد التواتر المعنوي ، وقد ورد فيها ما يُقارب الأربعين حديثا . وما سنتناوله منها ، هو ما يخص موضوع هذا الكتاب فقط . وأود أن أشير إلى أن ذكر المهدي قد جاء في التوراة ، حيث أن الترجمة العربية للنص التوراتي ، تُسمّيه ( بالقدّوس ) في موضع ( وبالغصن ) في موضع آخر ، وهذا النص موجود مع التعليق ، في فصل النبوءات التوراتية . وقد تنبأ بظهوره ( نوستراداموس ) مفسّر النبوءات التوراتية ، وأشار إليه بألفاظ صريحة ، سنوردها في فصل لاحق .
وللحقيقة ، ومن خلال اطلاعي على الكثير ، من دراسات وأبحاث الغربيين ، التي تتناول النبوءات التوراتية والإنجيلية ، الخاصة بأحداث النهاية ، تبيّن لي بأن اليهود والنصارى ، أكثر إيمانا ويقينا ، من عامة المسلمين ، بحتمية ظهور المهدي ، وانتصاره في كافة حروبه ، واتخاذه للقدس عاصمة لملكه ، وامتداده لمساحات شاسعة من الأراضي . ولأنهم يعلمون بأن النهاية قد اقتربت ، ويعتقدون بأنه سيقود تحالفا عسكريا ضد الغرب ، ينجم عنه دمار الحضارة الغربية برمتها ، فهم يتوقعون ظهوره في أي لحظة ، ويخشون أن يظهر وأن تقوى شوكته ، وهم في غفلة من أمره ، فلذلك تجدهم يُحاولون تجنيد العالم بأسره ، ضد ما يُسمّونه بالإرهاب الإسلامي ، خوفا من ذلك المصير المشؤوم الذي ينتظرهم ، عند ظهور أمره .
غربة الإسلام :
عَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ ، كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ، قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) رواه أبو داود وأخرجه أحمد ، وصحّحه الألباني .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا ) رواه مسلم ، وأخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والدارمي ، وصححه الألباني .
قبل ظهور المهدي ستشهد الأمة الإسلامية ، عصرا حالك السواد ، من كثرة الظلم والجور والفساد ، يتميز بوجود قلة مؤمنة صابرة متمسكة بدينها ، لا حول لها ولا قوة ، تنتظر حتى يأتي الله بأمر من عنده ، وكثرة طاغية فاسدة ومفسدة متمسكة بدنياها ، هم غثاء كغثاء السيل .
جيش يغزو الكعبة بداية ظهور أمر المهدي :
عَنْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، ( قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ ، قَالَ : يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) رواه البخاري ، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وصححه الألباني .
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِهِ ، ( فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئًا فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ ، فَقَالَ : الْعَجَبُ إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ الْبَيْتِ ، بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ ، قَالَ : نَعَمْ فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا ، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى ، يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ) ، رواه مسلم ، وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد ، وصححه الألباني .
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( جَيْشٌ مِنْ أُمَّتِي يَجِيئُونَ مِنْ قِبَلِ الشَّامِ ، يَؤُمُّونَ الْبَيْتَ لِرَجُلٍ يَمْنَعُهُ اللَّهُ مِنْهُمْ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ خُسِفَ بِهِمْ ، وَمَصَادِرُهُمْ شَتَّى ، فَقُلتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِهِمْ جَمِيعًا وَمَصَادِرُهُمْ شَتَّى ، فَقَالَ : إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ جُبِرَ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ جُبِرَ ثَلَاثًا ) رواه أحمد بهذا النص ، ورواته ثقات ، إلا واحدا وثقه البعض وضعفه آخرون .
بداية ظهور المهدي ستكون في مكة بإذن الله ، وفور معرفته تسارع قلة من تلك القلة ، لمبايعته على الإمارة ، فيلجأ إلى الحرم تهرّبا ويعتصم به . ويظهر أمره شيئا فشيئا ، فيُبعث إليه بجيش يغزو الكعبة ، فيخسف به في الصحراء ما بين المدينة ومكة .
هذه الأحاديث الثلاثة متوافقة من حيث النص والمضمون ، غير أن الحديث الثالث ، أضاف عبارة توضّح مخرج ذلك الجيش . ومع أن أحد الرواة ضعفه ، إلا أن تلك الإضافة ( من قبل الشام ) تتفق والتفسير المنطقي ، للأحداث الموصوفة في جملة أحاديث هذا الفصل .
لنخلص إلى ما يلي :
1. أن جيشا سيغزو مكة .
2. وهذا الجيش من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، ويعجب رسول الله ويحق له العجب ، فما آل إليه أمر أمة الإسلام هذه الأيام ، يثير ما هو أكثر من العجب والشفقة ، حتى في نفوس أعدائنا .
3. ومقصد هذا الجيش رجل من قريش يلجأ إلى الحرم ، وغايته وأد بؤرة الخلافة الإسلامية في مهدها ، خوفا من أن تزلزل أركان عبدة الحياة الدنيا .
4. يُخسف بهذا الجيش في الصحراء قبل وصوله إلى مكة .
5. ومخرج هذا الجيش من قبل الشام ؟!
عمران بيت المقدس يعقبه خراب المدينة المنورة :
عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عُمْرَانُ بَيْتِ المَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ مَنْكِبِهِ ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا ، أَوْ كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ يَعْنِي مُعَاذًا ) . رواه أبو داود ، وأخرجه أحمد ، وصححه الألباني .
تعمر بيت المقدس في آخر الزمان ، برجوعها إلى الحكم العربي ، واتخاذها عاصمة للحكم ، فيرسل حاكمها جيش إلى الكعبة ، عند ظهور أمر المهدي ، فيخرب المدينة المنوّرة في طريقه إلى مكة ، ومن ثم يُخسف بجيشه ، قبل أن يصلها بالقرب من ذي الحليفة ، وهي ميقات إحرام أهل المدينة ، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، وبينها وبين مكة مسيرة عشرة أيام .
المهدي لا يغزو العراق وبلاد الشام :
عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ ، قال : قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ ، قَالَ : فَقَالَ نَافِعٌ : يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ ) رواه مسلم وابن ماجه وأحمد ، وصححه الألباني .
وتجمع جزيرة العرب لقتال المهدي وصحبه ، فيغزونها فيفتحها الله فتدين لهم ، ومن ثم يخرجون إلى إيران فيفتحها الله فتدين لهم ، ومن ثم يغزون الروم فيفتحها الله ، ومن ثم يخرج الدجال ، فيغزونه بمعية عيسى عليه السلام ، فيفتحه الله .
ولو تدبرت هذا الحديث ، ستجد أن البلدان التي سيغزوها المهدي ، عندما يمسك بزمام الأمور ، هي بالترتيب ؛ أولا : جَزِيرَةَ الْعَرَبِ ثانيا : فَارِسَ أي إيران ، ثالثا : الرُّومَ أي روسيا وأوروبا الشرقية ، رابعا : الدَّجَّالَ ، والملاحظ في هذا الحديث ، عدم ورود ذكر فتح بلاد الشام والعراق ، التي لا بد للمهدي من المرور بها ، عند خروجه لفتح فارس ، ولفتح الروم الذين سيُلاقونه بالقرب من مدينة دمشق .
فلو كانت دولة إسرائيل قائمة في فلسطين ، أليس من الأحرى بالمهدي ومن معه تحريرها ، فور خروجه من جزيرة العرب ؟!
يظهر بوضوح في هذا الحديث ، أن كل واحد من هذه الأمور ، أمارة لوقوع ما بعده ، كما هو الحال في الحديث السابق ، وكل منهما يتقاطع مع الآخر في نقطتين ، هما ؛ أولا : غزو الروم ويقابلها خروج الملحمة ، وثانيا : غزو الدجال ويقابلها خروج الدجال ، ويضيف الحديث الأول ثلاثة أحداث ، هي عمران بيت المقدس ، وخراب يثرب ، وفتح القسطنطينية .
حتمية نزول الخلافة في بيت المقدس :
عن ابْنُ حَوَالَةَ عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ، فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ ، مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ ) رواه أحمد ، وأخرجه أبو داود والحاكم ، وصححه الألباني .
عند خروج المهدي إلى بلاد الشام ، سيتخذ القدس عاصمة لخلافته ، تنعم الأمة الإسلامية خلال سنوات حكمه ، بإقامة الحق والعدل ورفع الظلم والجور عن أمة الإسلام .
نستخلص من هذا الحديث ما يلي :
1. لا بد للخلافة من النزول في بيت المقدس آخر الزمان .
2. ونزولها هناك يعني بدء ظهور الفتن والكوارث الطبيعية ، ومن ثم علامات الساعة الكبرى ، بداية بظهور الدجال ، ونزول عيسى عليه السلام ، في نهاية حكم المهدي .
3. وهنا لا بد لنا من أن نشير ، إلى أن عبارة ( نزول الخلافة ) ، ربما تشمل الحكم العربي للقدس ، الذي تكثر فيه الفتن والحروب والاقتتال ، والموصوف بالظلم والجور ، قبل ظهور المهدي .
نطق الحجر والشجر :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ : يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ) . رواه مسلم وأحمد بنفس النص ، وصححه الألباني ، وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه ، بنصوص أخرى .
هذا الحديث روي بعدة نصوص ، وهذا النص أشهرها وأكثرها تداولا بين العامة ، أما نطق الحجر والشجر ، فهو أمر خارج عن المألوف والعادة ، ولا يُعقل أن تحصل تلك المعجزة في آخر الزمان ، قبل بدء ظهور أشراط الساعة الكبرى على الأقل ، حتى بظهور المهدي . فنطق الحجر والشجر ، أكثر إعجازا من نطق عيسى عليه السلام في المهد صبيا . فمن المنطقي ألا يحدث هذا الأمر ، قبل ظهور الأحداث غير المألوفة للناس ، كأشراط الساعة الكبرى . ومن الأرجح أن يتزامن هذا الحدث ، مع وجود عيسى عليه السلام ، لكي يستقيم الأمر ، فالمعجزات غالبا ما تأتي على أيدي الرسل ، وهذا ما تؤيده سورة الإسراء .
أما عبارة ( شرقيّ النهر وهم غربيه ) فلا أساس لها من الصحة ، إذ لم أجد لها أصلا ، في أي من كتب الحديث على اختلافها وكثرتها ، لا في صحيحها ولا في ضعيفها . ولا تعدو أكثر من كونها ، عبارة أضيفت إلى الحديث من قبل العامة ، بعد قيام دولة إسرائيل المعاصرة غربيّ النهر . وبالرغم من ذلك ، يُصرّ البعض على أنها موجودة في الأحاديث الضعيفة . أما الزمن الفعلي المتوقع لتحقق هذه النبوءة ، هو وقت نزول عيسى عليه السلام ، وهرب الدجال ومن معه من اليهود إلى فلسطين ، حيث يُقتل على أبواب القدس .
خلاصة القول :
وبناءا على ما تقدم ، نقول أن زوال دولة إسرائيل أمر حتمي ، يتبعه زوال حلفائها من الغرب بالضرورة ، قبل ظهور خلافة المهدي ، وأن من سيقوم بتحريرها هو جيش عربي ، وأن صاحب هذا الجيش سيتخذ مدينة القدس عاصمة لملكه ، ومن ثم تدين له بلاد الشام والعراق ، وأن فترة حكمه أو حكم من يخلفه ، ستكون حافلة بالظلم والجور ، وعند ظهور أمر المهدي في مكة ، يبعث حاكم مدينة القدس جيشا إلى الجزيرة ، لا قبل للمهدي وجماعته به ، فيُخرب المدينة المنورة ، لدى مروره بها متجها إلى مكة ، فيخسف الله بهم الأرض .
وآنذاك يظهر أمر المهدي ، فيهب إلى قتاله من رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، خوفا من عودة دين أكل الزمان عليه وشرب ، يدعوا إلى إخراجهم من غيّهم وضلالهم ، وحرمانهم مما يتلذّذون به من الشهوات والحرمات ، التي استحلّوها واستباحوها في هذا العصر ، فاستعبدتهم فلا فكاك لهم منها ، ولا يرضون عنها بديلا .
فتكون أولى مواجهات المهدي ، مع جيش آخر ، يُجمع له من جزيرة العرب ، فينتصر عليهم حربا ، وبعد أن يستتب له أمر الجزيرة يخرج إلى أهل الشام . فيتسلم مقاليد الحكم فيها تسليما عن طيب خاطر ، أو استسلاما خوفا ورهبة ، ويتخّذ مدينة القدس عاصمة لخلافته ، ومن ثم يخرج إلى إيران فيفتحها ، ويعود إلى بلاد الشام .
ومن ثم تكون الروم ( نصارى الشرق ) قد جمعت جيشا عرمرما ، قوامه قرابة المليون نفر ، فيخرج لملاقاتهها ، فتقع الملحمة الكبرى الفاصلة بين الحق والباطل ، بالقرب من دمشق ، فيكون النصر في النهاية ، حليف المهدي ومن معه من المسلمين . ومن ثم يخرج إلى القسطنطينية ( استنبول ) ، فيفتحها بالتهليل والتكبير من غير قتال ، وقريبا من نهاية حكمه يخرج الدجال ، فيعيث في الأرض فتنة وفسادا ، ويُحصر المهدي وصحبه في الشام ، فينزل عيسى عليه السلام ، فيهرب الدجال ومن تبعه من اليهود إلى القدس ، وهناك يلحقون به فيقتله عليه السلام ، ويتولى المسلمون أمر البقية الباقية من اليهود ، فينطق الحجر والشجر ، فيبيدوهم عن بكرة أبيهم ، بإذن الله ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، والله أعلم .
هذا ما سيكون من أمر المهدي ، بإذن الله ، قدّمناه بشكل مختصر وموجز ، تناولنا فيه بعضا من سيرة المهدي ، التي تعرضت لفتوحاته آخر الزمان ، مستندين إلى ما أوردناه من أحاديث صحيحة ، آخذين بعين الاعتبار ، أحاديث صحيحة أخرى ، لم يتسع المقام لإيرادها .
أما موضوع هذا الكتاب ، فهو يبحث إجمالا ، في حدثين عظيمين مفاجئين ، قبل ظهور المهدي ، وفي وقت قريب جدا جدا ، وهما ؛ أولا : نهاية الدولة اليهودية واختفائها إلى الأبد ، ثانيا : انهيار الحضارة الغربية العملاقة ومظاهرها المختلفة واختفائها إلى الأبد .
ما ستجده في ثنايا هذا الكتاب :
ـ الإجابة على التساؤلات المطروحة على صفحة الغلاف ، فيما يتعلق بالدولة اليهودية ، ومصيرها ومصير اليهود .
ـ الإجابة على كثير من التساؤلات التي تدور في أذهان الناس ، وتوضيح كثير من القضايا الخلافية التاريخية ، فيما يخص تاريخ وجغرافيا بني إسرائيل ، منذ نشأتهم الأولى حتى قيام الساعة ، وخاصة فيما يتعلق بتواجدهم في فلسطين .
ـ استقراء وتحليل ما جرى ويجري على أرض الواقع ، في منطقتنا والعالم من حولنا .
ـ فهم حقيقة الصراع الدائر بين الغرب والشرق ، وحقيقة العداء الغربي للأمة العربية والإسلامية ، والذي بلغ أشدّه في العقود الأخيرة .
ـ تفسيرات منطقية للأحداث المستقبلية ، مدعّمة بالشواهد والأدلة من القرآن والسنة والتوراة والإنجيل والواقع ، ووضعها ضمن سياق زمني منطقي .

مختصر لمجمل أقوال المفسرين
قبل أن نبدأ في الإبحار ، في معاني ومقاصد آيات سورة الإسراء ، سنتجول قليلا ، في بعض كتب قدماء المفسّرين ، لنستعرض مجمل تفسيراتهم ، لهذه الآيات ، ومجمل ما أوروده من روايات وآثار ، عن الإفساد والعلو في الأرض ، ووعديّ الأولى والآخرة ، ومن هؤلاء المفسرين : القرطبي وابن كثير والطبري والبيضاوي ، والبغوي والنحاس والثعالبي ، وأبي السعود والشوكاني وابن الجوزي ، والسيوطي والنسفي والألوسي .
تعريف بسورة الإسراء :
قال الألوسي في تفسيره : " سورة بني إسرائيل ، ( وهو الإسم التوقيفي لها ) وتسمى الإسراء وسبحان أيضا ، وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير ، رضي الله تعالى عنهم مكية ، وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أنه قال : (( إن التوراة كلها في خمس عشرة آية ، من سورة بني إسرائيل ، وذكر تعالى فيها عصيانهم وإفسادهم ، وتخريب مسجدهم واستفزازهم النبي ، وإرادتهم إخراجه من المدينة ، وسؤالهم إياه عن الروح ، ثم ختمها جل شأنه ، بآيات موسى عليه السلام التسع ، وخطابه مع فرعون ، وأخبر تعالى أن فرعون أراد أن يستفزهم من الأرض ، فأهلك وورث بنو إسرائيل من بعده ، وفي ذلك تعريض بهم ، أنهم سينالهم ما نال فرعون ، حيث أرادوا بالنبي ، ما أراد فرعون بموسى عليه السلام وأصحابه ، ولما كانت هذه السورة ، مصدرة بقصة تخريب المسجد الأقصى ، افتتحت بذكر إسراء المصطفى تشريفا له – أي المسجد الأقصى - بحلول ركابه الشريف فيه ، جبرا لما وقع من تخريبه )) " .
الآيات :
قال تعالى ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَــابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7 ) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8 ) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا (11) … وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12 الإسراء )
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ : وأوحينا إليهم في التوراة ، وحيا مقضيا مبتوتا .
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ : لتفسدن في الأرض ، جواب قسم محذوف ، والمراد بالأرض الجنس ، أو أرض الشام وبيت المقدس ، ومرتين إفسادتين .
وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا : ولتستكبرن عن طاعة الله ، من قوله أن فرعون علا في الأرض ، والمراد به البغي والظلم والغلبة ، لتستكبرن عن طاعة الله تعالى ، أو لتغلبن الناس بالظلم والعدوان ، وتفرطن في ذلك إفراطا مجاوزا للحد ، وأصل معنى العلو الارتفاع ، وهو ضد السفل وتجوّز به عن التكبر ، والاستيلاء على وجه الظلم .
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا : والوعد بمعنى الموعود ، مراد به العقاب ، وفي الكلام تقدير ، أي فإذا حان وقت حلول العقاب الموعود ، وقيل الوعد بمعنى الوعيد ، وفيه تقدير أيضا ، وقيل بمعنى الوعد الذي يراد به الوقت ، أي فإذا حان موعد عقاب أولى الإفسادتين .
بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا : البعث بالتخلية وعدم المنع ( البيضاوي ) ، وقال الزمخشري : " خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم وفيه دسيسة اعتزال " ، وقال ابن عطية : " يحتمل أن يكون الله تعالى ، أرسل إلى ملك أولئك العباد رسولا ، يأمره بغزو بني إسرائيل ، فتكون البعثة بأمر منه تعالى " .
أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ : ذوي قوة وبطش في الحروب ، والبأس والبأساء في النكاية ، ومن هنا قيل ، إن وصف البأس بالشديد مبالغة .
فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ : قال الجوهري " الجوس مصدر ، وقولك جاسوا خلال الديار ، أى تخللوها كما يجوس الرجل للأخبار أى يطلبها " ، أي عاثوا وافسدوا وقتلوا وتخللوا الأزقة بلغة جذام ، بمعنى الغلبة والدخول قهرا ، وقال الزجاج : " طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي احد لم يقتلوه "، والجوس طلب الشيء باستقصاء ، وقال الألوسي : " والجمهور على أن في هذه البعثة ، خرب هؤلاء العباد بيت المقدس ، ووقع القتل الذريع والجلاء والأسر في بني إسرائيل ، وحرقت التوراة " .
وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا : قضاء كائنا لا خلف فيه ، وكان وعد عقابهم لا بد أن يفعل ، أي لا بد من كونه ، مقضيا أي مفروغ منه .
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ : ثم للعطف ، وتفيد التراخي في الزمن ، يقول الألوسي " جعل رَدَدَنا ، موضع نَرُدُّ ، فعبر عن المستقبل بالماضي " ، ويُضيف في تفسير قوله تعالى ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ، أي رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فلهم أجر غير ممنون بعد البعث والجزاء " ، وهذه الكرة بعد الجلوة الأولى ، أي الرجعة والدولة والغلبة ، على الذين بُعثوا عليكم .
وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ : أعطاهم الله الأموال والأولاد .
وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا : والنفير أي القوم الذين يجتمعون ، ليصيروا إلى أعدائهم فيحاربوهم ، وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو ، أي أكثر رجالا من عدوكم ، والنفير من ينفر مع الرجل من عشيرته .
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا : وهذا الخطاب قيل أنه لبني إسرائيل الملابثين ، لما ذكر فى هذه الآيات ، وقيل لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعناه إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك ، وأن إحسان الأعمال وإساءتها مختص بهم ، والآية تضمنت ذلك ، وفيها من الترغيب بالإحسان ، والترهيب من الإساءة ، ما لا يخفى فتأمل .
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ : أى حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الآخرة ، وجواب إذا محذوف تقديره بعثناهم لدلالة جواب إذا الأولى عليه ، فالظاهر فإذا جاء وإذا جاء للدلالة ، على أن مجيء وعد عقاب المرة الآخرة ، لم يتراخ عن كثرتهم واجتماعهم ، دلالة على شدة شكيمتهم في كفران النعم ، وأنهم كلما ازدادوا عددا وعدة ، زادوا عدوانا وعزة ، إلى أن تكاملت أسباب الثروة والكثرة ، فاجأهم الله عز وجل على الغرّة ، نعوذ بالله سبحانه من مباغتة عذابه .
لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ : اللام لام كي ، وليسوءوا متعلق بفعل حُذف لدلالة ما سبق عليه ، وهو جواب إذا ، أي بعثناهم ليسوءوا وجوهكم ، أي ليجعل العباد المبعوثون ، آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم ، إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن .
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ : اللام لام كي ، والضمير للعباد أولى البأس الشديد ، والمسجد مسجد بيت المقدس ، قال الألوسي : " فإن المراد به بيت المقدس ، وداود عليه السلام ابتدأ بنيانه ، بعد قتل جالوت وإيتائه النبوة ، ولم يتمّه ، وأتمّه سليمان عليه السلام ، فلم يكن قبل داود عليه السلام مسجد حتى يدخلوه أول مرة ، ودفع بأن حقيقة المسجد الأرض لا البناء ، أو يحمل قوله تعالى دخلوه على الاستخدام ، والحق أن المسجد كان موجودا ، قبل داود عليه السلام كما قدمنا " .
كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ : كما دخلوه أي دخولا كائنا ، كدخولهم إياه أول مرة ، قال الألوسي: " والمراد من التشبيه أنهم يدخلونه بالسيف والقهر والغلبة والإذلال ، وفيه أيضا أن هذا يبعد قول ، من ذهب إلى أن أولى المرتين ، لم يكن فيها قتال ولا قتل ولا نهب " .
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا : أي ليدمروا ويخربوا والتبار الهلاك ، وليتبروا أي يدمّروا ويهلكوا ما غلبوا عليه من بلادكم ، أو مدة علوهم ، أي ما علوا عليه من الأقطار وملكوه من البلاد ، وقيل ما ظرفية والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد ، تتبيرا أي تدميرا ، ذُكرَ المصدر إزالة للشك وتحقيقا للخبر ، ما علوا مفعول لتبروا ، أي ليُهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ، أو بمعنى مدة علوهم .
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ : لبقية بني إسرائيل عسى ربكم ، إن أطعتم في أنفسكم واستقمتم أن يرحمكم ، وهذه العودة ليست برجوع دولة ، وإنما هي بأن يرحم المطيع منهم ، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد عليهما السلام .
( ذلك لأن المتقدمين من المفسرين اعتبروا أن تحصّل المرتين ، كان قبل بعثهما عليهما السلام ) .
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا : وإن عدتم للإفساد بعد الذي تقدم ، عدنا عليكم بالعقوبة فعاقبناكم في الدنيا ، بمثل ما عاقبناكم به في المرتين .
وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا : أي محبوسون في جهنم لا يتخلصون منها .
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ : أي إلى الطريقة التي هي أصوب ، وقيل الكلمة التي هي أعدل .
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا : أي يُبشّر بما اشتمل عليه من الوعد بالخير ، آجلا وعاجلا للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، ويراد بالتبشير مطلق الإخبار ، أو يكون المراد منه معناه الحقيقي ، ويكون الكلام مشتملا على تبشير المؤمنين ببشارتين ، الأولى ما لهم من الثواب ، والثانية ما لأعدائهم من العقاب .
وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)
وهو عذاب جهنم ، أي أعددنا وهيأنا لهم ، فيما كفروا به وأنكروا وجوده من الآخرة ، عذابا مؤلما وهو أبلغ من الزجر ، لما أن إتيان العذاب من حيث لا يحتسب أفظع وأفجع ، ولعل أهل الكتاب داخلون في هذا الحكم ، لأنهم لا يقولون بالجزاء الجسماني ، ويعتقدون في الآخرة أشياء لا أصل لها ، فلم يؤمنوا بالآخرة وأحكامها المشروحة ، في هذا القرآن حقيقة الإيمان ، والعطف على أن لهم أجرا كبيرا ، فيكون إعداد العذاب الأليم ، للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا به ، كثبوت الأجر الكبير للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، ومصيبة العدو سرور يُبشّر به ، فكأنه قيل يبشر المؤمنين بثوابهم وعقاب أعدائهم ، ويجوز أن تكون البشارة مجازا مرسلا ، بمعنى مطلق الأخبار الشامل للأخبار بما فيه سرور للمؤمنين .
وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا (11)
وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ : ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه بالشر ، فيقول عند الغضب : اللهم العنه وأهلكه ونحوهما .
دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ : أي كدعائه ربه بالخير ، أن يهب له النعمة والعافية ، ولو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك ، ولكن الله لا يستجيب بفضله .
وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا : بالدعاء على ما يكره أن يُستجاب له فيه ، قاله جماعة من أهل التفسير ، وقال ابن عباس : ضجرا لا صبر له على السراء والضراء .
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) :
أي كل ما تفتقرون إليه فى أمر دينكم ودنياكم ، فصلناه تفصيلا : بيناه تبينا لا يلتبس معه بغيره ، أي بيناه بيانا غير ملتبس ، فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا .
أقوال المفسرين في المبعوثين أولا وثانيا
من تفسير القرطبي :
" بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ، هم أهل بابل ، وكان عليهم بختنصر في المرة الأولى ، حين كذبوا إرمياء وجرحوه وحبسوه ، قاله ابن عباس وغيره ، وقال قتادة : أرسل عليهم جالوت فقتلهم ، فهو وقومه أولوا بأس شديد ، وقال مجاهد : جاءهم جند من فارس ، يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر ، فوعى حديثهم من بين أصحابه ، ثم رجعوا إلى فارس ولم يكن قتال ، وهذا في المرة الأولى فكان منهم جوس خلال الديار لا قتل ، ذكره القشيري أبو نصر ، وذكر المهدوي : عن مجاهد أنه جاءهم بختنصر ، فهزمه بنو إسرائيل ثم جاءهم ثانية ، فقتلهم ودمرهم تدميرا ، ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد ذكره النحاس ، وقال محمد بن إسحاق في خبر فيه طول : إن المهزوم سنحاريب ملك بابل ، جاء ومعه ستمائة ألف راية تحت كل راية ألف فارس ، فنزل حول بيت المقدس فهزمه الله تعالى ، فرجعوا إلى بابل ، ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين ، واستخلف بختنصر وعظمت الأحداث في بني إسرائيل ، واستحلوا المحارم وقتلوا نبيهم شعيا ، فجاءهم بختنصر ودخل هو وجنوده بيت المقدس ، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، وقال ابن عباس وابن مسعود : أول الفساد قتل زكريا ، وقال ابن إسحاق : فسادهم في المرة الأولى قتل شعيا نبي الله في الشجرة ، وذكر ابن إسحاق : أن بعض العلماء ، أخبره أن زكريا مات موتا ، ولم يقتل وإنما المقتول شعيا ، وقال سعيد بن جبير : في قوله تعالى ( ثم بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار ) هو سنحاريب من أهل نينوى بالموصل ملك بابل ، وهذا خلاف ما قال ابن إسحاق ، فالله أعلم وقيل : إنهم العمالقة وكانوا كفارا قاله الحسن .
من تفسير ابن كثير :
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف ، في هؤلاء المسلطين عليهم من هم ، فعن ابن عباس وقتادة : أنه جالوت الجزري وجنوده ، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك ، وقتل داود جالوت ، ولهذا قال ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ) الآية ، وعن سعيد بن جبير : أنه ملك الموصل سنحاريب وجنوده ، وعنه أيضا وعن غيره : أنه بختنصر ملك بابل ، وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية ، لم أر تطويل الكتاب بذكرها ، لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم ، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا ، ونحن في غنية عنها ولله الحمد ، وفيما قص الله علينا في كتابه غنية ، عما سواه من بقية الكتب قبله ، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم ، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم ، فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم ، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا ، وما ربك بظلام للعبيد ، فإنهم كانوا قد تمردوا ، وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء ، وقد روى ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت سعيد بن المسيب ، يقول : ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم ، ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا ، فسألهم ما هذا الدم ؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا ، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر ، قال : فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم ، فسكن وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب ، وهذا هو المشهور وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم ، حتى أنه لم يبق من يحفظ التوراة ، وأخذ معه منهم خلقا كثيرا أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم ، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها ، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه ، لجاز كتابته وروايته والله أعلم .
من تفسير الطبري :
فكان أول الفسادين قتل زكريا ، فبعث الله عليهم ملك النبط ، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم ، ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط ، فأصابوا منهم واستنقذوا ما في أيديهم ، قال ابن زيد : كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين ، قتل زكريا ويحيى بن زكريا ، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ، ملكا من ملوك النبط في الأولى ، وسلط عليهم بختنصر في الثانية .
عن حذيفة بن اليمان ، يقول : قال رسول الله : إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعلوا وقتلوا الأنبياء ، بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر ، وكان الله قد ملّكه سبع مئة سنة ، فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس ، فحاصرها وفتحها ، وقتل علي دم زكريا سبعين ألفا ، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء ، وسلب حليّ بيت المقدس ، واستخرج منها سبعين ألفا ومئة ألف عجلة من حليّ ، حتى أورده بابل ، قال حذيفة : فقلت يا رسول الله ، لقد كان بيت المقدس عظيما عند الله ، قال : أجل بناه سليمان بن داود ، من ذهب ودر وياقوت وزبرجد ، وكان بلاطه بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة وعمده ذهبا ، أعطاه الله ذلك ، وسخر له الشياطين ، يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين ، فسار بختنصر بهذه الأشياء ، حتى نزل بها بابل ، فأقام بنوا إسرائيل في يديه مئة سنة ، تعذبهم المجوس وأبناء المجوس ، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء ، ثم إن الله رحمهم ، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس ، يقال له كورش وكان مؤمنا ، أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم ، فسار كورش ببني إسرائيل وحلي بيت المقدس ، حتى رده إليه فأقام بنوا إسرائيل مطيعين لله مئة سنة ، ثم إنهم عادوا في المعاصي ، فسلط الله عليهم ابطيانحوس ، فغزا بأبناء من غزا مع بختنصر ، فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس ، فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس ، وقال لهم يا بني إسرائيل ، إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء ، فعادوا في المعاصي ، فسيّر الله عليهم السباء الثالث ملك رومية ، يقال له قاقس بن إسبايوس ، فغزاهم في البر والبحر ، فسباهم وسبى حلي بيت المقدس ، وأحرق بيت المقدس بالنيران ، فقال رسول الله : هذا من صنعة حلي بيت المقدس ، ويرده المهدي إلى بيت المقدس ، وهو ألف سفينة وسبع مئة سفينة ، يرسى بها على يافا ، حتى تنقل إلى بيت المقدس ، وبها يجمع الله الأولين والآخرين " .
ثم اختلف أهل التأويل ، في الذين عنى الله بقوله أولي بأس شديد ، فيما كان من فعلهم ، في المرة الأولى في بني إسرائيل ، حين بعثوا عليهم ، ومن الذين بعث عليهم في المرة الآخرة ، وما كان من صنعهم بهم ، فقال بعضهم : كان الذي بعث الله عليهم في المرة الأولى جالوت ، وهو من أهل الجزيرة ، وفيما روي عن ابن عباس قوله : بعث الله عليهم جالوت ، فجاس خلال ديارهم ، وضرب عليهم الخراج والذل ، فسألوا الله أن يبعث لهم ملكا ، يقاتلون في سبيل الله فبعث الله طالوت ، فقاتلوا جالوت فنصر الله بني إسرائيل ، وقتل جالوت بيدي داود ، ورجع الله إلى بني إسرائيل مُلكهم ، وقال آخرون : بل بعث عليهم في المرة الأولى سنحاريب ، وفيما روي عن سعيد بن المسيب يقول : ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم ، وقال آخرون : يعني بذلك قوما من أهل فارس ، قالوا : ولم يكن في المرة الأولى قتال ، ( ثم رددنا لكم … ) وفي قول ابن عباس ، الذي رواه عطية عنه ، هي إدالة الله إياهم من عدوهم جالوت حتى قتلوه ، وكان مجيء وعد المرة الآخرة عند قتلهم يحيى ، بعث عليهم بختنصر ، وخرّب بيت المقدس ، وأمر به أن تطرح فيه الجيف ، وأعانه على خرابه الروم ، فلما خربه ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم ، وذهب بدانيال وعليا وعزاريا وميشائيل ، وهؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء .
وفيما روي عن سعيد بن جبير ، قال : بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب ، قال : فردّ الله لهم الكرة عليهم كما أخبر ، قال : ثم عصوا ربهم ، وعادوا لما نهوا عنه ، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر ، فقتل المقاتلة وسبى الذرية ، وأخذ ما وجد من الأموال ، ودخلوا بيت المقدس ، كما قال الله عز وجل ، ودخلوه فتبّروه وخرّبوه ، فرحمهم فردّ إليهم ملكهم ، وخلّص من كان في أيديهم من ذرية بني إسرائيل ، وعن مجاهد قال : بعث الله ملك فارس ببابل جيشا ، وأمر عليهم بختنصر ، فأتوا بني إسرائيل فدمروهم فكانت هذه الآخرة ووعدها . وعن قتادة قوله : فبعث الله عليهم في الآخرة ، بختنصر المجوسي البابلي ، أبغض خلق الله إليه ، فسبا وقتل وخرّب بيت المقدس ، وسامهم سوء العذاب ، وفيما روي عن ابن عباس قال : فلما أفسدوا ، بعث الله عليهم في المرة الآخرة ، بختنصر فخرب المساجد " .
من تفسير البغوي :
قال قتادة : إفسادهم في المرة الأولى ، ما خالفوا من أحكام التوراة وركبوا المحارم ، وقال ابن إسحاق : إفسادهم في المرة الأولى قتل إشعياء في الشجرة وارتكابهم المعاصي ، ( بعثنا عليكم عبادا لنا ) ، قال قتادة : يعني جالوت الجزري وجنوده ، وهو الذي قتله داود ، وقال سعيد بن جبير : يعني سنحاريب من أهل نينوى ، وقال ابن إسحاق : بختنصر البابلي وأصحابه ، وهو الأظهر ، ( فإذا جاء وعد الآخرة ) وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام ، حين رفع ، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فسلط عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس ، حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم .
من تفسير الشوكاني :
والمرة الأولى ، قتل شعياء ، أو حبس أرمياء ، أو مخالفة أحكام التوراة ، والثانية قتل يحيى بن زكريا ، والعزم على قتل عيسى ، ( عبادا لنا ) قيل هو بختنصر وجنوده ، وقيل جالوت ، وقيل جند من فارس ، وقيل جند من بابل ، والمرة الآخرة ، هى قتلهم يحيى ابن زكريا ، ( وإن عدتم ) قال أهل السير ، ثم إنهم عادوا إلى ما لا ينبغي ، وهو تكذيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكتمان ما ورد من بعثه فى التوراة والإنجيل ، فعاد الله إلى عقوبتهم على أيدي العرب ، فجرى على بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر ، ما جرى من القتل والسبي ، والإجلاء وضرب الجزية ، على من بقي منهم ، وضرب الذلة والمسكنة .
من تفسير الألوسي :
واختلف في تعيين هؤلاء العباد في إفسادهم الأول ، فعن ابن عباس وقتادة ، هم جالوت الجزري وجنوده ، وقال ابن جبير وابن إسحاق هم سنحاريب ملك بابل وجنوده ، وقيل هم العمالقة ، وفي الأعلام للسهيلي ، هم بختنصر عامل لهراسف ، أحد ملوك الفرس الكيانية ، على بابل والروم وجنوده ، بعثوا عليهم حين كذبوا أرميا وجرحوه وحبسوه ، قيل وهو الحق .
واختلف في تعيين هؤلاء العباد المبعوثين ، بعد أن ذكروا قتل يحيى عليه السلام في إفسادهم الأخير ، فقال غير واحد إنهم بختنصر وجنوده ، وتعقبه السهيلي وقال بأنه لا يصح ، لأن قتل يحيى بعد رفع عيسى عليهما السلام ، وبختنصر كان قبل عيسى عليه السلام بزمن طويل ، وقيل الاسكندر وجنوده ، وتعقبه أيضا وقال : بأن بين الاسكندر وعيسى عليه السلام نحوا من ثلاثمائة سنة ، ثم قال لكنه إذا قيل إن إفسادهم في المرة الأخيرة بقتل شعيا ، جاز أن يكون المبعوث عليهم بختنصر ومن معه ، لأنه كان حينئذ حيا ، والذي ذهب إليه اليهود ، أن المبعوث أولا بختنصر ، وكان في زمن آرميا عليه السلام ، وقد أنذرهم مجيئه صريحا ، بعد أن نهاهم عن الفساد وعبادة الأصنام ، كما نطق به كتابه ، فحبسوه في بئر وجرحوه ، وكان تخريبه لبيت المقدس ، في السنة التاسعة عشر من حكمه ، وبين ذلك وهبوط آدم ثلاثة آلاف وثلثمائة وثماني وثلاثين سنة ، وبقي خرابا سبعين سنة ، ثم إن أسبيانوس قيصر الروم ، وجّه وزيره طيطوس إلى خرابه ، فخربه سنة ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين ، فيكون بين البعثين عندهم أربعمائة وتسعون سنة ، وتفصيل الكلام في ذلك في كتبهم ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
وقال الألوسي : " ونعم ما قيل إن معرفة الأقوام المبعوثين ، بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوه ، مما لا يتعلق به كبير غرض ، إذ المقصود أنه لما كثرت معاصيهم ، سلط الله تعالى عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى ، وظاهر الآيات يقتضي اتحاد المبعوثين أولا وثانيا "
ونقول : نتفق مع الألوسي في بعض ما ذهب إليه ، ونختلف معه في التقليل من شأن المبعوثين ، التي ما أخبر بها سبحانه ، في كتابه العزيز إلّا لكبير غرض ، وهو إثبات أن هذا القران من لدن علّام الغيوب ، لمن هم في شك يلعبون من المسلمين وغيرهم ، فهذه النبوءة تحكي واقعا نعاصره الآن ، بكل تفاصيله ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) ومعرفة وتحديد المرتين ، أمر في غاية الأهمية . مع أن عبارته الأخيرة – رحمه الله - في النص السابق ، التي أكد فيها " اتحاد المبعوثين أولا وثانيا " ، وهو المفسّر الوحيد من القدماء ، الذي أشار صراحة إلى هذا الأمر ، أعطتني دفعة كبيرة للمضي قدما في هذا البحث ، حيث كنت قد تتبعت الضمائر الواردة في الآيات ، وتأكدت من هذا الأمر في بداية البحث ، فقد أيّدت هذه العبارة ، جانبا من الأفكار التي كنت أحملها ، فيما يتعلق بهذه النبوءة ، بعدما تبيّن لي من خلال الأحاديث النبوية ، التي ذكرتها في بداية البحث ، أنّ فناء دولة إسرائيل ، سيكون قبل قيام الخلافة الإسلامية ، التي ما زال عامة المسلمين ، ينتظرون ويأملون قيامها ، للقضاء عليهم وإنهاء وجودهم . وبما أن المبعوثين عليهم أولا وثانيا متحدين ، فذلك يعني أن معرفتنا لمن بُعث عليهم أولا ، ستقودنا بالضرورة لمعرفة من سيبعث عليهم ثانيا ، وثالثا للكشف عن الكثير مما أحاط هذه النبوءة من غموض ، كان سببا في كثير من التفسيرات المغلوطة ، التي أوقعت أُناس هذا العصر ، في الحيرة والارتباك .
كان هذا عرضا لمجمل ما قاله المفسرين ، أجلّهم الله ورحمهم جميعا ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أحدا منهم ، لم يعاصر قيام دولة اليهود للمرة الثانية ، وكان أكثرهم حداثة ، هو الألوسي الذي توفي سنة 1227 هجري ، والملاحظ من أقوالهم ، أنهم أجمعوا على أن تحقّق المرتين ، كان قبل الإسلام ، ونسبة إحدى المرتين ، إلى البابليين وبقيادة بختنصر ( نبوخذ نصر ) على الأغلب ، وهو الحدث المشهور تاريخيا بما يُسمّى ( السبي البابلي ) .
ومعظم ما تقدّم من روايات هي أخبار موقوفة ، على أصحابها ، وأصلها أهل التوراة ، حيث أنها المصدر الوحيد لمثل هذه الروايات ، ، فامتلأت التفاسير منها ، وهي ليست مما يُرجع إليه من الأحكام ، التي يجب بها العمل ، فتُتحرى في صحتها أو كذبها ، لذلك تساهل كثير من المفسرون في نقلها ، وهي في بعض منها أقرب إلى الخرافة .
أمّا المعاصرين من المفسّرين ، فقد أعاد أغلبهم نسخ أقوال القدماء بشكل مختصر ، وأضافوها إلى كتبهم ، ولم يأتوا بجديد إلا واحدا ، هو الشيخ سعيد حوى رحمه الله ، حيث أعلمني أحد الزملاء بذلك ، عندما عرضت عليه بعض نتائج هذا البحث ، فقال لي بأن إحدى النتائج التي خرجت بها ، كان الشيخ قد أوردها في تفسيره ، وقد اطّلعت على تفسيره لهذه الآيات مؤخرا ، فوجدت بأن الشيخ ، قدّمها كاحتمال موسوم بالشك ، ولكنا نطرحها على وجه اليقين ، الذي لا يُخالطه شك ، بإذن الله .
أما أناس هذه الأيام ، ممن علم أو لم يعلم ، فقد جاءوا بتفسيرات وأقوال شتى في هذه الآيات ، منها ما وافق تفسيرات القدماء وأقوالهم من جانب ، وخالفها في جوانب آخرى ، ومنها ما خالفها جملة وتفصيلا .
بعض من أسباب الاضطراب والارتباك ، في تفسير آيات سورة الإسراء ؟
1. هجر القرآن
القرآن في العادة ، لا يُقرأ من قبل عامّة المسلمين ، هذه الأيام ، إلا ما رحم ربي ، وإن قُرء ، فهي قراءة بلا تفكّر أو تدبّر ، حتى أصبحنا إذا سمعناه ، يصدر من أحد البيوت ، في حيّ أو شارع قريب ، تساءلنا فيما إذا كان أحدهم قد مات ، قال تعالى ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30 الفرقان ) . وهجر القرآن نبوءة ، وقد تحققت في زماننا هذا ، وأنّى لنا هذا ، فالتفكر والتدبر في أمور الحياة الدنيا ، أشغلنا وأغنانا عن الآخرة ، التي ما خلا من القرآن موضع ، إلا وذكّرنا بها ، وهذا أخشى ما نخشاه ، لأننا لا نريد أن نتذكّر ، لكيلا نتألّم من المصير المرعب ، الذي نسجناه بأيدينا ، والذي إن تذكّرناه ، لم يغمض لنا جفن ، ولم ترقأ لنا عين .
2. تجميد القرآن وتعطيله وفصله عن الواقع ، ماضيا وحاضرا ومستقبلا
يذهب كثير من الناس ، من علماء وعامّة ، إلى أن فهم القرآن واكتشاف مكنوناته ، مقصور على فئة معينة من الناس دون غيرهم ، أو في زمان أو مكان دون آخر . بالرغم من أن هناك الكثير من التفسيرات الخاطئة ، والروايات المضلّلة أحيانا ، في كتب التفسير القديمة ، والتي لم تصحّح لغاية الآن . ونحن باعتمادنا بشكل كلّي على تفسيرات القدماء ، حرمنا أنفسنا من فهم كثير من الآيات ، ذات الصلة بواقعنا المعاصر ، والتي ما كان لأحد من المفسرين قديما ، القدرة على تفسيرها ، في زمن يسبق زماننا هذا ، ولا نقصد هنا التعريض بأي حال من الأحوال ، بأي من المفسرين أجلّهم الله ، فكل له عذره وأسبابه ، ولكن نريد أن نؤكد من خلال هذا الكتاب أن القرآن ما زال حيّا ، وما زالت لديه القدرة ، على الإتيان بجديد حتى قيام الساعة ، ولم يكن فهم القرآن يوما ، ولن يكون محصورا ، بزمان أو مكان ، أو أشخاص دون غيرهم .
3. الغموض والإبهام في نصوص النبوءات المستقبلية
عادة لا تُستخدم النصوص الصريحة ، في الكتب السماوية ، وفي السنة النبوية ، كأسلوب للإخبار عن مضامين النبوءات ، فعادة ما يُستعمل الوصف والتشبيه والتمثيل . وهذا هو حال مجمل النبوءات المستقبلية ، تبقى بعض نصوصها عصية على الفهم ، حتى تتمكن من تجسيد نفسها على أرض الواقع ، لتفسّر نفسها بنفسها . فلاكتمال معالمها ، أسباب ومسببات ، لا بد لها من أخذ مجراها الطبيعي . وعادة ما تكون في جانب منها مبهمة ، خاصة للطرف صاحب الدور الأكبر ، بترجمة أحداثها على أرض الواقع .
وفي المقابل تبقى بعض نصوصها سهلة للهضم والفهم ، لمن جاءت في كتبهم ، إذا عاصروها ، ولكن بالقَدْرِ الذي لا يسمح لهم ، بالتدخل في مجرياتها ، أو تعطيل الأسباب والمسببات المؤدية لتحقّقها . ولتبقى قدرتهم على التدخل مقيّدة ، بما لم يعرفوه يقينا ، مما أُبهم عليهم من نصوص النبوءة . ومثال ذلك ما جاء في كتب اليهود والنصارى ، من نصوص تبشّر بنبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام . وبالرغم من كثرة النصوص التي أخبرت عنه ، لم يستطع اليهود الاستدلال عليه يقينا ، قبل ظهور أمره ، وإلا لقتلوه . وصاحب النبوة لم يكن يعلم ، بأنه المقصود بنبوءات أهل الكتاب ، قبل أن يتنزّل عليه الوحي ، وحتى اسمه ( محمد ) عليه الصلاة والسلام ، جاء مغايرا لاسمه ( أحمد ) الموجود في كتبهم ، حيث جاء بالمعنى وليس باللفظ . وبعدما بُعث ، ومع مرور الزمن ، بدأ الواقع يُفسّر جميع النصوص التي كانت بحوزتهم شيئا فشيئا . أما قريش فما كانت تُصدّق من نبوءات أهل الكتاب شيئا .
وحتى لو كُشفت مضامين النبوءات ، عند اكتمال معالم القدر ، وقبل تحقق الفصل الأخير منها ، كان من الصعب على ذوي العلاقة ، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ، من أجل التأثير على مجريات أحداثها ، أو منع تحقّقها ، وخاصة أن معظم النبوءات إذا فُسرّت ، وكان واقع الحال لا يتطابق مع التفسير ، وهذا أمر طبيعي جدا ، فعادة ما يُجابه التفسير بالإنكار والتكذيب ، أو التشكيك حتى ممن يعنيهم الأمر ، أو الظن أن بالإمكان منعها ، كما هو الحال عند بني إسرائيل ، الذين يعلمون هذه النبوءة علم اليقين ، ويُحاولون جهدهم منع تحقّقها ، كما حاولوا جهدهم البحث ، عن نبينا عليه الصلاة والسلام ، لمنع بعثه وظهور أمره . وكما سيكون الحال مع كثير من الناس ، الذين سيقرأون هذا الكتاب ، الذي نكشف فيه ملابسات تحقّق وعد الآخرة ، كما لم تكن من قبل ، بعد أن تشابكت خيوطها ، واتصلت بإحكام منذ سنين عدة ، ولكن الناس كانوا عنها غافلين .
4. فهم الألفاظ ومدلولاتها
في كثير من الأحيان نفهم ألفاظ القرآن ، بالمعنى الذي نستخدمه به في حياتنا المعاصرة ، وربما يكون هذا الاستخدام مختلف أو مخالف تماما ، لاستخدام العرب القدماء - الذين نزل القرآن بلغتهم - لنفس اللفظ ، مما يتسبّب في سوء التفسير أو الفهم . فعلى سبيل المثال ، لنأخذ كلمة ( فَصَلَ ) ، فنحن نستخدم هذا اللفظ تقريبا بمعنى واحد ؛ قَطعَ التيار ، فَرّقَ ما بين شيئين بشيء ثالث ، طرده من الوظيفة . أما العرب القدماء فقد كانوا يستخدمونها بمعان شتى ، تفهم عادة من السياق ، منها ؛ قَطعَ وفَرَّقَ وخَرَجَ ، ومن هذه المعاني تستطيع تفسير قوله تعالى ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ (249 البقرة ) ، على أن طالوت خرج بالجنود .
وفي كثير من الأحيان ، يحمل اللفظ الواحد في القرآن ، مفهوما عاما عريضا ، ويندرج تحته عدة مفاهيم خاصة ، يُعرّفها ويُفصّلها القرآن في مواضع عديدة . ومن هذه الألفاظ على سبيل المثال ؛ الإفساد والعلو والفاحشة والظلم ، وهذه كلها مفاهيم عامة ، يختلف تحديد مواصفاتها ومقاييسها ، باختلاف فهم الشخص على سبيل المثال لماهيّة اللفظ . وإذا تركنا الإجابة للناس ، كلٌ حسب رأيه ، ستجد أن هناك تعاريف عديدة ومتباينة ، أما القرآن فله تعريفه الخاص .
فلنأخذ لفظ الظلم ، يقول سبحانه وتعالى ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59 القصص ) ، فما هي ماهية هذا الظلم ، الذي يتحتم عليه إهلاك القرى ؟ وكيف تستطيع القرى أن تسلم من الهلاك ، بما أن الظلم هو المقياس لذلك ، كما أخبر رب العزة ؟ ولفهم دلالة هذا اللفظ ، يتحتم عليك أن تُلمّ بكل مُتعلّقاته ، في جميع الآيات القرآنية ، التي ورد فيها ذكره ، لتخرج في النهاية بما يُشبه المقياس ، الذي من خلاله تستطيع تعريف هذا المفهوم ، بالمقياس الإلهي له ، وليس بالمقاييس الشخصية للناس .
5. الإيجاز الشديد
مثل قوله تعالى ( فجاسوا خلال الديار ) ، حيث وصف سبحانه ،كل ما فعله أولئك العباد ، في المرة الأولى بثلاث كلمات فقط ، أو بالأحرى كلمة واحدة هي ( فجاسوا ) ، وبالرغم من ذلك ، فإن هذه الكلمة ، وعند الاطلاع معانيها في المعجم ، ستجد أنها تصوّر مشهدا سينمائيا كاملا ، وبدون الاطلاع على تلك المعاني ، لن تمتلك القدرة على تخيّل ذلك المشهد .
6. الحذف وتقدير المحذوف
حذف كلمة أو عبارة من السياق ، لسبق الدلالة عليها فيما تقدم من نصوص ، مثل حذف جواب شرط إذا الخاص بوعد الآخرة ، وتقديره ( بعثناهم عليكم ) في الآية (7) ، لدلالة قوله تعالى ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم ) في الآية ( 5) .
7. الالتفات
الحديث عن الغائب ، ومن ثم الانتقال لتوجيه الخطاب إلى الحاضر ، والعكس بالعكس ، بين حين وآخر ، مثل ( وقضينا إلى – الحديث هنا عن الغائب ( السابقين من بني إسرائيل ) …لتفسدنّ في – الخطاب هنا إلى الحاضر ( المعاصرين من بني إسرائيل ) .. ) . عادة ما يستخدم هذا الأسلوب ، في إخبار المستمع الحاضر عن حدث وقع في الماضي . والهدف من إنزال هذه النبوءة في كتاب موسى ، وإعادة نسخها في القرآن ، هو كشف للغيب الذي لا يعلمه إلا من أخبر عنه ، فيما أنزله من كتب على رُسله ، لعل الناس المعاصرين بربهم يؤمنون ، عند تحقق هذه النبوءة بكل تفاصيلها ، كما جاءت في الكتب السماوية . لذلك جاء الإخبار في القرآن للناس كافة ، وجاء الخطاب لبي إسرائيل خاصّة ، لأن الأمر يعنيهم أكثر من غيرهم ، فلعلّهم إلى ربهم يرجعون .
لقد أخبر سبحانه في الآية (2) أنه آتى موسى الكتاب ، وفي الآية (4) أخبر بأنه أنزل في ذلك الكتاب نص هذه النبوءة ، التي سيشرع فيما يلي بالإخبار عنها بكل تفاصيلها ، كما جاءت في كتاب موسى ، حيث جاء النص آنذاك مخاطبا لبني إسرائيل . وإتيان النص بأسلوب المخاطبة لبني إسرائيل في القرآن ، يفيد أن هناك جزء من هذه النبوءة سيتحقق مستقبلا بعد نزول هذه الآيات ، وأعيد النص لتذكير بني إسرائيل وتنبيههم وتحذيرهم ، من مغبة الإفساد في الأرض في المرة لثانية ، مما يترتب عليه نفاذ الوعد الثاني ، كما نفذ الوعد الأول .
ومع أن المخاطَب في هذه الآيات ، هم بنوا إسرائيل ( المعاصرين ) ، ولكن يجب ألا ننسى ، أن هناك من يقرأ ويسمع خطابه تعالى – لبني إسرائيل – من خلال القرآن ، ممن هم من غير بني إسرائيل ، ولا يعلمون من أمر هذه النبوءة شيئا ، فيما إذا كانت قد أنزلت عليهم في كتابهم أم لا ، فابتدأ عز وجل القصة بالإخبار عن وجودها في كتابهم ، لمن لا يعلم من الجمهور بذلك ، من مستمع وقارئ لهذه القصة . ليُعيد الجمهور إلى الأجواء التي أُنزلت فيها هذه النبوءة ، ليسهُل فهمها من قبلهم . وليصبحوا مساوين لبني إسرائيل في معايشة تلك الأجواء ، التي يعرفونها كما يعرفون أبنائهم ، من خلال ما لديهم من كتب . لذلك تجده سبحانه أحيانا يتوجه بالخطاب إلى الجمهور ، تاركا ( خطاب بني إسرائيل ) ، ليضيف إليهم خبرا أو تعقيبا ، على جزء معين من هذه النبوءة ، أو إيضاحا أو تفصيلا ،لم يرد في النص الأصلي للنبوءة ، التي سبق أن أُنزلت عليهم ، أو تحقق بعد نزولها ، لزم إخبار الجمهور عنه في هذه الآيات . فالحكمة من الإخبار بهذه النبوءة والكشف عنها للبشر ، هي تحصّل الإيمان بالقرآن ومن أنزله ومن أُرسل به ، كما عقّب سبحانه بقوله في نهاية السورة ( قُلْ ءَامِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا (107 الإسراء ) . وسنبين إن شاء الله كل موضع ، حصل فيه التفات ، لتصبح نصوص النبوءة أكثر وضوحا وأسهل للفهم . وعدم معرفة ماهية الالتفات ومواضعه - أحد أوجه البلاغة في لغة العرب – سيجعل من الصعوبة بما كان ، أن يفهم الناس النصوص القرآنية بشكل صحيح ، وربما يقلب المعنى بشكل مخالف تماما .
8. الضمائر
متابعة الضمائر في هذه الآيات ، بأنواعها الثلاثة ، المتكلِّم والمخاطَب والغائب ، وتحديد على من يعود كل منها . وهنا لا بد أن نوضح ونؤكد ، على أنّ كل الضمائر الواردة في الآيات ( 4-8 ) ، ما عدا ضمائر المتكلِّم التي تعود عليه سبحانه ، تعود على أولئك العباد أولي البأس الشديد أنفسهم في مواضع ، وعلى بني إسرائيل في مواضع أخرى ، وهي محصورة فيهم على الإطلاق ، إذ لم يضف النص طرفا ثالثا .
9. الاعتراض
وهو إضافة جملة إلى السياق ، كتعقيب على خبر قد سبق ذكره ، زيادة في الإيضاح والإبانة ، وهو أحد أوجه البلاغة أيضا . وعدم وجود هذا التعقيب ، ربما يُثير التساؤل في ذهن المستمع ، فيُضيف الراوي من تلقاء نفسه خبرا جديدا ، ليدفع الحيرة عنه ، ومنعا لتوارد الاجتهادات والتفسيرات الخاطئة في مخيلته ، وليُغني المستمع الحاجة إلى السؤال . فعادة ما تأتي الجملة المعترضة كإضافة ، لإزالة الغموض واللبس ، الذي قد ينجم عن سوء تقدير المستمع ، ولزوم هذا التعقيب يعود لتقدير الراوي .
وقد وقع الاعتراض في نصوص النبوءة في موضعين ، في قوله تعالى " وكان وعدا مفعولا " ، للتعقيب على الوعد الأول ، لبيان أن هذا كان قد أُنجز أم لم يُنجز . وفي قوله تعالى " وليتبّروا ما علوا تتبيرا " للتعقيب على العلو الكبير الخاص ببني إسرائيل ، لبيان وتأكيد أن هذا العلو ستتم إزالته مستقبلا لا محالة .
10. الهوى والعاطفة
نحن كمسلمين مرتبطون عاطفيا بالمسجد الأقصى ، ومرتبطون عاطفيا بالبطولات الإسلامية وأبطالها ، ومرتبطون عاطفيا بالخلافة الإسلامية وخلفائها ، لأنها توفّر لنا شعورا بالعزة والكرامة طالما افتقدناه ، ونحن بأمس الحاجة إليه هذه الأيام . وفي المقابل نحن أبعد ما نكون عن الإسلام ، في حياتنا العملية ، ولو نظرنا في أعماق أعماقنا ، لوجدنا أننا نرفض الإسلام كأسلوب للحياة ، لأن الإسلام بكل بساطة يرفض كل مظاهر الحياة الدنيا ، التي يتمسّك بها الآن معظم المسلمين ، ويسعون لإبقائها ويحرصون على إدامتها والاستزادة منها ما أمكنهم ذلك .
نص هذه النبوءة موجود في كتب اليهود ، فما الذي قام به زعماؤهم العلمانيون والمتدينون ، عندما أرادوا أن يقيموا لهم دولة ؟ أخذوا من النبوءة الجزء الخاص بالعودة من الشتات ورد السبي ، وفسّروها على أن الله أراد لهم ذلك ، بغض النظر عن فسادهم وإفسادهم ، وأخفوا النصوص التي تُحذّر من العقوبة التي تنتظرهم ، ليُضفوا على عودتهم إلى فلسطين ، بعدا دينيا توراتيا ، وبالتالي استطاعوا كسب التأييد والدعم المادي والمعنوي ، سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، من اليهود والنصارى على حد سواء .
نحن أيضا نملك نص النبوءة نفسها ، وملزمون بتحرير الأقصى ، ولأننا نشعر بالعجز وقصر ذات اليد ، قمنا بإضفاء البعد الديني على عملية التحرير ، بحصرها بخلافة إسلامية غير منظورة على المدى القريب ، واستبعدنا احتمالية أن يتم هذا الأمر ، خارج هذا الإطار العاطفي . وبعد أن تقوقعنا داخل هذا الإطار ، بدأنا نُفسّر المعطيات حسب ما يتوافق مع هذا التوجّه . حتى بلغ بنا الأمر ، إلى أن نُحمّل النصوص القرآنية ما لا تحتمله ، لتوافق رغباتنا وأهوائنا وتطلّعاتنا كمنتسبين للإسلام . فأخذنا عبارة ( عبادا لنا ) ، وعبارة ( وليدخلوا المسجد ) وعبارة ( كما دخلوه أول مرة ) ، وسلخناها عن جلدها ، وقمنا بالإسهاب في تفسير وتفصيل هذه العبارات ، وأهملنا بعض العبارات الأخرى ، وفسّرنا بعضها الآخر بشكل يُناقض فحواها ، فعزلنا العبارات عن آياتها ، وعزلنا الآيات عن بعضها ، وعزلنا مجموعة الآيات عن السورة ، وعزلنا السورة عن القرآن ، وعزلنا القرآن عن كل شيء . فخرجنا باستنتاجات وتحليلات وأصدرنا أحكام ، حرمت الكثير من الناس من المعرفة الحقيقة ، التي تكتنفها نصوص هذه النبوءة ، التي تم تفسيرها ، بتغليب من الهوى والعاطفة ، على النصوص القرآنية والسنة ، وعلى العقل والمنطق والواقع والتاريخ والجغرافيا .
وبذلك أزاحت بعض التفسيرات ، التي حصرت تحرير الأقصى ، بالخلافة الإسلامية عن غير قصد ، عن كاهل هذا الجيل عبء فكرة التحرير ، وأبعدت عن أذهان الناس شبح حرب قادمة ، مما ساهم بشكل غير مباشر ، في تخدير أمة الإسلام لسنين طويلة ، لينعُم الناس بحياة آمنة مطمئنة ، ولكن للأسف بعيدا عن الدين . فالخلافة الإسلامية على المدى القريب صعبة التحقق ، لأن مقومات قيامها ضمن الظروف الراهنة معدومة . والأمة بحاجة لمن يُنبّهها لا لمن يُخدّرها … وقبل طرح هذه الفكرة الخطرة عن تحرير المسجد الأقصى … ونسبها إلى كتاب الله … وأن الله أراد ذلك … كان على روّاد هذه الفكرة … أن يتجرّدوا من عواطفهم وأهوائهم كليا عند تفسير آيات الله … فالقرآن يطلب العقل سبيلا للفهم لا العاطفة والهوى … لدرجة أنه جعل ( القلب ) موطنا للعقل بدلا من العاطفة … وأن يُفكّروا مليّا قبل أن يُقدّموها للناس … فنحن بحاجة لبناء مساجد في نفوس الناس … فإن استطعنا القيام بذلك … فلن نحرّر المسجد الأقصى فقط … بل سنحرّر العالم بأسره … وإن لم نستطع فالأحرى بنا … أن نعتزل ونفرّ إلى رؤوس الجبال … بأطلال المساجد المتبقية في نفوسنا … حتى يأتي الله بأمره … !!!
هذا الطرح الخطِر والبعيد جدا ، عما جاء في النصوص القرآنية ، سيؤدي بالناس لا محالة ، إلى الوقوع في الحيرة والارتباك ، ونشوء كثير من علامات الاستفهام ، حول من قدّم هذه التفسيرات ، وحول مصداقية كتاب الله نفسه ، من قبل ضعاف الإيمان والعقل والقلب ، عندما تتحقّق النبوءة بشكل مغاير لتلك التفسيرات .
ربما يُصرّ الكثير من الواقعيون ، على أن الواقع يُناقض مما يطرحه هذا الكتاب . غير أن هذا الواقع سيتغير بالتدريج ، أو بين عشية وضحاها ليتوافق مع أمر الله . وإن لم يتوافق ، فأمر الله فوق الواقع ، وكثيرا ما يأتي بغتة . وبالرغم من ذلك ، أعتقد بأن كثير من المتغيرات ، على المستوى الإقليمي والعالمي ، ستلوح في الأفق ، قبل مجيء أمر الله ، وسيلحظها كل ذي بصيرة .

وكل شيء فصّلناه تفصيلا
قال تعالى ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ علَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76 النمل ) ، هذه الآية الكريمة تؤكد أن هذا القرآن ، فضلا عن مخاطبته لكافة البشر ، جاء ليقصّ على بني إسرائيل ، أي ليُخاطبهم ويوضّح لهم بشكل خاص ، كثيرا مما اختلفوا فيه ، من أمور الدين والدنيا والآخرة . فهو يحكي تاريخهم ، ويعرض مواقفهم من أنبيائهم ، ومشاهد من كفرهم وعصيانهم وعدوانهم ، والعذابات التي أنزلها الله بهم ، ، ويكشف طبائعهم ، ويفضح سرائرهم ، ويُفنّد أقوالهم ، ويُحذّرهم ويُحذّر منهم ، ويُبيّن لهم حقيقة ما جاء به رسلهم وأنبيائهم من وحي ، بعد أن طمسته وشوّهت معالمه أقلام أحبارهم .
ويقول سبحانه في الآية (12) من سورة الإسراء ، ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) ، أي أن كلّ شيّ مما سبق هذا القول من آيات ، قدّ بيّنه سبحانه ، بيانا واضحا لا لُبس فيه . وهذا القول البليغ ، عندما تقرأه مرارا وتكرارا ، تجد أن له وقعا خاصا في نفسك ، والآيات التي تسبق هذا القول ، تخبرنا عن أمر يتعلق ببني إسرائيل ، من حيث إفسادهم وعلوهم وعقابهم . وقد جاء هذا القول ( بالفعل ومفعوله المطلق للمبالغة في التأكيد ) مرة واحدة في القرآن ، في هذا الموضع بالذات ، تعقيبا على ما مجمل ما جاء قبله من آيات ، ولم يأتِ عامّا كما في قوله تعالى ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3 فصلت ) ، أو في قوله تعالى ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52 الأعراف ) .
وإن دلّ هذا على شيء ، فإنما يدّل على أن ما تتحدّث عنه هذه الآيات ، أمر غاية في الأهمية ، ولذلك فصّله سبحانه تفصيلا ، وأبانه بيانا لا يختمره شكّ أو تقوّل ، وأن هذا التفصيل جاء لعِظم هذا الأمر ، وأن معرفته بكل دقائقه وتفاصيله ، لا بد إلا أن يكون فيه الكثير ، من النفع والفائدة ، لمن يُخاطبهم القرآن ، وما كان بيانه وتفصيله عبثا . وما كان هذا الفصل ، إلا للتعريف بهذه الدقائق والتفاصيل ، وما جاء هذا الكتاب إلا لتعميم الفائدة على الناس ، والله من وراء القصد .
لو أمعنت النظر في مجمل سورة الإسراء ، لوجدت أنها تناوبت ما بين أسلوبي الإخبار والمخاطبة ، ولو أمعنت النظر في مقدمة السورة ، ستجد أنها جاءت إخبارية ومُخاطِبة للمسلمين ، بصفة عامّة ، وإخبارية ومُخاطِبة لبني إسرائيل ، بصفة خاصّة .
والسؤال الأول : لماذا أُعيد نص النبوءة بأسلوب المخاطبة ، لبني إسرائيل في عصر أمة الإسلام ؟
مقدمة السورة ( الآيات 1-3 ) جاءت كتمهيد ، فهي تذكر المسجد الأقصى ، وتبين قدسيّته عند الله وبالتالي عند المسلمين ، وتذكُر كتاب موسى عليه السلام ، وتذّكِر بني إسرائيل بما جاء فيه ، وبالذات عدم الشرك بالله ، واتّخاذ وكلاء من دونه ، ويمنّ اللهّ عليهم ويذكرهم بنجاة أسلافهم من الطوفان ، وبنفس الوقت يحذّرهم من الهلاك ، من خلال ذكر نوح عليه السلام ، وأنّه ما كان لنوح ومن معه النجاة ، لولا إقراره بالعبودية لله ( عبداً ) أولاً ، وقيامه بالعبادة لله ( وشكوراً ثانياً ) .
السؤال الثاني : لماذا التمهيد ، وبهذا الشكل المرعب لبني إسرائيل ؟
هناك قول بأن كلتا المرتين وقعتا قبل الإسلام ، فلو كان هذا الأمر صحيحا ، لتوجب أن يكون نص النبوءة كاملا بأسلوب الإخبار ، ولما كان هناك داعي لوجوده أصلا ، فقد أخبرنا سبحانه في مواضع أخرى في القرآن ، بأنه غضب عليهم ، ولعنهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة ، وتوعدهم بأن يبعث عليهم ، من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ، وقطّعهم في الأرض أمما .
السؤال الثالث : ما هو الأمر الذي خرج عن كل ما تقدّم ، فأراد سبحانه لفت أنظارنا إليه ، مبينا أهميته ، ومنبها إليها ؟
بما أن المرتين متشابهتين تماما ، فلو فرضنا جدلا أن القول السابق صحيح ، لكان من الأحرى ، أن يأتي النص في الحديث عن المرتين مجملا ، على سبيل المثال ، على النحو التالي ، ( … لتفسدن … مرتين ولتعلن علوا كبيرا … فإذا جاء وعد كل منهما ، بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد … فأساءوا وجوهكم ودخلوا المسجد … وكان كلٌّ من الوعدين مفعولا … وتبّروا ما علوا تتبيرا ) .
السؤال الرابع : لماذا فَصَلت وفَصَّلت الآيات ، كلّ مرة على حدة ؟
الآية الرابعة ، أجملت ثلاثة شروط من شروط المرتين ، وهي الأرض ( المقدّسة ) والعلو والإفساد ، والآية الخامسة أفردت وأوجزت الحديث عن الوعد ( العقاب ) الأول ، فذكرت البعث والجوس وصفة العباد ، وجاءت الأفعال كلها بصيغة الماضي . والآية السادسة فصّلت مظاهر العلو الثاني ، من لحظة النشوء حتى اكتمال مقوماته ، من حيث القدرة العسكرية والبشرية والاقتصادية ، وجاءت الأفعال كلها بصيغة الماضي ، مع حملها لصفة الاستقبال .
السؤال الخامس : لماذا جاءت أفعال وعد الأولى بصيغة الماضي ، ولماذا جاءت أفعال وعد الآخرة بصيغة الاستقبال ؟
السؤال السادس : لماذا جاء التخيير ما بين الإحسان أو الإساءة ، بعد اكتمال مظاهر العلو الثاني ، وقبل الحديث عن عقاب وعد الآخرة ، ولم يأتِ عند الحديث عن وعد الأولى ؟
السؤال السابع : لماذا أُخرجت كيفية مجيئهم ، عند مجيء وعد الآخرة من نص النبوءة ، ولماذا أُفردت في نهاية السورة ؟
السؤال الثامن : لماذا أُعيد ذكر بني إسرائيل وقصّتهم مع فرعون في نهاية السورة ، الآيات ( 101 – 104 ) ؟
( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
تُشير هذه الآية ، بذكر المسجد الحرام ، إلى نقطة البداية ، لانتشار رسالة الإسلام ، التي أنعم الله وأكرم بها نبيه ، محمد عليه الصلاة والسلام . وبذكر المسجد الأقصى ، تُشير من طرف خفي ، إلى ما ورد في الحديث الصحيح ، إلى أن مسك الختام لهذه الرسالة ، آخر الزمان ، سيكون بنزول الخلافة الراشدة ، وأميرها المهدي في بيت المقدس ، بإذن الله . وهذا مما يوحي بأن قيام دولة إسرائيل ، هو أحد أشراط الساعة ، وأن نهايتها ، علامة لقرب ظهور المهدي ونزول الخلافة فيها ، والله أعلم . وأهم ما جاءت به الآية هو تعريف المسجد ، بوصفه بالأقصى أي الأبعد ، وبالذي باركنا حوله ، وهو المسجد الذي سيكون موضوع ما يلي هذه الآية من آيات .
( وَآتيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)
في هذه الآية ، يحذّر الله بني إسرائيل ، من الاتّكال على غيره ( لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ .. وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ (28 آل عمران ) ويختم سبحانه السورة ، بقوله ( .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ .. ) أي لم يتخذ له حليفا لضعف أو لذلّة ، وهذا تعريض بالعلو الحالي لبني إسرائيل ، حيث كانوا أذلّاء مضطهدين ، وبموالاة الغرب أصبحوا سادة .
ويذكّرهم فيها بما أنزله عليهم من الهدى ، ليكون لهم نورا يهتدون به ، ومن ضمنه هذه النبوءة ، التي أعادها إلى أذهانهم مخاطبا إياهم بمضمونها ، وكما وردت في الكتاب الذي أُنزل على موسى عليه السلام ، ويحذّرهم من اتّخاذ أولياء من دونه ، من الإنس والجنّ على حدّ سواء .
فاختاروا الولاء لغير الله ، وتمسكنوا ، وحقّقوا مآربهم منذ البداية بالفساد والإفساد ، بما خطّطوا له بمكرهم ودهائهم ، ونفذّه غيرهم ، من فتن وحروب سبقت وهيّأت الظروف ، وتسبّبت في قيام دولتهم في فلسطين . ولما تمكنوا استعلوا واستكبروا فيها ، استمروا بالفساد والإفساد ، وساموا أهلها سوء العذاب ، فاستحقّوا غضب الله واستوجبوا العقاب ، فتوافق أمرهم مع ذهب إليه النص القرآني ، بذِكر إفسادهم في الأرض بمجملها أولا ، ومن ثم جاء ذِكر علوهم الكبير الذي نشهده هذه الأيام ، في قوله تعالى ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) .
( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)
يقول ابن كثير : " تقديره يا ذريّة من حملنا مع نوح ، فيه تهييج وتنبيه على المنة " وهذا النداء موجّه لبني إسرائيل ، وبالإضافة لما قاله ابن كثير ، نلمس تهديدا وتحذيرا خفيا لبني إسرائيل ، من وراء ذكر نوح عليه السلام ، فعادة ما كان سبحانه وتعالى ، يمنّ عليهم بتذكيرهم بنعمة النجاة من فرعون وقومه ، ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (50 البقرة ) إلا في هذا الموضع ، وهي المرة الوحيدة في القرآن التي يمنُّ عليهم فيها ، بأنهم سلالة من حمل مع نوح عليه السلام ، أي من الذين أنجاهم الله من الطوفان ، حثا لهم على الإيمان به ، والعبادة والشكر له كما كان يفعل نوح والذين حملهم معه ، وأنّ فِعل هؤلاء هو الذي أنجاهم من الهلاك ، فإن لم يفعلوا كما فعلوا ، حلّ بهم ما حلّ بقوم نوح . وذِكْرُ نوح في هذا الموضع وتكرار ذكره ، في الآية (17 الإسراء ) ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) دفعني إلى إلقاء نظرة على سورة نوح .
ومنها قوله تعالى ( ... أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) ... إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ... (4) ... فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) … جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) … وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) … قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) .. وَقَدْ أَضَلّوا كَثِيرًا ... (24) … رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) ... وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28 نوح )
اقرأ هذه الآيات وتفكّر وتدبّر ( .. أولا إنذار .. ولا تأخير .. فرار .. إصرار واستكبار .. إمداد بأموال وأولاد .. وجنات وأنهار .. استهزاء وسخرية .. عصيان .. عبادة القوة والمال .. المكر الكبير .. الإضلال .. الكفر .. وأخيرا تبار .. )
وهذا هو حال بني إسرائيل .. وهذا هو الإفساد في الأرض .. وردُّ الله عليه أوله إنذار .. فإن كان هناك استكبار وإصرار .. كان هناك تبار . يقول سبحانه ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15 الإسراء ) .
والرسول قد بُعث ، منذ ألف وأربعمائة وإحدى وثلاثون عاما ، وقد أتاهم بالإنذار في كتاب ربه ، ( وصحيفة الإنذار ) الموجهة لتلك الأفاعي في الجحر الأبيض ، وتلك الطفيّليات في منتجعات المال العالمية ، التي تمتص بنهم دماء الكرة الأرضية ، وتلك الفئران المستأسدة في قدس الأقداس ، هي ( سورة بني إسرائيل ) ومن أول حرف فيها وحتى آخر حرف ، حيث قال فيها ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا .. ) وقد ساد دولة الكفر ويسودها ، قطاع الطرق واللصوص والقتلة ، وأسافل مجرميها ( .. فَفَسَقُوا فِيهَا .. ) فاغتالوا أصالتها ، وقدسيّة أرضها ، ووقار شيخوختها ، وسكينة عبّادها ، وحياء حرائرها ، وأحلام طفولتها ، وحتى طهارة مساجدها ( .. فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ .. ) ، وهذا هو ( قول ) رب العزة ، ( … لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ … ) ، وهذا هو ( فعله ) ( .. فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16 الإسراء ) وهذا هو ( تعقيبه ) ( … وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17 الإسراء ) وهذه هي ( خاتمته ) ( وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ( 111 الإسراء ) .
اقتصرت مقدمة السورة على ثلاث آيات فقط ، حملت من المعاني ما يشحذ الفكر والوجدان ، ويعمل على تهييج العقل وتنبيهه من غفلته ، لاستقبال واستيعاب ما سيأتي من عرض ، لنبوءة ستغير مجرى التاريخ في يوم أو بضعة أيام . وهذه النبوءة تعني كل من سمع برسالات السماء ، وتمسّهم في صميم معتقداتهم ، وأكثرهم تأثّرا هم أصحاب الديانات الثلاث ، والذي يمتلك كل منهم مخزونا عقائديا ، فيما يخصّ عودة اليهود إلى الأرض المقدسة ، يلتقي مع أحدها ويتعارض مع الآخر في التفاصيل والأحداث .
( وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَـابِ ، لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)
وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَـابِ :
ورد جذر الفعل قضى في القرآن (63) مرة ، ومشتقات هذا الفعل حملت عدة معاني ، وعادة ما يأتي هذا الفعل ، ليفيد تمام العمل الوارد نصا في السياق ، أو المفهوم ضمنا ، كما في قوله تعالى ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ (200 البقرة ) ، بمعنى أنجزتم مناسككم وانتهيتم منها ، وقوله تعالى في شأن لوط وقومه ( وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ ، أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66 الحجر ) ، أي أخبرناه بالأمر ، على وجه الانتهاء منه ، إذ لا رجعة عنه ، فلا نقاش ولا جدال فيه ، ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (114 طه ) ، أي من قبل أن تُخبر بوحيه ، على وجه التمام .
وقوله تعالى ( وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ ) أي أنّا كنّا قد أخبرنا بني إسرائيل في كتابهم - أي أن مضمون هذا الخبر موجود في كتابهم نصا حتى هذه اللحظة - بما سيأتي تفصيله فيما يلي ، من شأن إفسادهم وعلوهم في الأرض ، وهذا الخطاب ، في هذه العبارة ، موجّه في الحقيقة لمن هم من غير بني إسرائيل ، ممن ليس لديهم ، علم أو اطلاع على هذا الأمر ، ليطلعهم الله على هذا الأمر ، وما كان الله ليُخبر عنه إلا لعظيم شأن ، وذلك من سابق علم علام الغيوب ، بما سيكون منهم مستقبلا ، وليس ما قضاه عليهم بمعنى الأمر أو الحكم ، فحاشا لله أن يأمر بالإفساد في الأرض أو أن يقضي به .
والكتاب المقصود هنا هو كتاب موسى عليه السلام ، المنصوص عليه في الآية الثانية أعلاه ، وليس التوراة ، فكتاب موسى شيء والتوراة شيء آخر . والذي قادني إلى معرفة تلك الحقيقة ، هو تساؤلي ، أولا : عن سبب عدم ذكر التوراة بدلا من الكتاب ، وثانيا : رغبتي بالاطلاع على نص النبوءة في التوراة نفسها ، فيما لو وجد . وبعد أن استخرجت كافة الآيات القرآنية ، التي ذُكر فيها موسى ، والتي ذُكرت فيها التوراة ، تبين لي أن ذكر التوراة ، لم يرتبط بذكر موسى على الإطلاق ، وعدم الربط بينهما لا بد له من سبب ، وبيان ذلك ، والنص التوراتي للنبوءة في الترجمات العربية للتوراة اللاتينية ، سيأتي في فصل قادم ، إن شاء الله .
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا :
هنا حصل التفات من الحديث عن الغائب ، وهم بني إسرائيل ككل ، في قوله تعالى ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَــابِ ) ، ومن ثم عاد سبحانه ، لتوجيه الحديث إلى الحاضر المُخاطَب ، وهم بني إسرائيل ( المعاصرين ) لرسالة الإسلام ، وذلك بسرد النبوءة ، بنفس الأسلوب والعبارات ، التي أنزلت عليهم في كتابهم ، قبل 3 آلاف ، زمن موسى عليه السلام . فجاءت نصوصها مخاطبة لبني إسرائيل ، ولكن بألفاظ عربية جزلة موجزة ، كما وأضيف إليها تعقيبات ، لتبين وتؤكد بعض ما تحقّق منها ، قبل إنزالها في سورة الإسراء مرة أخرى ، على محمد عليه الصلاة والسلام . فبدأت بقوله تعالى ( لَتُفْسِدُنَّ ... وَلَتَعْلُنَّ ... ) .
في هذا الموضع قَرَنَ سبحانه ، ما بين الإفساد والعلو في المرتين ، في قوله ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4 الإسراء ) ولم يوضح التفاصيل ، ولتكون لدينا القدرة ، على معرفة شكل هذا الإفساد وهذا العلو ، دعنا نمعن النظر في الآيات التالية ، حيث اقترن فيها الأمرين معـا ، في مواضع أخرى من القران الكريم ، كقوله تعالى ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ … إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4 القصص ) ، وقوله ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14 النمل ) ، حيث جاءت هذه الآية ، تعقيبا على فرعون وقومه لما علو وأفسدوا ، وجحدوا بآيات الله ، فكان جزاءهم الهلاك غرقا .
وقوله ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83 القصص ) توضح هذه الآية ، بأنّ جزاء من لم يُرد العلو والإفساد ، سواء كان قادرا على ذلك أم لم يكن ، هو أن يكون لهم حسن ثواب الدنيا والآخرة ، والعاقبة للمتقين بإذن الله ، وذلك تعقيبا على قارون وصنيعه وما حلّ به وبكنوزه ، حيث قال تعالى فيما آتاه ، من المال والقوة ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (76) ، فجحد نعم الله ونسبها إلى نفسه ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا (78) ، فعلا واستكبر ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ (79) ، فأهلكه الله (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (81 القصص ) ، ليجعله عبرة لغيره .
والملفت للنظر ، أن اقتران العلو بالإفساد ، جاء في أربع آيات فقط من مجمل القرآن ، وكلها ذات علاقة ببني إسرائيل ، وقد تقدم ذكرها أعلاه .
والقرآن كما نعلم أُنزل للناس كافة ، منذ اليوم الأول لبعثة نبينا ، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ومن ضمن هؤلاء بني إسرائيل ، الذين عاصروا هذه الرسالة وهذا القرآن ، وقد ذكّرهم الله وما زال يُذّكرهم ، في معجزته الخالـدة بمـا حصل لفرعون وقارون ، وهم أشدّ الناس قربا لهم ، لما علوا وأفسدوا في الأرض ، وأنّهم إن أصرّوا على الإفساد في الأرض ، مضت فيهم سنة الأولين ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تحْوِيلًا (43 فاطر ) ، وقال في سورة الإسراء ( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) لينالهم ما نال سابقيهم ، من العذاب في الدنيا والآخرة ، وأنّ لا مناص لهم للنجاة من سخطه وغضبة ، إلّا بالعودة إليه والإنابة له ، ولكن هيهات لمن قيل في أسلافهم ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً … وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74 البقرة ) .
علوّ بني إسرائيل في المرة الأولى ، لم تتضح تفاصيله في سورة الإسراء ، لكنها جليّة واضحة في مواضع أخرى من القران ، وسيأتي الحديث عنها في حينه ، أما ما نحن بصدده الآن ، هو توضيح مفهوم العلوّ ، ولدينا مثالين هما فرعون وقومه وقارون وكنوزه ، وبما أنّ العلوّ المقصود هنا ، هو علوّهم كأمّة وليس كأفراد ، فالخيار يقع على علوّ فرعون وقومه ، وهذه آيات تعرضت لبعض من مظاهر هذا العلو ومقوماته ، قال تعالى ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51 الزخرف ) وعلى لسان مؤمن آل فرعون ( يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ (29 غافر ) ، وقال ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (88 يونس ) ، وقال ( وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ (24)كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27 الدخان ) وبالقليل من التدبر في الآيات السابقة .
نجد أنّ مقومات علو فرعون وملأه ، وهم علية القوم ، ويمثلهم في زماننا ، رجال الحكم والقضاء والدولة ، ورجال السياسة والمال والإقتصاد ، والوجهاء ورؤوس الناس ، تتمثل فيما يلي : ملك مصر والسيادة على أهلها ، والقوة والمنعة والظهور في الأرض ، وامتلاك الزينة والأموال ، والجنات والعيون ، والأنهار الجارية ، والزرع والمقام الكريم ، والنعم المختلفة .
ـ مفهوم العلو : هو مظهر من مظاهر الحياة ، بمعنى الاستعلاء والارتفاع والتكبّر والتجبّر ، من خلال امتلاك مقومات مادية ، كالأرض والمال والقوة ، مما يُمكّن الظلمة والمفسدون من سيادة الناس وسياستهم ، والتحكم في تصريف شؤونهم ، على وجه من الظلم والبغي .
أما مفهوم الإفساد ؛ فهو يتمثّل في بعض ، ما قيل من آيات في فرعون وقومه ، قال تعالى ( وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ (83 يونس ) ، وقال ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4 القصص ) ، وقال ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46 المؤمنون ) ، وقال ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12 النمل ) ، وقال ( فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى (24 النازعات ) ، وقال ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38 القصص ) ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54 الزخرف ) ( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79 طه ) .
ومظاهر إفساده تتمثل فيما يلي : جعْلُ أهل مصر فرقا وطوائف متنابذة ، واستضعاف طائفة منهم ( بني إسرائيل ) ، بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم ، والإسراف في كل أمره ، والاستكبار والفسق ، وتكذيب الرسل ، ومعصية الله وجحود آياته ، وادّعاء الربوبية والألوهية ، واستخفاف الناس وإضلالهم .
ـ مفهوم الإفساد : استضعاف الناس وتفريقهم وتصنيفهم ، وإثارة الفتن فيما بينهم ، والقتل وسفك الدماء ، وتكذيب الرسل ، وتكذيب آيات الله وجحودها ، ومعصية الله ورسله ، واستخفاف عقول الناس وتضليلهم وإضلالهم ، وإنكار ربوبية الله ، وإنكار أحقيته في العبادة دون غيره .
وخلاصة القول : هذا هو مفهوم العلو ، وهذا هو مفهوم الإفساد ، الذي تتحدث عنهما سورة الإسراء ، لذلك عند أي محاولة لتعيين أيٍّ من المرتين ، يجب أن تكون الحالة موضوع البحث ، مطابقة تماما لما كان عليه فرعون ومَلَئه ، وكأنّ علو وإفساد بني إسرائيل ، صورة في مرآة لعلو وإفساد فرعون ومَلَئِه ، وما علينا إلّا أن نبحث ، في ماضي بني إسرائيل وحاضرهم ، عن أيّ حالة ترافق فيها مثل هذا العلو ومثل هذا الإفساد ، كما هو الحال بالنسبة لفرعون وقومه . ولن نذهب بعيدا ، فإحداهما موصوفة في القران الكريم وبالتفصيل أيضا . والأخرى نشاهدها بأم أعيننا على أرض الواقع ، منذ أكثر من خمسين عاما .
فِي الْأَرْضِ :
قرن سبحانه وتعالى ، بين الإفساد والعلوّ لكلتا المرتين بالأرض ، ولفظ الأرض هنا اسم جنس ، وجاءت كذلك لتشمل الجزء والكل والخاص والعام ، حيث قال في الآية (4) ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) ولم يحدّد مكانا بعينه ، وعاد سبحانه وحدّد موقع العقاب في المرتين ، حين قال في الآية (7) ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ، كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) حيث ربط ما بين العقاب والمسجد ، لنفهم من ذلك أن العقاب الموعود به بنو إسرائيل والمقصود هنا ، سينفذ فيهم في المرتين ، خلال تواجدهم في فلسطين ( الأرض المقدسة ) ، وذُكر المسجد للإشارة إلى المكان . وهذا المسجد تم تعريفه ، في بداية سورة الإسراء ، في قوله تعالى ( الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ (1) وقوله الذي باركنا حوله ، أي ما يليه من الأرض ، ولم يقل باركنا فيه ، أي لم تُحصر البركة في المسجد فقط ، بل شملت ما حوله من الأرض .
والملاحظ أن ذكر الإفساد حُصر في المرتين ، وأن ذكر الإفساد سبق ذكر العلوّ ، وأن العلو لم يُحصر في المرتين ، بل أُفرد ووصف بالكبير . وبما أن التركيز هنا على المرة الثانية ، فذلك يوحي بأن الإفساد في المرتين متطابق ، وبأن تحصيلهم للعلو ، على الأقل في المرة الثانية ، سيتأتى عن طريق الإفساد ، وأن العلو الثاني أكبر من الأول ، لذلك تأخر ذكر العلو وصفته ، عن كلمة مرتين للاختلاف . ذلك لأن إفساد بني إسرائيل المُتأتّي عن العلوّ ، اقتصر على حدود دولتهم ، في فلسطين في المرة الأولى ، وهذا ما يُثبته القرآن والتوراة . وأمّا إفسادهم وعلوّهم الأخير في فلسطين ، والذي نعيشه الآن ، سبقه ورافقه إفساد وعلو ، شمل مشارق الأرض ومغاربها . والله أعلم .
وبما أنّ العقاب سيحل بهم في الأرض المقدسة ، يترتب على ذلك ، حتمية سبق وقوع الإفساد والعلوّ فيها ، حتى ولو سبق منهم ، الإفساد والعلو في الأرض على عمومها ، أو تزامن مع إفسادهم وعلوهم ، في الأرض المقدسة ، لذلك جاء الحديث مجملا في الآية (4) ، وهي الآية الأولى من قصة الإفسادتين ، فذُكر الإفساد والعلو ، لاشتراط وقوعهما في المرتين ، ولم يأتي بأي تفاصيل لأيّ من المرتين فيها .
وخلاصة القول : أن الأرض التي سيتم فيها ، علو بني إسرائيل وإفسادهم ، هي الأرض على عمومها في المرة الثانية ، وفلسطين بشكل خاص في المرتين . وأن عقابهم في المرتين ، سيكون في الأرض المقدسة خاصة ، وزوال علوهم في المرة الثانية ، من الأرض على عمومها ، والله أعلم .
مَرَّتَيْنِ :
المرة ، هي الفعلة الواحدة ، من شيء يُمكن تكراره ، والجمع مِرار ، واعتدنا أن نجمعها على مرّات . وقد أوضح سبحانه بما لا يدع مجالا للشك ، أنهما مرّتان بصريح اللفظ . ولا يصحّ أن نُضيف ثالثة ، ومن أفتى بثالثة ، فقد أفتى بغير علم .
وعندما تقول : مرة ، ومرتان ، وثلاث مرات ، فأنت في الواقع ، تَعدُّ فعلة واحدة تتكرّر ، ولها صفة الاستمرار ، كالعمرة والحج مثلا ، لتقول اعتمرت مرة ، ومرتان ، وثلاث ، والعمرة لها شروط ومناسك خاصة بها ، تميّزها عن غيرها كالحج مثلا ، ولا يصحّ أن تَعدَّ أفعالا مختلفة على أنها مرّات ، كأن تقول مثلا ، عندما تعتمر مرة ، وتحجّ مرة ، اعتمرت مرتين أو حججت مرتين . ولا يصحّ أن تُسمّي فعلة غير مكتملة الشروط والمواصفات ، على أنها مرة ، كعمرة بلا طواف أو سعي .
وخلاصة القول : أنّ المرتين تكرار لفعلة واحدة ، تمتلك نفس الشروط والمواصفات ، وبما أن إفساد بني إسرائيل في الأرض ، بدأ منذ نشأتهم ، قبل حوالي (3) آلاف سنة ، واستمر لغاية هذه اللحظة ، كان من الضروري لنا ، أن نستنبط من هذه الآيات شروطا ومواصفات ، تجعل من السهولة بما كان ، تحديد المرتين وبدقة متناهية ، وتحديد موقعهما من حيث الزمان والمكان ، وأول شرط من الشروط هو الإفساد المقترن بالعلو ، والشرط الثاني أن يكون في الأرض المقدّسة دون غيرها .
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا :
جاء أي مجيء الوقت المعين أو الموعد المحدّد ، والوعد أي الموعودين به من العقاب والهلاك ، والمعنى إجمالا هو مجيء زمن الاستحقاق ، لنفاذ الوعد بالعقاب والهلاك ، ومجيء الوعد متعلّق بتحقق الشروط الثلاثة في الآية السابقة ، ويتوضّح هذا المعنى ، في قوله تعالى ( وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59 الكهف ) ، أي ربط الهلاك بموعد معين ، لا يتأخر ولا يتقدّم ، كما في قوله تعالى ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(34 الأعراف ) . وسرعة مجيء موعد الهلاك وإبطاءه ، تعتمد على درجة الظلم ، وتجد ذلك في قوله تعالى ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا … ( 59 الكهف ) ، وقوله ( … وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59 القصص ) ، والظلم المقصود هنا هو الظلم الأممي ، مع توافر الإصرار . إذ كلما زادت درجة الظلم ، وزادت وتيرة اقترافه ، كلما أسرع إلى الأمم قدرها المحتوم ، لتمضي فيها سنن الله ، التي لا تتحول ولا تتبدل .
بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ :
قال تعالى ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (2 الجمعة ) ، وقال ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56 البقرة ) ، وقال ( فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ (31 المائدة ) ، ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا (5 الإسراء ) ، ومن خلال التدبر في الآيات السابقة ، نجد أن المبعوث من قبله سبحانه ، ليس له القدرة على بعث نفسه ، وذلك على حالين :
الأولى : هي وجود الإرادة الإلهية وانعدام الإرادة البشرية ، فالرسل عليهم السلام بتلقي الرسالة عن طريق الوحي ، ينتقلون من حال الغفلة والسكون إلى حال الهداية والدعوة ، والموتى ينتقلون بنفخ الروح فيهم من حال الموت إلى حال الحياة . وفي هذه الحالة يكون التدخل الإلهي ظاهرا ، بإحداث البعث عن طريق إرسال الروح والوحي ، سواء كانت وسيلة البعث مادية أو معنوية .
والثانية : هي وجود كلتا الإرادتين ، مع تعليق الإرادة الثانية بالأولى ، فالأحياء يملكون الإرادة في بعث أنفسهم ، لتصريف أمورهم الدنيوية ، ولكنّها إرادة معلقة بالمشيئة أو الإرادة الإلهية ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فإن توافقت الإرادة البشرية للقيام بأمر ما ، مع الإرادة الإلهية ، وقع ذلك الأمر وإن لم تتوافق لم يقع ، قال تعالى ( وَمَا تَشَاءُونَ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30 الإنسان ) . وفي هذه الحالة يكون التدخل الإلهي غير ظاهر ، حيث أنه يتم عن طريق التمكين ، بإزالة المعوقات والمثبّطات وإيجاد التسهيلات والمحفّزات ، سواء كانت الوسائل مادية أو معنوية .
وفي كلتا الحالين يكون البعث من عند الله ، ولذلك نسب سبحانه بعث أولئك العباد إلى نفسه ، لأن الله سيُمكّن لهم الأسباب والسبل عند خروجهم ، لتحقيق وعده في بني إسرائيل . وأما هؤلاء العباد فسيخرجون من تلقاء أنفسهم ، ورغبة منهم في ذلك ، بدفع من أسبابهم الخاصة .
ونجد ذلك في قوله تعالى ( وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ، وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46 التوبة )
أي لو أرادوا الخروج ، لأعدّوا عدة الخروج ، ولكنهم لم يُعدّوا العدّة ، لأن رغبة الخروج لديهم معدومة أصلا . وبما أن إرادتهم معدومة ، كره الله انبعاثهم ، فثبّطهم كي لا يخرجوا مكرهين حياءً أو رياءً ، خشية تأثيرهم السلبي على الخارجين . وفي المقابل ، فإنّ من وُجد لديه الإرادة والرغبة في الخروج ، كان الأولى بإزالة المُثبّطات ، وإحاطته بالمُحفّزات لتمكينه من الانبعاث والخروج .
ـ مفهوم البعث : هو انتقال ، أو انقلاب ، أو تحول ، أو تغير من حالة إلى أخرى ، نتيجة مُسبِّب خارجي ، مادي أو معنوي .
وخلاصة القول : أنّ عملية البعث هنا ، معلّقة بالمشيئة الإلهية ، وموعد البعث منوط بهذه المشيئة ، وأن هؤلاء المبعوثين ولو تولدت فيهم الإرادة ، ومهما حاولوا الانقضاض ، مرارا وتكرارا على بني إسرائيل ، للقضاء عليهم وإفنائهم ، فلن يتمكنوا من ذلك ، حتى مجيء ذلك الموعد .
عِبَادًا لَنَا :
معظم الناس هذه الأيام ، يعتقدون اعتقادا جازما لا شك فيه ، بأن هؤلاء العباد المُشار إليهم ، في هذه العبارة ، هم عباد مؤمنين ، بل من أولياء الله المخلصين . ولبيان خطأ هذا المعتقد ، سنناقش هذا الأمر من عدة وجوه ، وبما أن هذه العبارة ، أحد أهم مرتكزات الفهم الخاطئ ، للنبوءة التي جاءت بها آيات سورة الإسراء ، سنتاولها بالشرح والتفصيل ، بما يتناسب مع حجم المساحة ، التي احتلتها في أذهان الناس :
أولا : رأي المفسرين القدماء
هذه العبارة ،لم يكن فهم معناها ومغزاها ، مشكلة للمفسرين القدماء ، وهم الأكثر قربا وفهما ، لألفاظ العربية وتركيباتها اللغوية ، ولو طالعت تفسيراتهم للعبارة ، وآرائهم في أصحاب البعث الأول والثاني ، التي أجملناها في الفصل السابق ، لوجدت أنّهم بلا استثناء ،لم يعيروها أدنى انتباه ، وبما أنّ أنّهم ، جزموا بأنّ تحقق الوعدين ، قد تمّ قبل الإسلام ، فهم على الأقل ،لم يثبتوا لهم صفة الإيمان ، حيث أن بني إسرائيل آنذاك ، كانوا من أهل الكتاب ، وكل من حولهم كانوا من عبدة الأوثان . بل على العكس من ذلك ، نجد أنهم بلا استثناء ، كانوا قد أثبتوا لهم صفة الكفر .
ثانيا : كلمة عباد نكرة ، وإضافتها للجار والمجرور ، لم توضح ماهية المعتقد
وردت هذه عبارة ( عبادا لنا ) في القرآن مرة واحدة فقط ، ولو أمعنّا النظر في تركيبتها ، لوجدنا أنّه سبحانه نكّر هؤلاء العباد ، ولم ينسبهم إلى نفسه حتى بضمير متصل ، كأن يقول عبادنا ، وأضافها إلى الجارّ والمجرور ( لنا ) ، لنفهم أنّ تنكيرهم ، كان غاية بحدّ ذاته ، والإضافة للجارّ والمجرور ، جاءت هنا لتفيد ملكية الله لهم فقط ، وليس لها علاقة ببيان ماهية المعتقد . وذلك ليعلم بني إسرائيل ، أن هذا البعث من عند الله ، وبتمكين منه سبحانه ، فكل ما يجري على الأرض بخيره وشرّه ، لا يكون إلا بمشيئة الله جل وعلا وتقدير منه .
ثالثا : الفرق بين العبودية والعبادة
لنعلم أن أصل العبودية الخضوع والذل ، كرها أكثر منها طواعية ، وأصل العبادة الطاعة والولاء ، طواعية ورغبة لا كراهية فيها .
وتجب العبودية على الخلق بالربوبية أو بالمُلكية ، بدافع من الخلق والإيجاد ، الموجب لحقّ الملكية ، للخالق على المخلوق ، واقرأ سورة الملك إن شئت فهبي تفصل الأمر ، ونجدها في قوله تعالى ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ (164 الأنعام ) أي صاحب كل شيء ، وقوله ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا (17 المائدة ) أي مالك للسموات والأرض ، وقوله ( خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (102 الأنعام ) مما يعقل ولا يعقل ، والخلق هو الدافع للربوبية والملكية ، ولذلك قال جل شأنه ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93 مريم ) من الملائكة حتى الذرّة من التراب ، رغما عن أنوفهم لا خيار لهم ، بدافع ما سبق من خلقه إياهم ، قال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11 فُصّلت ) ، طوعا من قبيل العبادة ، ولو لم تأتيا طوعا ، لكان ذلك كرها من قبيل العبودية ، حيث قال تعالى ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44 الإسراء )
ويندرج تحت العبودية بالربوبية ، عبودية الرقّ بدافع الشراء أو ما شابه ، التي توجب الملكية وحق التصرف بكل شؤون العبد ، ومن هنا جاءت تسمية الرقيق بالعبد ، كما في قوله تعالى ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50 يوسف ) والملك هو ملك مصر ، وهو ربّ الرسول أي صاحبه وسيّده ، والرسول هو نفس الفتى الذي ، قال : ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ) ، وربوبية المَلِك لهذا الفتى جاءت بدافع الملكية .
ونجده سبحانه ، يدعو إلى الإقرار بالربوبية والخلق ووحدانية الألوهية أولا ، ومن ثم يأمر بالخضوع له ، وإفراده سبحانه بالعبادة والاتكال عليه ، في قوله ( ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102 الأنعام ) . فلا تستقيم العبادة إلا بإقرار أما العبادة بالتأليه ، بمعنى اتخاذ آلهة ، فنجدها في قوله تعالى ( هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً (15 الكهف ) ، أو إلها دون سواه ، وكما في قوله ( أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108 الأنبياء ) ، ومن ثم تقديم فروض الطاعة والتقديس والولاء ، كما في قوله ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56 الذاريات ) ، وقوله ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا ، لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31 التوبة ) ، فهي تشمل جميع الخلق أيضاً ، وكل الناس على وجه البسطة في الحقيقة ، لهم آلهة يعبدونها ، سواء كانوا من أهل الكتب السماوية أو وثنيون أو ملحدون ، فكلّهم يمارسون العبادة . أما المؤمنون بالله فهم من نُسبت عبادتهم لله ، وليس من نُسبوا بذواتهم فقط . قال تعالى ( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138 البقرة )
الربوبية لله أولا ، ولا يستقيم الحال بإقرار الربوبية لله وحدها دون القيام بالعبادة . وهذا ما كان عليه كفار قريش ، حيث أنهم أقرّوا بربوبية الله لهم ، ولكنهم أشركوا بالعبادة ، قال تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87 الزخرف ) ، بينما عبادتهم للأصنام قالوا فيها ( … مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى … (3 الزمر ) .
ومن ذلك يُسمّى من يرزح تحت العبودية كرها عبدا ، فلا خيار في ألا يكون ، فهو مرغم ، ويُسمى من يقوم بواجبات العبادة طائعا عابدا ، فالخيار في أن يكون أو لا يكون ، عائد إليه ، وأشدّ الكفر ، هو ما أنكر العبودية والعبادة لله معا ، وشتان ما بين المسمّيين .
رابعا : الإفراد والجمع
عباد وعبيد كلمتان مترادفتان ، ومفردهما عبد ، والعبد لغة ضد أو نقيض الُحرّ ، فكلمتيّ ( عباد ) و ( عبيد ) هي صيغة الجمع من كلمة ( عبد ) وذلك بدلالة النص القرآني في قوله تعالى ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65 الكهف ) ، ولو قال ( عابدا من عبادا ) لاختلف الأمر ، وتدبرّ قوله تعالى ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3 الإسراء ) ، نجد أنه سبحانه يُخبر أن نوح عليه السلام ، كان عبدا أولا ، وعابدا بالشكر لله ثانيا .
أما كلمة ( عابد ) ، وهو القائم بالعبادة ، فصيغة الجمع منها هي ( عابدون ) ، وذلك بدلالة قوله تعالى ( وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5 الكافرون )
خامسا : ترادف كلمتي عباد وعبيد في المعنى والاستخدام .
وقد أطلق سبحانه لفظ عباد على العبيد بمعنى رقيق ، ونجد ذلك في قوله تعالى ( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (32 النور ) ، نجد أن الضمير المتصل ( كم ) في كلمة ( عبادكم ) يعود على المؤمنين المخاطبين بالنص ، ومما لا يُعقل ، أو من المستحيل أن نقول بأن كلمة ( عباد ) جاءت لغة من العبادة ، فهي لا تحمل هذا المعنى على الاطلاق ، ولو بدلالة هذه الآية فقط .
وأما الترادف في الاستخدام ، فقد جاء في قوله ( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31 غافر ) وقوله ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46 فصلت ) وقوله ( قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48 غافر ) ، نجد أن المعنى المستفاد من عباد وعبيد ، هو جملة خلق الله ، مؤمنهم وكافرهم على السواء .
سادسا : كلمة عباد نكرة ، ولا يُعرّفها إلا ما يأتي بعدها من سياق .
تشمل العبودية ، كل من في السماوات والأرض ، وما بينهما من الخلائق ، وتشمل العبادة ، كل من يملك العقل والإرادة من خلقه ، ومنهم على سبيل المثال الملائكة والإنس والجن ، وهم المطالبون والمكلفون ، بإفراده جل وعلا بالألوهية والعبادة ، والمحاسبون عليها ، فإن جاءت كلمتي عباد أو عبيد ، معرّفة أو غير معرّفة بأل التعريف ، أو بالإضافة ، فهي تفيد جملة الخلق ، كقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48 غافر ) . ولا تفيد أي معنى آخر على الإطلاق ، إلّا إذا أُضيف إليها ما يفيد ذلك :
كقوله تعالى ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81 الصافات ) ليُبرز فيهم سبحانه صفة الأيمان ، فهم عباده المؤمنين ، وفيها حثّ على الإيمان به . أو دل السياق على غير ذلك ، من نفي أو إثبات لصفة دون غيرها ، لتناسب الموقف ، كقوله تعالى ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28 فاطر ) ليُبرز فيهم صفة العلم ، وحصر خشية الله بمن يتصف بالعلم ، فهم عباده العلماء ، وفيها حثّ على طلب العلم ، وقوله ( أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17 الفرقان ) دل السياق على ضلالهم ، فهم عباده الضالين ، وفيها تحذير من الضلال ، وقوله ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (53 الزمر ) دل السياق على إسرافهم فهم ، عباده المسرفين ، وفيها تنفير من الإسراف ، وكلّهم نسبهم الله إلى نفسه ، بإضافة ضمير متصل يعود عليه سبحانه .
سابعا : التركيب اللغوي للعبارة ، جيء به لتخصيص جزء من كل بصفة معينة .
ولتوضيح ذلك ، لاحظ الفرق بين أن تقول ( هذا بيتنا ) وذاك ( بيتٌ لنا ) ، يفهم المستمع من العبارة الأولى ؛ أنّ هذا البيت مُلك لكم وخاصتُكم وأنّكم مُقيمون فيه ، وأمّا الثانية ؛ فيفهم منها المستمع أنّ ذلك البيت ، مُلك لكم ، وأنّكم غير مقيمين فيه ، وربما يكون فارغا أو مؤجّرا . ومن هنا نجد أن عبارة ( بيت لنا ) ، تعني أنّ بيتكم هذا ، هو واحد من جملة بيوت تملكونها ، ولا تعني شيئا أخر على الإطلاق ، وأنّك زدته تنكيرا بمثل هذا اللفظ . وأنك لو قلت ( ذاك بيت لنا ذو غرف كثيرة ) ، نفهم أنك أبرزت فيه صفة معينة ، اختص بها دون غيره ، من البيوت التي تملكونها ، وهي احتوائه على غرف كثيرة ، وميّزته عن باقي بيوتكم ، التي في معظمها ذات غرف قليلة . وكذلك الأمر بالنسبة لعبارة ( عبادا لنا ) ، التي جاءت منكّرة أيضا لإبراز صفتهم ، ( أولي بأس شديد ) ، التي يتميزون بها عن غيرهم ، من جملة عباد الله مؤمنهم وكافرهم ، ولم يأتي السياق بتصريح أو تلميح عن ماهية معتقدهم .
ولتوضيح ذلك أكثر فأكثر ، نطرح هذا المثال ، فيه أربعة أقوال لرجل ، يُجيب رجلا آخرا ، يريد عمالا لمزرعته :
1- سأرسل لك ( أولادي ) غدا ، للعمل في مزرعتك .
2- سأرسل لك ( أولادا لي ) غدا ، للعمل في مزرعتك .
3- سأرسل لك ( أولادي ، أولي المهارة والخبرة في الفلاحة ) غدا ، للعمل في مزرعتك .
4- سأرسل لك ( أولادا لي ، أولي مهارة وخبرة في الفلاحة ) غدا ، للعمل في مزرعتك .
فما المعنى الذي أفادته كل عبارة أعلاه ؟
1- أنه سيرسل جميع أولاده ، مع عدم توضيحه لصفتهم أو ماهيتهم .
2- أنه سيرسل بعضا من أولاده ، مع عدم توضيحه لصفتهم أو ماهيتهم أيضا .
3- أنه سيرسل جميع أولاده ، وأن جميع أولاده لديهم مهارة وخبرة في الفلاحة .
4- أنه سيرسل بعضا من أولاده ، وأن هذا البعض من أولاده فقط ، هو الذي يملك المهارة والخبرة في الفلاحة ، أما البقية فلا .
وأخيرا تدبرّ هذه الآيات :
( وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118 النساء ) ( أي أن من جملة العباد المنسوبين إلى الله هناك نصيب لإبليس )
( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42 الحجر ) ( أي أن سلطان إبليس محصور فقط على أتباعه من الغاوين ، الذين هم من جملة العباد المنسوبين إلى الله )
( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194 الأعراف ) ( أي أنتم وهم ، أي العابد والمعبود ، سواء في كونكم عباد )
( قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا (31 إبراهيم ) ( أي أن الخطاب لعبادي الذين آمنوا ، دون عبادي الذين كفروا )
( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63 مريم ) ( وأن النار لمن لم يكن تقيا من عبادنا )
( إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109 المؤمنون ) ( أي وكان هناك فريق من عبادي ، يقولون غير ذلك )
( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85 غافر ) ( أي في مجمل عباده ، والخاسرون منهم ، هم الكافرون دون المؤمنين )
( نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52 الشورى ) ( أي وهناك من لم نهدي من عبادنا )
( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93 مريم ) ( مؤمنهم وكافرهم بلا استثناء )
وفي الحديث الصحيح الطويل ، الذي رواه مسلم وأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد ، جاء ما جاء نصه " … إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى ، إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي ، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ( جبال القدس ) ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ … " يرد نفس التركيب اللغوي لعبارة ( عبادا لنا ) ، وهو (عبادا لي ) والمقصودين به هم قبيلتي يأجوج ومأجوج ، الذين قال فيهم سبحانه ( قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ ، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ، عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94 الكهف ) .
وخلاصة القول : أن كلمة ( عبادا ) ، جاءت نكرة ، و كلمة ( لنا ) لم تعرّفها ، وإنما جاءت هنا لتأكيد الملكية فقط ، وكل الخلق ملك لله ، ليؤكد سبحانه لبني إسرائيل ، أن هذا البعث سيكون من عنده ، وبما أن هؤلاء العباد ملكه ، فهم رهن إشارته وطوع بنانه ، ويملك حق التصرف بشؤونهم ، فإن شاء بعث وإن شاء أمسك . وأكثر المعاني دقة لهذه العبارة ( عبادا لنا ) ، هو أنهم ( طائفة من خلقنا ) لا أكثر من ذلك ولا أقل ، وأهم ما يميّز هؤلاء الخلق عن غيرهم ، أنهم ( أولي بأس شديد ) فقط لا غير .
وأن ورود لفظ ( عباد ) في القرآن ، لم يقتصر على أولياء الله وأحباؤه ، وإنما جاء هذا اللفظ في الخطاب القرآني ، منّا على العباد بنعمة خلقه إياهم ، ورفقه ولطفه بهم ، مطيعهم وعاصيهم ، والكلمات ( عبادي ، عبادنا ، وعباده ) عادة ما تأتي كتهيئة ، لما سيأتي بعدها ، من صفة مميزة ، أو سياق يدل على صفة ، وهي المراد إبرازها أصلا ، فإن كانت صفة محمودة ، كالإيمان والعلم فقد أُبرزت تحببا بها ، وإن كانت صفة مذمومة ، كالضلال والإسراف ، فقد أُبرزت تنفيرا منها .
وأما صفة البأس الشديد ، فقد أُبرزت تهديدا وتحذيرا وتخويفا لبني إسرائيل ، من سوء عاقبتهم بوقوعهم ، بين أيدي مثل أولئك الخلق ، الذين لن يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمة ، لعلهم ينتهون ويرجعون ويرتدعون ، عمّا هم عليه من فساد وإفساد .
أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ :
وصف الله هؤلاء العباد ، بأولي البأس الشديد ، والبأس كما قدمه معظم المفسرون ، هو القوة والبطش في الحروب ، والشدّة جاءت زيادة في المبالغة ، قال تعالى ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (25 الحديد ) ، فانظر وتفكر في معدن الحديد ، فهو يحمل في جوهره صفتان ، قلما تجدهما في معدن أخر . وهما ؛ أولّا : أنّه يحافظ على طبيعته ، مهما عظم عليه الطرق واشتدّ ، ولا يحترق أي يتحول إلى مادة أخرى ، مهما ازدادت شدة النيران عليه ، وإن انصهر عاد إلى سابق عهده عند البرودة ، وهذه الصفة إن وجدت في البشر ، فهي الجلد والصبر عند وقوع البلاء . وثانيا : أنّه عند تشكيله وشحذه ، فهو قوي قاتل وقاطع ، لذلك قيل " لا يفل الحديد إلّا الحديد " ، وهذه الصفة إن وجدت في البشر ، فهي القوة والبطش عند مواجهة الأعداء .
وفي قوله تعالى ( وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا (84 النساء ) نجد أنّه سبحانه قد وصف نفسه بذات الصفة ، وبما أنّ البأس الشديد تعني القوة والبطش ، فأين تستعمل هذه القوة وهذا البطش من قبله سبحانه ؟ وفي أي المواقع والمواقف يصف رب العزة نفسه بهاتين الصفتين ؛ القوة والبطش ؟ دعنا نتتبع هذه الصفات والعلاقة ما بينها ، في الآيات التالية ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12 البروج ) ( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ (16 الدخان ) نجد أنّ الشدة ارتبطت بالبطش ، والبطش بالانتقام .
( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52 الأنفال ) ( إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40 الحج ) ( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42 القمر ) ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102 هود ) ( لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4 آل عمران ) ، ونجد أنّ الشدة ارتبطت بالقوة ، والقوة بالعزة ، والعزة بالأخذ ، والأخذ بالشدة ، والشدة بالعزة ، والعزة بالانتقام .
ومما تقدم نجد أن الموقف ، الذي يستدعيه جل وعلا لإظهار بأسه الشديد ، هو موقف الانتقام ، وأن الانتقام لا يتأتى إلا ممن هو قوي وعزيز .
وخلاصة القول : أنّ هؤلاء العباد ، المبعوثين من قبله سبحانه على بني إسرائيل ، اختارهم الله لتنفيذ مهمة ، وهي إنزال أبشع انتقام إلهي ممكن في بني إسرائيل ، لذلك تطلب الأمر أن يكونوا أولي بأس شديد ، ويتمتعون بالقوة والعزة ، ذوي صبر وجلد عند وقوع البلاء ، وقوة وبطش عند اللقاء ، بغض النظر عن إيمانهم أو كفرهم ، زيادة في التنكيل وإمعانا في الإذلال لبني إسرائيل ، وما عدا ذلك من صفات العباد ، لا تصلح لتنفيذ هذه المهمة . والفتوحات التي اتخذت الطابع الإسلامي قديما وحديثا ، لم تحمل الطابع الانتقامي بإهلاك الحرث والنسل ، الذي سيكون عليه الأمر الذي تصفة الآيات .
فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ :
لم ترد كلمة ( جاسوا ) ، أو أي من مشتقات مصدرها ( جوس ) في مجمل القرآن ، إلّا مرة واحدة فقط في هذا الموضع ، لذلك لجأت إلى معجم لسان العرب ، وهذا مما قيل فيها : " الجوس هو مصدر جاس جوسا ، وجوسان تردد ، فجاسوا خلال الديار : ترددوا بينها للغارة والجوسان ؛ أي قتلوكم بين بيوتكم ؛ بمعنى يذهبون ويجيئون ؛ فطافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه ؛ تخللوها فطلبوا ما فيها ، والجوسان : الطوفان بالليل ، ورجل جوّاس أي يجوس كل شيء يدوسه ، والجوس : طلب الشيء باستقصاء ، وكل موضع خالطته ووطئته ، فقد جسته " .
ولو جمعنا كل ما قيل فيها من معاني ، وأعدنا تشكيل هذه المعاني وصياغتها ، لخرجنا بالمشهد التالي :
( أغاروا عليكم – ليلا على الأرجح – ودخلوا دياركم ، ووطئوا أرضكم ليقتلوكم وينكّلوا بكم ، وتردّدوا فيها ذهابا وإيابا ، وطافوا خلالها شرقا وغربا ، وتخلّلوا أزقتكم واقتحموا بيوتكم ، بحثا وتقصيّا ، لعلّهم يجدوا منهم ، من بقي حيا ليقتلوه ) .
نلاحظ هنا أنّ الله جلّت قدرته ، أوجز في وصف فعل هؤلاء العباد أيّما إيجاز ، ليصف كل ما فعلوه في كلمة واحدة فقط ، هي كلمة ( جاسوا ) لتصف مشهدا كاملا ، ولم تكن الإضافة ( خلال الديار ) إلّا لتوضيح ما كان قد جيس . وهذا يُشبه مشهد الإغارات الوحشية ، التي كان يقوم بها ، الأمريكي المدجّج بالسلاح الناري ، على قرى الهنود الحمر شبه العُزّل ، وما يُخلفه وراءه من دمار ومآسي ، مشهد طالما حفلت به أفلام الغرب الأمريكي .
والعبارة جاءت لتصف ما قام به عباد البعث الأول عند بعثهم ، قال تعالى ( فجاسوا ) بصيغة الماضي ، أي أن الجوس ، قد وقع في الماضي ، ولم يقل ( ليجوسوا ) بصيغة الاستقبال ، كما هو الحال في أفعال البعث الثاني ، التي ستقع في المستقبل .
وخلاصة القول : أن هذا الجوس قد وقع في الماضي ، وكان غاية في البشاعة ، واستباح فيه هؤلاء العباد حُرُماتهم جميعها ، من أرض ومال وعرض ، فوقع فيهم القتل والنهب والسبي .
وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا :
هذا الخبر جاء كتعقيب على الوعد الأول ، ليؤكد سبحانه تحقق المرة الأولى ، بعلوها وإفسادها وبعثها ، قبل نزول هذه الآيات . حيث جاءت صيغة اسم المفعول ( مَفْعُولا ) من الفعل ( فَعَلَ ) ، للدلالة على تمام الفعل ، بمعنى وكان وعدا ( قد فُعِلْ ) فيما مضى من الزمان . ولم تأتي بأي حال من الأحوال بمعنى ( مقضيا ) ، كما قدّمه معظم المفسرين القدماء ، ومنهم القرطبي أجلّه الله ، حيث قال فيها " وكان وعدا مفعولا ، أي قضاء كائنا لا خلف فيه " ، على اعتبار أن نفاذ الوعدين كان قبل الإسلام .
وقد جاءت هذه العبارة ، كجملة معترضة ، بحيث لو قمت بإسقاطها من السياق ، ومن ثم قرأت الآيتين ( 4و5 ) ، كما يلي : ( … بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ، فجاسوا خلال الديار . ثم رددنا لكم الكرة عليهم ، وأمددناكم … ) لوجدت أن السياق لم يتأثر بحذفها ، فخبر نفاذ الوعد الأول ، انتهى عند ذكر الجوس ، أي أن الجوس قد وقع بعد البعث . وجاء التعقيب على الوعد ، بالجملة المعترضة ( وكان وعدا مفعولا ) لبيان وتأكيد ، أن الوعد بالبعث الذي تقدّم ذِكره ، قد تحقّق فعلا ، وكانت نتيجته هي الجوس ، ومن ثم يبدأ النص بالإخبار عن الوعد الثاني .
قال تعالى ( وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ، وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ، كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) … فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ، قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166 الأعراف ) وهذه الحادثة كما نعلم ، وقعت في بني إسرائيل قبل مئات السنين ، والآن انظر قوله تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .. (48 النساء )
جاءت الجملة المعترضة ( وكان أمر الله مفعولا ) زيادة للإيضاح ، ولتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أو الظن ، لبني إسرائيل المعاصرين لرسالة الإسلام ، والمتشكّكين منهم والذين خانتهم ذاكرتهم ، وغير المصدّقين بصحة هذا الأمر ، الذي كان الله قد أجراه في أسلافهم ، أن هذا الأمر وهو المسخ ، قد مضى في أسلافهم حقيقة ، فجاء تعقيبه تعالى على ما تقدم ، من لعن ومسخ لأسلافهم ، بقوله ( وكان أمر الله مفعولا ) لإزالة الشك ، ولتأكيد أنّ الله قادر على تكرار ذلك الأمر ، إن لم يؤمنوا بما أُنزل من القرآن على وجه التهديد والتحذير .
وخلاصة القول : أن الوعد الأول بالبعث ، كان قد مضى وانقضى قبل نزول هذه الآيات ، وأنّ تعقيبه عز وجل بقوله ( وكان وعدا مفعولا ) ، جاء لتذكير اليهود الحاليين وتحذيرهم ، وإنباء المسلمين غير العالمين ، بوقوع ذلك في بني إسرائيل ، بأنه قد وقع فعلا ، وبشرى لهم بأن الوعد الثاني ، سيتحقق كما تحقّق الوعد الأول ، وأن الله لا يخلف الميعاد ، وما عليهم إلا الصبر والاستمرار في كفاحهم ضد اليهود ، وحسن الظن بالله وبوعده – وعد الآخرة – قال تعالى ( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ، أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31 الرعد ) .
( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ :
قال تعالى ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) أي ثم رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار ، وهذا لا يتحصل إلا بعد البعث والحساب ، بدلالة الاستثناء في تكملة السياق ، في قوله تعالى ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6 التين ) ، وبالتالي تكون ( ثم رددناه ) بالماضي ، جاءت بمعنى أيضا ( ثم نردّه ) بالمستقبل .
وجاءت كلمة ( رددنا ) بمعنى أعدنا من إعادة ، ( والكَرّة ) مصدرها كَرَرَ وفعلها كَرَّ ، والكَرُّ والفرُّ تقنية عسكرية ، ويقولون " الحرب كرٌّ وفرُّ " وهي تعني الفعل المضاد للفعل السابق ، فالغلبة كانت للعباد والهزيمة لبني إسرائيل ، وردّ الكرة لهم هو العكس تماما ، كالصورة في المرآة ، أي الغلبة والتفوق العسكري لبني لإسرائيل . وليس المقصود بالكرّة العودة إلى فلسطين ، وانتصار اليهود في حروبهم ضد الدول العربية ، لقوله ، ( الكرّة عليهم ) أي الغلبة العسكرية على العباد أنفسهم دون غيرهم . فالضمير المتصل ( هم ) في (عليهم ) ، يعود على العباد المبعوثين عليهم ، الذين سبق ذكرهم ، وجميع الضمائر المتصلة ( كم ) في هذه الآية ، تعود على بني إسرائيل .
قال تعالى ، على لسان الكافر حين يرى العذاب ( لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (58 الزمر ) ، فالفعل الذي سبق ، هو مجيئه من الدنيا إلى الآخرة ، فتمنى الكرة ، وهي العودة من الآخرة إلى الحياة الدنيا ، ليكون من المحسنين .
وخلاصة القول : أن المقصود هو أن يُوقع اليهود بأولئك العباد ، ما كان أولئك العباد قد ، أوقعوه في أسلافهم من قبل ، من استباحة للأرض والمال والعرض ، بعد استكمال مظاهر العلو الثاني ، بالاستقواء على أولئك العباد والاعتداء عليهم .
وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفيرًا :
وأمددنا في ( لسان العرب ) " مصدرها مدد ؛ ومدّه غيره وأمدّه ؛ وأمددناهم بغيرنا ؛ والمدد هم العساكر التي تلحق بالمغازي ، والإمداد أن يرسل الرجل للرجل مددا ، تقول أمددنا فلانا بجيش ، قال تعالى ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ (125 آل عمران ) " وفي المجمل تعني الزيادة والكثرة ، في المساعدة العسكرية المقدمة من قبل الغير ، من مال وأفراد وعتاد أثناء الحرب . عندما يكون الجيش أقرب للهزيمة منه إلى النصر .
والنفير هم القوم ينفرون معك ويتنافرون في القتال ، ومنه قوله تعالى ( انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41 التوبة ) .
جاء في ( كتاب النبوءة والسياسة ) ، للكاتبة الأمريكية ( غريس هالسل ) : " لقد أغرقنا إسرائيل بالأسلحة : جعلنا من دولة الثلاثة ملايين يهودي ، ماردا عسكريا أكبر من أي دولة منفردة ، مثل ألمانيا أو إنكلترا أو فرنسا ، وأقوى من 21 دولة عربية مجتمعة ، عدد سكانها 150 مليون نسمة "
" أن إسرائيل .. هي المستفيد الأول بلا منازع من برنامج مساعداتنا .. تحصل على ثلث مجمل المساعدات الأمريكية الخارجية "
وتقول الكاتبة تعقيبا على انتصار إسرائيل في حرب 1967 ، " لم يعطِ أحد أي فضل للولايات المتحدة ، لأنها زودت إسرائيل بالأسلحة والتكنولوجيا والدولارات ، وحتى بالعناصر العسكرية الأمريكية التي ساعدت الإسرائيليين ، في تلك الحرب . لقد ربحت إسرائيل لأن الولايات المتحدة كانت تؤيدها بلا حدود "
وتقول أيضا " أن نسبة العسكريين إلى المدنيين في إسرائيل ، هي ( 1 عسكري من كل 22 مدني ) وهي أعلى نسبة في العالم "
وتقول أيضا على لسان الأستاذ في الجامعة العبرية ( إسرائيل شاهاك ) " إن دافع الضرائب الأمريكي أرسل إلى إسرائيل ، في عام 1985 خمسة مليارات دولار " واستمرت أمريكا بدفع هذه القيمة سنويا لغاية الآن ، فضلا عن المساعدات المادية والعينية الأخرى " ، انتهى .
وفي قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ، وأمددناكم بأموال وبنين ، وجعلناكم أكثر نفيرا ) ثلاثة أفعال ، جاءت جميعها بصيغة الماضي ، وهي ( رددنا لكم ، أمددناكم ، جعلناكم ) وحُمّلت جميعها أيضا صفة الاستقبال ، بمعنى ( ونردُّ لكم ، ونمدُّكم ، ونجعلكم ) ولكن باختلاف الزمان ، فهذه الأفعال جاءت لتأخذ صفة الاستقبال ، قبل قيام دولة إسرائيل ، فتفيد معنى ( ونردُّ لكم ، ونمدُّكم ، ونجعلكم ) ، ولتأخذ بعد قيام دولة إسرائيل صفة الماضي ، ( رددنا لكم ، وأمددناكم ، وجعلناكم ) .
كان المفسرين القدماء أكثر قربا منا ، وأكثر فهما لمفردات اللغة العربية ، ومع ذلك لم يعطوا هذه الآيات حقها من التفسير والتفصيل ، مما ساهم في إخفاء هذا الأمر العظيم حتى هذه الأيام ، ومردّ ذلك أنهم لم يعاصروا الدولة الحالية لليهود . ولو فُسّرت هذه الآيات تفسيرا دقيقا كما الآن ، لكشفت هذه النبوءة للمسلمين ، الكثير من الوقائع ، ولكان ضرّ هذا الكشف عنها للمسلمين أكثر من نفعه ، ولكن لم يشأ الله ذلك رحمة بالمسلمين ، حتى لا يتملكهم اليأس والقنوط والتسليم بالأمر الواقع ، بما أنّ الله قد أخبر بذلك ، وهو الحقّ وقوله حقّ .
ولو حصل أن علم المسلمون بتفاصيل هذه النبوءة مسبقا ، فربما ترك معظم الفلسطينيون بلادهم ، مع إطلاق أول رصاصة من قبل برابرة هذا العصر ، إلا من أوتي الحكمة ورَحِمَ ربي ، ولَحُرِمَ المسلمون شرف الشهادة ، ونيل الأذى في سبيل الله ، لقوله تعالى ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140آل عمران ) ولقوله ( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ، لَا يُصِيبُهُمْ ، ظَمَأٌ ، وَلَا نَصَبٌ ، وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ ، وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ ، عَمَلٌ صَالِحٌ ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120التوبة ) . ولكن عدم معرفة الفلسطينيون ، آنذاك بحتمية قيام الدولة اليهودية ، أبقى الأمل بإمكانية منع إقامتها ، حيّا في نفوس أهلها ، فبقي الكثير منهم فيها ، واستمر باب الجهاد في سبيل الله ، مشرعا على مصراعيه ، وبقي سجل شرف الشهادة في سبيل الله ، مفتوحا إلى يوم القيامة ، لمن يرغب منهم في تدوين اسمه ، ولتكون منهم بإذن الله تلك الطائفة ، التي أخبر عنها رسول الحق عليه الصلاة والسلام .
أما بالنسبة لليهود ، فهل كُشفت لهم هذه النبوءة ؟ أقول : نعم بلا شك ، ألم يقل سبحانه ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَـابِ ) وكشفت لهم أيضا نبوءات أخرى ، ويعرفون تفاصيلها كما يعرفون أبناءهم ، قال تعالى ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ، لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154 الأنعام ) ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ، فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ، سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145 الأعراف ) وقد كشفها الله لهم ليعلم ما سيكون منهم ، فعلم العقلاء يزيدهم تواضعا وخضوعا وامتثالا ، وعلم الذين لا يعقلون ( اليهود ) زادهم جهلا واستكبارا وطغيانا وعصيانا وعدوانا ، وسنوضح لاحقا ما كان منهم ، بناءا على معرفتهم لما جاء في كتبهم من نبوءات ، بإذن الله .
أما لماذا كُشفت الآن ، نقول : أن لا جدوى من إخفاءها الآن ، فقد اكتملت معالم القدر من ظروف وملابسات ، وفسّر الواقع جزءا كبيرا من نصوصها ، وكل شيء أصبح واضحا للعيان ، ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا (115 الأنعام ) وعلم سبحانه ما أراد أن يعلم ؛ مما كان من المسلمين ، واتخذ وسيتخذ منهم ما أراد أن يتخذ ، وما كان من اليهود وسيأخذ منهم ، ما شاء أن يأخذ حطبا لنار جهنم ، وبئس المصير ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8 الإسراء ) . والكشف عن أسئلة الامتحان والبلاء ، لن يُغيّر شيئا ، فقوائم النتائج والشهادات ، تُعلن من على شاشات التلفاز ، فقد نجح الكثير من طلاب الآخرة في امتحان ربهم ، على ( درجة شهيد بامتياز مع مرتبة الشرف ) ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
ونحن الآن بانتظار أن يُصدر رب العزة ، نتائج أولئك الأوغاد السفلة ، بعد أن يمهرها بتوقيعه المبارك ، وكأنّي أتخيّل الملائكة يُعدّونها ، في عجلة من أمر ربهم ، لتكون جاهزة عند موعد التسليم ، فتدبّر في قوله ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ، كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110 … وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَلِيَرْضَوْهُ ، وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ، (113 … وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115 الأنعام ) ، وموعدهم قريب ، وعند مجيئه سيكون الباب مشرعا لأولئك العباد بأمر ربهم ، لينقضوا عليهم ويزلزلوا أركانهم ، ويكسروا شوكتهم ويقتلعوها من جذورها ، والبعبع الأمريكي يغطّ في سبات عميق ، ولن يمنعهم من أمر الله أحد كان .
ونقول : أنّ عودة اليهود إلى فلسطين حقّ ، فالذي أخبر عن ذلك هو الحقّ ، وأنّ إخراج أهلها منها حقّ ، بعد أن منّ الله عليهم بالاستضعاف بالأرض ، كما استضعف الذين من قبلهم ، فأُورثوا الأرض من بعد ، فقد أَخرج رسوله من قبل بالحقّ ، ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5 الأنفال ) وفي إحدى سننه الكونية لمن يُخرج الناس من ديارهم قال الحقّ ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13 إبراهيم ) .
وهذه رسالة رب العزة ، إلى أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومن سورة ( محمد ) : ( فَلَا تَهِنُوا ، وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ، وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) … وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ، وإن لم نكن نستحق الانتساب لأمّة ( محمد ) عليه أفضل الصلاة والتسليم ، قولا وعملا ، فسنّة الاستبدال واقعة بنا لا محالة ، ومن المؤسف أنها على وشك .
وخلاصة القول : أنه وبعد نفاذ الوعد الأول فيكم ، من قبل هؤلاء العباد ، وقتلِهم وقهرِهم لكم ، وزوال دولتكم ، وتشتتكم في الأرض بمدة من الزمن ، طالت أو قصرت - تفيدها ثمّ - سنأذن لكم بالعودة إلى الأرض المقدسة ، وتهزموهم كما هزموا أسلافكم ، وتعود لكم السطوة عليهم ، وتلحقوا بهم ما ألحقوه بأسلافكم ، ونُمدّكم بالأفراد المدربين على القتال والمساعدات المالية والعسكرية ، ونجعلكم أكثر عددا وعتادا . وهذا من قبيل ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بيْنَ النَّاسِ ) بإجراء القضاء والقدر ، وليس من قبيل المكافأة ، لبني إسرائيل على إحسانهم ونيلهم رضاه سبحانه ، كما يدّعون في توراتهم ، وكما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين .
( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7 )
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا :
وهذا على سبيل التخيير ، ولنفي الجبرية على من يملك العقل والإرادة ، ولدفع الظلم عن نفسه جلّ وعلا ، حيث قال ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46 فصلت ) ، وجاءت في ظاهرها ، تحمل الكثير من الترغيب ، والكثير من الترهيب ، وفي باطنها التهديد والتحذير مما يليها ، لكيلا يكون لهم على الله حجة ، بأنه لم يحذّرهم وينذرهم ، قبل إنزال عقاب وعد الآخرة فيهم . أما دفع تهمة الإفساد عن النفس ، فليست بالأماني ومعسول الكلام ، ولكن بالنظر إلى ما اقترفته الأيادي ، حيث قال سبحانه ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123 النساء ) .
والتغيير من الإفساد إلى الإصلاح ، ومن الإساءة إلى الإحسان ، لا يأتي عبثا بل يحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل ، فالبداية تكون بتحصيل العلم والمعرفة بالله ، بالتفكّر والتدبّر في ملكوت السماوات والأرض ، ومن ثم الأيمان بوجوده وقدرته على الخلق والإيجاد ، ومن ثم ردّ الجميل لصاحب الفضل والمنّة ، بإقرار ربوبيته وملكيته لنا ، ومن ثم الطاعة والتسليم والانصياع ، ومن ثم تحصيل المعرفة بمراده من الخلق ، كما جاء في كتابه ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56 الذاريات ) ، وبالتالي البحث الحثيث لمعرفة ما يُنال به الرضا ويُدفع به الغضب ، ومن ثم العمل بما تعلم ، فإن لم يكن حبا في ملك الملوك ، ليكن ولاءً لسبق الفضل ، وإن لم يكن طمعا في الجنة فخوفا من النار .
فانظر بربك إلى ربك ما أعدله ، أنعم عليك وأوجدك أولا ، وسيدخلك الجنة إلى الأبد ثانيا ، لتكون ممن قالوا ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74 الزمر ) ، لا من الذين قالوا ( يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97 الأنبياء ) .
قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11 الرعد ) ، فالتغيير يبدأ من العبد وينتهي عنده ، قال تعالى ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5 الصف ) ، حيث سبق الزيغ منهم فأزاغ الله قلوبهم ، أفلا يستحق الأمر شيئا من العناء … ؟! فلنسارع بتغيير أنفسنا ، قبل أن تتغير جلودنا مرارا وتكرارا ، في نار جهنم .
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ :
فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام ، مما قال في دعاءه " أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء " ، والآخِر والآخِرة نقيض المتقدم والمتقدمة ، ومن معجم مختار الصحاح : الآخِر بكسر الخاء بعد الأول وهو صفة ، تقول جاء آخِرا أي أخيرا ، وتقديره فاعل ، والأنثى آخِرة والجمع أواخر .
وخلاصة القول : أنها المرة الثانية في الترتيب ، والأخيرة في عدد المرات ، ولا ثالثة بعدها ، وإنما هناك أخرى ، ولكنها تختلف في أنها ليست مرة ، ولا يصحّ أن نسميها مرة ثالثة ، فهي لا تمتلك شروط المرتين السابقتين .
بعثناهم عليكم :
هذه العبارة ، غير موجودة أصلا في نص الآية ، وهي جواب شرط إذا الخاص بوعد الآخرة ، وقد حُذفت ، لدلالة جواب شرط إذا الخاص بوعد أولاهما . ولتوضيح عمل ( إذا ) وما يعنيه شرطها وجوابها ، نقول نستعمل ( إذا ) عادة ، إذا أردنا تعليق فعل معين ( ويسمى جواب شرط إذا ) ، بفعل آخر ( ويسمى شرط إذا ) ، كأن تقول لزوجتك على سبيل المثال : " إذا حصلت على ترقية في نهاية الشهر ، اشتريت لك ذلك الخاتم " ، فالذي ذهبت إليه في الواقع ، هو أنك علّقت عملية شراء الخاتم ، الذي رغبت فيه زوجتك ، بعملية حصولك على الترقية الموعود بها آخر الشهر ، فإن لم تكن هناك ترقية ، فلن تحصل زوجتك المسكينة على الخاتم . فشرط ( إذا ) هو ( الحصول على الترقية ) ، وجواب الشرط هو ( شراء الخاتم ) . وبعبارة أخرى نقول أن حصول زوجتك على الخاتم متعلّق بالحصول على الترقية .
وبإعادة عبارة ( بعثناهم عليكم ) المحذوفة ، يصبح النص كما يلي ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ – بعثناهم عليكم – لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) . وعبارة ( وليسوءوا وجوهكم ) ليست جوابا للشرط ، لارتباطها بلام كي ، حيث جاءت العبارة لتعليل البعث وتوضيح الغاية منه . وضمير الغائب ( هم ) في ( بعثناهم ) يعود على العباد أنفسهم ، وضمير المخاطب ( كم ) في ( عليكم ) ، يعود على بني إسرائيل .
وخلاصة القول : أن هذه المرة هي الأخيرة من المرتين ، وأن تحقّق البعث متعلّق بمجيء الموعد المحدّد ، وبما أن الضمير في كلمة ( بعثناهم ) يعود على نفس العباد ، فإن عباد البعث الثاني ، هم نفس عباد البعث الأول .
لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ :
إساءة الوجه ، أن يُفعِلَ بِالإنسان ما يَكْرَه ، وأساءه نقيض سَرّه . وفي الواقع أن فِعل الإساءة ، لن يقع على الوجوه بشكل مباشر ، وإنما على المظاهر والمقومات المادية ، التي مكّنتهم من العلو والاستكبار والاستعلاء على الناس ، ليُحرموا هذه الميزة بتبادل الأدوار مع أولئك العباد . ويكسبوا ميزة جديدة ، هي الاستضعاف والذل والانخفاض ، بتبادل الأدوار مع الفلسطينيين ، ومن ثم ليقع فيهم ، ما أنزلوه بالفلسطينيين طيلة مدة علوهم ، من قتل وأسر وتعذيب وسلب للأراضي والممتلكات ، وإتلاف وهدم ، على قاعدة الجزاء من جنس العمل ، ( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14 التوبة ) . وضمير الغائب ( واو الجماعة ) في ( ليسوءوا ) ، يعود على نفس العباد ، وضمير المخاطب (كم ) في ( وجوهكم ) ، يعود على بني إسرائيل .
والذي سيظهر على الوجه ، هو تعابير الاستياء ، التي تنتج في الغالب ، عن مشاعر تجيش بها النفس البشرية ، كالألم والحسرة والغيظ والخزي والذل ، عندما تتعرض للأذى النفسي ، الذي غالبا ما يكون ناتج ، عن فقدان مادي لما هو جيد ، أو كسب ما هو سيئ ، أو كلاهما ، وتعتمد درجة الاستياء على درجة الفقد أو الكسب ، والذي سيفقده اليهود ، هو السيادة والغنى والقوة .
ونجد وصف لتعابير وجه ، يشعر صاحبه بسوء ألمّ به ، لحرمانه من الذكر ، بولادة الأنثى ، التي ستجلب له العار مستقبلا ، في قوله تعالى ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ … (59 النحل ) ، ونجد وصف آخر لتعابير وجوه الذين اقترفوا السيئات ، عندما استيقنوا أن لا مفر ولا عاصم من أمر الله ، وأنهم سينالون جزاء سيئاتهم ، فتملكّتهم مشاعر اليأس والقنوط من النجاة ، في قوله تعالى ( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27 يونس )
توحي عبارة ( ليسوءوا وجوهكم ) ، أن ما سينزل بهم من عقاب ، على أيدي هؤلاء العباد ، شديد الوقع ، وبالغ الأثر والتأثير في نفوسهم ، مما سيعكس بالضرورة آثار المساءة على وجوههم . لدرجة أنه سبحانه ، أورد نفس التعبير ، في وصفه لحال الكفار عند رؤيتهم لعذاب جهنم ، في قوله تعالى ( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27 الملك ) . فالعقاب الذي سيحلّ باليهود قريبا ، ليس له نظير ، ولا يُمكن أن يتأتى هذا العقاب ، إلا من قبل أناس يملؤهم الحقد والكراهية ، ولديهم رغبة شديدة وملحة للانتقام ، من بني إسرائيل لسبب أو لآخر .
قال تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، أَنْ يُقَتَّلُوا ، أَوْ يُصَلَّبُوا ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33 المائدة )
تبين الآية الأولى ، عظم مكانة النفس البشرية عند الله ، إذ ليس لأحد كان ، إزهاق أرواح الناس سوى خالقها ، فهو الذي يحيي ويميت ، ومن أزهق روحا بغير نفس أي قصاصا ، أو لمنع الفساد في الأرض ، كإقامة الحدود الموجبة للقتل ، فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن قام بهذا الأمر ، خارج نطاق ما تقدّم من موجبات القتل ، فقد أعلن حربه على الله . وأن من أعلن حربه على الله ، في الآية الثانية ، حُصر جزاءه من قبل رب العزة ، بأربعة خيارات ، تنفّذ فيه في الحياة الدنيا ، من قبل من أوكله الله بذلك ، حسبما يرتأيه منفذ الحكم ، إذ لا جناح عليه فيما أُنزل به من عقوبة .
والملاحظ أن هذا البيان جاء عامّا ، ولكنه ارتبط ببني إسرائيل بشكل خاص ، مما يوحي أن عقابهم في المرتين ، شمل وسيشمل على ما يبدو هذه الخيارات مجتمعه ، بالقتل والصلب والتنكيل والسبي ، وبما أن النتيجة النهائية لهذا العقاب ، هي زوال علوهم في فلسطين ، فهذا يعني رحيل من بقي حيّا فرارا ، عن فلسطين نهائيا ، يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة . وستفيض قلوب كل اليهود في كافة أرجاء العالم ، بمشاعر الذل والخزي والعار والهوان ، ، مما يدعو القاصي والداني ، للشماتة بهم وبمن يشدّ على أيديهم . وهذا ما تؤكده الآيات الكريمة ، بأن جزاءهم سيكون من جنس عملهم .
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ :
يعتقد الكثير من المسلمين هذه الأيام ، أن ذكر المسجد في هذا الموضع ، يترتب عليه أن من سيدخله ، وأن تحريره مقصورا على حملة لواء الإسلام ، أو بتعبير أدق أولياء الله وخاصته ، يوحدهم ويقودهم خليفة يفوقهم ولاءً لله ولدينه ، وفي الأذهان صورة ابن الخطاب ، رضي الله وأرضاه عنه ، وصلاح الدين رحمه الله ، ومن منا لا يتمنى ذلك .
ولكن يحضرني هنا قول الشاعر : " ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن " ، فلو عدنا بالذاكرة ، إلى دخوليّ عمر وصلاح الدين ، ستجد أنهما لا يتفقّان مع ما جاء في سورة الإسراء ، لسببين ، الأول ؛ كان الدخول على النصارى في المرتين ، والثاني ؛ أن الجوس للديار لم يقع فيهما ، وكذلك الإساءة لوجوه اليهود . بالإضافة إلى أن الدخول في المرتين ، كان فتحا وليس عقابا لأحد .
ويبدو وكأنّ المسألة ، هي لفظ المسجد الذي أورده تعالى ، للتعريف والتأكيد ، على أن الأرض التي ذُكرت في الآية (4) ، هي الأرض التي تحوي المسجد أي مدينة القدس .
والسؤال هنا هل المساجد خاصة بالمسلمين فقط ؟ بكل تأكيد نعم ، ولكن لفظ المسجد لا ! نحن نعلم أن حادثة الإسراء كانت في مكة ، وأن سورة الإسراء أُنزلت فيها أيضا ، وأن الله سبحانه وتعالى لمّا سمّاه بالمسجد الأقصى ،لم يكن للمسلمين فيه ناقة ولا بعير ، ولم يكن قائما أصلا . وعبادة السجود لله كانت قد سبقت ، منذ آدم عليه السلام ، إلى يومنا هذا ، فاقرأ قوله تعالى ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58 مريم ) وقوله تعالى ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113 آل عمران ) وكل مكان اتخذوه للسجود ، سمّاه الله في القرآن مسجدا ، والمقصود المكان وليس البناء .
انظر قوله تعالى ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21 الكهف ) . ومع أن أصحاب الكهف ، كانوا من أتباع عيسى عليه السلام ، فإن الذين غلبوا على أمرهم في الواقع ، أقاموا عليهم مكانا للعبادة . وجاءت تسمية القرآن له بالمسجد ، على اعتبارهم له ، والقصد من بنائه ، أما أنه مسجد خاص بالمسلمين فلا ، والصلاة بالنسبة للمسلمين في هذا المسجد ، منهيٌ عنها ، وبالرغم من ذلك سّماه القرآن مسجدا ، لأنهم اتخّذوه مكانا للعبادة ، التي أحد أركانها السجود . وضمير الغائب ( واو الجماعة ) في ( وليدخلوا ) ، يعود على المبعوثين .
وخلاصة القول : أن هؤلاء المبعوثين لم يتبين ، بنص صريح ولا بتلميح بأنهم من خاصة عباد الله . وأن الله نكّرهم وقصد تنكيرهم ، لأمر اقتضته الحكمة الإلهية ، التي وضحنا جانبا منها فيما سبق . وأن معتقدهم غير واضح من حيث الإيمان أو الكفر ، وما زالت كل الاحتمالات قائمة ، فربما يكونوا مؤمنين أو مسلمين أو وثنيين أو ملحدين . ومن قال بعكس ذلك فقد جانبه الصواب ، بلا أدنى شك . والأمر الأكثر وضوحا ، هو اتحاد المبعوثين أولا وثانيا ، أي خروجهم من نفس الأرض في المرتين ، مهما طال الزمن أو قصر وتعاقبت عليها الأجيال ، بمعنى أن أصحاب البعث الثاني ، هم ورثة الأرض من أصحاب البعث الأول . وأنهم أولي قوة وبطش في الحروب . وأن عبارة ( وليدخلوا المسجد ) جاءت لتؤكد دخولهم ، لقلب الأرض المقدسة ، وسيطرتهم عليها بالكامل .
كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ :
قوله تعالى ( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ، هو تشبيه للدخول الثاني بالأول ، وفي العادة عندما يروي شخص لآخر ، قصة وقع فيها ذِكرُ حدثٍ يحتاج إلى وصف ، سواء كان هذا الحدث ، قد وقع ولم يشهده المستمع ، أو سيقع في المستقبل ، فبدلا من أن يستغرق الراوي ، في وصف هذا الحدث وسرد حيثياته ، على حساب مجمل أحداث القصة ، يعمد الراوي إلى تشبيه الحدث المراد وصفه ، بحدث آخر مألوف ومعروف من الماضي أو الحاضر ، لتقريب صفة الحدث موضوع الخطاب لذهن المستمع ، ومن ثم يكمل سرد بقية الأحداث .
قال تعالى ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا ، كَمَا ، يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ (275 البقرة ) حيث شبه سبحانه قيام آكل الربا يوم القيامة ، مجهول الصفة بالنسبة لنا ، وهو حدث سيقع مستقبلا ، بقيام الممسوس أي المجنون ، وهو حدث ومشهد قد رأيناه ونراه في الماضي والحاضر ، مرارا وتكرارا ، ومعروف ومألوف لذهن المستمع ، ونستطيع استرجاع ذلك المشهد من الذاكرة ، لنرى مشهدا مؤلما ومخزيا ، لآكل الربا عند بعثه ، يتميز به عن غيره ، فيقوم مفزوعا متحفزا مشوشا ، لا يهدأ له بال ، ولا تستكين له حال .
ولتوضيح الأمر أكثر ، فلو أن زوج مدح زوجته - على سبيل المثال - مُبديا إعجابه بجمالها قائلا : ( وجهك كالمريخ ) ، فهل ستكون الزوجة قادرة ، على معرفة مدى حبه لها ، في حال ، لم تكن عالمة بماهية المريخ وصفته ، من حيث الجمال والقبح . وهل أبان هذا التشبيه ، بغير المألوف والمعروف للزوجة ، وظيفته في تعبير الزوج عن مدى حبه لها ، أم أنه زادها حيرة واضطرابا وشكّا . لذلك يُشبّهون جمال النساء ، إذا أريد المدح ، بالقول : ( وجهك كالبدر ليلة تمامه ) وهي صورة معروفة ومألوفة لكل البشر ، تستطيع النساء استرجاعها من الذاكرة وتخيّلها واستيعابها ، ومعرفة مدى حب زوجها لها .
واستخدام التشبيه في الآية (7) أفاد أمرين :
أولا ؛ أنّ دخول المسجد أي بيت المقدس حاصل في المرتين ، وهذا يدحض قول من ذهب ، إلى أن أيّ من المرتين ، كانت أو ستكون في غير بيت المقدس .
وثانيا ؛ تشابه صفة الدخول في المرتين الأولى والآخرة بالدخول عنوة . لقوله تعالى في وصف الدخول الأول ( فجاسوا خلال الديار ) وهذا يدحض قول من ذهب ، إلى أن المرة الأولى كانت للمسلمين ، كون دخولهم إليها ،لم يحمل صفة الجوس .
ولكي يستقيم فهم هذه العبارة ، نود أن نُشير إلى أن الخطاب لبني إسرائيل ، لم ينقطع ، بل ما زال موّجها إليهم ، فالمُخاطَب في قوله تعالى ( كما دخلوه أول مرة ) هم بنو إسرائيل. واقرأ هذه الصياغة للنص ، ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ – بعثناهم عليكم – لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا – عليكم – الْمَسْجِدَ ، كَمَا دَخَلُوهُ – عليكم – أَوَّلَ مَرَّةٍ / انقطاع الخطاب والعودة إلى الجمهور / وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) .
وهذا يعني أن المعرفة ، بصفة الدخول الأول ، محصورة ببني إسرائيل فقط ، وهذا يقودنا إلى أن معرفة اليهود المعاصرين المخاطبين ، لصفة هذا الدخول بالضرورة ، تحصّلت لهم مما لديهم من كتب تحكي تاريخهم ، ومجمل تاريخهم القديم موثق في التوراة ، ويعلم سبحانه أن آباءهم القدماء ، قد وثّقوا صفة الدخول في كتبهم ، فلذلك شبه الدخول الثاني لهم بما يعرفون . وإن أردت معرفة صفته كمسلم ، لا بد لك من الرجوع إلى كتبهم ، وهذا الفهم يقودنا إلى مراجعة تاريخهم كاملا ، لنتعرّف على صفة الدخول الأول ، كما وردت في الآية ( 5 ) ، وهذا ما سنفعله في الفصول القادمة .
والحقيقة أن هذا الحدث المفجع والرهيب الذي نزل بهم ، كان له بالغ الأثر في نفوسهم ، حيث شكّل لهم الكثير من العقد ، فضلا عما كان لديهم في السابق . جعلت منهم شعبا مجرما حاقدا ، على البشرية جمعاء ، وعلى أولئك العباد ، الذين ساموهم سوء العذاب في المرة الأولى . وما جاء التشبيه هنا ، إلا لتذكيرهم بحدث يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، ومن لم يعرفه منهم ، أو خانته ذاكرته ، يستطيع الرجوع إلى توراتهم ، قال تعالى ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146 البقرة ) ، وجاء هذا التشبيه والتذكير ، لإنذارهم وتحذيرهم من مغبة العودة إلى العلو والإفساد ، وما ينتظرهم من خزي عذاب الدنيا ، وهول عذاب الآخرة .
والعجيب في الأمر ، أنّ الباحثين في هذا الموضوع حديثا من المسلمين ، كانوا قد أهملوا أكبر وأعظم موسوعة تاريخية سماوية ، موجودة بين أيدينا ، أقصد القرآن الكريم الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42 فصلت ) ، ولم يرجع إليها أحد ، مع أنه كاد ألا يترك سورة من سورهِ ، إلا وأرّخ فيها لبني إسرائيل ، فعلوهم الأول ونشأته وإفسادهم في الأرض المقدسة ، ظاهر ماثل للعيان بما لا يترك مجالا ، للتقوّل أو الاجتهاد . وأما فيما يخص عقاب الوعد الأول ، فقد وردت إشارات كافية في هذه الآيات ، وفي مواضع أخرى في القرآن ، تدلّ على تحقّقه قبل الإسلام .
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا :
في المُعجم : " قال ابن جني : لا يقال له تِبْر ، حتى يكون في تراب معدنه ، أو مكسورا ، قال الزجّاج : والتبار الهلاك ، وتبّره تتبيرا أي كسّره وأهلكه ، وتبّره أي كسّره وأذهبه ، وفي التنزيل العزيز ( وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28 نوح ) قال الزجاج : معناه إلا هلاكا ، ولذلك سمي كل مُكسَّرٍ تِبرا ، وفي قوله عز وجل ( وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39 الفرقان ) قال : التتبير التدمير ، وكل شيء كسّرته وفتّته فقد تبّرته " .
والمعنى العام للعبارة ، هو ( وليُدمّروا ما علوا تدميرا ) . وقد جاءت صيغة المفعول المطلق ( تتبيرا ) ، زيادة في المبالغة ، وتأكيدا للفعل ( وليتبروا ) . وسواء كانت ( ما ) ظرفية ، أو اسم موصول ، بمعنى ( الذي ) ، لتشمل المكان والزمان والكم .
هنا حصل انقطاع في الخطاب الموجه لبني إسرائيل . وأصبح الحديث موجها للجمهور ، مضيفا تعقيبا حول مصير علو بني إسرائيل ، فالضمير واو الجماعة في ( علوا ) عائد على بني إسرائيل أنفسهم . والعبارة ( وليتبّروا ما علوا تتبيرا ) جاءت للتعقيب على ما فعله بني إسرائيل أنفسهم ، بمقومات هذا العلو ، مما كان سببا في زواله . ليُصبح المراد هو أن علو بني إسرائيل ، حمل في أحشائه بذرة دماره منذ نشأته ، بعدم الولاء لله ، وعدم اكتراثهم ، بِحثِّه لهم على الإحسان وتحذيره لهم من الإساءة . بل اعتمدوا على غير الله ، في تحصيل هذا العلو ، وإدامته وحمايته من الزوال ، بالفساد والإفساد والإثم والعدوان .
ليتبيّن لنا أن الحديث عن الوعد الثاني ، انتهى بقوله ( كما دخلوه أول مرة ) . وأن عبارة ( وليتبّروا ما علوا تتبيرا ) جاءت تعقيبا على قوله تعالى في بداية القصة ( ولتعلن علوا كبيرا ) في الآية (4) ، ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك ، أن هذا العلو الموصوف بالكبير في الأرض ، والذي تحصّل عليه بني إسرائيل ببعدهم عن الله ، سيصبح هباءً منثورا بما كسبته أيديهم .
ومن تعريفنا السابق لمفهوم العلو ، نجد أن العلو مظهر من مظاهر الحياة ، كما الغنى الذي يتحصّل بامتلاك المال الوفير ، وكما الفقر الذي يتحصّل بامتلاك المال القليل ، ويتم تحصيله من خلال امتلاك مقومات مادية ، تتمثّل في السيادة على الأرض وأهلها ، وسياستهم والتحكّم في مختلف شؤونهم ، والقدرة بامتلاك القوة ، والغنى بامتلاك المال والموارد المادية الأخرى . والحقيقة أن اليهود في هذا العصر ، لم يقتصر علوهم على فلسطين فحسب ، بل شمل أمريكا وبريطانيا والكثير من الدول الغربية . فَهُما شكل من أشكال الإفساد اليهودي في الأرض ، وأداة للعدوان على الشعوب ، بأيدي اليهودية العالمية .
وبما أن العلو مظهر ، والمظاهر لا تُدمّر تدميرا ، وإنما تزول زوالا بفقدان أسبابها ومقوماتها ، كما أُزيل علو فرعون ، بتدمير ما امتلك من مقومات علوه ، في قوله تعالى ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137 الأعراف ) . ونلاحظ أن الله تبارك وتعالى لم يأت بالمصدر ( علوهم ) ، ليقول ( وليتبروا علوهم تتبيرا ) ، وإنما قال (وليتبروا ما ) . لأن المقصود تدميره هنا ، ليس العلو بحدّ ذاته ، وإنما تدمير ( ما ) علا عليه أو به أو فيه ، بنوا إسرائيل بامتلاكه والسيطرة عليه ، مما مكّنهم من الإفساد في الأرض ، أي تدمير كل ما يقع تحت كلمة ( ما ) ، مما يمتلكونه من مقومات لعلوهم . لتشمل المكان والزمان والكم لهذا العلو ، الموصوفة بالتفصيل في الآيتين ( 4و6) ، والتي تتلخص فيما يلي :
• تدمير القوة العسكرية المتطورة ، والتي مكنتهم من العلو واستمراريته ، ورد الكرة على أعدائهم .
• ذهاب الأموال والبنين والإمداد ، الذي كان يتوفر لهم في حروبهم السابقة .
• استلاب وتدمير الأمكنة ، التي يتمتعون فيها بالعلو ، في شتى بقاع الأرض .
لذلك جاء التعقيب ، بعد نهاية ذكر عقاب وعد الآخرة بإساءة الوجه ، وبدخول المسجد . وجاء هذا التعقيب مُتأخرا عنهما ، لأن زوال العلو بشكل نهائي ، سيكون كعاقبة أو نتيجة ، لنفاذ وعد الآخرة فيهم ، ويبدوا لي أن زوال العلو اليهودي في العالم ، سيأتي على مراحل ، ليبدأ في فلسطين ، ومن ثم يمتد لأمريكا وبريطانيا وفرنسا والغرب إجمالا ، بإذن الله .
وربما يذهب البعض إلى أن هذه العبارة ، جاءت للتعقيب على ما فعله هؤلاء العباد ، بعلو بني إسرائيل في وعد الآخرة ، على اعتبار أن الضمير واو الجماعة في ( وليتبّروا ) عائد على العباد . ولكن هذا غير صحيح ، لأن ذلك يعني استمرارية الخطاب ، فلو أن الخطاب لبني إسرائيل استمر ، لجاءت العبارة على النحو التالي ( وليتبّروا ـ ما علوتم ـ تتبيرا ) ، هذا من جانب .
ومن جانب آخر ، لم يُذكر في التعقيب شيء يخص وعد الآخرة ، بذكر كلمة وعد مثلا ، كما جاء في التعقيب على الوعد الأولى ، بقوله ( وكان وعدا مفعولا ) ، وإنما جاء التعقيب الأخير ، على بني إسرائيل ، المذكورين بالاسم في الآية الرابعة ، لعود ضمير الغائب واو الجماعة عليهم ، في كلمة ( وليتبروا ) ، وكذلك على علوهم الكبير ، الموصوف في الآية الرابعة أيضا ، لاتصال ضمير الغائب العائد عليهم ( واو ) ، في كلمة ( علوا ) .
ولو فرضنا جدلا استمرارية الخطاب ، فهل يُعقل أن يُدمّر المسلمون ، ما تحصّلوا عليه من مقومات العلو الصهيوني ، بعد أن يكونوا قد أوقعوا فيهم ، القتل والتنكيل والسبي والنفي ، وتمّت لهم السيطرة الكاملة على الأرض بدخول القدس ؟! طبعا لا . بل على العكس تماما ، سيكونون بأمس الحاجة ، لما تحصّلوا عليه سالما من مال وعتاد ، لاستخدامه في المواجهة الحقيقة المقبلة مع الغرب .
وخلاصة القول : أن كل ما علا بنو إسرائيل عليه أو به أو فيه ، سيصله الدمار لا محالة ، لعموم لفظ العلو ، حتى علوهم في الغرب ، إذ أن الذي أبقى علوهم قائما ومستمرا في فلسطين ، هو علوهم في الغرب . ولذلك يصبح دمار الدول الغربية أمر محتما ، ليزول علو بني إسرائيل فيها أيضا بشكل نهائي ، وبذلك تنتفي تماما قدرتهم على العلو مرة أخرى ، إذ أن هذا العلو ، هو علوهم الأخير في الأرض وأن أفعالهم ستكون سببا في زوال علوهم هذا ، وستجد مزيد من تفصيل هذه العبارة ، في الجزء الثالث من الكتاب .
خاتمة السورة :
والآن لننتقل إلى خاتمة سورة الإسراء ، حيث ذُكر وعد الآخرة مرة أخرى . أما سبب مجيء هذه الآيات في آخر السورة فهو لسببين : أولا ؛ إظهار الإعجاز العددي في القرآن ، الذي سنظهره بإذن الله لاحقا ، ثانيا ؛ للتعقيب على الوعد الثاني في بني إسرائيل بعد نفاذه ، وما سيكون ممن علموا بتفاصيل هذا الوعد قبل نفاذه ، وما سيكون منهم بعد نفاذه ، تماما كما جاء به القرآن .
( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)
مختصر ما قيل في هذه الآيات ، في تفسير الألوسي :
" ( جئنا بكم لفيفا ) ؛ أي مختلطين ، وفسره ابن عباس ( جميعا ) ، وبكم ؛ جاءت لتغليب المخاطبين على الغائبين ، ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) ؛ عود إلى شرح حال القرآن الكريم ، فهو مرتبط بقوله تعالى ، ( لئن اجتمعت الإنس والجن ) ، وهكذا طريقة العرب في كلامها تأخذ في شيء ، وتستطرد منه إلى آخر ، ثم إلى آخر ثم إلى آخر ، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا ، والحديث شجون ، فضمير الغائب للقرآن ، وقد حمله بعضهم على هذا ، أو للوعد المذكور آنفا ، أي وعد الآخرة الذي ذُكر في الآية السابقة .
والمراد بالحق الأول ؛ على ما قيل الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله ، وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها ، أي ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق المقتضى لإنزاله ، وما نزل إلا ملتبسا بالحق الذي اشتمل عليه ، وقيل الحق في الموضعين الأمر المحفوظ الثابت ، ( وما أرسلناك إلا مبشرا ) ؛ للمطيع بالثواب ( ونذيرا ) ؛ وللعاصي من العقاب ، فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا هداية الكفرة المقترحين .
( وقرءانا فرقناه ) ؛ أي أنزلناه منجما مفرّقا ( على مكث ) ؛ أي تؤدة وتأنّ ، فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم ، ( ونزلناه تنزيلا ) ؛ على حسب الحوادث والمصالح ، قل للذين كفروا ( آمنوا به ) أي بالقرآن ، ( أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله ) ؛ أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة ، من قبل تَنزُّل القرآن وعرفوا حقيقة الوحي ، وأمارات النبوة ، وتمكنوا من تمييز الحق والباطل ، والُمحقّ والمُبطل ، أو رأوا نعتك ونعت ما أنزل إليك .
( إذا يتلى ) أي القرآن ، ( عليهم يخرون للأذقان ) ؛ يسقطون بسرعة على وجوههم ( سجدا ) تعظيما لأمر الله تعالى ، أو شكرا لإنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك ، وقال صاحب الفرائد ، المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف ، حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض ، وهو وجه حسن جدا ، أي يقعون على الأرض عند التحقيق ، والمراد تصوير تلك الحالة .
( ويقولون ) ؛ أي في سجودهم أو مطلقا : ( سبحان ربنا ) عن خلف وعده ، أو عما يفعل الكفرة من التكذيب ، ( إن كان وعد ربنا لمفعولا ) ، ( ويخرون للأذقان يبكون ) ؛ كرَّرَ الخرور للأذقان لاختلاف السبب ، فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد ، والثاني لما أثّر فيهم من مواعظ القرآن ، أي ساجدين باكين من خشية الله تعالى ، ولما كان البكاء ناشئا ، من الخشية الناشئة من التفكّر ، الذي يتجدّد ، جيء بالجملة الفعلية ( يبكون ) المفيدة للتجدد ، ( ويزيدهم ) ؛ القرآن بسماعهم له ، ( خشوعا ) لما يزيدهم علما ويقينا بأمر الله تعالى ، على ما حصل عندهم من الأدلة " . من تفسير الألوسي .
جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا :
هذا ما قيل في ( لسان العرب ) في كلمة لفيف ( مُجتَمِع ملتف من كل مكان ) ، و اللفيف ؛ ( القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا ) ، واللفيف ؛ ( ما اجتمع من الناس من قبائل شتى ) ، واللفيف ؛ ( الجَمْع العظيم من أخلاط شتى فيهم الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف ) . والملاحظ أن معاني الكلمة جاءت بمعنى جَمْع لا جميع ، والحقيقة أن الذي تم على أرض الواقع ، هو المجيء والجمع من أماكن شتى . وأن مجيئهم جميعا لن يتحقق ، لأنهم يتمتّعون بصفات طفيلية ، لا تمكّنهم من ترك الدول الغربية الغنية ، والعودة إلى فلسطين .
أما الآيات (104-109) ، وكما عقب سبحانه بعد ذِكره لوعد الآخرة في بداية السورة . جاءت بعد ذِكره تعالى لوعد الآخرة ، في نهاية السورة ، تعقيبا على إنزاله هذا الوعد بنصه في القران ، كما أُنزل في كتاب موسى عليه السلام من قبل ، حيث قال سبحانه ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) أي وبالحق الذي أوجبته الحكمة الإلهية ، أنزلنا خبر هذا الوعد في القران ، الذي نزّله على عبده تنزيلا ، وفرّقه ليُقرأ على الناس على مكث ، وبالحقّ والصدق والخبر اليقين جاء هذا القران ، بهذا الوعد - مما سيكون من شأن بني إسرائيل – بكل تفاصيله وملابساته ، بما لا يدع مجالا للشك أو التقوّل .
والحكمة الإلهية التي اقتضت إنزاله ، كما جاء من نص الآيات ، هي :
أولا : زفّ البشرى للمؤمنين الصابرين المرابطين المتمسكين بدينهم المخلصين له ( وَيُبشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9 الإسراء ) ، بأن الله لن يخلف وعده الذي وعد ، وأن ما وعدهم الله ، لا محالة واقع ولو بعد حين ، ليحثهم على التمسك بدينهم والتحلي بالصبر ، وعدم الاستعجال لأمر الله والركون لليأس ، فكلما ادلهمت الخطوب بالمؤمنين وضاقت السبل – كما هذه الأيام – كان الفرج ، قاب قوسين أو أدنى ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ، جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ، وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110 يوسف ) .
وثانيا : إنذار لبني إسرائيل ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) ، والمكذبين والمتشكّكين ممن غرتهم الحياة ، وآمنوا بما يقوله الواقع ، مع عدم قراءتهم له بشكل صحيح ، أكثر من إيمانهم بالله ، وما جاء في كتابه الذي أنزل ، من غضب الله عليهم ، وتحذيرا لهم من عقابه في الدنيا والآخرة ( وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10 الإسراء ) .
وثالثا : تحصّل الإيمان لمن لم يؤمن بعد ، وتجدّد إيمان المؤمنين ، وزيادةً في اطمئنان قلوبهم ، عند نفاذ هذا الوعد ، كما جاءت صفته في القرآن . حيث قال سبحانه للناس كافة ، على وجه التبكيت والتهديد شديد اللهجة ، ( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا … ) من أمر هذا الوعد وهذا القرآن ، أنّ هذا الوعد لا محالة واقع ، وإيمانكم به وبالقرآن وعدمه سواء . وأن من كانوا قد علموه ، وسبق لهم الإيمان به وتصديقهم له قبل تحققه ، ( … إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ … ) ، لإيمانهم بمن أنزله وصِدق ما جاء في كتابه ، سيكون هذا حالهم ، عند تحققه وبعد تحققه ( إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) ، أي أنهم إذا تُليَ عليهم ذِكر هذا الوعد ، عند وبعد تحققه ، خرّوا للأذقان سجدا ، قائلين : ( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) ، وسيكون هذا حالهم مرة تلو مرة ، كلما تُليت عليهم آيات هذا الوعد ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) وما أن يقوموا ، حتى لا تكاد تحملهم أرجلهم ، وتغلب عليهم مشاعرهم ، من شدّة التصديق وشدّة الإيمان ، فيعودوا ليقعوا ساجدين خاشعين ، لمن لا يُخلف وعده .
( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8 )
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ :
بعد نفاذ الوعد الثاني ، يوجه سبحانه الخطاب ، للبقية الباقية من بني إسرائيل ، الذين نجوا من هذا العذاب ، ولم يطلهم عقاب وعد الآخرة ، لعلّهم يعتبرون مما حصل ، بعد أن رأوا ما رأوا ، ما حلّ في بني قومهم ، لما علوا وأفسدوا في الأرض . فلعلهم يعودون إلى الله ، ويصلحون أمورهم ، فيتوب الله عليهم ويرحمهم . قال تعالى ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56 الأعراف ) ، وعودتهم إلى الله تعني إعتناقهم للإسلام ، لقوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (81) … ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) … ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89 آل عمران ) . وهذا ما لم يفعلوه سابقا ، ولن يفعلوه مستقبلا ، فهم أعلنوا حربهم على الله ، قبل أن يعلنوها على أي شئ آخر ، وهيهات أن يتوبوا ، فقلوبهم كالحجارة ( … أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً … (74 البقرة ) …
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا :
لذلك سيستمرون بالإفساد ، وسيعودون إليه مرة تلو أخرى ، وهذا محمول على الشرط ، فإن عادوا للإفساد بعد تحقق الوعد الثاني ، عاد الله عليهم بالعقاب ، وستكون هذه العودة باتباعهم للدجال ، أكبر المفسدين في الأرض ، وهي العودة النهائية لهم ، ولا تتفق من حيث المواصفات والشروط مع كونها مرة من المرتين ، وستكون نهايتهم على مشارف بيت المقدس بباب ( لُدّ ) ، على يديّ عيسى عليه السلام ومن معه من المسلمين ، عند هروب الدجال إليها ، كما روي في نفس الحديث الصحيح الطويل ، الذي أوردنا بعضا منه في شرحنا لعبارة عبادا لنا ، جاء ما نصه " … فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ( أي الدجال ) إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ … فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ … " . ليعقّب سبحانه على ذلك بقوله ( … وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) ولا أسف ولا رحمة …
( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ … وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) :
قال تعالى في سورة البقرة ( … وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) ، هذه الآية توضح حكما إلهيا مُلزما ، كان فيما سبق ، قد صدر بحق بني لإسرائيل ، عند كفرهم وقتلهم الأنبياء ، ونلاحظ أن المسكنة عُطفت على الذلة مباشرة ، وأنهما تلازما في الوقوع تحت الضرب ، في قوله تعالى ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) .
وفي سورة آل عمران ، أُعيد نفس النص السابق ، في قوله تعالى ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) ، ولكن بفصل الذلّة عن المسكنة ، مع ضرب كل منهما على حدة أولا ، ومن ثم إضافة الاستثناء التالي ( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) ، من ضرب الذلّة دون المسكنة ثانيا . ومن هنا نستطيع القول ، بأن الذلّة ستُرفع عنهم في حالتين : الحالة الأولى بحبل من الله ، والحالة الثانية بحبل من الناس ، وأن المسكنة ستبقى ملازمة لهم ، في حال رفعت الذلّة عنهم أم لم تُرفع .
جاء في معجم لسان العرب ، الذُّل نقيض العزّة ، وقوله تعالى ( وذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلَاً ) ، بمعنى سويت عناقيدها ودُلِّيت أي خُفِّضت ، وتذلَّلَ له أي خَضَع له ، وأن المعنى المُستفاد من الذّل هو الصغار والخضوع والانخفاض ، والنقيض لهذة الصفات ، هو الاستكبار والسطوة والارتفاع .
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ : أي أُلزموا الذِّلة والصغار ، فلا منعة لهم ، بمعنى لا قوة لهم لمنع الغير ، من استباحة دمائهم وأموالهم وأهليهم . وثبتت فيهم هذه الصفة ، ولازمتهم على مرّ العصور ، ولا خلاص لهم منها ، والسبب في ضربها عليهم ، هو استحقاقهم لغضب الله عليهم ، لكفرهم بآياته وقتلهم الأنبياء ، بالإضافة لما كان من عصيانهم لأوامره ، واعتدائهم على حدوده .
أَيْنَ مَا ثُقِفُوا : أينما وُجِدوا .
هنا لا بد لنا من وقفة مع هذه العبارة ، حيث يقول سبحانه ، ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ ، أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) ، فالذلة ملازمة لهم ، أينما أقاموا أو ارتحلوا ، وهذه الذلة ستُرفع عنهم مرتين ، لتُستبدل بالعلو ، أينما أقاموا أو ارتحلوا ، على امتداد سطح كوكب الأرض ، فالعلو اليهودي لمرتين ، حدث عارض في تاريخهم ومصيره إلى الزوال ، أو حالة استثنائية ، سيعيشها عامة الشعب اليهودي لمرتين أينما وُجدوا ، وستزول هذه الحالة عن عامة الشعب اليهودي كذلك ، عندما يأذن رب العزة بزوال علوهم ، في المرة الثانية ، وليعود كل يهود العالم أفرادا وجماعات ، في شتى بقاع الأرض ، إلى حالة الذلة ، التي هي في الأصل ، الحالة التي يستحقون بمنظور رب العزة .
والسؤال الآن ، لماذا كان هذا الفصل ، وهذا الاستثناء ؟
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ : الاستثناء هنا يفيد رفع حالة الذّلة ، لتصبح حالهم من ( الذل والصغار والخضوع والانخفاض ) ، إلى العكس تماما ، أي ( العز والاستكبار والسطوة والارتفاع ) ، وهذا مما يفيد معنى العلو ، وهذا الاستثناء يوضح أن العلو سيكون على حالين ، وأن العلو الأول ، كان بحبل الله ، أي باتكالهم على الله ، في نشأته وتمكينه من خلال الوحي والنبوة ، وأن العلو الثاني ، سيكون بحبل الناس ، أي باتكالهم على الناس ، في نشأته وتمكينه من خلال المساعدات المالية والعسكرية .
وتمعنّ في جمال ودقة التعبير القرآني ، واستخدام كلمة ( حبل ) في هذا المقام ، فالحبل يُرفع به دلو الماء ، من قعر البئر إلى قمته ، فهو وسيلة لانتشال الشيء ، من أدنى حالاته وإيصاله إلى أعلاها ، ومن قوله عليه الصلاة والسلام ، لصاحب الناقة " اعقل وتوكل " ، نجد أنه وسيلة ربط لإحكام الشيء وإبقاءه على حاله .
وهذا ما تحقق في الواقع ، فقد استطاع اليهود بعد أن كانوا في القاع ، من تسلق الحبل الأمريكي البريطاني ، ليصعدوا إلى قمة تمثال الحرية ، ومن ثم تناولوا الحبل ، وربطوه في قرنيّ التمثال ، وأخذوا طرفه الآخر ، ولفّوه سياجا منعيا حول دولتهم في فلسطين . حتى أصبح عامّة الأمريكيين عبيدا لليهود ، يقدّمون لهم القرابين التي نعلمها ، خشية أن يسحب اليهود ، طرف الحبل الذي يمسكونه بإحكام ، فيهوي رأس التمثال في البحر . وطرف الحبل الآخر ليس ببعيد عن أولئك العباد ، فما زال ينتظرهم ليسحبوه ، ليغرق التمثال وأهله .
نعلم أنّ الله قد حذّرهم من اتخاذ وكلاء غيره ، في افتتاحية السورة قائلا ( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) . في العلو الأول لهم ، كانوا قد طلبوا العون من الله ، لإقامة الدولة في الأرض المقدسة ، وكان اتكالهم على الله لإدامة وجودها ، ( إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ (246 البقرة ) ، فآتاهم الله ما طلبوا ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16 الجاثية ) فجمع لهم الملك والنبوة ، في داود وسليمان عليهما السلام . وأما في العلو الثاني ، كانوا قد طلبوا العون من ( بلفور ) لإقامة الدولة ، والاتكال على بريطانيا لإيجادها ، وعلى أمريكا لإدامة وجودها ، فكان لهم ما أرادوا ، ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6 الإسراء ) .
ولو لم يأتي هذا الاستثناء في سورة آل عمران ، وبقي على حاله كما هو في سورة البقرة ، لتناقض ذلك مع قوله تعالى في سورة الإسراء ، ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ ، مَرَّتَيْنِ ، ولَتَعْلُنِّ عُلُوَّاً كَبِيرَاً ) ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ : أي الحاجة للغير والتسول بلا خجل ، فلا كرامة ولا عزة ولا إباء لهم ، فلا يوجد يهودي - وإن كان غنيا - خاليا من زي الفقر والخضوع والمهانة ، ( وهكذا تكون الطفيليات ) ، بارعون في التسلق على ظهور غيرهم بمكرهم ودهائهم ، لقضاء حاجاتهم الدنيوية الدنيئة .
مجيء اليهود من الشتات :
يظنّ البعض ، بناءا على عبارة جئنا بكم لفيفا ، أن وعد الآخرة ما زال بعيدا عن التحقق ، كون تجمّع بني إسرائيل في فلسطين لم يكتمل بعد ، فالكثير منهم – تقريبا النصف – ما زال في الدول الغربية ، وهذا الظنّ في غير محلّه ، وينمّ عن عدم معرفة بحقيقة الشخصية اليهودية . فاليهود المنتشرون كالجراد ، في شرق العالم وغربه ، لن يهاجروا إلى فلسطين ، إلا في حالة واحدة إذا أُجبروا على ذلك مُكرهين ، أو دُمّر العالم بأسره ، ولم يبق إلا فلسطين ليهاجروا إليها ، وهذا غير وارد في المنظور القريب ، ودمار إسرائيل القادم ، سيكون سابقا ، بل سببا لانهيار العالم الغربي ودماره .
فاليهود كائنات طفيلية ، لا تستطيع العيش بمعزل عن الآخرين من غير اليهود ، وحتى الدولة اليهودية تتصف بنفس الصفة ، فهي لا تستطيع البقاء والمحافظة على وجودها وكيانها ، بدون المساعدة الخارجية من الدول الغربية ، والتسوّل الدائم والمستمر . وهذه هي المسكنة التي ضربها الله عليهم ، ولازمتهم على مرّ تاريخهم الطويل ، في غناهم وفقرهم وفي ذلّهم وعلوهم . ولا أدلّ على ذلك التسويق المذلّ والمخزي والمستمر ، للمحرقة النازية المبالغ فيها ، والتي جعلوا منها ، ومن تهمة معاداة السامية ، مسمار جحا في حلق الشعوب الغربية ، لابتزازها ونهب خيراتها وخاصة ألمانيا ، فهم عالة على كل من آواهم ، وهذا ما يشهد به تاريخهم ، وكان سببا – بالإضافة إلى غدرهم ومكرهم ومؤامراتهم - في اضطهادهم ، من قتل ونهب ونفي وتهجير .
واليهود هم أول من ابتكر الربا ويعيشون به وعليه ، والآن هم يملكون معظم بيوت المال العالمية إن لم تكن كلها ، حتى البنوك المركزية الأمريكية والبريطانية ، وحق إصدار النقد فيها ، فهل من المعقول أن يتركوا العجل الذهبي ، ويغادروا جنّة إلههم بمحض إرادتهم ؟! طبعا لا ، فهذا ضرب من الخيال . لذلك أستطيع الجزم – لما تقدم – بأنّ تجمّعهم في فلسطين بكلّهم وكليلهم لن يكون ، وللعلم فإن معظم المهاجرين اليهود ، كانوا من بلدان أوروبا الشرقية المعروفة بفقرها ، وأما الغربيون فأعدادهم قليلة جدا .
فضلا عن ذلك ،لم يأتي في مجمل معاني لفيفا ما يُفيد ، تجمّع كل اليهود في فلسطين ، كشرط لتحقّق وعد الآخرة ، والمعنى المستفاد منها هو الاختلاط في الأصول ، والجمع من أماكن مختلفة ، وهذا قد تحصّل ، فالدول التي هاجروا منها ، شملت معظم أرجاء المعمورة ، وهي غنيّة عن التعريف ، وهذا هو المراد .
أما فيما يخص السنن الالهية في القرى الظالمة ، فقد وردت في هذا البحث الكثير من الآيات التي توضّحها ، فلا أسرع من الانتقام الإلهي ليحل بها . وظلم اليهود وعلوهم واستكبارهم ، وعنجهيّتهم وعنصريّتهم ، ومحاربتهم لله ورسوله وأولياؤه ، وقتل الأبرياء العزّل ، وهدم البيوت ، واستلاب الأراضي واقتلاع أشجارها واستيطانها ، ومنعهم مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وتدنيسها ، فاق كل تصوّر ، وأوجب عقابه سبحانه لهم منذ زمن بعيد . ولولا أن الحكيم العليم جلّت قدرته وعَظُم شأنه ، ضرب لهم موعد لن يُخلفوه ، وأن أرضه المقدسة تزخر بأولياءه الصالحين ، لأنزل الآن عليهم رجزا من السماء ، كما أنزله على أسلافهم ، لمجرد تبديلهم للقول والهيئة عند دخول القرية ، لعنهم الله بكفرهم قليلا ما يؤمنون . ولكنّ عقابهم سيكون مختلفا ، رحمة من ربك بعباده الصالحين هناك ، لكيلا يسوءهم العذاب ، فضلا عمّا أساء لهم أولئك الأوغاد . فليرتقبوا إنّا مرتقبون ( فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) ، و ( إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4 نوح ) .
تعني عملية ربط نفاذ وعد الآخرة ، بتجمّع كل اليهود في فلسطين ، أن وعد الآخرة ، لن يتحقق حتى قيام الساعة ، وهذا مخالف لما نراه على أرض الواقع ، حيث وصل الظلم اليهودي أقصى مداه ، ومخالف أيضا لما تحكيه النصوص ، إذ أن هناك عودة أخرى للإفساد ، وهناك عقاب آخر ، سينطق فيه الحجر والشجر ، قبل قيام الساعة ، التي أصبحت أشراطها الكبرى على الأبواب ، والناس في غفلة من أمرهم .
ما تُخبر عنه الآيات ، ليس نصرا للإسلام ، وإنما عقاب وعذاب لليهود :
قال تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (167 الأعراف ) تقرّر هذه الآية الكريمة ، بأن الله سيبعث على بني إسرائيل ، من يسومهم سوء العذاب إلى قيام الساعة . إذاً هناك استمرارية للبعث ، وهناك استمرارية للعذاب . وقد وقع العذاب فيهم ، على أيدي وثنيون ونصارى ومسلمون ، على مرّ تاريخهم الطويل . مما يؤكد أن العذاب الخاص بوعدي المرتين ، هو حالة استثنائية خاصة مختلفة ، عمّا تقرّره الآية أعلاه ، وأن الذين سيُوقعونه بهم أناس استثنائيون أيضا ، وهذا الاستثناء جاء لما يملكونه من صفات ، على رأسها صفة البأس الشديد ، لأن إفساد بني إسرائيل المقترن بالعلو في كلتا المرتين ، أعظم من أي إفساد سابق أو لاحق ، مما يتطلّب بعث أناس هم أهل ، لما يريده الله لبني إسرائيل ، من العذاب الشديد .
أُنزلت نصوص هذه النبوءة على موسى عليه السلام ، قبل 3 آلاف سنة تقريبا من الآن ، وقبل 1600سنة من مجيء الإسلام تقريبا ، وكُشفت نصوصها لبني إسرائيل ، بعد نكوصهم عن الدخول إلى فلسطين ، وقبل سنوات التحريم والتيه . وهي في الواقع ، تحكي حالتين استثنائيتين من تاريخ بني إسرائيل ، يتحصّل لهم فيهما علو أمميّ في فلسطين ، يشترط فيهما سبحانه ، الإحسان وتجنّب الإساءة ، فإن أحسنوا أحسن إليهم ، وإن أساءوا أزال علوهم ، وعذّبهم في الدنيا والآخرة . ووعدهم بإطالة أمد هذا العلو إليهم ، طالما هم محسنون ، والإساءة إليهم بعقابهم وبإزالة هذا العلو ، طالما هم يُسيئون ويُصرّون على الإساءة .
ولعلمه المسبق بإفسادهم بعد التمكن من العلو فيها في المرتين ، أخبرهم سبحانه بما سيكون منهم مستقبلا ، مؤكدا ذلك بِقَسَم ، تستشعر من خلاله التحدّي الإلهي لهم ، كونهم دائبون على تحدّيه ، بمحاربة رسله وأولياءه وشرائعه . وأنهم كلمّا علوا في الأرض ، سيفسدون فيها ، بالرغم من تحذيرهم هذا ، معلنين حربهم عليه سبحانه . فينالون غضبه وسخطه عليهم ، مما يستوجب العقاب . وعندما يتحصّل ذلك منهم ، وعدهم ربهم بأن يبعث عليهم في كل مرة ، عبادا له أولي بأس شديد ، ليعيدونهم إلى موقعهم الحقيقي من الإعراب بين الأمم .
لنؤكد هنا على أن ما تُخبر عنه سورة الإسراء حصرا ، هو وعد بعقاب وعذاب لليهود لإفسادهم واستعلائهم في الأرض ، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى ، وفي التعقيب على هذا الخبر ، كانت إحدى الحكم الإلهية للإخبار عنه ، هي زفّ البشرى للمؤمنين . أما نصر المؤمنين ، من أهل فلسطين ، الذين نصروا الله بصبرهم ورباطهم وثباتهم ، فالإخبار عنه والوعد به ، جاء في مواضع أخرى من القرآن ، فلا نخلط بين الأمرين .
من هم هؤلاء العباد ، ولماذا هم ، وما الذي يجري في الحقيقة ؟
يؤكد النص القرآني ، في الآيات من ( 5-7 ) من سورة الإسراء ، أن العقاب الإلهي لبني إسرائيل ، سيحلّ بهم على أيدي بشر . طائفة من خلقه ، سخّرهم الله جلّت قدرته ، من أجل القيام بهذه المهمة العظيمة ، واختارهم لهذه المهمة لاتصافهم بالبأس الشديد . وطبيعة هذه المهمة هي الانتقام ، وهذا الانتقام إلهي الطابع ، وصفته شديد الوقع والتأثير . وبالتالي من الضرورة بما كان ، أن يمتلك أولئك العباد ، مخزونا هائلا وكمّا ضخما ، من الحقد والكراهية الموجّه لبني إسرائيل لسبب أو لآخر ، مما أوجد لديهم رغبة شديدة وملحة في الانتقام منهم ، حتى يتوافق ذلك مع مقتضى الإرادة الإلهية في الانتقام ، وليتجلى ذلك العذاب في أبشع صوره ، كما لو أنه أُنزل عليهم من السماء . وتوحي الآيات بأن هناك علاقة عدائية ، ما بين اليهود وأولئك العباد ، نشأت منذ نهاية علوهم الأول ، وتجدّدت مع بداية علوهم الثاني ، واستمرت وتزايدت مع مرور الزمن ، وأن سبق العداء والاعتداء اليهودي على أولئك العباد ، سيكون السبب في خروج أولئك العباد عليهم . ولتوضيح ما خفي بين السطور ، في هذا النص القرآني الكريم ، سنقوم بطرح مثال قريب إلى أذهاننا .
لنأخذ مثلا ، الإرادة أو الرغبة في الأكل ، وهي عادة لا تأتي عبثا ، وفي الغالب تتحصّل لسببين : الشعور بالجوع ، أو لوجود صفة الشراهة في الإنسان . والإنسان الشَرِه يأكل في العادة ، دون الحاجة للشعور بالجوع ، ذلك لأنها طبع ملازم له ، فتخيّل أن إنسانا كهذا ، كان جائعا فضلا عن شراهته ، وعند نزوله من إلى الشارع ، مرّ بمطعم ، فشاهد من خلال الواجهة الزجاجية دجاجة مشوية ، فاستثارته بمنظرها وأسالت لعابه ، بالتأكيد ستتولّد لديه رغبة شديدة ، في التهام تلك الدجاجة الشهية على الفور ، للشعور باللذة والمتعة ، أثناء التهامها . وعندما همَّ بالدخول ، تبيّن له أن المطعم مغلق للاستراحة ، وحسب اللافتة الموجودة على الباب ، تبين له أن المطعم لن يُفتح قبل عشر دقائق . والذي حصل مع صاحبنا ، أنه لم يترك الأمر ويمضي في حال سبيله ، بل أخذ الأمر على أنه موضوع شخصي ، كونه ذو طبع شره ، وكأن الدجاجة اعتدت عليه بتعرّضها له في الطريق ، وطعنته في مقتل ، فاتخذ قرارا بالانتقام منها ، لكي يُزيح عن كاهله ، ذلك الوضع وذلك الشعور المزري ، الذي فرضته عليه تلك الدجاجة ، بما سبّبته له من استثارة واستفزاز . ولكن هل يستطيع تنفيذ رغبته في الانتقام من الدجاجة ؟ كلا ! … إذن لا مناص له إلّا الانتظار ، لحين مجيء الموعد المنتظر ، فقرّر الانتظار ريثما يفتح المطعم … والآن تخيل سلوك ذلك الإنسان ، لحظة فتح الباب وحتى لحظة وقوع الدجاجة بين يديه … ! وتخيل ما الذي سيفعله بتلك الدجاجة حتى ينتهي من أمرها … ! وتخيل ما بقي من حطامها … ! وتخيل منظر الطاولة لحظة الانتهاء منها … ! وتخيل منظره لحظة تركه لساحة المعركة … وهو يشعر بنشوة الانتصار … الذي حققه وباقتدار … على تلك الدجاجة المزعجة … !
أخبر سبحانه بأن عقابه لبني إسرائيل ، سيكون من فعل البشر ، والسلوك البشري في بعض من جوانبه ، هو مجموعة من الحوادث المتكررة . وما نحن بصدده في هذا المقام ، هو القانون الفيزيائي ( لكل فعل رد فعل معاكس له بالاتجاه ) ، ولكن ليس مساو له بالمقدار ، فرد الفعل في السلوك البشري ، تتدخل فيه عوامل كثيرة ، تغير من مقدار رد الفعل . ومن قراءتنا للنص القرآني وفهمنا له ، نجد أن هذا العقاب الإلهي ، سينفذ في بني إسرائيل على أيدي بشر ، وسيكون غاية ، في البطش والتنكيل والإذلال .
وهذا السلوك البشري ، لا يقوم به إلا من كان يعتمل في صدورهم ، رغبة شديدة في الانتقام . ورغبة الانتقام لدى البشر ، لا تنشأ عبثا ، فغالبا ما تكون ردّ فعل لفعل سابق . بمعنى أن الرغبة في الانتقام لدى شخص ما ، تنتج عادة لسبق الاعتداء من قبل شخص آخر ، فغالبا ما يتسبب الشخص المعتدِي ، في إيقاع الأذى ، بالشخص المعتدَى عليه ، سواء كان هذا العدوان جسديا أو نفسيا ، مما يُشكل خطرا وتهديدا ، على كيان المعتدَى عليه برمّته ، من حيث الأمن والسلامة النفسية والجسدية ، فيُشكّل هذا العدوان استفزازا واستثارة ، تجعل المعتدى عليه ، يعيش حالة من التوتر والقلق ، تؤدي به أخيرا إلى القيام برد العدوان ، بعدوان أشد قسوة وأكثر إيلاما وتنكيلا ، حتى يتخلّص المعتدَى عليه من تلك الحالة ، بالإضافة إلى رد اعتباره أمام نفسه وأمام الآخرين ، ولدرء خطر تكرار العدوان من قبل المعتدِي نفسه أو من قبل غيره .
وفي كثير من الأحيان ، يتكرر نفس السلوك البشري ، لشخص ما عند تعرضه لنفس المثير ، في أوقات مختلفة . وفي أحيان كثيرة يتشابه سلوك شخص ما ، لدرجة التطابق مع سلوك شخص آخر ، تعرض لنفس الموقف ، وإن اختلف ، فالاختلاف إما أن يكون :
أولا ؛ في درجة الشدة ، للفعل نفسه من ( شتم ، أو ضرب ، أو إيذاء بليغ أو قتل ) .
ثانيا ؛ في درجة الشدة لرد الفعل من ( اكتئاب ، أو امتعاض ، أو شتم أو ضرب أو إيذاء بليغ أو قتل ) .
ثالثا ؛ في طبيعة الشخص المعتدى عليه ( فإن كان ذليلا ربما يكتئب ، وإن كان جبانا ربما يمتعض ، وإن كان قويا فيه لين ربما يشتم أو يضرب ، وإن كان عزيزا وقويا ربما يؤذي أو يقتل وينكل ) .
وبما أن السلوك البشري حدث متكرر ، فهو قابل للدراسة والمقارنة . وسورة الإسراء أعطت صورة من صور هذا السلوك ، لأولئك العباد في التعامل مع بني إسرائيل . وتصوير السلوك البشري ، يظهر في مواضع كثيرة ، أثناء السرد القرآني للقصة ، الذي يعتمد التصوير بإيجاز شديد ، ليلقي على كاهل القارئ ، تخيل بقية تفاصيل القصة ، التي اختفت بسبب الإيجاز ، وما كان المثال السابق إلا لإيضاح الجانب الخفي ، مما تحكيه النصوص من أحداث غير ظاهرة ، تغيب في العادة عن ذهن القارئ ، أثناء التلاوة العادية للآيات .
ما تحصل لدينا من ملامح لسلوك هؤلاء العباد ، ومن أحداث من خلال الآيات ، هو ما يلي :
1. صفة البأس الشديد : اتصاف هؤلاء العباد بالقوة والبطش في الحروب .
2. ردّ الكرّة : قيام بنو إسرائيل بالإعتداء على هؤلاء العباد ، بعد تحصّلهم على العلو الكبير .
3. مجيء الوعد : متعلّق بعِظَم الظلم والإفساد في الأرض ، فكلما ازدادت وتيرته كلما اقترب .
4. البعث : الخروج للغزو والغارة ، يقترب كلما ازدادت وتيرة الاستفزاز والتهديد ، وتناقصت المُعيقات والموانع .
5. دخول المسجد : سلب مقومات العلو اليهودي في فلسطين .
6. إساءة الوجه : عِظَم الانتقام وبشاعته ، بالإيذاء والقتل والتنكيل والتهجير والسبي .
تتبع وقارن ما بين معطيات السلوكين :
(1) صفة الشراهة  (2) سبق رؤية الدجاجة تسبب في الاستفزاز والإثارة  (3) تولّد الإرادة والرغبة في الأكل  (4) انتظار مجيء الموعد ( الذي حدده مدير المطعم )  (5) مجيء الموعد  (6) الانبعاث : فتح الباب وتمكين الوصول ( موظفو المطعم )  (7) دخول المطعم  (8) التلذذ والاستمتاع بالتهام الدجاجة ) .
(1) صفة البأس الشديد  (2) سبق الإيذاء والاعتداء تسبب في الاستفزاز والإثارة  (3) تولّد الإرادة والرغبة في الانتقام  (4) انتظار مجيء الموعد ( الذي حدّده سبحانه )  (5) مجيء الوعد  (6) الانبعاث : إزالة المعوقات وتمكين الوصول ( العلي القدير )  (7) دخول المسجد  (8) الانتقام بالتلذذ والاستمتاع بالتنكيل ببني إسرائيل ) .
الملامح الخفية التي ظهرت من خلال المقارنة هي :
1. ضرورة اعتداء بني إسرائيل على أولئك العباد ، بإضرارهم وإيذائهم بشكل بالغ الأثر .
2. تولّد حالة من التوتر والقلق والقهر ، لدى أولئك العباد يُخلّفها ذلك العدوان .
3. تولد الإرادة والرغبة في الانتقام ، لدى أولئك العباد ، بردِّ الصاع صاعين ، لدفع الأذى والضرر ، وردّ الاعتبار .
4. العمل والاستعداد والانتظار ، ريثما تأتي اللحظة المناسبة ، التي تُمكّنهم من الانقضاض .
والآن لنطرح الأسئلة التالية :
1. من الشعب الذي يمتلك صفة الصبر والجلد عند وقوع البلاء ، والقوة والبطش عند مواجهة الأعداء ؟
2. من الشعب الذي هُزم من قبل اليهود عند نشوء دولتهم ، والوحيد الذي استمر اليهود ، في إيذاءه والاعتداء عليه ، بشكل مباشر وغير مباشر ، وما زالوا حتى يومنا هذا ، وسيستمرون في إيذاءه حتى يُجبروه على الخروج عليهم ؟
3. من الشعب الذي يُظهر رغبة شديدة وملحة في الانتقام منهم ، والقضاء عليهم وإنهاء وجودهم ، وما بقي عليه إلا أن يُهيئ الله له ، أسباب الخروج والانبعاث ؟
4. من الشعب الذي بُعث عليهم في المرة الأولى ، ودمّر مملكتهم في فلسطين بالذات ؟ وأين تقع الأرض التي خرج منها الآن ؟
5. من الشعب العزيز والقوي ، الذي لا يقبل الخضوع والذل والهوان ، ولديه القوة والقدرة ، ليفاجئهم ويكيل لهم الصاع صاعين ، وينزل بهم أبشع انتقام إلهي ، وبتجلّ واقتدار ؟
شروط ومواصفات المرة :
والآن لنحاول استنباط الشروط والمواصفات ، التي يجب توافرها في المرة الواحدة ، ليصبح لدينا مقياس ينأى بنا ، عن التخبط والعشوائية والاجتهاد الخاطئ ، نستطيع من خلاله ، تقييم كل حالة من الحالات المعروضة بين أيدينا ، لأجل التحقق وبدقة متناهية ، من كونها إحدى المرتين أم لا :-
1. المكان : الأرض المقدسة - فلسطين .
2. العلو : الاستعلاء - امتلاك الأرض والمال والقوة .
3. النشأة والاستمرارية : تواكلية - إحداهما بالتواكل على الله ، والأخرى بالتواكل على الناس .
4. صفة الإفساد : أممي جماعي - القتل وسفك الدماء ، إخراج الناس من ديارهم ، محاربة الله وما جاء به رسله .
5. صفة العقاب : انتقام إلهي - الدخول بالغلبة قسرا وقهرا ، وهدم مقومات الدولة ، وإفناء شعبها ، والشتات لمن ينجو منهم .
6. صفة المبعوثين : أقوياء وأعزاء - يفضلون الموت على الذل والمهانة ، ولا يقبلون بأقل من ردّ الصاع صاعين ، ومخرجهم من نفس الأرض ، في المرتين .
7. المجيء : مختلف - دخول فلسطين كأمة في الأولى ، دخولها كجماعات متفرقة من الشتات في الثانية .
8. الوعد : الأول - تحقق قبل نزول سورة الإسراء ، والثاني - سيتحقق في مستقبل الأمة الإسلامية .
هل من المكن أن يبعث الله الكفرة ويُسلّطهم على من شاء من عباده ؟
هذا السؤال كان قد أورده الزمخشري في الكشاف ، حيث قال : " ( عبادا لنا ) ، وقُرئ عبيدا لنا ، وأكثر ما يُقال عباد الله ، وعبيد الناس ، سنحاريب وجنوده وقيل بختنصر … فإن قلت كيف جاز أن يبعث الله الكفرة ويُسلّطهم عليهم ؟ قلت : معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم ، على أن الله أسند بعث الكفرة إلى نفسه ، فهو كقوله تعالى ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا ، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129 الأنعام ) " انتهى .
أما الإمام أحمد فقد قال ردا على نفس السؤال : " هذا السؤال إنما يتوجه على قدريّ ، يُوجب على الله تعالى بزعمه ، رعاية ما يتوهمه بعقله مصلحة ، وأما السُنيّ إذا سُئل هذا السؤال أجاب عنه بقوله : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23 الأنبياء ) " انتهى .
ولا ننسى أن الكلام في المسألة أعلاه ، محمول على أن البعثين قد تحصّلا قبل نزول الآيات ، حيث أجمعت كل الروايات على كفر المبعوثين ، فجاء الكلام ردّا ، على من قد ينكر على الله ، بعث الكفرة على فسقة أهل الكتاب ، ويحصر ذلك بالمؤمنين وهما وظنا واتباعا للهوى ، مُقدّرا بأن في ذلك كل المصلحة والمنفعة ، مُلزما ربّ العزة برأيه .
وبالإضافة لما تقدّم ، نسوق بعض الأدلة من القرآن والسنة ، على تسليط الله الناس بعضهم على البعض ، دون بيان ماهية المعتقد من حيث الإيمان أو الكفر ، وحتى نصرة الدين بالفجار :
قال تعالى ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251 البقرة )
وقال أيضا ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40 الحج )
ومما روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قَالَ في معرض حديثه : ( … وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ) ، وأخرجه مسلم وأحمد والدارمي .
فإذا كان الحكيم العليم ينصر دينه بالفجار ، أفلا يُعذّب الكفار بالكفار ؟!!
أولم يُسلّط الله التتار على فسقة المسلمين قديما ، ويُسلّط الأتراك والنصارى واليهود على فسقة المسلمين حديثا ، أم أن هذا التسليط كان من عند غير الله ؟!!
والسؤال هل هناك منفعة أو مصلحة ، تُرتجى من بعث الريح والحجارة ، أو بعث الطير والضفادع ، على الأقوام السابقة ، طالما أن الغاية هي عقاب الظلمة والمفسدين ؟!!
الخلاصة :
1. أن إفساد بنو إسرائيل وعلوهم سيكون كأمّة ، وبقيام دولة لهم في فلسطين لمرتين فقط ، لا ثالث لهما .
2. أن البعث من عند الله ، وأنه عقاب وعذاب لبني إسرائيل لإفسادهم في الأرض ، في الدرجة الأولى ، بالرغم من كونه نصرا للمستضعفين ، من أهل فلسطين ، الذين انتصروا لربهم ودينهم .
3. أن هذا البعث متعلّق بموعد ، والمؤشر على قرب أجله ، هو ازدياد وتيرة الظلم والإفساد اليهودي .
4. أن غاية هذا البعث ، هي الانتقام من بني إسرائيل في الدرجة الأولى ، وليس مكافأة لصلاح المبعوثين .
5. أن الوعد الأول كان قد أُنجز فيما مضى ، وقبل مجيء الإسلام ، بل قبل عيسى عليه السلام .
6. أن تحقق الوعد الثاني ، اشتُرط فيه قبل تحققّه :
أولا : مجيئهم من الشتات ؛
ثانيا : هزيمة اليهود للمبعوثين وإلحاق الأذى بهم ؛
ثالثا : اعتماد اليهود على المساعدات المادية والبشرية ؛
رابعا : تفوّق اليهود عسكريا على أعدائهم .
7. أن للبعث الثاني سبب ، وهو سبق الاعتداء اليهودي على المبعوثين ، وأن خروج المبعوثين عليهم ، سيكون لرفع الضرر والانتقام لأنفسهم .
8. أن المبعوثين عليهم في المرة الثانية ، هم نفس المبعوثين عليهم في المرة الأولى .
9. أن هذا البعث سيكون مُفاجئا لهم ، وهم في قمة علوهم وتجبرهم ، وسيأتيهم من حيث لا يحتسبوا ، وسيتم قتل اليهود والتنكيل بهم ، ومن ثم دخول فلسطين والسيطرة عليها ، مع انعدام قدرة اليهود على صدّ المبعوثين .
10. أن الدخول الأول يعرفه اليهود ، كمعرفتهم لأولادهم ، وليس للمسلمين معرفة بصفته ، كونهم لم يُعاصرونه ، إلا من خلال كتب اليهود .
11. أن تدمير مقومات علوهم في مشارق الأرض ومغاربها ، أمر حتمي ، ولو بعد حين .
12. أن ماهية المعتقد للمبعوثين مُبهمة ، فمن الجائز أن يكونوا كفرة أو مسلمين أو مؤمنين أو من أولياء الله المخلصين ، في كلا المرتين ، أو في مرة دون الأخرى ، وأن أهمّ ما يُميّزهم في كلا المرتين ، هو اتّصافهم بالبأس الشديد .

تاريخ وجغرافيا بني إسرائيل في القران
بعد مراجعتي لمعظم الآيات القرآنية ، التي تحكي سيرة بني إسرائيل ، تبيّن لي الكثير من الوقائع المبهمة في تاريخهم ، والمفاهيم المغلوطة ، التي كنت أحملها ويحملها عامة المسلمين ، والتي سيرد تفصيلها في هذا الفصل إن شاء الله . كنت سأقتصر بحثي في تاريخ بني إسرائيل ، لإثبات تحقق وعد المرة الأولى من علو وإفساد وعقاب ، ولكن تبين لي من خلال الأحاديث العامة ، وعند طرحي لموضوع هذا البحث ، أن كثيرا من الناس ، يجهلون تاريخ بني إسرائيل ، وخاصة ماهيّة الأحداث التي حصلت معهم ، وموقعها من حيث الزمان والمكان ، والتي ذُكرت متفرقة في القرآن ، وبلا ترتيب في أغلب الأحيان ، ويجهلون أيضا حتى ترتيب أنبياء بني إسرائيل وتعاقبهم ، لذلك اضطررت لتعقب تاريخهم منذ البداية ، لما فيه من فائدة .
إبراهيم عليه السلام
حسبما ورد عن أهل الكتاب ، أن إبراهيم عليه السلام ، كان مقيما في بلدة أور في جنوب العراق ، ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24 العنكبوت ) ، ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26 العنكبوت ) ، ( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71 الأنبياء ) ومن ثم انتقل إبراهيم ولوط عليهما السلام ، وهو الوحيد الذي آمن له من قومه ، إلى فلسطين .
وسكن لوط عليه السلام قرية ( سدوم وعمورة ) حسب تسمية التوراة ، في موضع البحر الميت حاليا ، واستمر إبراهيم عليه السلام على الأرجح ، إلى المدينة المسمّاة باسمه لغاية الآن – وهي الخليل جنوبي القدس - وسكن فيها ، وظاهر النص القرآني ، يفيد بأنهما لم يكونا متزوجين ، ولو كانا متزوجين ، لذُكِرَ أهلهما عند النجاة ، كما اقترن ذِكْر الأهل مع الأنبياء ، في كل من حالات النجاة والهجرة ، التي وردت في القران ، كما في الآية ( وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76 الأنبياء ) ، والآية ( قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا … لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ (32 العنكبوت ) ، والآية ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ (29 القصص ) ليفيد ذلك أنهما هاجرا منفردين وفي مقتبل العمر ، وأن الزواج حصل بعد الإقامة ، وعلى الأرجح ، من نفس الأقوام التي دخلوا عليها وعايشوهاكأفراد ، والله أعلم .
قال تعالى على لسان إبراهيم ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لي عَلَى الْكِبَرِ ، إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39 إبراهيم ) ، ومرت سنون طويلة ، وبعد أن تقدم إبراهيم عليه السلام في العمر ، وهبه الله جلّ وعلا إسماعيل أولا من هاجر ، فأسكنه وأمه في مكة ، ومن ثم رُزِقَ بإسحاق في شيخوخته ، من سارة التي أصبحت عجوزا ، ومن ثم وُلِدَ يعقوب لإسحاق عليهما السلام ، قال تعالى ( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72 هود ) .
مسألة بناء البيت الحرام والمسجد الأقصى :
قال تعالى ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96 آل عمران ) .
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ ، قَالَ : ( الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ، قَالَ : ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ، قُلْتُ : كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا ، قَالَ : أَرْبَعُونَ ، ثُمَّ قَالَ : حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ ، وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ ) رواه البخاري ، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد . جاء في شرح السندي ، لنفس المتن عند ابن ماجة ، ما نصه : " قوله ( وُضِعَ أول ) بالبناء على الضمة ، ( قال أربعون عاما ) قالوا : ليس المراد بناء إبراهيم للمسجد الحرام ، وبناء سليمان للمسجد الأقصى ، فإن بينهما مدة طويلة بلا ريب ، بل المراد بناؤها قبل هذين البناءين ، والله أعلم " .
ومن معاني ( الوضع ) ، في لسان العرب " والمواضع معروفة ، وواحدها موضع ، والموضع هو اسم المكان ، وفي الحديث : " ينزل عيسى بن مريم فيَضَعُ الجزية " ، فتوضع الجزية وتسقط ، وفي الحديث : " و يَضَعُ العلم " أي يهدمه ويلصقه بالأرض ، ووَضَعَ الشيء وَضْعَاً أي اختلقه وأوجده ، ووضع الشيء في المكان ، أثبته فيه " .
ولم تأتي ( وُضِعَ ) بأي حال من الأحوال بمعنى ( بُنِيَ ) ، وذلك يفيد بأن الوضع كان للقواعد فقط . وقد رُوي أن آدم عليه السلام ، هو أول من بنى الكعبة ، واتخذت مكاناً لعبادة الله ، ومن ثم تحول الموضع لعبادة الأصنام ، وأزيلت معالم ذلك البناء ، بفعل الطوفان زمن نوح عليه السلام ، واختفت هذه القواعد نتيجة تراكم الأتربة ، على مرّ السنين . وإعراب ( وُضِعَ ) في كلا الموضعين ، هو فعل ماضٍ مبني للمجهول ، أي أن فاعل الوضع غير معلوم في النص ، وجاءت بمعنى تعيين وتحديد مكان البيت ، وهناك روايات بأن الملائكة كشفت لآدم عن موضعه ، عندما بناه لأول مرة . وبلغة مسّاحي الأراضي ، نستطيع القول أن ( وُضع ) ، جاءت بمعنى تحديد وإسقاط إحداثيات الموقع على الأرض ، وتثبيت حدوده .
ولا يختلف اثنان ، على أن من أعاد بناء البيت الحرام ، هما إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، بدلالة قوله تعالى ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26 الحج ) ، بوّأنا أي كشفنا وأظهرنا له موضعه ومكنّاه منه وأذنا له في بنائه ، ومن ثم كان البناء برفعه فوق القواعد ، في قوله ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (127 البقرة ) ، والغاية من بناءه هو جعله مكانا للعبادة ، بما تشمله من طواف وقيام وركوع وسجود ، لمن يستجيبوا لرسالة الإسلام ، كما ورد في الآية أعلاه ، التي كان يحملها إسماعيل عليه السلام ، المقيم في ذلك المكان ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54 مريم ) .
يعقوب ويوسف عليهما السلام
قال تعالى ( وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58 مريم ) ، ويعقوب عليه السلام هو إسرائيل ، والمقصود ببني إسرائيل ، هم نسل يعقوب عليه السلام ، وحسب ما ترويه التوراة ، أنه ترك مقام أبيه إسحاق في فلسطين ، وهاجر إلى خاله في العراق ، ورعى عنده الغنم عدة سنين ، وتزوج اثنتين من بناته ، وعاد إلى فلسطين مرة أخرى ، وقد رُزق عليه السلام باثني عشر ابنا ، وأبرزهم يوسف عليه السلام ، في قوله تعالى ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4 يوسف ) ، وقوله ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا (100 يوسف ) . أي أجلس أبوه وأمه إلى جواره ، احتراما وتقديرا وتوقيرا ، ومن ثم سجد له أخوته الأحد عشر ، دون أبويه ، ففي الأية (4) كانت الرؤيا الأولى ، للأحد عشر كوكبا والشمس والقمر ، ومن ثم كانت الرؤيا الثانية ، لسجود الأحد عشر كوكبا ، دون الشمس والقمر ، وهذا ما تؤكده الأية ( 100 ) ، حيث رُفع الأبوين إلى العرش ، ومن ثم وقع السجود من الأخوة .
أما مكان سكنى يعقوب عليه السلام ، ومن قوله تعالى على لسان يوسف ( وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ (100 يوسف ) ، يتبين لنا أنهم كانوا قد سكنوا الصحراء ، وعاشوا حياة البداوة ، ومن المعروف أن مهنة البدو ، هي تربية المواشي ، وتبادل منتجاتها مع أهل الحضر ، ومن قوله على لسان أخوة يوسف أيضا ( وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82 يوسف ) والقرية ، هي مكان تواجد يوسف عليه السلام في مصر ، حيث تركوا الأخ الشقيق ليوسف ، وقولهم هذا وتردّدهم لأكثر من مرة على مصر ، يدل على قربهم منها ، وقولهم ( وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) يدل أنهم ذهبوا إلى مصر ورجعوا في قافلة ، وأفرادها يقطنون معهم أو بالقرب منهم . والأرجح أن تكون هذه الصحراء ، التي كانوا يقيمون فيها قريبة إلى مصر ، وربما تكون صحراء النقب ، جنوب فلسطين ، وفي منطقة بئر السبع بالذات ، حيث سكنى بدو فلسطين ، وهو الأرجح والله أعلم .
الانتقال إلى مصر :
وبعد أن تبوّأ يوسف عليه السلام في مصر منصبا ، يوازي منصب وزير الخزينة ، أو المالية في عصرنا الحالي ، لدى فرعون مصر ، انتقل يعقوب وبنوه ، للحاق به في مصر ، قال تعالى ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) … (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَني مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ … (101 يوسف ) ، ودخلوها معزّزين مكرّمين آمنين ، وقوله ( آمنين ) يوحي بأن ليس كل من دخل مصر آنذاك ، ليقيم فيه من الغرباء والدخلاء ، سيكون آمنا على نفسه ، من الاضطهاد والاستعباد .
بعض مظاهر الحكم المصري :
قصة يوسف عليه السلام أشهر من أن تعرّف ، لذلك سنوردها باختصار ، ونركّز على بعض ما خفي منها . حيث كانت مصر آنذاك إحدى كُبريات الممالك القديمة ، بدلالة قوله تعالى ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي … (54 يوسف ) ، وعلى لسان مؤمن آل فرعون ( يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ (29 غافر ) ، ونظام الحكم فيها ملكي وراثي ، وكلمة فرعون ربما تكون اسم أو لقب للملك ، ويقال أن الفراعنة لم يكونوا ملوك مصر ، في زمن يوسف عليه السلام ، فسواء كان هذا أو ذاك ، فنحن نصف الأوضاع في مصر بشكل عام .
حيث يبدو أن المجتمع المصري ، كان يتألّف من أربع طبقات :-
الطبقة الأولى : العائلة الملكية ، التي هي في مصاف الآلهة من حيث الحقوق والامتيازات .
الطبقة الثانية : الأشراف من المصريين ، الموكل إليهم الأعمال التنفيذية ، ويتمتعون بامتيازات استثنائية ، من وزراء وما شابه ، وهم علية القوم وسماهم سبحانه ملأ فرعون ، في قوله ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (88 يونس ) . ومنهم العزيز صاحب يوسف عليه السلام ، وهامان الذي كان يشغل ما يشبه ، منصب رئيس الوزراء في عصرنا هذا ، قال تعالى ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36 غافر ) .
وانضوى يوسف عليه السلام ضمن هذه الطبقة ، مع أنه كان من الغرباء ، كونهم كانوا بأمسّ الحاجة لعلمه وحكمته ، لإدارة شؤون البلاد الاقتصادية ، في سنين الجفاف ، ، لا لشيء آخر . بعد أن أصبح عليه السلام من المقربين للملك ، ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54 يوسف ) حيث كان عبدا مملوكا لذلك العزيز ، الذي قال عنه يوسف عليه السلام ، عندما رُووِدَ عن نفسه للوقوع في الزنا ، بزوجة من أكرمه وأحسن مقامه : ( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23 يوسف ) أي لن أظلم نفسي بمعصية الله ، ولن أظلم زوجك بنكران معروفه معي ، إذ قال لها زوجها عند شراءه ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا (21 يوسف ) ، ولفظ ربّ في الآية السابقة جاء بمعنى صاحب أو مالك ، ولفظ العزيز هو لقب يُطلق على الأشراف ، ذوي المناصب الرفيعة ، وقد خُوطب به يوسف عليه السلام ، من قِبَل أخوته في الآية (88) . ويبدو أن المجتمع المصري كان منغلقا على نفسه ، ولا يخالط الغرباء من منظور الفوقية والاستعلاء ، ويخاف الغرباء ويخشاهم وبالتالي كان ينبذهم .
والطبقة الثالثة : عامة المصريين وهم يعملون بالوظائف العامة والخاصة ، وامتيازاتهم عادية ، وشملت هذه الطبقة نسبيا بني إسرائيل ، في زمن يوسف عليه السلام .
والطبقة الرابعة : العبيد عن طريق الشراء وما شابه ، وأغلبهم من غير المصريين ، بلا حقوق وبلا امتيازات ، بل على العكس ليس لهم إلا المهانة والازدراء ، ويعملون بقوتهم اليومي في الزراعة والبناء والخدمة ، ومن ضمنها صاحبيّ السجن ، وشملت بني إسرائيل ، بعد يوسف عليه السلام ، حتى زمن موسى عليه السلام . والمخطئ من هؤلاء العبيد في حق المصريين ، كان مصيره السجن أو العذاب الشديد أو القتل ، وبدون محاكمة على الأرجح ، وخاصة إذا كان خصمه مصريا ، حتى ولو أُتهم زورا وبهتانا .
وأما الموقع الجغرافي لعاصمة الملك ، وبدلالة هذه الآيات ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51 الزخرف ) ، ( وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ (24)كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27 الدخان ) ، فهو يقع على مجرى نهر النيل ، في أخصب الأراضي المصرية ، أما سكنى فرعون وآله ( أي عائلته ) كانت خارج المدينة ، بمعزل عن الشعب ، وقصره مقام على ضفاف النيل .
هل كان يوسف داعية إلى الله في مصر ؟ نقول نعم ، وقد بدأ الدعوة في السجن ، عندما قال لصاحبيّ السجن ( يَصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ، مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ، إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40 يوسف ) ، واستمرت دعوته حتى مماته ، قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ ، فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ، كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34 غافر ) وهو يعني أهل مصر ، وكان يوسف عليه السلام ، يدعوا إلى الله تعالى بالقسط ، فما أطاعوه تلك الطاعة ، إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي ، ولهذا قال مؤمن آل فرعون : ( فما زلتم في شك مما جاءكم به ، حتى إذا هلك ، قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ) ، وطال الأمد بقوم فرعون وببني إسرائيل ، فضلّوا إلا قليلا ، وكان منهم مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه ، وعلى لسانه جاءت هذه الآية ، ومنهم أيضا أهل موسى عليه السلام .
أحوال بني إسرائيل في مصر بعد وفاة يوسف عليه السلام وحتى خروجهم منها :
بعد زوال سندهم لدى فرعون ، أصبح حالهم حال العبيد . وربما يكون ذلك في زمن فرعون نفسه ، أو من مَلَك بعده ، بعد وفاة يوسف عليه السلام ، لزوال المصلحة والنفع الذي تأتّى من علم يوسف ، وحكمته في الإدارة والاقتصاد . واستمر حالهم كذلك حتى خروجهم مع موسى عليه السلام ، وحسب ما يُروى أن المدة ، ما بين دخولهم إلى مصر ، وخروجهم منها هي أربعمائة سنة ، والله أعلم ، وحالهم في تلك الفترة الزمنية ، يصفه القرآن بما يلي : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4 القصص ) ، ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49 البقرة ) ، ( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30 الدخان ) ، وازداد العذاب والاضطهاد لهم ، ببعث موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه .
موسى عليه السلام
والحكمة الإلهية التي أرادها الله من بعث موسى عليه السلام ، هي ما ابتدر به رب العزة سورة القصص ، بقوله ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ علَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ، وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ ، مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6 القصص ) والقصة بتمامها ، مفصلة في سورة القصص وسورة طه ، وقصة موسى معروفة ومألوفة لدينا ، حيث وُلد عليه السلام ، وألقته أمه في النيل ، خوفا من ذبحه ، فالتقطه آل فرعون ، واعتنوا به . حتى إذا بلغ أشدّه ، قتل مصريا ، فأتمر به ملأ فرعون ، فغادر مصر متجها إلى مدين ، ولم يكن قد لقي بلاء قبل ذلك ، فقد كان ربيبا منعمّا في آل فرعون ، ولم يكن عليه السلام ، قد أُوحيَ إليه بعد ، وإنما كان مسلما ، على دين آبائه إبراهيم إسحاق ويعقوب عليهم السلام .
الموقع الجغرافي لمَدْيَن :
قيل فيها في المعاجم : أنها تقع " قرب بحر القلزم ( البحر الأحمر ) محاذية لتبوك ، وتقع بين وادي القرى والشام ، وقيل اتجاه تبوك بين المدينة والشام ، وقيل هي كفر سندة من أعمال طبرية ، وقيل بلد بالشام معلوم تلقاء غزة ، وفي ( البداية والنهاية ) : " كان أهل مدين قوما عربا ، ومدين هي قرية من أرض معان ، من أطراف الشام ، مما يلي ناحية الحجاز ، قريبا من بحيرة قوم لوط ، وكانوا بعد قوم لوط بمدة قريبة " .
والقول الأخير هو أفضل ما قيل فيها ، وهو الأرجح فهي تقع شرقيّ نهر الأردن ، في السفح المطل على فلسطين ، قبالة أريحا ، حيث المكان المسمى بوادي شعيب حاليا ، والذي يقع فيه مقام النبي شعيب عليه السلام ، في جبال محافظة البلقاء الأردنية ، وهي أرض خصبة تصلح لزراعة القثائيّات ، وفيها الأشجار المثمرة ، وعيون الماء ، ويؤيد ما ذهبنا إليه قوله تعالى ، على لسان شعيب مخاطبا قومه ( وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89 هود ) ، والمقصود هنا البعد المكاني ، حيث المسافة بين قرية شعيب والبحر الميت ( بحيرة لوط ) ، لا تتجاوز (20) كم ، أما البعد الزماني بين لوط وشعيب ، فيُقدّر بمئات السنين ، حيث أن لوط عاصر إبراهيم ، وشعيب عاصر موسى عليهم السلام .
وكما ورد في الروايات ، كان أهل مدين ، يقطعون السبيل ويخيفون المارة ، وهم أصحاب الأيكة أي الأشجار الملتفة والمتشابكة - وهي صفة موجودة أيضا في تلك المنطقة - وكانوا من أسوء الناس معاملة ، يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما ، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص ، فآمن بشعيب بعضهم وكفر أكثرهم ، ( فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189 الشعراء ) ( فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91 الأعراف ) ، ولم تدمر ديارهم بل بقيت على حالها ، ويقال أن ذلك كان في يوم شديد الحر ، فبعث الله ظللا من الغمام ، في بقعة قريبة من مكان سكناهم ، فذهبوا ليستظلوا بها ، فنزل بهم العذاب ، وبقي في القرية من آمن لشعيب عليه السلام من قومه وهم قلة .
مقام موسى في مدين :
( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ … ) ، خرج موسى من مصر وحيدا ، ( قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22 القصص ) ، ولم يكن يملك من أمره ، إلا حسن ظنّه بربه عز وجل ، حتى صار إلى مدين . فلبث موسى عليه السلام ( 8-10 ) سنين في أهلها ، لقوله تعالى على لسان شعيب عليه السلام ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ … (27 القصص ) وتزوج فيها ورعى الغنم ، وتعرف إلى أهلها وعرفوه ، وعرف سهولها وجبالها ووديانها ، ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ … ) .
العودة إلى مصر :
وبعد أن قضى المدة المطلوبة منه ، ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ (29 القصص ) غادرها مع أهله وما تحصّل عليه من أغنام ، تسيّره أقدار ربه . وكان خط مسيره ، والله أعلم ، باتجاه الجنوب ، شرقي البحر الميت باتجاه مصر ، حيث انحدر بأهله إلى وادي عربة ، جنوب البحر الميت ، فضلّ الطريق ، وهناك أتاه هاتف السماء ، لذلك قال تعالى ( … ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى (40 طه ) ، إلى موضع الوحي ، في الوقت المقدّر . فأوكله الله بحمل الرسالة إلى فرعون ، وأمره بالتوجه إلى مصر ، ومن هناك سار – بخط شبه مستقيم - مجتازا صحراء النقب جنوب فلسطين ، وصحراء سيناء باتجاه بوابة مصر البرية من الشرق ، ومن ثم سار جنوبا باتجاه القاهرة ، حيث إقامة فرعون وقومه .
تحديد الموقع الجغرافي ، للمكان الذي أوحي فيه ، إلى موسى عليه السلام :
نزل الوحي إلى موسى مرتين ؛ الوحي الأول : هو الذي كُلف به موسى بحمل الرسالة ، وما بعث به إلى فرعون وبني إسرائيل ، بعد خروجه من مدين ، والوحي الثاني : هو الشريعة الجديدة التي كُتبت في الألواح لبني إسرائيل ، بعد خروجهم من مصر ، ويعتقد الكثيرون أن الوحي نزل على موسى ، على جبل سيناء الواقع في صحراء سيناء المصرية ، وهذا غير صحيح ، حيث لم يوجد أي نص في القرآن يفيد ذلك . والواقع أن هذه تسمية الصحراء المصرية بصحراء سيناء ، استندت إلى ما جاء في التوراة ، مع أن التوراة لم تُحدّد موقع الصحراء أو الجبل .
وتذكر التوراة في سفر الخروج ، أن بني إسرائيل مروا على التوالي ، بثلاثة صحارى ، هي الواردة في النص التالي بالترتيب : " 15: 22: ثم ارتحل موسى بإسرائيل من البحر الأحمر ، وتوجّهوا نحو صحراء شور ، 27: ثم بلغوا إيليم … 16: 1: ثمّ انتقلوا من إيليم حتى أقبلوا على صحراء سين ، الواقعة بين إيليم وسيناء " .
وجاء في نص آخر : " 17: 1: وتنقل بنوا إسرائيل على مراحل ، من صحراء سين … إلى أن خيّموا في رفيديم …19: 2: فقد ارتحل الإسرائيليون من رفيديم إلى أن جاءوا إلى برية سيناء ، فنزلوا مقابل الجبل فصعد موسى للمثول أمام الله ، فناداه الرب من الجبل … 20 : ونزل الرب على قمة جبل سيناء … "
وهذه النصوص تُشير إلى أن جبل سيناء ، هو اسم الجبل الذي أُوحي بجانبه إلى موسى ، وأن برية سيناء هي تسمية ، للمكان الواقع مقابل جبل سيناء . وأن برية سيناء هي الأبعد عن مصر ، كونها كانت آخر الصحارى التي مرّوا بها ، أثناء مسيرهم ، باتجاه بوابة الأرض المقدّسة شرقي نهر الأردن ، والترجمات العربية للتوراة ، لا تُميّز بين القفر ، أي الخلاء غير المأهول بالسكّان ، وبين الصحارى الرملية القاحلة .
وجاء في التوراة " 16: 35: واقتات الإسرائيليون بالمنّ طوال أربعين سنة ، حتى جاءوا إلى تخوم أرض كنعان العامرة بالسكان " . وهذا النص الكاذب والمضلّل ، يقول أن المنّ والسلوى كانت تنزّل عليهم طيلة أربعين سنة ، قبل وصولهم إلى مشارف فلسطين ، أي قبل أن يُطلب منهم الدخول إلى الأرض المقدسة ، وقبل أن يحكم عليهم بسنوات التحريم والتيه الأربعين . والصحيح أن المنّ والسلوى كانت تنزّل عليهم خلال مسيرهم في الصحراء ، وهي مدة قصيرة ، أما سنوات التحريم والتيه الأربعين – سنوات الغضب الإلهي - فلم يكن يتنزّل عليهم شيء .
وتسمية الصحراء المصرية بسيناء ، وذكر التوراة أن بني إسرائيل عاشوا فيها أربعين سنة يأكلون المن والسلوى . ضلّلت حتى اليهود أنفسهم ، الذين بحثوا ونقبوا فيها طويلا ، عن أي أثر لمقامهم فيها ، ولكن دون جدوى ، مما اضطر بعض الباحثين اليهود مؤخرا ، إلى تكذيب معظم روايات التوراة ، ونشر الكثير من آرائهم ونتائج أبحاثهم في الصحف .
أما كلمة الطور فقد وردت في القرآن (10) مرات ، (8) منها بلفظ ( الطور ) معرّفة بأل التعريف ، بمعنى الجبل ، وواحدة بلفظ ( طور سيناء ) ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20 المؤمنون ) ، وواحدة بلفظ ( طور سينين ) بنفس المعنى السابق ، ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2 التين ) . وسيناء وسنين لغة ، إذا لم تمنع من الصرف ، أي لحقها التنوين جرّاً ونصباً ، فإنها تعني كثرة الشجر ، وإذا مُنعت من الصرف ، كما هو الحال هنا فهي اسم ، والكلمات ( طور وسيناء وسينين ) ألفاظ أعجمية ، ومما تقدم نستطيع القول بأن ( طور سيناء ) اسم لجبل معروف لبني إسرائيل ، بمعنى ( جبل الغابة ) ، وهو في الحقيقة ، اسم الجبل الذي أوحيَ بجانبه إلى موسى ، حسب تسمية التوراة له ، وقد عُرّف هذا الجبل من خلال القرآن ، بأنه يُنبت التين والزيتون . والمقصود بكلمة ( الطور ) المعرّفة بألف ولام ، أينما جاءت في القرآن ، هو طور سيناء أو سينين ، والطور هو سلسلة جبال فلسطين ، التي تربض على تلالها مدينة القدس ، والتي هي في الأصل جبل واحد ، يمتد من مدينة نابلس شمالا إلى مدينة الخليل جنوبا .
قال تعالى ( فَلَمَّا قَضَى موسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ، آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ، قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ، إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ، لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ، أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ ، لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29 القصص ) قلنا أن موسى عليه السلام ، كان قد ضلّ طريقه بعد خروجه من مدين باتجاه مصر ، ، لقوله عليه السلام ( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ) فوجد نفسه في أحد الأودية . ودخوله إلى الوادي كان عن طريق انحداره ، بواد فرعي جنوب البحر الميت ، وكان ذلك ليلا ، وفي طقس بارد جدا . وأثناء التخييم هناك ، كان يلتفت يمنة ويسرة ، بحثا عن الدفء والهداية ، فآنس نارا من جانب الجبل ، فاتجه إليها بعد أن استأذن أهله ، ليأتيهم بجذوة منها لأجل الدفء ، أو يجد من يرشده إلى طريقه ، ولكنه لم يجد نارا ، ولم يجد في المكان أحد .
نور لا نار :
( فَلَمَّا أَتَاهَا … ) ، أي النار ، وقف تحتها ( فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ (30 القصص ) وفي الواقع لم تكن نارا ، بل كانت نور في شجرة ، وهي الشجرة الموصوفة في قوله سبحانه ( شَجَرَةٍ ، مُبَارَكَةٍ ، زَيْتُونِةٍ ، لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ (35 النور ) ، وهي ( شجرة ) ، ( وزيتونة ) ، ( ومباركة ) ، أي تقع في بقعة من الأرض ، ينبت فيها شجر الزيتون ، وهي أرض مباركة ، وقوله ( لا شرقية ولا غربية ) ، أي لا في الجانب الشرقي من وادي عربة ، ولا في الجانب الغربي منه ، فهي في منتصف الوادي تقريبا ، وقوله ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) ، أي لها وهج من نور ، وليس ذلك من اشتعال نار فيها ، فهي مضيئة من تلقاء نفسها ، وقوله ( يكاد زيتها يضيء ) ، أي أن الإضاءة ناتجة عن زيت الشجرة ، فلا يكون ذلك إلا وهي مثمرة ، فالزيت يوجد في الثمر ، وتشكل الزيت في الثمر ، لا يكون إلا في بداية فصل الشتاء ، ويؤيد ذلك طلب موسى عليه السلام للدفء ، ليتأكد لنا أن دخوله إلى بطن وادي عربة ، كان في فصل الشتاء ، وأن الشجرة التي نوديَ من تحتها في الوادي المقدس ، هي نفس الشجرة الموصوفة في سورة النور ، ولا أدري لماذا يتملكني شعور قوي ، بأن هذه الشجرة قائمة في ذلك المكان إلى اليوم ، في منطقة موحشة ومقفرة وغير مأهولة ، تضيء كلما أثمرت ، في فصل الشتاء .
( فَلَمَّا أَتَاهَا ) وقف حائرا أمامها ، يتفكّر في أمرها ، حيث أنه لم يجد ما جاء يسعى إليه ، فلا نار ولا ناس يُشعلونها ، وأثناء شروده ، وفي سكون الليل ، ( نُودِي يَمُوسَى (11 طه ) ( مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ (30 القصص ) ، أي من الجانب الأيمن من الوادي ، ( مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ (52 مريم ) ، أي من الجانب الأيمن للجبل ، وليس الأيسر ، ( بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ (44 القصص ) ، أي الجبل الغربيّ ، وهذا تحديد جغرافي بالغ الدقة لمكان الوحي .
أتاه النداء باسمه ممن يعرفه ، وذلك مما آنس موسى ، ليبدّد سكون ذلك الليل الموحش ، ويقطع عليه شروده وتأمله ، ولا أخاله إلا قد أجفل عليه السلام ، ولما التفت إلى مصدر النداء ، خاطبه رب العزة قائلا ( إِنِّي أَنا رَبُّكَ ) مطمئنا إياه ومعرّفا بنفسه ، ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (12طه ) فأمره بخلع نعليه – إذ هو في حضرة ملك الملوك – ليتجه حافي القدمين ، سائرا في الجانب المقدس من الوادي ، صوب الجبل ، قال تعالى ( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(52 مريم ) أي كان الكلام مناجاة ، والمناجاة عادة تستدعي القرب .
نحن نعلم أن الأرض المباركة والمقدّسة هي أرض فلسطين ، وبما أن الوادي الذي نزل فيه موسى واد مقدّس ، فلا بد له من يكون واقعا في الأرض المقدّسة ، وبما أن الشجرة نبتت في بقعة مباركة ، فلا بد لها من أن تكون قائمة في الأرض المباركة ، وبما أن شجرة سورة النور زيتونة مباركة ومضيئة ، فلابد لها من أن تكون هي الشجرة ، التي رآها موسى فظن نورها نارا ، في بطن وادي عربة ، والله أعلم .
وعندما اقترب موسى ، بما فيه الكفاية لبدء المناجاة ، ناجاه ربه قائلا ( وَأَنا اخْتَرْتُكَ ، فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ، وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14 طه ) فأمره بتوحيده ، وإفراده بالعبادة ، وإقامة الصلاة ، ومن ثم منحه آيتيّ العصا واليد وكلّفه بحمل الرسالة ، والذهاب لدعوة فرعون ودعوة بني إسرائيل إلى الله ، ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24 طه) . وفي الصباح عاين موسى عليه السلام المكان ، وحفظه عن ظهر قلب ، فهو المكان الذي تغيّر فيه مجرى حياته عليه السلام ، ولم كان يعلم عليه السلام ، ما يدبّره رب العزة من أقدار ، ستأتي به إلى هذا المكان في قادم الأيام ، عند خروجه بقومه من مصر ، متجها إلى بوابة الأرض المقدسة ، حيث كان في أرض مدين .
موسى في مصر :
كنت أعتقد وربما يشاركني كثيرون أيضا ، أن مُقام موسى في مصر ، لا يتجاوز عدة أيام أو عدة أشهر على أبعد تقدير ، ولكن تبين لي أني كنت مخطئا ، فالأحداث والوقائع التي مرت مع موسى عليه السلام كثيرة ، وتحتاج إلى سنوات عديدة ، وأظنه مكث هناك ما لا يقل عن30 عاما ، يدعوا فرعون وقومه وبني إسرائيل أيضا ، ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (87 يونس ) فلو تفكرت في الآية الكريمة ، لتبينت أن طلبه سبحانه ببناء البيوت ، وجعلها باتجاه بيت المقدس ، وأَمْرِه إياهم بإقامة الصلاة فيها ، ما كان إلا لطول مُقام ، ولو كان مُقامهم قصيرا أو عارضا ، لما أمرهم بذلك . والجدل بين موسى عليه السلام وفرعون ، أخذ زمنا طويلا ، بدءا باللقاء الأول الذي عرض فيه موسى رسالته ، وما أيّدها به من آيات – العصا واليد – ولقاء يوم الزينة حيث التقى موسى بالسحرة ، وبناء الصرح ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38 القصص ) .
بناء الأهرامات :
الصرح هو البناء الضخم والمرتفع ، وأعتقد أن الأهرامات الثلاثة ، هي ما أُمر هامان ببنائها ، من قبل فرعون ، لينظر إلى إله موسى . وفيما بعد اتُّخذت تلك الصروح ، مقابر ومدافن .
إذ لو فُحِصت مادة بناء الأهرامات ، لتبين أنها من الطين المشوي ، لدلالة قوله تعالى ( فَأَوْقِدْ لِي يَهَامَانُ عَلَى الطِّينِ ) ، إذ يخبر سبحانه – وما إعلامه لنا بذلك عبثا - بأنهم كانوا يستخدمون الطين في البناء ، وليس الحجارة كما يعتقد علماء الآثار ، الذين حاولوا جاهدين لتفسير الآلية المعقدة والمستحيلة ، في رفع تلك الصخور ذات القطع الكبير ، إلى قمة الهرم حيث لم يكن لديهم رافعات عملاقة . وهذا الخبر يكشف حقيقة ، ربما لم تخطر ببال علماء الآثار من قبل ، ويجعل كيفية البناء غاية السهولة ، حيث كان عبيد فرعون ومنهم بني إسرائيل ، ينقلون الطين – وليس الصخور والحجارة - ويضعوه في قوالب مثبتة على الهرم نفسه ، وكل لبنة في موقعها ، وينتظرون اللَبِن حتى يتماسك ، لينزعوا القوالب ، وكلما أنجزوا مرحلة ، قاموا بتثبيت القوالب مرة أخرى ، على ما تمّ إنجازه ، وبدءوا بنقل الطين ليفرغوه فيها ، وهكذا دواليك ، حتى يكتمل بناء الهرم . ومن الداخل ستجد أن قلب الهرم مفرغ ، وستجد أن هناك سراديب طويلة غير نافذة ، تتوزّع بكافة الاتجاهات ، والغاية منها توزيع الحرارة ، عند إشعال النار في قلب الهرم لشيّ الطين الجاف ، وهي عملية تحتاج إلى وقت طويل نظريا ، ولكن مع كثرة العبيد فالأمر مختلف ، والآلية بسيطة وليست معقدّة ، ولا توحي بأن الفراعنة كانوا جبابرة وأشداء ، فبناة الأهرام هم العبيد وليس الفراعنة أنفسهم ، وربما يكون شيّ الطين قد تم على مراحل ، وليس دفعة واحدة . وهذه الفكرة مطروحة للمختصّين لنفيها أو إثباتها ، وبذلك تكون الأهرامات ، رمزا من رموز الكفر والعصيان والتمرد والتحدي الفرعوني لله ورسوله ، ويكون أبو الهول هو إله المصريين القدماء ، قبل أن يُعلن فرعون ربوبيته ، تحديا لموسى عليه السلام وربه .
وبالإضافة إلى تلك الأحداث ، التي وقعت أثناء تواجد موسى في مصر ، ما وقع في قوم فرعون من البلاء الذي أنزله الله ، وكلما كشف عنهم بلاء أرسل عليهم آخر ، ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133 الأعراف ) . وستجد ما مرّ بقوم فرعون من وقائع ، أثناء تواجد موسى في مصر ، قد سُردت بإيجاز في الآيات (103 – 136) من سورة الأعراف ، والآيات (85 – 90) من سورة النمل ، ومواضع أخرى متفرقة في القرآن الكريم .
وفي نهاية المطاف ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88 يونس ) أي الغرق ، فاستجيبت دعوة موسى ، وهذا بالضبط ما حصل مع فرعون ( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90 يونس ) ولو تمعنت في قوله ، لتبينت أنه لم يؤمن ، لقوله ( الذي آمنت به بنو إسرائيل ) ، وأغلبية بني إسرائيل لم تكن تؤمن بالله ، ولم يقل الله أو إله موسى تكبرا وعلوا .
فمن أصرّ على المعصية وانتهاك حدود الله بكافة أشكالها ، والكفر بكافة أشكاله ، وعن علم بها وبعقوبتها ، ومنّى النفس بقول ( لا إله إلا الله ) عند الموت معلنا التوبة ، أنّه لن يوفق بقولها آنذاك ، لأن قولها يُوجب الجنة ، وهي لم تكتب لهؤلاء . ووجوب الجنة يحتاج لدفع الثمن ، وتوفير الثمن اللازم لها ، يحتاج إلى جدّ واجتهاد وصبر لا محدود ، وأن من كانت تلك الكلمة آخر عهده بالدنيا ، كُتبت له الجنة ، وما أصعب تذكّرها وقولها ، أما هؤلاء فإن تذكّروها ، تلعثموا بها فلم تؤد معناها ، فلا توبة مع إصرار ، قال تعالى ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، ذَكَرُوا اللَّهَ ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135 آل عمران ) ، وقال أيضا ( وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ ، لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ، حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ ، قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ، وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ، أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18 النساء ) .
ومعظم مسلمي هذا العصر ، إلا ما رحم ربي ، وهم قلة يُعدّون على أصابع اليد الواحدة ، في بعض البلدان المسماة بالإسلامية ، سلكوا هذا المنهج الذي حذّر منه رب العزة ، ( جماعة كل شيء بحسابه ) ، والأغلبية هم غثاء كغثاء السيل ، فلا فائدة فيهم أو تُرتجى منهم ، فإن لم يكفر أحدهم بالله أشرك في عبادته ، ومن لم يستجب ويطع ، تولى وعصى . والأوثان كثيرة هذه الأيام ، واتّخذت أشكالاً عديدة . صحيح أنها ليست من الحجر أو التمر ، ولكنها أدهى وأمرّ ، فنحن حاشى لله أن نعبد الحجارة ، وكل ما نقدّسه فقط ، كرسي ورصيد في البنك وعمارة ، وتلفزيون وستالايت وخلوي ، وشقراء أو سمراء في سيّارة . وناهيك عن المعاصي من أكل ربا ، وسرقة وخيانة وتبرج وزنا ، وقطع رحم ، وأكل لحم ، وشرب خمر ودم ، وشتم وسب وذم .
خروج موسى ببني إسرائيل من مصر :
قال تعالى ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بعِبَادِي ، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ، لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77 طه ) ، نتبين من ذلك أن خروج موسى بقومه إلى البحر ، كان بوحي من ربه ، وإن لم يخب ظني فقد اتجه صوب البحر الأحمر مباشرة ، أقصى الشمال من خليج السويس ، وبعد أن خرج بقومه من البحر ، اتجه شرقا وشمالا بخط شبه مستقيم ، متجاوزا صحراء سيناء وصحراء النقب ، حيث المدخل الجنوبي لوادي عربة ، وسار شمالا في بطن الوادي ، حتى الجبل المعهود جنوب البحر الميت ، ليستقبل الوحي بناءا على الموعد المسبق ، الذي ضرب بينه وبين ربه ، بعد النجاة من فرعون وقومه ، قال تعالى ( يَبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ (80 طه ) ، وهذه الآية تدل على عدم مكوثهم لفترة طويلة ، في أي من صحراء سيناء أو النقب ، وأن وجهتهم كانت حيث المكان الموعود ، وكان موسى يستعجل المسير وهم يبطئون ، وبعد تلقيه الوحي ، وما كان منهم معاصي في بطن الوادي ، صعد بقومه إلى المرتفعات الشرقية ، ودخل الأردن عن طريق الوادي الذي نزل به في المرة السابقة ، ملتفا حول مملكة الآدوميين ومملكة الموآبيين شرقي البحر الميت ، ليصل إلى مكان إقامته السابق ، حيث كان سفيرا لبني إسرائيل – ولم يكن يعلم بذلك آنذاك - في مدين قرية شعيب عليه السلام ، ليُمَهّد لهم طيب الإقامة فيها مستقبلا .
ترتيب الأحداث التي مرت بموسى وبني إسرائيل خلال تلك الرحلة الطويلة
الصاعقة والبعث بعد الموت :
رحلته مع بني إسرائيل ، في طريق العودة إلى مدين ، اختلفت كثيرا عن سابقتها ، فقد كانت ترافقه في هذه الرحلة أمّة بأسرها ، بما لها وما عليها ، وأكثرها من غير المؤمنين ، وغير المطيعين لله تعالى وله عليه السلام ، فكان المسير فيها بطيئا وشاقا وطويلا ، قال تعالى ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ (83 يونس ) ، وقال أيضا ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى ، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ، حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ ، وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56 البقرة ) ، وكان قولهم هذا فور نجاتهم وخروجهم من البحر ، بعدما رأوا كل ما أجراه الله ، على يد موسى من معجزات ، تلين لها قلوب الجبال وعقولها ، فأماتهم الله ثم أحياهم ، ولو نظرت إلى قولهم في الآية السابقة ، واستخدام أداة الجزم والتأبيد ( لن ) ، تجد أن لديهم إصرار عجيب على الكفر ، بما هو غيبيّ ومحجوب عن حواسّهم ، رغم مشاهدتهم للآيات والآثار الدالة على وجوده ، وأنهم لا يؤمنون إلا بما تدركه الحواس من أشياء مادية ، وهذا ما جعلهم يقعون في فتنة العجل الذهبي بعد هذه الحادثة ، وفي فتنة الدجال مستقبلا ، بما لديه من فتن مادية ظاهرة للعيان ، ( فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ، ثُمَّ ، اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ ، فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153 النساء ) ، وقد وقع هذا منهم ، قبل اتخاذهم للعجل .
تفجير الماء ونزول المنّ والسلوى والتظليل بالسحاب أثناء المسير :
وبناءً على ما سبق ، كان خط مسير الرحلة في معظمه في صحاري قاحلة ، وكل ما كان بحوزتهم من طعام وماء أثناء الخروج ، كانوا قد استنفدوه في أيامهم الأولى ، قال تعالى ( وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ، فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ، وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ ، وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ، وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160الأعراف ) ، ومن هذه الآية الكريمة ، نجد أنهم قُسّموا إلى (12) جماعة ، لتيسير عمليّه القيادة ، ومنّ عليهم ربهم ، سبحانه عما يصفون ، بأن وفّر لهم كل أسباب الراحة ، من ماء وغذاء ، وحتى أنه وقاهم من حر الشمس ، بأن جعل السحاب يظللهم ، أينما حلوا وأينما ارتحلوا ، أثناء مسيرهم باتجاه الأرض المُقدّسة ، وفي تلك الأثناء مرّوا على عبدة الأصنام ، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم ألهة كما لهؤلاء ألهة ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ ، قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138 الأعراف ) .
ولا يغب عن بالنا ، أن رحلة كهذه ، كانت تستوجب ما بين فترة وأخرى ، التخييم والإقامة لبعض الوقت ، ومن ثم متابعة المسير ، وهكذا دواليك ، ولم تتعدى مدد الإقامة في أي من مراحل المسير ، سوى أيام أو أسابيع معدودة ، فهم لم يركنوا إلى مكان معين ، إذ كان هناك مواعدة للقاء في جانب الطور الأيمن ، في وادي عربة ، وكانت هذه المواعدة جماعية لموسى ولبني إسرائيل ، ولكنّ موسى عليه السلام ، وبعد أن قطع شوطا كبيرا في وادي عربة ، استعجل اللقاء ، وعندما اقترب من المكان المحدد ، استخلف أخيه هارون في قومه ، وتركهم ومضى مسرعا رغبةً منه في إرضاء ربه ، واعتذارا عن التأخير الذي تسبّب به قومه ، من جرّاء مماطلتهم وتذّمرهم .
اللقاء الأول لموسى بربه بعد الخروج من مصر ، واتخاذ العجل في بطن وادي عربة :
قال تعالى ( وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) وهناك كان موسى عليه السلام ، مشتاقا ومندفعا فطلب رؤية ربه ، وكأنه نسي ما كان من قومه ، فطلب من ربه ما طلبه قومه منه ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ، قَالَ لَنْ تَرَانِي ، وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ، فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143 الأعراف ) فصُعق موسى كما صُعق قومه من قبل ، وبعدما أفاق ، أُعطيت له الألواح ، التي تحمل في ثناياها الشريعة الجديدة لبني إسرائيل ، ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145 الأعراف ) .
ومن ثم ، أخبره ربه بأن قومه فُتنوا من بعده ، بعبادتهم للعجل الذهبي الذي ابتدعه السامري ، ( قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ (85 طه ) ، وكانت عقوبة الشرك بالله غاية في القسوة ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ ، فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ، فَتَابَ عَلَيْكُمْ ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54 البقرة ) ، وتوحي هذه الآية بأن الأمر كان مُلزما ، وقبول التوبة كان مشروطا بقتل النفس ، فمن رغب في التوبة آنذاك ممن عبدوا العجل ، قتل نفسه حقيقة وقُبلت توبته ، ومن لم يقتل نفسه ، قال فيهم سبحانه ، ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152 الأعراف ) .
وبالنظر في قوله تعالى ، على لسان موسى مخاطبا السامريّ ( وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97 طه ) ، نجد أن العجل الذهبي ، قد حُرّق ورُمي في البحر ، وأقرب بحر لمقام بني إسرائيل في وادي عربة ، هو البحر الميت .
اللقاء الثاني والرجفة ونتق الجبل :
وبناءً على ما كان منهم ، اختار موسى (70) رجلا من أفضلهم ، للاعتذار عما فعله السفهاء من قومه ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ ، قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ، أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155 الأعراف ) فشهدوا الوحي بمعية موسى عليه السلام دون سماعه ، وشعروا بوجود خالقهم وقدرته ، ومقدار حنقه وغضبه عليهم ، بأن زلزل الأرض من تحت أرجلهم .
أخذ الميثاق ، وإلزام النقباء الاثنيّ عشر بالسهر على تطبيقه ، والحكم بما جاء فيه :
وهناك عُرض عليهم الميثاق ليلتزموا به ، ويلزموا أتباعهم على القيام به ، ويتحملوا مسؤولية نقضه ، فتردّدوا وأبَوْا ، فرفع سبحانه فوقهم الجبل ، وأجبرهم على أخذه بالقوة ، ولو أصرّوا على الرفض لأطبقه عليهم ، فقبلوه على مضض ، وكان الله أعلم بما يعتمل في صدورهم ، ولكنه غفور رحيم ، حيث قال فيهم ، ( وَإِذْ أَخَذْنَا ميثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ، قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ، قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (93 البقرة ) . فاختير من السبعين رجلا (12) نقيبا ، بعدد الأسباط ( أي قبائل بني إسرائيل ) وهم الذين تُسميهم التوراة بالقضاة . وهذا نص الميثاق الذي أُلزموا بالعمل على تطبيقه ، بالإضافة إلى الوصايا الواردة في سورة الأنعام ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ، لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ ، وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ، وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ ، فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12 المائدة ) .
رفض المن والسلوى وطلب القثائيات ، والحكم عليهم بالنزول في موطن زراعتها :
كانت مدة المكث بادئ الأمر في الصحراء بسيطة ، وذلك لتذمّرهم وعدم صبرهم على طعام واحد ، أي المنّ والسلوى ، فحكم عليهم سبحانه بإكمال المسير ، المقدّر مسبقا ، بقوله على لسان موسى ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا ، فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ (61 البقرة ) ، وحيث أنه قال ( مِصْراً ) منونةً ، ولم يقل ( مِصْرَ ) بدون تنوين ، فهي غير مصر التي خرجوا منها ، وإنما جاءت هنا بمعنى ( بلداً ) نكرة وغير معرّفة ، وقوله ( فإنّ لكم ما سألتم ) تعني أن هذا البلد يتميّز ، بأن فيه ما سأله بني إسرائيل من نبيهم ، من عدس وبصل وغيره ، ولو تساءلنا عن موقع هذا البلد ، القريب من الأرض المقدسة ، الذي يتميز بخصوبة أراضيه ، ووفرة مياهه من ينابيع وآبار ، ويصلح لزراعة القثّائيات ، بالتأكيد ستكون الإجابة الأرض الواقعة ، شرق نهر الأردن ، وفي السفوح الغربية للجبال المطلة على فلسطين ، وبالتحديد قرية مدين التي يعرفها موسى ، ويعرف ميّزاتها وخصائصها ، والله أعلم ، والتي كان أهلها قد هلكوا بعذاب يوم الظلّة ، قبل أو بعد خروج موسى منها ، ليرثها بنوا إسرائيل مع القلة المؤمنة ، من قوم شعيب التي نجت من العذاب .
دخول مدين والمُقام فيها :
قال تعالى ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58 البقرة ) ، وقال في آية أخرى ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162 الأعراف ) ، ولم يكن المقصود بهذه القرية ، الأرض المقدسة ، كونهم دخلوها حربا ، بعد موسى عليه السلام بأربعين عاما على الأقل ، وهذه القرية سُكنت حقيقة ، بدخولها بلا قتال بمعية موسى عليه السلام ، وقد بدّل الذين ظلموا منهم –أي العُصاة – القول والهيئة عند الدخول ، فأرسل عليهم سبحانه رجزا من السماء .
وقوله قبل الدخول ( وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ ) و قوله لهم في النص الآخر ( فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ) يوحي بأنها سكنى مؤقتة ، ولم يكن لديهم علم ، بأنه سيكون هناك ما بعدها ، وهو الاستعداد والتهيئة لدخول الأرض المقدسة ، فأفشلوا أنفسهم في الدخول الأول لتلك القرية ، فاستحقوا غضب الله عليهم ، وأفشلوا أنفسهم عندما أُمروا بالدخول الثاني بلا حرب ، فأفشلهم الله وأذهب ريحهم . وقد قيلت هذه العبارة ، لآدم عليه السلام وزوجه ( وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا (35 البقرة ) ، قبل دخوله الجنة ، ولم يكن لديهما علم بأن الإقامة فيها مؤقتة ، وأن هناك ما بعدها ، وسيحاطون به علما عند وقوعه ، وفي موعده المقدر المضمر في علم الله ، ولكن بعد فوات الأوان . وإن لم تكن مدين ، هي القرية التي دخلها بنوا إسرائيل وأقاموا فيها ، فهي قرية تقع في نفس المنطقة ، والله أعلم .
الخسف بقارون ، ورحلة موسى والفتى ، وذبح البقرة :
أقام بنو إسرائيل في مدين بمعية موسى - على ما يبدو - سنين عديدة ، واطمأنوا بها وإليها ، وطاب لهم المقام فيها ، حيث الزراعة وتربية المواشي والتجارة ، وهذا هو ديدنهم ، ومن الأحداث التي وقعت فيها ، قصة البقرة ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (67 البقرة ) ، وقصة سفر موسى حيث مجمع البحرين ، للالتقاء بالعالم ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقبًا (60 الكهف ) وقصة قارون المعروفة ، ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَليْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76 القصص ) .
الأمر بدخول الأرض المقدّسة وتحريمها عليهم وتيههم شرقي النهر :
وبعد مدة من مكثهم في مدين ، أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة ( فلسطين ) ، ولم تكن هناك حاجة للقتال آنذاك ، فرفضوا وعصوا ، لقلة وانعدام إيمانهم ، وأخلدوا إلى الأرض ، وتذرّعوا بحجج واهية ليبرّروا اتكاليتهم وعجزهم ، فدعا موسى ربه ليحكم بينه وبينهم ، فاستجاب له ربه ، ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26 المائدة ) ، فكان تحريم الدخول لمدة أربعين سنة ومن ثم التيه في الأرض .
والتيه لغة الحيرة والضلال ، ورجل تائه وتيّاه ، إذا كان جسورا يركب رأسه في الأمور ، وفي الحديث : إنك امرؤ تائه ، أي متكبر أو ضال متحيّر . والمراد من ذلك أنهم تُركوا على رؤوسهم ، وحُرموا من قيادة الأنبياء ، بأن الله تخلى عنهم وحرمهم من رعايته لهم ، ورفع عنهم الوحي وتركهم بلا هداية ، بعد موت موسى عليه السلام ، على مدى 40 سنة ، ولم يُقصد بالتيه الضياع والتشرّد المكاني ، في صحراء سيناء ، كما كنا نعتقد سابقا . والصحيح أنهم حافظوا على تواجدهم ، كأمة مكونة من 12 جماعة شرقي نهر الأردن ، وأُوكلت قيادة كل جماعة إلى أحد النقباء الاثني عشر ، كل حسب السبط الذي ينتمي إليه ، بعد انقطاع قيادة الوحي ، وهذا مما ينفي نبوة فتى موسى المسمى بيوشع بن نون . وهنا تتضح الحكمة من جراء إلقاء مسؤولية حفظ الميثاق وإقامته ، على النقباء الاثني عشر بعد وفاة موسى وانقطاع الوحي والعناية الإلهية . وهذا ما حاول مؤلّفو التوراة إخفاءه بتبديل مواضع الكلم ، فجعلوا المن والسلوى ، تتنزّل عليهم لمدة أربعين سنة في الصحراء ، وهي عدد سنين التحريم والتيه ، التي كانوا يأكلون فيها البصل والعدس .
ويدّعي كتبة التوراة أن بني إسرائيل ، أثناء قدومهم إلى الأرض المقدسة ، بمعية موسى عليه السلام ، قد قاتلوا أقواما كثيرة ، شرق نهر الأردن وانتصروا عليها ، ويدّعون أيضا أنهم هاجموا الكنعانيين بعد موسى ، وهدموا أسوار مدينة أريحا بمعية يوشع بن نون ، وأنهم أقاموا زمن القضاة غرب النهر . وهذا كله محض افتراء وتلفيق ، فكيف يقاتل من طلب منه مجرد الدخول ولم يدخل ، ولفظ الدخول في القرآن يوحي بانتفاء القتال . والحوار الذي دار بين موسى وقومه لدخولها ، تجد نصه كاملا في الآيات (20 – 27) المائدة .
الإخبار بنص نبوءة الإفساد والعلو في الأرض :
وبعد مدة يسيره من الزمن من ذلك الحكم ، كشف موسى عليه السلام النقاب عن النبوءة موضوع هذا الكتاب ، وأخبر عنها قبل أن ينتقل إلى جوار ربه . وتركهم في غيهم وطغيانهم يعمهون ، كما حكم عليهم ربهم ، وأُوكل الأمر من بعده إلى النقباء الإثني عشر أصحاب الميثاق ، ليحفظوا التوراة ، وليحكموا بين الناس بما جاء فيها ، ومن ذلك اليوم انتقلت مسؤولية حفظ التوراة والشريعة إلى أناس عاديين ، فبدأ ظهور الأحبار ، قال تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ، لِلَّذِينَ هَادُوا ، وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (44 المائدة ) .
طلب المُلك لدخول الأرض المقدّسة بعد نهاية سنوات التيه :
( إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
وبعد انقضاء سنون التيه الأربعون ، التي عاشوا خلالها شرقي نهر الأردن . بُعث فيهم نبيا ، يدّعون أن اسمه ( صمويل ) . وربما لتعرضهم لضيق العيش والاضطهاد والغزو ، من قبل الممالك المجاورة شرقي النهر ، طلبوا من هذا النبي ، أن يبعث لهم ملكا ، قال تعالى ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ، إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (246 البقرة ) بغية دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ، فبُعث لهم طالوت ملكا ، وأنزل الله لهم التابوت تحمله الملائكة ، آية لملكه ، كونهم لا يؤمنون إلا بما هو محسوس ، فأعدّهم ونظّم صفوفهم ، واجتاز بهم نهر الأردن ، فشربوا منه إلا قليلا .
وكانت المواجهة مع الكنعانين – على الأرجح في سهول أريحا – ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ) وقتل داود - الذي كان من جنود طالوت - جالوت قائد الكنعانيين ، ودخلوا القدس . ومن ثم انتقل المُلك لداود عليه السلام ، بغض النظر عن الكيفية ، ( وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ (251 البقرة ) ، ونص هذه الأحداث كاملا ، تجده في الآيات (246 – 251) البقرة ، وكانت هذه أول معركة يقاتل فيها بنو إسرائيل ، وكان جيشهم يتألف من القلة المؤمنة ، التي لم تكن قد شربت من النهر ( نهر الأردن ) ، وكان هذا هو الدخول الأول لبني إسرائيل إلى الأرض المقدسة .
داود عليه السلام يؤسس أول دولة لليهود في القدس :
قال تعالى ( وَلَقَدْ آتَينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16 الجاثية ) ، هذه الآية تشير إلى أن هناك خمسة أمور اجتمعت لبني إسرائيل ، وهي الكتاب أي الشريعة التي تركها لهم موسى عليه السلام ، والحكم أي الملك ، والنبوة أي الوحي ، والسعة في الرزق ، والتفضيل باختيارهم لحمل الرسالة السماوية في ذلك الزمان ، وقد اجتمعت هذه الأمور الخمسة في زمن مملكتهم الأولى في الأرض المقدسة ، حيث كان داود عليه السلام أول ملوكها .
ملك داود عليه السلام :
معظم الآيات التي أخبرت عن داود وملكه ، كانت تركّز على شخص داود ، حيث اتّصف عليه السلام بالورع والتقوى وكثرة العبادة ، والعلم والقوة مع شيء من اللين في المعاملة ، وتوحي بأن شغله الشاغل ، كان توطيد أركان دولته الحديثة ، ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20 ص ) ، وإعداد ما استطاع من قوة للدفاع عن دولته الصغيرة ، التي كانت محصورة في بيت المقدس وما حولها ، من هجمات الأقوام المجاورة لها من الكنعانيين ، ولم يكن يسعى لتوسيع رقعة الدولة ، كون الأمة الإسرائيلية آنذاك كانت قليلة - وهي لم تكثر إلا في العصر الحديث ، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث رُفع عنهم القتل - ولم تكن تستدعي امتلاك مساحة كبيرة من أرض فلسطين .
صفة الجبن الملازمة لليهود ومعالجتها بابتكار داود للدروع الحربية :
قال تعالى ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80 الأنبياء ) ، والضمير ( كم ) في كلمتي ( لكم ) و ( بأسكم ) ، يعود على المخاطبين بالقرآن ، وهذا خبر يفيد أن داود عليه السلام ، هو أول من ابتكر الدروع الحربية الحديدية ، وأول من استعملها هم بنو إسرائيل ، وهذا يكشف طبيعة الجبن فيهم ، والحرص على الحياة ، والخوف من الموت ، وكرههم للقتال ، ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا (96 البقرة ) وصناعة داود لها يدل على معرفته بطبيعتهم تلك ، فقد قالوا لموسى من قبل ( إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24 المائدة ) ، فالجبن والتواكل على الغير ، طبيعة متأصّلة في نفوسهم ، وانظر إلى قولهم ( وربك ) وليس ( وربنا ) ، فهو رب موسى ، وليس بربهم ، فما كانوا مؤمنين ، لذلك قال فيهم موسى عليه السلام ( فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25 المائدة ) ، وكان أغلبهم فاسقين وعصاة ومعتدين ، حتى في زمن طالوت وداود وسليمان وعلى مر العصور ، حيث قال تعالى ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78 المائدة ) ، فكما تأذّى موسى عليه السلام ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5 الصف ) تأذّى منهم داود عليه السلام وهو أول ملوكهم ، وتأذّى منهم عيسى عليه السلام وهو آخر أنبيائهم ، ومن وقع بينهما من الأنبياء .
ولم يكن شُرب أغلبهم من النهر ، عند عبورهم مع طالوت إلى فلسطين عطشا ، وإنما ليستثنيهم طالوت من الخروج في الجيش للقتال ، وما زالوا يفتعلون الحجج للتهرب من القتال حتى في دولتهم الحالية ، فهم يدفعون بأبنائهم إلى المدارس الدينية ، لتجنيبهم الخدمة العسكرية . فابتكر عليه السلام الدروع الحديدية ليلبسوها في حروبهم ، مع الشعوب المجاورة ، التي على ما يبدو كانت تغزوهم باستمرار ، لعلها تدخل شيئا من الاطمئنان إلى تلك القلوب الوجلة ، وتدفعهم إلى الذود عن حمى مملكتهم . ولو نظرت إلى واقعهم المعاصر ، لوجدتهم يلبسون الدروع الواقية من الرصاص ، حتى في مواجهة الحجارة ، وتجدهم يتحصّنون وراء السيارات المصفحة ، أو يقاتلون من وراء جدر من الإسمنت المسلح ، وهذا ما يفضحهم به القرآن في مواضع كثيرة ، ( لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14 الحشر ) .
سليمان عليه السلام يوطّد أركان الدولة :
نظام الحكم ملكي وراثي :
( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ (30 ص ) ، ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ (16 النمل ) ، نتبين من الآيتين السابقتين ، أن نظام الحكم في مملكة بني إسرائيل الأولى ، كان ملكيا وراثيا ، في نسل داود عليه السلام . وفي سنين حكم سليمان عليه السلام ، سعى إلى توسيع رقعة مملكته نسبيا ، لتغطي مساحة أكبر من مدينة القدس ، لتشمل ما حولها من المدن والقرى ، من النهر شرقا إلى البحر غربا ، ولكنها على كل الأحوال ، لم تشمل فلسطين كاملة ، فأهل فلسطين الأصليين لم يخرجوا منها ، ولم يّبادوا ، ولكنهم تقهقروا إلى ما بعد حدود مملكة سليمان ، حيث كانت الممالك في تلك العصور ، تقتصر على مدينة – بحجم قرية في العصر الحالي – وما حولها من سهول ومراعي ، ولا أظنهم استكانوا ، وسلمّوا لبني إسرائيل بالأمر الواقع ، وإنما كان هناك ، حروب ومناوشات ، والله أعلم .
حقيقة ملك سليمان :
أما قول سليمان عليه السلام ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35 ص ) فكان ملكا شخصيا خاصا به ، ولم يكن لبني إسرائيل فيه ، ناقة ولا بعير ، ولم يقصد به امتلاك مساحات شاسعة من الأراضي ، ومظاهر ملكه اقتصرت على ما وهبه سبحانه إياه ، من الممتلكات والقوة والحكم ، والتي تميّز بها عن كافة ملوك الأرض ممن أتوا بعده ، ومنها ؛ جريان الريح بأمره ، وحكمه للجنّ ، واستعمالهم في البناء والغوص والقتال والصناعة ، والقدرة على إذابة النحاس وتشكيله ، وكثرة جنوده من الجن والإنس والطير ، وكان عليه السلام قويا ورعا تقيا عالما حكيما ، وفيه شيء من الشِدّة ، وكان بنوا إسرائيل يرهبونه ويخافونه ، ولذلك نال قسطا كبيرا من اتهماتهم المشينة ، بعكس أبيه داود الذي كان لينا معهم ، فقال فيهم سبحانه ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ … (102البقرة ) ، وعلى ما يبدو أن الشياطين بعد وفاته عليه السلام ، ادّعت أن سليمان لم يسلطّ عليهم ، وإنما كان تابعا لهم ، يعبدهم ويستعين بهم لقضاء مصالحه . فأشركوا بالله وعبدوا الشياطين وأباحوا السحر والشعوذة ، ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100 الأنعام ) .
أكثر ما حيّرني في أمر ملك سليمان ، هو الغاية من تسخير الريح ، فالروايات في كتب التفسير غير منطقية ، حيث تقول أنها كانت تحمل سليمان وملأه وجنوده ، على بساط خشبي عظيم ، وتنقلهم من بلد إلى آخر للقتال والترفيه وغيره ، ولم يرد في تواريخ الأمم التي عاصرت ملك سليمان ، أنهم شاهدوا يوما بساطا خشبيا طائرا ، وسورة النمل تؤكد أن سليمان وجنوده ، كانوا يسيرون على الأقدام أثناء تنقلهم .
وبعد طول تفكير وتمعنّ وتدبّر في الآيات ، التي تتحدث عن الريح وعن ملكه عليه السلام ، تبين لي أنه كان يركب البحر ، منطلقا من الأرض المقدسة ، فتجري الريح بمركبه إلى حيث أراد برفق ولين في الذهاب ، لتسهل عليه عملية البحث والتقصي ، بدلالة قوله تعالى ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37 ص ) ، وبعد انتهاء المهمة ، يستعجل العودة إلى وطنه ، فيأمر الريح لتجري بقوة وسرعة إلى الأرض المباركة ، بدلالة قوله تعالى ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82 الأنبياء ) ، وأما الغاية من القيام بالرحلات البحرية ، فهي السياحة واستخراج كنوز البحر وجلبها لمملكته ، ويؤيد ما ذهبت إليه ، ذكر الغوص ، الذي كانت تقوم به الشياطين ، مباشرة بعد ذكر الريح في الآيات السابقة ، والغوص عادة لا يكون إلا في المياه العميقة ، وكانت مدة كل رحلة من رحلاته شهرين ، شهر في الذهاب وشهر في العودة ، بدلالة قوله تعالى ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ (12سبأ ) ، والله أعلم .
سليمان هو أول من بنى المسجد الأقصى :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثَةً ، سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ ، وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ ، أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) رواه النسائي وأحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم ، وصححه الألباني .
هذا الحديث يؤكد :
1. أن مملكة داود وسليمان ، أي مملكة بني إسرائيل الأولى ، كانت في فلسطين .
2. أن سليمان عليه السلام ، بنى مدينة بيت المقدس .
3. أن سليمان عليه السلام ، هو أول من بنى المسجد الأقصى .
وأما التسمية بالمسجد فهي التسمية الإسلامية له ، وجاءت بعد حادثة الإسراء ، وأما في عهد سليمان عليه السلام ، فقد جاءت تسميته في القرآن بالصرح ، ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ) ، وأما الترجمة العربية للتوراة فأعطته اسم الهيكل ، والمعنى لكلتا التسميتين واحد ، وهو البناء الضخم المرتفع . وعلى كل الأحوال فإن المسجد الأقصى القائم حاليا ، يجثم في نفس المكان الذي أقيم فيه صرح سليمان ، والغريب أن الكثير من أئمة المسلمين وعامتهم ، ينكرون هذه الحقيقة ، ربما ظنا منهم أن اعترافهم بها ، يعطي الصهاينة حقا في هدم المسجد ، وبناء هيكلهم مكانه ، ويُسقط أحقيّة المسلمين فيه ، ويُضعف موقفهم في الدفاع عنه ، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى مخالفة النص القرآني ، وإنكار حتى تواجدهم في الأرض المقدسة جملة وتفصيلا .
قبلة اليهود هي الصخرة المشرّفة :
جاء في البداية والنهاية لابن كثير ، ما نصّه " قال الإمام احمد ، حدثنا اسود بن عامر ، ثنا حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن عبيد بن آدم ، وأبي مريم وأبي شعيب : أن عمر بن الخطاب ، كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس ، قال : قال ابن سلمة ، فحدثني أبو سنان ، عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب : " أين ترى أن أصلي " ، قال : " إن أخذت عني صليت خلف الصخرة ، وكانت القدس كلها بين يديك " ، فقال عمر : " ضاهيت اليهودية . لا ، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، فتقدم إلى القبلة فصلى ، ثم جاء فبسط ردائه ، وكنس الكناسة في ردائه ، وكنس الناس . وهذا إسناد جيد ، اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي ، في كتابه المستخرج " .
وجاء في تاريخ الطبري في رواية أخرى ، أن عمر أجاب كعب بقوله : " فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكنّا أُمرنا بالكعبة " .
ونقول أن مفاد الرواية أن كعب ، لما أشار على عمر بالصلاة خلف الصخرة ، أراد منه أن يجمع القبلتين في صلاته ، فأبى عمر وصلى ، جاعلا وجه تلقاء الكعبة ، والصخرة من وراء ظهره .
الصلاة في الشريعة الموسوية :
لنوضح الأمر ، نحتاج إلى معرفة طبيعة العبادة في شريعة موسى عليه السلام ، فالصلاة لديهم كانت تؤدّى بشكل فردي في البيت أو فيما يُسمّى بالمحراب ، في المعبد المقدس ( أي الهيكل ) ، ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ ، أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87 يونس ) ، والمحراب عبارة عن غرفة صغيرة منعزلة ، مخصّصة للصلاة والدعاء والذكر ، والأغلب أنها كانت تقام مرتفعة عن الأرض ، وهي أشبه ما يكون بالعليّة أو السدّة ، وقد ارتبط ذكر المحراب في القرآن ، بأنبياء بني إسرائيل الأوائل في فلسطين داود وسليمان ، ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21 ص ) ، وبآخر أنبيائهم زكريا ويحيى ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ (39 آل عمران ) .
الصرح أو الهيكل ، كيفية بناءه وصفته وموقعه :
أما الصرح فعلى ما يبدو أنه كان أعجوبة من أعاجيب الزمان ، وأن من قام ببنائه وصناعة محتوياته هم الجن والشياطين ، وأن مادة البناء كانت من النحاس والزجاج ومواد أخرى ما عدا الحجارة ، وأنه اشتمل على المحاريب والتماثيل والأواني النحاسية الصغيرة ، والأحواض أو البرك المائية الضخمة المصنوعة من النحاس ، والجواهر والكنوز من لؤلؤ ومرجان وغيرها ، مما كانت تستخرجه الشياطين من أعماق البحار . قال تعالى ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37 ص ) وقال أيضا ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ، وَمِنْ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ ، وَتَمَاثِيلَ ، وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ ، وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ، اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ (13 سبأ ) .
وأستطيع وصف هذا الصرح بأنه بناء ضخم ومرتفع ، كانت الصخرة تقع في مركزه ، تحيط بها ساحة واسعة ، أرضيتها من الزجاج المصقول ، يُرى من خلالها ماء يجري أسفل منها ، أو ماء راكد في أحواض مائية ، وضع فيها ما استجلبه سليمان من المناظر والمشاهد البحرية ، مما استخرجته له الشياطين من أعماق البحر ، وعلى أطراف تلك الساحة أقيمت المحاريب العديدة للعبادة من كل جانب . والله أعلم .
وقد سمعت من زميل لي زار المسجد وتجوّل فيه ، أن هناك آبارا وأحواضا مائية ، تحت ساحة المسجد الأقصى مباشرة ، فإذا كان ذلك صحيحا ، ومع علمنا بأن المسجد الأقصى بُني في نفس موقع المسجد السابق ، وأن الصخرة هي القبلة الفعلية لليهود ، فهذا الأمر يُؤكد ، أن الصرح الذي كان قد بُني في عهد سليمان عليه السلام ، هو المسجد الذي دخله أولئك المبعوثين أول مرة ، وخرّبوه ونهبوا محتوياته ، فلم يبق له أثر يُذكر ، وعدم وجود آثار له ، يُؤكد أن هذا الصرح ، لم يتم بناءه بالطرق المألوفة ، سواء بهندسة البناء أو بالمواد المستخدمة ، فبُناته هم الجن والشياطين ، وبالتأكيد طريقتهم في البناء تختلف عن طريقة البشر ، وطبيعة المواد المستخدمة تختلف عما يستخدمه البشر ، وربما يكون هذا الصرح الخرافي ، هو ما دفع نبوخذ نصر صاحب حدائق بابل المعلّقة ، للإغارة على بني إسرائيل في المرة الأولى ، لنهب محتوياته .
حكمة سليمان عليه السلام وخرافات ألف ليلة وليلة :
الروايات الموجودة في كتب التفسير ، عن قصة سليمان وحبه لملكة سبأ ، ورغبته في الزواج منها ، وإدخالها إلى الصرح لرؤية ساقيها ، فيما إذا كان عليهما شعر ، أو أن قدميها كحوافر الحمار ، لأن أبوها أو أمها من الجن … إلى آخره . مما ليس له أصل حتى في التوراة ، جردّت سليمان عليه السلام من حكمته ، في الدعوة إلى الله ، وجعلت منه رجلا مزواجا شهوانيا ، كما أراد له أعداء الله وأنبياؤه أن يكون .
حكمة الهدهد :
ولكي نفهم ما جرى من حوار وأحداث ، بين سليمان وملكة سبأ ، دعنا نتمعن قليلا في قول الهدهد ( وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ، فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ ، فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24 النمل ) ، يقول الهدهد أنه وجدها هي وقومها ، يعبدون الشمس من دون الله ، ويعلّل ذلك بقوله أن الشيطان زيّن لهم أعمالهم ، بمعنى أن الشيطان فتنهم وأوهمهم ، وزيّن لهم الباطل على أنه الحق ، وعمّى سمعهم وأبصارهم ، فعطّل عقولهم عن تمييز الحقيقة من الوهم ، فحرمهم القدرة على الحكم على معتقداهم ، أهي خطا أم صواب ، فعبدوا الشمس على أنها ربهم ، وبذلك صدّهم عن السبيل ، أي منعهم من الوصول إلى الحقيقة ، وهي أن الله هو ربهم ، فما دامت أبصارهم قد عميت ، ويعتقدون بصوابية عبادة الشمس ، فمن أين لهم الهداية ، وهم على حالهم تلك . والرسالة التي وجّهها الهدهد لسليمان ، من خلال هذا القول ، هي أنهم بحاجة لمن يهديهم ، ويُزيل الغشاوة عن أبصارهم . فتكفّل سليمان عليه السلام بهدايتهم ، وبإزالة هذه الغشاوة ، لعلهم يُبصرون ومن ثم يهتدون ، بما أوتي من علم وحكمة ، بعد أن شرَّحَ الهدهد ، وشخَّصَ حالتهم المرضية ، وأعطى سليمان مفاتيح الحل ، والآن دعنا نتعلم منه عليه السلام ، هذا الدرس العملي في الدعوة إلى الله .
الدعوة إلى الله :
كان أول خطاب وجهه سليمان لملكة سبأ وقومها ، هو قوله ( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) ، خطابا حازما واثقا قويا ومزلزلا ، وكانت هذه هي الضربة الأولى ، في جدار معتقداتهم الوثنية المتأصلة في نفوسهم ، فقد كانت هي وقومها يعبدون الشمس ، ولم يكن لديهم علم بوجود إله آخر ، أولى بالعبادة من غيره ، ولكن هل أطاعت ؟ بالطبع لا ، فتغيير معتقدات البشر عملية صعبة جدا ، وتحتاج إلى أكثر من ذلك ، وتحتاج إلى علم وحكمة وصبر – وانظر في سيرة نبي الهدى عليه الصلاة والسلام مع كفار قريش لتحويلهم من عبادة إلى الأصنام إلى عبادة الله - ولكن هل تأثرت بذلك العرض القوي ؟ بالطبع نعم ، فردت بالهدية – وكان بإمكانها عدم الرد – وذلك لتتأكد من جديّة سليمان عليه السلام ، ولتَعرِف مع من تتعامل ، فهي ذكية وحكيمة أيضا ، وتعي موقعها وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقها ، بعكس ملأها ذوي القوة والبأس الشديد ، ودلالة ذلك ( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فأعاد الهدية ، ووجه لها تهديدا صارما وحازما وأخيرا ، ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) ، فاستوعبت الرسالة ، وهي أن ما لدى سليمان ، خير مما لديها ، وأن هذا التهديد ، لا يصدر إلا عمّن يعلم حجم قوتها ، ولديه من القوة أضعاف ما تملك ، وأن ما يريده لأجلها شيئا آخر .
الإتيان بالعرش وتنكيره :
لذلك حملت قومها وأتته على جناح من السرعة ، وفي طريقها إليه ، كان عليه السلام يُعدّ لها الضربة الثانية ، فطلب عرشها وأمر بتنكيره ، وعلّة ذلك كانت ( نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) ، لاختبار مدى استعدادها للهداية للدين الجديد ، وليس المقصود هو اهتدائها إلى العرش . كان همّه عليه السلام هدايتها وقومها ، وليس الزواج منها ، كما صوّرته بعض الروايات في كتب التفسير .
وكان جلب العرش بحدّ ذاته ، كفيلا بتحطيم ذلك الجدار الذي تمترست خلفه . وقد تحطّم بداخلها فعلا عندما رأته وعرفته ، لكنها أضمرت ذلك وتمالكت نفسها . ولما سُئلت عنه ، لم تُثبِت ولم تَنفِ ، وكان بمقدورها أن تعترف بأنّه عرشها ، وأن تُسلم على الفور ولكنها أجّلت ذلك . والسبب هو ذلك الجدار نفسه ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ، أي الغشاوة التي أعمت بصرها وبصيرتها ، وخوفها من قومها أيضا ، فقالت ( كَأَنَّهُ هُوَ ) ، وحتى لو أُجريَ على متاعك ، الكثير من التعديلات ، فستبقى أشياء كثيرة تدلك عليه ، فكانت إجابتها حكيمة وغاية في التعقل ، فلم تثبت وتسلم أسلحتها الواهية من الوهلة الأولى ، محافظة منها على كبريائها كملكة ، ولم تنف ، لأنها تعلم وقومها ويعلم سليمان وقومه علم اليقين ، أنه هو بعينه ، فتدل على كبرياء أجوف وعن بلاهة وغباء ، فإجابتها الموسومة بالشكّ كانت هي الأسلم .
كانت تعلم بحكمتها أن هناك شيئا آخر ينتظرها ، سيأتي أوانه بعد حين ، فكشفت بهذه الإجابة لسليمان عن استعدادها للهداية ، فيما لو عرض عليها برهانا دامغا وقاطعا . ولكن ما الذي فعله سليمان حقيقة في هذا الموقف ؟ كان إحضار عرشها ، لإظهار مدى عظم ملكه الموهوب له من قبل ربه ، وكان تنكير العرش لإيقاظ حاسة البصر فيها ودقة الملاحظة ، وتحفيزا لعقلها وقلبها ، ولما اهتدت إلى إنه عرشها ، أخذتها العزة بالإثم شيئا قليلا ، فكابرت حتى حين .
دخول الصرح :
فكانت الضربة الثالثة والأخيرة ، أي القاضية التي سوّت ذلك الجدار بالأرض ، ولم تترك له أثرا ، ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ) ، فما الذي كان في الصرح ؟ كانت أرضية الصرح من زجاج مصقول ، ومن تحت الزجاج ماء ، وعندما شاهدت الماء ، رفعت ثوبها خوفا من البلل ، وهمّت بالمشي فيه ، ( فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) فتبسم سليمان وكأنه خاطبها ضاحكا : لقد كنت واهمة ، فلن يصل الماء إلى ثوبك فأنزليه وتقدمي ، فهذا ( صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ) فأنزلته ودخلت ، ولما لامست قدميها الزجاج تبين لها بطلان ما اعتقدت . وهنا مربط الفرس ، فما كان منها إلا أن خجلت ، من وهمها وانعدام بصيرتها ، وذهاب عقلها وحكمتها وضلالها في تلك اللحظة ، إذ لم تستطع تمييز الزجاج من الماء ، فاستوعبت على الفور ، مضمون الرسالة التي وجهها لها سليمان .
العبرة :
فقد يظنّ الإنسان بجهله أنه على حقّ ، بينما يكون في الحقيقة على باطل ، وهذا هو حالها وقومها بعبادة الشمس من دون الله ، وأنه دعاها إلى الحق عن علم ، فتمسّكت بالباطل عن جهل ، فتبينت بالتجربة والبرهان بطلان معتقدها ، وأن الحقّ مع سليمان ، فاستجابت على الفور لدعوة سليمان الأولى ، قائلة ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) باتباع الباطل عن غير علم ، ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44 النمل ) ، فما كان من قومها إلا أن تبعوها ، وعادت إلى مملكتها لهداية قومها ، وأُرجّح أن سليمان لم يتزوجها ، والله أعلم ، ودانت بعد ذلك مملكتها لسليمان دينيا ، وليس عسكريا ، وبقيت العلاقات والمصالح التجارية وغيرها قائمة بين الدولتين ، مرورا بجزيرة العرب ، لفترة طويلة ، حسبما تثبته سورة سبأ (15 – 20) ، وفيما بعد كفر قوم سبأ إلا قليل منهم ، ومع تقادم الزمن انقطعت تلك العلاقة .
بنو إسرائيل في عصر سليمان :
أما بني إسرائيل في عصر سليمان ، فلم يختلفوا كثيرا عما كانوا عليه ، في عصر موسى وداود ، حيث كانوا على الدوام فاسدين كأفراد ، إلا من رحم الله ، وما اختلف عليهم في عصر سليمان ، أن سليمان ساسهم بالقوة والسلطان ، وكان يأخذهم إلى القتال ، وهم بطبيعتهم له كارهون ، قال تعالى ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17 النمل ) ، وحشر أي جُمع ، ويوزعون أي يساقون بانضباط ، ولا يتقدم آخرهم على أولهم .
هل تحقّق العلو الأول لبني إسرائيل في فلسطين ؟
وأما سبق دخولهم للأرض المقدسة ، فقد قال فيه سبحانه ، على لسان موسى عليه السلام ، ( يَقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (21 المائدة ) أي كُتب لبني إسرائيل دخولها ، وقال سبحانه ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (137 الأعراف ) أي ملكوها وسكنوها ، وذلك بعد انقضاء سنوات التحريم والتيه الأربعين . والأرض المبارك فيها هي فلسطين ، ومشارقها ومغاربها أي كلها ، من النهر إلى البحر ، وهذه هي حدود الأرض المقدّسة والمباركة ، وحدود مملكة اليهود القديمة . لنخلص إلى أن الأرض المقدّسة والمباركة هي فلسطين فقط ، وليس بلاد الشام عامة . إذ أن موسى عليه السلام ، كان يتواجد وقومه شرقي نهر الأردن ، ولو كان شرق النهر أرضا مقدّسة ، لما قال ادخلوا الأرض المقدسة وهو بداخلها أصلا . وشرق النهر لم يورّث لبني إسرائيل ، وإنما أقاموا فيه فترة الغضب الإلهي عليهم ، ومن ثم تركوها وارتحلوا إلى فلسطين .
وصلنا إلى مرحلة تحقق العلو ، بوحي من الله وقيادة أنبياؤه وملوكه ، وكان هذا هو العلو الأول لبني إسرائيل ، وأما الإفساد فلم يكن قد وقع منهم بعد ، كون الملك اقترن بالنبوة ، وما كان للأنبياء عليهم السلام أن يفسدوا في الأرض ، ونجد أن النبي التالي لسليمان في الذكر ، من أنبياء بني إسرائيل في القرآن ، هو زكريا ومن بعده يحيى ، وكان آخرهم عيسى عليهم السلام جميعا . وقد بعث الثلاثة بالتتابع وعاصر بعضهم بعضا ، وكان ذلك بعد فترة طويلة من وفاة سليمان ، وبعد عيسى لم يُبعث فيهم أنبياء ، ويقدّر المؤرخون بأن المدة ما بين سليمان وعيسى ، بأكثر من 900 سنة .
وما كان بعث عيسى عليه السلام بالإنجيل ، إلا لتجديد الشريعة التي جاء بها موسى ، بعد أن أضاع بنو إسرائيل التوراة واختلفوا في أمرها . قال تعالى ( وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63 الزخرف ) . ويُثبت التاريخ أن بعث عيسى عليه السلام ، كان في زمن الحكم الروماني للمنطقة ، مما يعني أن هذا العلو الذي تحصّل عليه بنو إسرائيل قد زال واندثر . مما يترتب عليه أن الإفساد قد وقع ، وأن البعث قد تحقق ، في الفترة الممتدة ما بين سليمان وعيسى عليهما السلام ، في زمن أقرب إلى حكم سليمان منه إلى بعث عيسى .
المملكة اليهودية بعد سليمان :
وليس من المعقول أن نجزم بأن مملكة سليمان انهارت بموته . وبما أن نظام الحكم ، كان ملكيا وراثيا كما أقرّه القرآن ، فلا بد أن يكون الملك ، قد انتقل إلى أحد أبناء سليمان ، الذين لم يكونوا أنبياء في واقع الحال ، فالنبوة آنذاك خرجت من الملك ، وأصبحت في عامة الشعب ، وهنا تحرّر العصاة والمعتدين من اليهود ، من عبدة المال والسلطة تجارا ومرابين ، من حكم وملك الأنبياء ، حيث كان الوحي يقف سدّا منيعا ، أمام طموحاتهم وأحلامهم ، في نهب ثروات البلاد والعباد ، فهم أبناء الذين قال فيهم تعالى ( قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79 القصص ) .
وعلى مر السنين تغيّرت الأحوال ، وتغلغل المرابين والتجار في أوساط الحكم ، وتبادلوا المصالح والمنافع ، وأصبحوا من علية القوم ، ليفرضوا على الملوك ، ما شاءوا من سياسات تخدم مصالحهم . ولو راجعت التوراة المؤرخ الوحيد لتلك الفترة ، لوجدت أن عدد الملوك الذين تعاقبوا على الحكم ، على مدى 300 سنة تقريبا ، هو 22 ملكا ، وهو عدد كبير نسبيا ، بمعدل 14 سنة حكم لكل ملك . وذلك لكثرة الاغتيالات ، التي كان يدبّرها ويوقعها فيهم علية القوم ، ومن والاهم من الكهنة والأحبار ، سواء من صلح أو فسد ، من هؤلاء الملوك . والملاحظ أيضا أن معظم ملوكهم ، كانوا صغارا في السن ، وربما كان ذلك هو الغاية من قتل آبائهم ، فوجود ملك صغير السن ، يسهل عليهم السيطرة على شؤون الحكم ، ليكونوا هم خبرائه ومستشاريه ، وهذه هي سياستهم في العصر الحالي ، في شتى بقاع الأرض . وعلى الجانب الآخر كان هناك الأنبياء ، الذين لم ينقطع بعثهم في بني إسرائيل ، ليعيدوا أولئك العصاة إلى حظيرة الإيمان ، بدعوتهم إلى العودة إلى شرع الله ، وتذكيرهم وتحذيرهم بما قضاه الله عليهم إن أفسدوا في الأرض .
تخبرنا كثير من الآيات القرآنية عن إفساد بني إسرائيل ، حيث الشرك بالله ، وتكذيب فريق من الأنبياء ، وقتل فريق آخر ، وقتل أولياء الله من الناس ، وسفك دماء فريقا من قومهم وإخراجهم من ديارهم ، وتحريف الكهنة والأحبار ، لكتاب الله ليوافق أهواء علية القوم ، والاعتداء على حدود الله ، وعصيان أوامره ، وأكلهم الربا وأموال الناس بالباطل … إلى آخره . ومجمل هذه الآيات تخاطب بني إسرائيل كأمة . فأين ومتى وقع منهم هذا الإفساد الأممي … ؟!
وهل تحقّق الإفساد الأول ؟
قال تعالى ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87 البقرة ) ، والخطاب هنا موجه لمن يملك سلطة القتل ، وهم سادة الحكم وعلية القوم ، فتارة كانوا يكذّبون الأنبياء وأولياء الله ، الذين بُعثوا من قبله سبحانه للإصلاح ، وتارة يقتلونهم ، بدفع من الكهنة والأحبار والتجار ، ، لتعارض ذلك مع رغباتهم وأهوائهم ، ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21 آل عمران ) ، فلا أشدّ وأعظم إفسادا في الأرض عند الله ، من قتل الناس وسفك دمائهم بغير حق ، فما بالك إذا كان القتل في أنبياء الله وأولياءه الصالحين ، فهذا قمّة في الإجرام والإسراف والعصيان والتمرد والعدوان ، ولا أظنّ أن هناك إفساد في الأرض ، يُقارن بهذا الإفساد ، فلم يسبق لقوم من الأقوام السابقين واللاحقين ، أن قتلوا أنبياءهم سوى بني إسرائيل ، وما إفسادهم الحالي في دولتهم الحالية ، إلا صورة طبق الأصل عن الإفساد الأول في دولتهم الأولى ، ولو بُعث فيهم أنبياء في هذا العصر لقتلوهم بلا شك ، فقد قتلوا رئيس وزرائهم ( رابين ) ، بدفع وتحريض من الحاخامات ، كونه لبس ثوب الصلاح فقط ، بإظهاره شيئا من اللين مع الفلسطينين ، لا لأنه مُصلح .
قال تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (85 البقرة ) . توحي هاتين الآيتين ، أن سادة الحكم كانوا يستضعفون طائفة من قومهم ، ظلما وعلوا بغير وجه حق – وهذا نفس فعل فرعون - فأوقعوا فيهم القتل ، والنهب والسلب ، وأخرجوهم من ديارهم واستولوا عليها . فاضطروا إلى اللجوء إلى أرض أعدائهم ، وعلى ما يبدو أنهم كانوا يُجبرون على خوض المعارك ، إلى جانب أعداء مملكة بني إسرائيل ، وعند وقوع المعركة ، كان هؤلاء المستضعفين يُحجمون عن قتال بني جلدتهم ، ويقومون بتسليم أنفسهم ، ظنّا منهم بأن أبناء جلدتهم ، سيتركونهم ليعودوا إلى أهليهم بعد انتهاء المعركة ، فما كان من أولئك الظلمة ، إلا أن عاملوهم كأسرى العدو ، فحبسوهم وطالبوا ذويهم بالفدية .
وأما مظاهر الإفساد الأخرى فمنها :
1. الشرك بالله :
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ (51 النساء )
( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60 المائدة )
( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31 التوبة )
2. نقض الميثاق وكتمان كلام الله وإخفائه وتحريفه :
( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13 المائدة )
( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187 آل عمران )
3. عبادة الجن والشياطين وتعلم السحر وممارسته :
( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100 الأنعام )
( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (102 البقرة )
4. الربا والسرقة والاحتيال :
( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161 النساء )
( وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62 المائدة )
5. ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
( كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79 المائدة )
6. نقض العهود والمواثيق :
( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)
وهكذا نستطيع القول ، بأن العلو الأول والإفساد الأول لبني إسرائيل ، قد تحقّقا في الأرض المقدّسة . وكانت بداية علوهم بملك داود ، ووصل إلى أقصى مداه ، في عصر سليمان عليه السلام . وأما الإفساد فكانت بدايته بعد وفاة سليمان عليه السلام … والسؤال الآن هل تبخّر هذا الملك وهذه المملكة في الهواء … ؟! وهل مرّ ذلك الإفساد دون عقاب … ؟!
وهل تحقق البعث الأول ؟
قال تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ (( أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ )) ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ، ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، (( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا )) ، أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33 المائدة )
وقال أيضا في نفس السورة ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ … (( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا )) ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64 المائدة )
وانظر ما كتبه الله عليهم ، في الآية الأولى ، وما عقب به في الآية الثانية ، حيث أعطى أربع خيارات ، لمجازاة من يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادا . والذين لهم دأب على محاربة الله ورسوله بأقوالهم وأفعالهم ، والذين يسعون في الأرض فسادا ، هم اليهود لا غيرهم ، وهذا ما تُقرّره الآية الثالثة . وهذا هو الحكم المُسبق الذي أصدره أحكم الحاكمين ، وأوكل أصحاب البعث الأول ، لتنفيذ خياراته الأربعة مجتمعة فيهم ، بإذن الله .
وقال تعالى ( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26 الأحزاب ) ، وهذا ما حُكم به على يهود بني قريظة بعد هزيمة الأحزاب ، بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال .
وبما أن الإفساد المقترن بالعلو قد تحصّل ، ومن ثم زال ، فلا بد أن يكون أولئك العباد قد بُعثوا عليهم ، فجاسوا خلال ديارهم وخربوها ، وأوقعوا في حكامهم ورؤسائهم وكهنتهم وأحبارهم القتل والتنكيل ، وهدموا المسجد ( الهيكل ) ونهبوا محتوياته من كنوز وأموال ، وسبوا نسائهم وأطفالهم ، وأصبحت بيت المقدس أطلالا تعوي فيها الثعالب ، فحل بهم الخزي والذلّ والعار ، بعد أن رفعه الله عنهم بمنّه وكرمه ، فخانوا ميثاق ربهم ونقضوا عهده ، استكبارا وعلوا في الأرض بغير الحق . حيث كان ذلك حكم الله الذي أنجزه في أسلافهم ، على أيدي أولئك العباد ، فيما يُسمى بالسبي البابلي الموصوف بالتوراة بإسهاب ، والذي يؤكد نفاذ هذا الحكم فيهم ، كما جاء في الآية الكريمة أعلاه . لذلك عقّب سبحانه بعد ذكر الوعد الأول ، بقوله ( وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً (5 الإسراء ) .
بعض الأحكام التي صدرت في حقهم فيما سبق نزول القرآن :
قال تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169 الأعراف ) .
وقال أيضا ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64 المائدة ) .
وهذه الأحكام هي :
1. استضعافهم واضطهادهم وتعذيبهم من قبل الآخرين ، أينما حلوا وأينما ارتحلوا إلى يوم القيامة . وهذا حكم عامّ ، وأما عقابهم عند مجيء الوعدين ، فهو حكم خاص مستثنى من هذا الحكم .
2. نفيهم من فلسطين وشتاتهم في كافة أرجاء الأرض . مما يؤكد زوال مملكتهم الأولى ، ويهيئ لقيام الدولة الثانية مستقبلا .
3. إلقاء العداوة والبغضاء فيما بينهم إلى يوم القيامة . وإطفاء الحروب التي يُشعلوها ، وإفشال مخططاتهم الساعية إلى الإفساد .
وهل دخلوا الأرض المقدّسة ؟
لو عدنا إلى زمن موسى عليه السلام ، بعد أن وصل وقومه إلى مشارف الأرض والمقدسة ، حيث قال لقومه ( يَقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21 المائدة ) ، والأرض المقدسة هي فلسطين ، ولم تقدّس في القرآن أرض غيرها . وقد وردت هذه العبارة في القرآن مرة واحدة فقط ، وكان بنو إسرائيل آنذاك أمة واحدة ، فامتنعوا عن الدخول إليها ، فحُرموا من دخولها أربعين سنة ، ولم يكن التيه بضياعهم وتشرذمهم في الأرض ، كما قد يتوهم البعض ، وإنما بحرمانهم من الهداية والقيادة برفع النبوة والوحي ، وهذا يؤكد أن موسى عليه السلام ، انتقل إلى جوار ربه قبل أو بداية سنوات التحريم ، ولذلك تجلّت الحكمة الإلهية ، باختيار النقباء الإثني عشر وأخذ الميثاق منهم مسبقا ، لعلمه المسبق بما سيكون منهم . وتُرك أمر بني إسرائيل لأولئك النقباء ، كلٌ حسب السبط الذي ينتمي إليه ، لقيادتهم والفصل بينهم في الأحوال المدنية والشرعية .
وفي نهاية الأربعين سنة ، وصل الله ما كان قد قطعه ، فبعث فيهم نبيا ، ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (246 البقرة ) ، وكلمة ( الملأ ) تعني علية القوم ، وطلب القتال كان لدخول الأرض المقدسة ، التي كان قد كُتب لهم دخولها ، على لسان موسى في الآية السابقة ، وعندما أذن الله لهم بدخولها ، بعد قتال جالوت وجنوده والانتصار عليهم ، بقتل داود عليه السلام لجالوت ، دخلوها مجتمعين كأمة أيضا ، فأقام لهم داود وسليمان عليهما ، دولتهم الأولى وعلوهم الأول .
حصر الفترة الزمنية للإفساد المُذكور في القرآن :
والآن لننتقل إلى الكريمة التي تقول ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ، (( وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ )) ، وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ، وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ . أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ ، بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ ، اسْتَكْبَرْتُمْ ، فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87 البقرة ) ، قلنا أن قمة الإفساد هي قتل الأنفس بغير حق ، وأعظمها قتل الرسل والأنبياء ، ولاحظ قوله سبحانه ( تقتلون ) حيث تفيد صيغة المضارع ، الاستمرارية والكثرة في القتل ، وقد ذُكر قتلهم للرسل والأنبياء ( 7 ) مرات ، في مواضع متفرقة من القرآن ، وقد حُصر وقوع هذا القتل منهم في هذه الآية ، بين موسى وعيسى عليهما السلام ، وإذا علمنا أن بني إسرائيل ، كانوا بحاجة إلى الأنبياء ( حبل الله ) لدخول الأرض المقدسة ، لإقامة دولتهم فيها ، ولم يكن فيهم أنبياء في سنوات التحريم ، غير ذلك النبي الذي بُعث عند انقضائها ، والذي توجهوا إليه لطلب المساعدة والنصرة من الله ، لتبين لنا أن قتل الأنبياء قد تحصّل منهم ، بعد وفاة سليمان عليه السلام ، حيث لم تعد بهم حاجة للأنبياء ، ليذكّروهم بشرع الله والالتزام به ، بعد أن أمسى لهم الملك والعلو في الأرض ، فأهواء ورغبات وأطماع ، الذين ( أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) ، والذين ( قست قلوبهم فهي كالحجارة أو شد قسوة ) ، لا تتفق وشرع الله .
نهاية المملكة وخروجهم من فلسطين :
ولو نظرنا في قوله تعالى ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ) ، أي فرقّناهم ، نجد أنه سبحانه أثبت خروجهم ونفيهم من الأرض المقدسة ، وشتاتهم في الأرض على عمومها ، على الأقل قبل بعث محمد عليه الصلاة والسلام بالقرآن ، فهل يُعقل أن أمة بأسرها ، تقوم بالتخلي عن مُلكها وترك أرضها من تلقاء نفسها ورغبة عنها ؟!!! أم أن هناك أمر عظيم نزل بها ، فتركت أرضها قسرا وقهرا ، بعد أن أُزيل ملكها وأفل نجمها ؟!!! وقد ورد ذكر هذا الحدث في القرآن بصيغة الماضي ، بقوله تعالى ( فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ – وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5 الإسراء ) . وبما أن تلك العبارة أثبتت شتاتهم بعد أن كانوا أمة واحدة ، والعبارة ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104الإسراء ) ، تشترط مجيئهم من الشتات والتجمّع في فلسطين ، ولم يرد نص في القرآن ، يُثبت مجيئهم وتجمّعهم من الشتات قبل الإسلام ، لإقامة علوهم الثاني . نستطيع الجزم بأن وعد الأولى ، بقيام المملكة الأولى وزوالها ، قد تحقق ، وأن المرة الثانية قد تحقّقت بمجيئهم وتجمّعهم من الشتات ، لإقامة دولتهم الحالية .
إثبات تواجد اليهود في بابل :
قال تعالى ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ، (1) نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) (2)وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ـ ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) ـ (3)يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ( بِبَابِلَ ) هَارُوتَ وَمَارُوتَ ـ ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ، حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ، فَلَا تَكْفُرْ ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) ـ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ، مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102 البقرة )
موضوع الحديث ما قبل هاتين الآيتين ، وما بعدهما ، هم اليهود إجمالا . بينما تتعرض الآيتان أعلاه ، لموقف فئة من اليهود المعاصرين لرسالة الإسلام ، من بعث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، حيث قام هؤلاء وما زالوا يقومون بثلاثة أفعال :
1. عند مجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام ، بصفة مطابقة لما كان بين يديهم من التوراة ، ومجيئه بما يتفق مع ما جاء به أنبياؤهم ، أزاحوا التوراة من عقولهم وقلوبهم وأنكروا ما فيها ، وكتموا ما أخبرت عنه وجاءت به عن الناس ، وأظهروا عدم معرفتهم وعلمهم بأمر هذا النبي ، وعوضا عن اتباعهم لهذا النبي عليه الصلاة والسلام ، كما تأمرهم التوراة :
2. قاموا باتباع ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ، وحقيقة ما اتبعوه يُبيّنه سبحانه ، بالجملة المعترضة ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) أي الكفريّات التي ما زالت تتلوها الشياطين على ملك سليمان ، ومجيء الفعل ( تتلوا ) بصيغة المضارع ، يُفيد بأنهم على اتّصال دائم بالشياطين ، وأن الشياطين ما زالت تتحدّث إليهم ، بكفريّات تنسبها إلى سليمان عليه السلام ، يُبرأه سبحانه منها بقوله ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) ، وعوضا عن تعليم الناس تعاليم التوراة :
3. كانوا وما زالوا ، يُعلمون الناس السحر ، ويعلّمونهم أيضا نوعا آخرا من السحر ، كانوا قد تعلّموه أثناء تواجدهم في بابل ، هو ما أُنزل على الملكين هاروت وماروت ، اللذان لم يُعلّما أحدا من الناس ، إلا وقالا له ، ( إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ، فَلَا تَكْفُرْ ) وحقيقة ما كان يتعلّمه الناس من الملكين في بابل ، يُبيّنه سبحانه بالجملة المعترضة ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) . ويُعقّب سبحانه على ما قامت به تلك الفئة بقوله ( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ … إلى آخر الآية ) . وهذا ما يقومون به لغاية الآن ، في محافلهم الماسونية ومدارسهم الدينية ، حيث يُمارسون ويُعلّمون منتسبيهم وتلاميذهم ، طقوس عبادة الشياطين ، وفنون السحر والشعوذة .
عقوبتهم في الجزيرة العربية كانت جلاءً وليس عذابا :
وأما عند مجيء الإسلام ، كان جزء منهم متواجد في الجزيرة العربية ، وأخرجوا منها زمن عمر رضي الله عنه ، قال تعالى ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (2 الحشر ) ، والحشر معناه الجمع ، والجمع يختلف عن الجميع ، وقوله ( لأول الحشر ) أي بداية الجمع ، والجمع يكون عادة بعد التشرّد والشتات ، والمقصود هنا الجمع في الدنيا ، وليس الحشر بعد الموت والبعث ، حيث كانت وجهتهم عند الخروج إلى بلاد الشام ، وأما الجلاء الذي حكم الله به عليهم ، في زمن الرسول عليه السلام وصحبه الكرام ، لم يكن عذابا كالموصوف في سورة الإسراء ، لا في الوعد الأول ، ولا في الوعد الثاني ، فكيفية العقاب في المرتين متطابقة ، كما أوضحنا سابقا ، وهذا ما يقرره سبحانه في الآية التالية ( وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3 الحشر ) ، وقوله تعالى ( لعذّبهم ) ، يفيد بأن الجلاء لم يُعتبر عذابا بمعنى الكلمة ، أما قتل وسبي يهود بني قريظة ، فهو استثناء حصل لخطورة ما قاموا به من خيانة ، في أحرج لحظة ، في تاريخ الأمة الإسلامية .
وإن لم يكن ما تقدّم مقنعا بما فيه الكفاية ، فانظر إلى قوله تعالى ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7 الإسراء ) ، فأي مسجد الذي دخله المسلمون على اليهود آنذاك ، وما هو المسجد المقصود أصلا في هذه الآية ؟! وما صفة العلو الذي كان لهم آنذاك ؟! ، وأما فسادهم وإفسادهم في الجزيرة وغيرها من الأماكن ، فهو مشمول في الآية الكريمة ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64 المائدة ) ، ولاحظ قوله تعالى ( ويسعون ) ، حيث تفيد الاستمرارية والمثابرة ، على الإفساد في الأرض على عمومها ، وهذا هو ديدنهم على مر العصور ، لذلك كانوا عرضة للقتل والتنكيل ، أو النهب والسلب ، أو الطرد والنفي ، أينما حلوا وأينما ارتحلوا ، فطافوا معظم أرجاء من المعمورة وتواجدوا في كل قاراتها ، منذ 3 آلاف سنة واستمر حالهم هذا على مر العصور ، وهذا ما لم يقع في أي شعب من شعوب الأرض ، وكان الاستثناء الوحيد ، هو حصولهم على الدولة في القدس مرتين فقط . وبعد شتاتهم في المرة الأولى ، لم يكن لهم علو ، ولم يكن لهم جمع من الشتات ، الذي هو أحد شروط ومواصفات تحقق الوعد الثاني ، إلا ما نُشاهده الآن على أرض الواقع ، من علوا ظاهر مقترن بالفساد والإفساد ، في الأرض المُقدّسة فلسطين .

تاريخ اليهود في التوراة والتلمود
ماهية التوراة :
التوراة في ( لسان العرب ) : نجد أن هذه الكلمة ذات أصل عربي " ومصدرها وَرِيَ ، والوراء هو ولد الولد ، والواري هو السمين من كل شيء ، ووَرِيَ المخ يَرِي إذا اكتنز ، وناقة وارية أي سمينة ، وورَيْتُ النار توريةً ، إذا استخرجتها ، قال واستوريت فلانا رأيا ، أي سألته أن يستخرج لي رأيا ، ووريت الشيء وواريته أخفيته ، واستوريت فلانا رأيا أي طلبت إليه أن ينظر في أمري ، فيستخرج رأيا أمضي عليه ، ووريت الخبر ، أُورِيه توريةً ، إذا سترته وأظهرت غيره ، وكأنه مأخوذ من وراء الإنسان ، لأنه إذا قال وَرَيْته ، فكأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر ، والتورية هي السَتْر " .
ولو تدبرّنا كل المعاني السابقة ، لوجدنا أن هذ التسمية ( التوارة ، التورية حسب الرسم القرآني لها ) ، جاءت لتصف بدقة وبشمولية ، حال الكتاب الموجود بين أيدي اليهود ، منذ وفاة زكريا عليه السلام ، ولغاية الآن ، ولتصف الكيفية التي يتعامل بها اليهود مع هذا الكتاب ، فكتابهم في الواقع مكتنز وسمين ، فهو يحوي بين دفتيه ( 39 ) سفرا ، وإحدى نسخه المترجمة ، فيها ما يزيد عن 1128 صفحة ، بمعدل 380 كلمة لكل صفحة ، أي ما يفوق القرآن من حيث عدد الكلمات ، بِ (6) مرات تقريبا ، جُمع فيه ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل المتعاقبين تباعا ، من شرائع وأخبار ونبوءات غيبية ، وتاريخ وأساطير وخرافات ، وعلى فترات متباعدة ومتتالية ، ولمدة لا تقل عن ألف وخمسمائة سنة .
التوراة لم تنزّل على موسى وكتابه جزء منها :
وحسب النص القرآني ، في الآية ( يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65 آل عمران ) ، والآية ( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ (46 المائدة ) ، نجد أن نزول التوراة ، حُصر في الفترة الزمنية الواقعة بين ، وفاة إبراهيم ونبوّة عيسى عليهما السلام ، ومن قوله تعالى ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (44 المائدة ) ، نجد أنها أنزلت كمرجع لبني إسرائيل ( بني يعقوب عليه السلام ) ، لاستنباط واستخراج الأحكام الشرعية منها ، وفي قوله تعالى ( يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ (15المائدة ) وقوله ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187 آل عمران ) نجد وصفا لحال اليهود معها وما كان منهم ، في إخفائها وكتمانها وتحريفها ، وإظهار غير ما جاء فيها ، وكل ما قيل فيها من معاني في المعجم ، ينسجم مع واقع التوراة الحالي ، وليس على كتاب موسى فقط ، والذي هو في الأصل جزء منها ، وما كان الفصل بينها وبين موسى عليه السلام في القران ، إلا ليؤكد هذه الحقيقة .
ولو تمعنّا في هذه الآية ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ - مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ - قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93 آل عمران ) ، وانظر قوله تعالى ( تُنَزَّلَ ) ، ولم يقل ( تُنْزَلَ ) ، والتنزيل غير الإنزال ، فالأول على مراحل ، والثاني لمرة واحدة ، ومن ثم انتقلنا إلى سورة الأنعام ، وتدبرنا الآيات ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ … (151) … (152) … (153) = ثُمَّ = آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154 الأنعام ) لوجدنا أن هذه الآيات توضح ، ما كان قد حُرّم عليهم في التوراة ، وأن مجيء أداة العطف ( ثُمَّ ) ، بعد ذكر ما جاء في التوراة مباشرة ، والتي تفيد لغةً ، الترتيب والتراخي في الزمن ، ومجيء العبارة ( آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) بعدها ، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أمرين ؛ الأول : أن التوراة شيء يختلف عن كتاب موسى عليه السلام ، والثاني : أنها سبقت كتاب موسى عليه السلام في النزول .
التوراة كتاب يضمّ بين دفتيه جميع ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل :
والأرجح أنها أُنزلت مفرّقة بدءاً من يعقوب أو إسحاق ، وانتهاءً بزكريا عليهم السلام ، وأنها مجمل ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل من كتب ، ومن ضمنها ما أُنزل على يعقوب ويوسف ، وموسى وداود وسليمان وزكريا ، وبقية أنبيائهم ، ممن لم تذكر أسمائهم ، في القرآن عليهم السلام أجمعين ، قال تعالى ( وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136 البقرة ) ولاحظ أن ترتيب أسماء الأنبياء ، في هذه الآية جاء متعاقبا حسب الترتيب الزمني ، ولاحظ أيضا أنّ الإنزال ، شمل كل من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وتوقف . وأفرد موسى وعيسى مع أنهم من الأسباط وخصّهما بالإيتاء ، وأفرد النبيين من غير ذرية إبراهيم بالإيتاء أيضا ، والظاهر أن هناك فرق بين الإنزال والإيتاء ، وأما ماهية الأسباط فسنبينها في فصل آخر .
ولو اطلعت على مجمل النصوص القرآنية ، لوجدت أن ما نُسب إلى موسى عليه السلام بالإيتاء ، هو الكتاب والفرقان والهدى وضياء وذكر والألواح والصحف ، وأن التوراة لم تنسب نصّا إلى موسى عليه السلام ، في أي موضع من المواضع ال (18) في القرآن ، وهي ( 6 مرات في آل عمران ، و7 مرات في المائدة ، ومرة واحدة في كلٍ من ، الأعراف والتوبة والفتح والصف والجمعة ) ، وخلاصة القول ، أن ذكر التوراة في القران ، يُقصد به مجموع ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل ، أي الكتاب الذي كان بأيدي اليهود زمن نزول القرآن ، وحتى عصرنا هذا ، وأن ذكر الكتاب ، يقصد به ما أُنزل على موسى لوحده ، والله أعلم . وأما ما يُنسب إلى موسى عليه السلام في التوراة الحالية ، فهي الأسفار الخمسة الأولى من مجموع أسفارها ، وهي أسفار التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية ، وعلى الأرجح أن بعض هذه الأسفار ، كسفر التكوين ، كان موجودا قبل موسى عليه السلام ، ومن المحتمل أن يكون هذا السفر ، هو مجموع صحف إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام .
حقيقة التوراة على لسان المقدسي :
جاء في كتاب ( البدء والتاريخ ) للمقدسيّ ، ما نصه : " وذلك أن ( بختنصر ) ، لما خرب بيت المقدس وأحرق التورية ، وساق بني إسرائيل إلى أرض بابل ، ذهبت التوراة من أيديهم ، حتى جدّدها لهم عزير فيما يحكون ، والمحفوظ عن أهل المعرفة بالتواريخ والقصص ، أن عزيرا ( عزرا الكاتب ) أملى التوراة في أخر عمره ، ولم يلبث بعدها أن مات ، ودفعها إلى تلميذ من تلامذته ، وأمره بأن يقرأها على الناس بعد وفاته ، فعن ذلك التلميذ أخذوها ودونوها ، وزعموا أن التلميذ ، هو الذي أفسدها وزاد فيها وحرفها ، فمن ثم وقع التحريف والفساد في الكتاب ، وبُدّلت ألفاظ التوراة ، لأنها من تأليف إنسان بعد موسى ، لأنه يخبر فيها ، عما كان من أمر موسى عليه السلام ، وكيف كان موته ووصيته إلى يوشع بن نون ، وحزن بني إسرائيل وبكاؤهم عليه ، وغير ذلك مما لا يشكل على عاقل ، أنه ليس من كلام الله عز وجل ، ولا من كلام موسى ، وفي أيدي السامرة توراة ، مخالفة للتوراة التي في أيدي سائر اليهود ، في التواريخ والأعياد وذكر الأنبياء ، وعند النصارى توراة منسوبة إلى اليونانية ، فيها زيادة في تواريخ السنين على التورية العبرانية ، بألف وأربع مائة سنة ونيف ، وهذا كله يدل على تحريفهم وتبديلهم ، إذ ليس يجوز وجود التضاد فيها من عند الله " .
أما ما دفعني للبحث في أمر التوراة في البداية ، هو رغبتي في استخراج نص النبوءة منها ، ومقارنته مع نص سورة الإسراء ، واستقراء تاريخهم حسب ما يروونه هم بأنفسهم ، فيما إذا كان هناك ما يفيد تحقق الوعد الأول ، من خلال البحث في التوراة الحالية ، والموجودة تحت اسم العهد القديم ، في الكتاب المقدس الخاص بالنصارى ، حيث توفرت لديّ نسختين عنه ، باسم (كتاب الحياة / ترجمة تفسيرية / ط2 1988 / جي سي سنتر القاهرة ) ، وتقع في (1128) صفحة ، والأخرى باسم ( الكتاب المقدس / دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ) وتقع في ( 1358 ) صفحة ، مترجمة عن التوراة اليونانية ، وبما أن عدد الصفحات كبير جدا ، ومن المؤكد أن هذا النص ، قد اعتراه الكثير من التحريف والتزوير من إضافة ونقص ، فهو يحتاج إلى قراءة مركزة ومتأنية ، من الألف إلى الياء ، مما يتطلب الكثير من الوقت والجهد ، فضلا عما تُصاب به من دوار ، كلما حاولت أن تستجمع ما ورد فيها ، من أفكار مشتتة ومضلِّلة ، ولما فيها من إسهاب وإطالة وتكرار ، لذلك كان لا بد لي ، من تحديد على من أُنزلت هذه النبوة ، وما هو المقصود بقوله سبحانه ( في الكتاب ) على وجه الدقة ، وفي أي فترة زمنية أُنزلت ، لتكون عملية البحث فيها أقل جهدا ، وعند بحثي عنها فيما نُسب إلى موسى عليه السلام من أسفار ، وجدتها في سفر التثنية ، وقد اعتراها الكثير من التشويه من حذف وإضافة ، وفيما يلي بعض من بقايا نصوصها التي توزعت على مدى ( 18 صفحة ) :
سفر التثنية آخر الأسفار المنسوبة لموسى ، ويضم في ثناياه نصوص النبوءة :
ملاحظة : النص مأخوذ من نسخة ( كتاب الحياة ) حيث أن التركيب اللغوي فيها ، أكثر قوة وتعبيرا ، إلا في مواضع نادرة ، نلجأ فيها للأخذ من النسخة الأخرى ( الكتاب المقدس ) وهو ما يرد بين [ … ] ، وما يرد بين ( … ) فهو تعقيب من المؤلف .
( وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2 الإسراء )
" إصحاح 26: آية 16: لقد أمركم الرب إلهكم هذا اليوم ، أن تعملوا بهذه الفرائض والأحكام ، فأطيعوا واعملوا بها من كل قلوبكم ومن كل نفوسكم ، 17: … وأن عليكم طاعة جميع وصاياه ،19: فيجعلكم أسمى من كل الأمم [ مستعليا على جميع القبائل ] التي خلقها في الثناء والشرف والمجد ، ( العلو ) ، … " .
إخبار موسى عليه السلام بنص النبوءة ، كان قبل دخولهم إلى الأرض المقدسة :
27: 1-9: " وأوصى موسى وشيوخ إسرائيل الشعب قائلين : أطيعوا جميع الوصايا التي أنا أمركم بها اليوم . فعندما تجتازون نهر الأردن ، إلى الأرض التي يهبها الرب إلهكم لكم ، تنصبوا لأنفسكم حجارة كبيرة ، … وتكتبون عليها جميع كلمات هذه الشريعة ، … ثم قال موسى والكهنة واللاويون لجميع شعب إسرائيل " :
سفر الخروج : " 20 : 2: أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر ديار عبوديتك ، 3: لا يكن لك آلهة أخرى سواي ، 4: لا تنحت لك تمثالا ولا صورة ، … ، 5: لا تسجد لهن ولا تعبدهن ، … ، 7: لا تنطق باسم الرب باطلا ، … ، 12: أكرم أباك وأمك ، … ، 13: لا تقتل ، 14: لا تزن ، 15: لا تسرق ، 16: لا تشهد على قريبك شهادة زور ، 17: لا تشته بيت جارك ، … ، ولا شيئا مما له " .
وهذا ما يُسمّونه بالوصايا العشر ، واخترت النص من سفر الخروج ، كونه أكثر وضوحا ومطابقة للقرآن ، حيث ورد نص الميثاق والوصايا في ( البقرة 83 – 84 ) ، ( والأنعام 151 – 153 ) ، ( والإسراء 22 – 39 ) .
( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4 الإسراء )
" 31: 16-21: و قال الرب لموسى : ما إن تموت وتلحق بآبائك ( مستقبلا ) … حالما أدخلهم إلى الأرض التي تفيض لبنا وعسلا ، … ، فيأكلون ويشبعون ويسمنون ، فإنهم يسعون وراء آلهة أخرى ، ويعبدونها ويزدرون بي ، وينكثون عهدي . فيحتدم غضبي عليهم في ذلك اليوم ، وأنبذهم وأحجب وجهي عنهم ، فيكونوا فريسة ، … ،: فمتى حلّت بهم شرور كثيرة ، ومصائب جمّة ، يشهد هذا النشيد عليهم ، لأنه سيظل يتردّد على أفواه ذريّتهم ، إذ أنني عالم بخواطرهم التي تدور بخلدهم الآن ، قبل أن أُدخلهم إلى الأرض كما [ أقسمت ] " .
( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ (7 الإسراء )
" 28: 1-13: وإن أطعتم صوت الرب طاعة تامة ،حرصا منكم على تنفيذ جميع وصاياه فإن الرب إلهكم يجعلكم أسمى من جميع أمم الأرض . وإذا سمعتم لصوت الرب إلهكم ، فإن جميع هذه البركات تنسكب عليكم وتلازمكم ، … ، كما تتبارك ذُرّيّتكم ، وغلّات أرضكم ، ونتاج بهائمكم ، ويهزم الرب أمامكم أعدائكم القائمين عليكم ، فيقبلون عليكم في طريق واحدة ، ولكنّهم يُولّون الأدبار في سبع طُرق ، فيفتح الرب كنوز سمائه الصالحة ، فيمطر على أرضكم في مواسمها ، ويُبارك كل ما تنتجه أيديكم ، … ، فإنّه يجعلكم رؤوسا لا أذنابا ، متسامين دائما ( علو ) ، ولا يُدرككم انحطاط أبدا ( ذلّة ) … " .
( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (7 الإسراء )
" 28: 15 ولكن إن عصيتم صوت الرب إلهكم ، ولم تحرصوا على العمل بجميع وصاياه وفرائضه ، التي أنا آمركم اليوم بها ، فإن جميع هذه اللعنات تحل بكم وتلازمكم ، … ، وتحلّ اللعنة بأبنائكم ، وغلّات أرضكم ، ونتاج بهائمكم ، ويصبّ الربّ عليكم اللعنة والفوضى والفشل ، حتى تهلكوا وتفنوا سريعا لسوء أفعالكم ، إذ تركتموني ، ويتفشى بينكم الوباء حتى يُبيدكم ، وتصبح السماء من فوقكم كالنحاس ، والأرض من تحتكم كالحديد ، 25: ويهزمكم الربُّ أمام أعدائكم ، فتقبلون عليهم في طريق واحدة ، وتولون الأدبار أمامهم متفرقين في سبع طرق ، وتصبحون عبرة لجميع ممالك الأرض ، 26: وتكون جثتكم طعاما ، لجميع طيور السماء ووحوش الأرض ، ولا يطردها أحد [ وليس من يزعجها ] ، 28: ويبتليكم الرب بالجنون والعمى وارتباك الفكر [ وحيرة القلب ] ، 29: فتتحسّسون طرقكم في الظهر ، كما يتحسّس الأعمى في الظلام ، وتبوء طرقكم بالإخفاق ، ولا تكونون إلا مظلومين مغصوبين كل الأيام ، 32: يساق أولادكم وبناتكم إلى أمة أخرى … وما في أيديكم حيلة ، … ، 36: ينفيكم الرب أنتم ومَلِككم إلى أمة أخرى ، لا تعرفونها أنتم ولا آباؤكم ، … ، 37: وتصبحون مثار دهشة وسخرية وعبرة في نظر جميع الشعوب ، … ، 43: [ الغريب الذي في وسطك ، يستعلي عليك متصاعدا ، وأنت تنحط متنازلا ] ( عودة الذل وزوال العلو ) ، 44: … ، وهم يكونون رؤوساً وأنتم تكونون ذنبا " .
النصوص الخاصة بالمرة الأولى :
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ … (5 الإسراء )
" 28: 49 ويجلب الرب عليكم أمة من بعيد ، من أقصى الأرض ، فتنقضّ عليكم كالنسر ، 50: أمّة [ جافية الوجه ] يثير منظرها الرعب ، لا تهاب الشيخ ولا ترأف بالطفل ، 51: فتستولي على نتاج بهائمكم ، وتلتهم غلات أرضكم حتى تفنوا ، ولا تُبقِ لك قمحا ولا خمرا ولا زيتا ، … حتى تفنيك ، 52: وتحاصركم في جميع مدنكم ، حتى تتهدم أسواركم الشامخة الحصينة ، التي وثقتم بمناعتها ، … ، 58: فإن لم تحرصوا على العمل بجميع كلمات هذا الشريعة المكتوبة في هذا الكتاب ، … ، 59: فإن الرب يجعل الضربات النازلة بكم وبذرّيتكم ، ضربات مخيفة وكوارث رهيبة دائمة ، … ، 63: وكما سُرّ الرب بكم ، فأحسن إليكم وكثّركم ، فإنه سيُسرّ بأن يفنيكم ويهلككم فتنقرضون [ فتستأصلون ] من الأرض ، التي أنتم ماضون إلى امتلاكها ، 64: ويشتّتكم [ ويبددكم ] الرب بين جميع الأمم ،من أقصى الأرض الى أقصاها ، … ، 65: ولا تجدون بين تلك الأمم اطمئنانا ، ولا مقرّا لقدم ، بل يعطيكم الرب قلبا هلعا ، وعيونا أوهنها الترقب ، ونفوسا يائسة ( الذلة والمسكنة بين الأمم ) ، 66: و تعيشون حياة مفعمة بالتوتر ، مليئة بالرعب ليلا و نهارا .
النبوءة جاءت بِقَسَم ولمرتين :
29: 1 وهذه هي نصوص العهد ، الذي أمر الرب موسى ، أن يقطعه مع بني إسرائيل في سهول موآب ، فضلا عن العهد الذي قطعه معهم في حوريب ، 2: ودعا موسى جميع إسرائيل ، … ، 29: 4 و لكن الرب لم يعطكم حتى الآن ، قلوبا لتعوا [ لتفهموا ] وعيونا لتبصروا و أذانا لتسمعوا ، … ، 9: فأطيعوا نصوص هذا العهد واعملوا بها ، [ لكي تفلحوا في كل ما تفعلون ] ، … ، 14: ولست أقطع هذا العهد وهذا القسم معكم وحدكم ، 15: بل … أُبرمه أيضا مع الأجيال القادمة ( حيث سيقع منهم الإفساد مرّتين مستقبلا ) ، … ، 18: فاحرصوا أن لا يكون بينكم ، من تأصّل فيه الشرّ ، فيحمل ثمرا علقما سامّا ، 19: فإن سمعَ كلام هذا القَسم يستمطر بركة على نفسه ( أي يزكّي نفسه ) قائلا : سأكون آمنا ، حتى ولو أصررت على الاستمرار في سلوك طريقي ( الإصرار على المعصية ) ، إن هذا يُفضي إلى فناء الأخضر واليابس ، على حد سواء ، 20: إن الرب لا يشاء الرفق بمثل هذا الإنسان ، بل يحتدم غضبه وغيرته عليه ، فتنزل به كل اللعنات المدوّنة في هذا الكتاب ، ويمحو اسمه من تحت السماء ، 22: فيشاهد أبناؤكم من الأجيال القادمة ، والغرباء الوافدون من أرض بعيدة ، بلايا تلك الأرض ، … ، 23: إذ تصبح جميع الأرض كبريتا محترقة لا زرع فيها ، … ، كانقلاب سدوم ( قوم لوط ) ، التي قلبها الرب من جراء غضبه وسخطه ، … ، 28: واجتثّهم من أرضهم ، بغضبٍ وسخطٍ وغيظٍ عظيم ، وطوّح بهم إلى أرض أخرى ( السبي والشتات ) ، … " .
النصوص الخاصة بالمرة الثانية :
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104 الإسراء )
30: 1 وعندما تحلّ بكم هذه البركات واللعنات ( تحقق الوعد الأول من علو وإفساد وعقاب ) كلها التي وضعتها نُصب أعينكم ، وردّدتموها في قلوبكم بين الأمم ، حيث شتّتكم الرب إلهكم ، 2: ورجعتم إلى الرب إلهكم أنتم وبنوكم ، … ، 3: فإن الرب إلهكم يردّ سبيكم ويرحمكم ، ويلّم شتاتكم من بين جميع الشعوب ، التي نفاكم الرب إلهكم إليها ، …
( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6 الإسراء )
30: 5: ويعيدكم إلى الأرض التي امتلكها آباؤكم فتمتلكونها ، ويحسن إليكم ويكثّركم أكثر من آبائكم ، 30: 7: و يُحوّل الرب إلهكم كل هذه اللعنات ( العقاب الذي سيكون قد نزل بهم في المرة الأولى ) على أعدائكم ، وعلى مبغضيكم الذين طردوكم ( الذين أنزلوا بهم العقاب الإلهي في المرة الأولى ) ،30: 8 و أما أنتم فتطيعون صوت الرب من جديد ( في المرة الثانية ) ، وتعملون بجميع وصاياه التي أنا أوصيكم بها اليوم ، 9: فيفيض الرب عليكم خيرا ، في كل عمل ما تنتجه أيدكم ، ويكثّر ثمرة أحشائكم ، ونتاج بهائمكم ، أرضكم ، … ( وكل ما تقدم مشروط بالإحسان )
( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ( 7 الإسراء )
30: 10: هذا إن سمعتم لصوت الرب إلهكم ، وحفظتم وصاياه وفرائضه المدوّنة في كتاب الشريعة هذا ، ( أي تعاليم شريعة موسى في التوراة ، وليس تعاليم التلمود التي خطّها أحبارهم وكهنتهم ) ، وإن رجعتم إلى الرب إلهكم ، من كل قلوبكم ومن كل نفوسكم ، 11: إن ما أوصيكم به اليوم من وصايا ، ليست متعذّرة عليكم ولا بعيدة المنال ، … ، 15: انظروا : ها أنا قد وضعت أمامكم اليوم ، الحياة والخير والموت والشر ، 16: … أوصيتكم اليوم أن تُحبّوا الرب إلهكم ، وأن تسلكوا في طرقه ، وتطيعوا وصاياه وفرائضه وأحكامه ، لكي تحيوا وتنمو ، فيبارككم الرب ، في الأرض التي أنتم ماضون إليها لامتلاكها ، 17: ولكن إن تحوّلت قلوبكم ولم تطيعوا ، بل غويتم وسجدتم لآلهة أخرى وعبدتموها ، 18: فإني أنذركم [ أُنبّئكم ] اليوم أنكم لا محالة هالكون ، ولا تطول الأيام على الأرض ( أي مقامكم ) التي أنت عابر ( نهر ) الأردن لتدخلها وتمتلكها …
19: ها أنا أُشهد عليكم اليوم السماء والأرض ، قد وضعت أمامكم الحياة والموت ( أي وضحت لكم طريق النجاة وطريق الهلاك ، واستبدالها بكلمتي الحياة والموت من خلال النقل أو التحريف ، ترتّب عليه إنكار الحياة الآخرة ، واليوم الآخر من بعث وحساب ، فالجزاء عندهم دنيوي فقط ، فالثواب هو إطالة الحياة ، والعقاب هو قصرها ) ، البركة واللعنة ( أي الجزاء في الدنيا ) ، فاختاروا الحياة ( أي الشريعة ) لتحيوا ( لتنجوا من عذاب الدنيا والآخرة ) أنتم ونسلكم ، 20: إذ تحبّون الرب إلهكم و تطيعون صوته ، و تتمسّكون به لأنه هو حياتكم ( أي نجاتكم ) والذي يُطيل أيامكم لتستوطنوا [ لكي تسكنوا ] الأرض التي حلف الرب لآبائك ، إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيها لكم .
الدخول أول مرة كان بحبل من الله :
31: 1: ومضى موسى يقول لبني إسرائيل : 2: … وقد قال لي الرب : لن تعبر هذا الأردن ، 3: ولكن الرب إلهكم هو عابر أمامكم ، وهو يبيد تلك الأمم من قدّامكم فترثونهم ، … ، 6: [ تشدّدوا ] وتشجّعوا ، لا تخشونهم ولا تجزعوا منهم ، لأن الرب إلهكم سائر معكم ، لا يهملكم ولا يترككم .
حتمية إفسادهم وعقابهم في المرة الثانية :
31: 28 اجمعوا إليّ جميع شيوخ أسباطكم و عرفاءكم ( النقباء ) ، لأتلو على مسامعهم هذه الكلمات ، وأشهد عليهم السماء و الأرض ، 29: لأنني واثق أنكم بعد موتي ، تفسدون وتضلون عن الطريق الذي أوصيتكم بها ، فيصيبكم الشرّ في آخر الأيام ( المرة الثانية تكون آخر الزمان ) ، لأنكم تقترفون الشر أمام الرب ، حتى تثيروا غيظه بما تجنيه أيديكم ، 30: فتلا موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل [ بكلمات ] هذا النشيد ، …
( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2 الإسراء )
32: 3: باسم الرب أدعو فمجّدوا عظمة إلهنا ، 4: هو الصخر ( الوكيل ) [ الكامل صنيعه ] ، سبله جميعها عدل ، هو إله أمانة لا يرتكب جورا ، صديق وعادل هو ، 5: لقد اقترفوا الفساد أمامه ، ولم يعودوا له أبناء ، بل لطخة عار ، إنهم جيل أعوج وملتو ، 6: أبهذا تكافئون الرب ، أيها الشعب الأحمق الغبيّ ، أليس هو أباكم وخالقكم ، الذي عملكم وخلقكم ، 7: اذكروا الأيام الغابرة ، وتأملوا في سنوات الأجيال الماضية ، اسألوا آبائكم فينبئوكم ، وشيوخكم فيخبروكم ، 10: وَجَدَهم في أرض قفرٍ وفي خلاء موحشٍ ، فأحاط بهم ورعاهم وصانهم ، 12: … وحده قاد شعبه ، وليس معه إله غريب ( أي آخر ) ، 13: أصعدهم على هضاب الأرض ، فأكلوا ثمار الصحراء ، وغذّاهم بعسل من حجر ، وزيتا من حجر الصوّان ، و … و …
الدخول الثاني كان بحبل من الناس ، إذ لا حاجة بهم إلى الله :
15: فسمن بنو إسرائيل ورفسوا ، سمنوا وغلظوا واكتسوا شحما ( كناية عن الترف ) ، فرفضوا الإله صانعهم وتنكّروا لصخرة خلاصهم ، 16: أثاروا غيرته بآلهتهم الغريبة ، وأغاظوه بأصنامهم الرجسة ، 17: لآلهة غريبة لم يعرفوها بل ظهرت حديثا ( المال والقوة والناس ) ، آلهة لم يرهبها آباؤهم من قبل ، 18: لقد نبذتم الصخر الذي أنجبكم ونسيتم الله الذي أنشأكم ( وهذا حالهم وحال دولتهم الحالية ) .
( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ … (7 الإسراء )
19: فرأى الرب ذلك ورذلهم ، إذ أثار أبناؤه وبناته غيظه ، 20: وقال : سأحجب وجهي عنهم فأرى ماذا سيكون مصيرهم ؟ إنهم جيل متقلب وأولادُ خونة ، 21: … ، لذلك سأثير غيرتهم بشعب متوحش ( أولي بأس شديد ) ، وأغيظهم بأمة حمقاء [ أمة لا تفهمون لغتها ] 22: فها قد أضرم غضبي نارا ، تُحرق حتى الهاوية السفلى ، وتأكل الأرض وغلّاتها ، وتحرق أسس الجبال ، 23: أجمع عليهم شرورا ، وأُنفذ سهامي فيهم ، 24: أجعل أنياب الوحوش ، مع حمّة زواحف الأرض تنشب فيهم ، 25: يثكلهم سيف العدو في الطريق ، ويستولي عليهم الرعب داخل الخدور ، فيهلك الفتى مع الفتاة ، والرضيع مع الشيخ ، 26: قلت : أشتّتهم في زوايا الأرض ، وأمحو من بين الناس ذكرهم ( أي في المرة الأولى ) ، 27: لولا خوفي من تبجح العدو ، إذ يظنون قائلين : إن يدنا قد عَظُمت ( أعداء بني إسرائيل ) ، وليس ما جرى من فِعل الرب .
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ (7 الإسراء )
32: 28 إن بني إسرائيل أمة غبية ولا بصيرة فيهم (لا يعقلون ولا يفقهون ) ، 29: لو عقلوا لفطنوا لمآلهم وتأملوا في مصيرهم ، 32: إذ أن كرمتهم من كرمة سدوم ، ومن حقول عمورة ، ( تشيه إفسادهم وإصرارهم ، بإفساد قوم لوط وإصرارهم ) وعنبهم ينضح سمّا ، وعناقيدهم تفيض مرارة ، 33: خمرهم حمّة الأفاعي ، وسمُ الثعابين المميت 32: 34 أليس ذلك مدخرا عندي ، مختوما عليه في خزائني ، 35: لي النقمة وأنا أُجازي ، في الوقت المعين ( مجيء الوعد ) ، تزلّ أقدامهم ، فيوم هلاكهم بات وشيكا ، ومصيرهم المحتوم يُسرع إليهم ، ( كلما أمعنوا في الإفساد كلما اقترب موعد هلاكهم ) .
( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ … ( 8 الإسراء )
" 36: لأن الرب يدين شعبه ( بني إسرائيل ) ويرأف بعبيده ، عندما يرى أن قوّتهم قد اضمحلت ( زالت ، بعد المرة الثانية ) … " .
( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56 الإسراء )
" 32: 37 عندئذ يسأل الرب : أين آلهتهم ؟ أين الصخرة التي التجأوا إليها ؟ 38: لتهبّ لمساعدتكم ، وتبسط عليكم حمايتها ، 39: انظروا الآن : إني أنا هو وليس إله معي ، أنا أميت وأحيي ، أسحق وأشفي ، ولا منقذ من يدي ، … ، 41: إذا سننت سيفي البارق ، وأمسكتْ به يدي للقضاء ، فإني أنتقم من أعدائي وأجازي مبغضيّ ، 42: أُسكر سهامي بالدم ويلتهم سيفي لحما ، بدم القتلى والسبايا ، ومن رؤوس قواد العدو ( قادة إسرائيل ) ، … " .
موسى عليه السلام يُخبر بنص النبوءة قبل موته :
" 32: 45 وعندما انتهى موسى ، من تلاوة جميع كلمات هذا النشيد على الإسرائيليين ، 46: قال لهم : تأمّلوا بقلوبكم في جميع الكلمات ، التي أنا أشهد عليكم بها اليوم ، لكي توصوا بها أولادكم ، ليحرصوا على العمل بكلمات هذه التوراة كلها ، 47: لأنها ليست كلمات لا جدوى لكم منها ، إنها حياتكم وبها تعيشون طويلا ، في الأرض التي أنتم عابرون نهر الأردن إليها لترثوها … 34: 5: فمات موسى عبد الرب ، في أرض موآب [حسب ] قول الرب " .
نلاحظ هنا أن النبوءة ، اعتراها بعض التشويه من حذف أو إضافة أو تبديل ، ولكنها حافظت على خطوطها العريضة ، ونلاحظ أيضا أنها فصلت المرتين كل منهما على حدة .
حيثيات نفاذ الوعد الأول في الأسفار الآخرى
التوراة كمرجع تاريخي غير موثوق به :
يرجّح كثير من الناقدين والباحثين الغربيون ، من الذين وضعوا التوراة تحت المجهر ، كونها العهد القديم من كتابهم المقدس ، أنها كتبت بأيدي بشر ، وذلك لما تحفل به من خرافات وأساطير ، ولتناقضها مع العهد الجديد ( الإنجيل ) ، وتناقضها مع المنطق والواقع ، وتناقضها أيضا ، مع المصادر التاريخية الأخرى في مواضع عديدة ، ويُجمع الكثير منهم أن كتابتها وجمعها ، قد تم بعد السبي البابلي ، وجاء القرآن ليكشف الكثير من أكاذيبها وافتراءاتها ، ومن خلال اطّلاعي عليها ، تبين لي أن من قام بإعادة كتابة التوراة ، هم أشخاص مشبعون بمشاعر الحقد والقهر والنقمة والرغبة في الانتقام ، وكل هذه المشاعر ، موجهة بالترتيب نحو :
1. رب العزة جلّ وعلا ، ( يقولون أن يعقوب عليه السلام صرع الله في البرية ، واستطاع الله النجاة بعضّ يعقوب في فخذه ، فسبب له عرق النساء ، ومن أجل ذلك لا يأكل اليهود عرق النساء الذي في الفخذ ، سفر التكوين 32: 24-32 ، ويقولون عنه سبحانه أنه كثير البكاء وكثير الندم على ما أنزله بشعبه المقدس ، ولذلك كانوا وما زالوا يعتقدون ، أن الله سيصلح خطأه معهم ، بإعادتهم إلى وطنهم ، الذي طُردوا منه بلا ذنب أو خطيئة ، فالخطأ منسوب إلى الله ورسله وملائكته والشعوب المجاورة ، أما شعب الله المقدّس ، فليس له خطيئة فهو حمل وديع ، وهذا نوع من الإسقاط النفسي ، لعظم الخطيئة ، وفداحة العقاب الذي وقع منهم وبهم ) .
2. الرسل والأنبياء ، ( يقولون أن موسى وهارون خانا الرب وسط الشعب التثنية ؛ 32: 50-51 ، وهارون هو الذي صنع العجل الذهبي ، الخروج 32: 1-6 ، وداود ارتكب خطيئة الزنا مع زوجة الجندي ؛ صموئيل الثاني ، 11: 1-27 ، وسليمان عبد آلهة أخرى ، وفعل الشرّ في عيني الرب ، كما فعل أبوه ؛ ملوك أول 11: 1-8 ) .
3. الكنعانيون القدماء وورثتهم الجدد ( الفلسطينيون ) ، ( سفر التكوين 9: 20-27: واشتغل نوح بالفلاحة وغرس كرما ، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خيمته ، فشاهد حام أبو الكنعانيين عُريّ أبيه ، فخرج وأخبر أخويه اللذين كانا في الخارج ، فأخذ سام ويافث ، رداءً ووضعاه على أكتافهما ، ومشيا القهقرى إلى داخل الخيمة ، وسترا عورة أبيهما من غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فيُبصرا عورته . وعندم أفاق نوح من سكره ، وعلم ما فعله ابنه الصغير ، قال : ليكن كنعان ملعونا ، وليكن عبد العبيد لأخوته ، ثم قال : تبارك الله إله سام ، وليكن كنعان عبدا له ، ليوسع الله ليافث ، وليكن كنعان عبدا له ) .
4. الكلدانيون في بابل ، وورثتهم الجدد ( العراقيون ) ، ( وأحقادهم على بابل وأهلها ، أُفرد الحديث عنها في موضع آخر ) .
5. جميع شعوب الأرض ما عدا اليهودي الصرف . ( والأمثلة على ذلك موجودة في أسفار موسى ، ونصوص التلمود ) .
6. سبط بنيامين الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام .
وكل مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام ممن ذُكروا أعلاه ، أفرغها الكتبة ( الكهنة والحكماء ) في كتابهم المقدس ( التوراة ) ، فأعادوا جمعها ونسخها ، تحت وطأة انفعالات نفسية رهيبة ، وفبركة جميع أسفارها ، بما يتناسب مع تلك المشاعر ، بعد السبي البابلي ، أكبر فاجعة أُصيب بها بنو إسرائيل والأكثر إيلاما على مرّ التاريخ .
وتبين لي أن هناك تطويل وتكرار غير مبرر ، لنفس الحدث أو الموضوع ، وأحيانا يكون هذا التكرار ، لنفس السفر كاملا تحت مسميين ، مثل أسفار أخبار الأيام وأخبار الملوك ، مع اختلاف بسيط ، وأحيانا لنفس الفقرة في نفس السفر ، وهذا التكرار يدل على أن نصوص التوراة جُمعت ، على الأقل من مصدرين مختلفين ، وأُخذت النصوص منهما ، وجُمعت في كتاب واحد ، دون تفضيل نص على آخر ، فالحدث الواحد أحيانا يتكرّر مرتين وثلاثة ، دون وجود فارق جوهري في المضمون .
وبعد أن قمت بمطالعة التوراة بشكل مُتكرّر ، تأكدت من هذه الحقيقة ، التي لم يكن قد تنبّه لها الباحثون والناقدون من قبل ، وهي أن التوراة قد جمعت فعلا ، من نسختين مُختلفين ، وأن إحدى النسختين حُرّفت أكثر من الأخرى ، وأن لغة كل منهما تختلف عن الأخرى ، فغالبا ما يكون هناك مُسمّين لنفس الشخص أو المكان ، حتى يخال للقارئ أنها أسماء لشخوص أو أماكن مختلفة ، وكمثال على ذلك إبرام وإبراهيم ، وساراي وسارة ، وصحراء سين وصحراء سيناء ، جبل حوريب وجبل سيناء ، ومملكة يهوذا ومملكة إسرائيل ، والسبي البابلي والسبي الآشوري . وهذا الارتباك الذي وقع فيه مؤلفو التوراة المتأخرون ، أثناء محاولة التوفيق بجمع ما جاء في النسختين ، تسبب في هذا العرض التأريخي المشوّه للوقائع ، مما أفقد التوراة مصداقيتها حتى للكثير من الباحثين اليهود أنفسهم ، ولكل من بحث من علماء التنقيب والآثار . ولكنها بقيت المرجع التاريخي الوحيد لتاريخ بني إسرائيل .
وفي كثير من الأحيان ، تشعر بسخافة كتابها ، من سخافة أفكارها وأخبارها ، وسخافة تبريرها وتعليلها ، كقصة عرق النساء وصراع يعقوب مع الله ، وفبركة قصة نوح وأولاده أعلاه ، ناهيك عن ألفاظها البذيئة ، التي أحيانا تترفع عن كتابتها حتى الروايات الهابطة ، ورائحة اللحوم والدماء ، والخمور والمشاوي والهش والنش … إلى آخره ، وما يربط التوراة بالوحي ، هو ما يظهر في ثناياها من خطوط عريضة ، هي البقية الباقية التي سلمت من أيديهم ، رغما عن أنوفهم ، وهذا لا يعني ألا نقرأ هذا الكتاب ، بل على العكس تماما ، توّجب على المسلمين قراءته ، وقراءة التلمود أيضا منذ أمد بعيد ، وقراءة ما كُتب فيهما من مؤلفات ناقدة ، لمعرفة العقلية التي يفكر بها هؤلاء ، ولمعرفة ما يطمحون إليه ، والحقيقة أني ما كنت لأقرأها ، وأقرأ ما كُتب فيها من مؤلفات عديدة ، لولا هذا البحث .
مملكة شمالية ومملكة جنوبية :
تقول الأسفار التاريخية في التوراة ، بأن مملكة سليمان ، انقسمت بعد موته إلى مملكتين ، جنوبية في القدس واسمها يهوذا ( القدس ) وهي الأصل ، وشمالية واسمها إسرائيل ( نابلس ) وهي المنشقة .
وصف فساد المملكة الشمالية :
يذكر كتبة التوراة ، أن المملكة الشمالية فسدت وأفسدت ، ( ملوك أول :12 :25-33 ) " وحصّن يربعام ( ملك الشمالية ) مدينة شكيم ( نابلس ) ، في جبل أفرايم وأقام فيها ، … ، وبعد المشاورة سبك الملك عجليّ ذهب ، وقال للشعب : إن الذهاب إلى أورشليم للعبادة ، يعرضّكم لمشقة عظيمة ، فها هي آلهتك يا إسرائيل ، التي أخرجتك من ديار مصر " .
وأما إفسادهم حسب ما يروونه هم عن أنفسهم ، فقد جاء في سفر الملوك الثاني ما نصه ، " 17: 9: وارتكب بنو إسرائيل في الخفاء المعاصي ، في حقّ الرب إلههم ، … 11: واقترفوا الموبقات لإغاظة الرب ، عابدين الأصنام التي حذّرهم ونهاهم الربّ عنها ، … 13: قائلا : ارجعوا عن طرقكم الأثيمة ، وأطيعوا وصاياي وفرائضي بمقتضى ، التي أوصيت آبائكم بتطبيقها ، … على لسان عبيدي الأنبياء ، 14: لكنهم أصمّوا آذانهم ، وأغلظوا قلوبهم كآبائهم ، … 16: ونبذوا جميع وصايا الرب ، 17: … ، وتعاطوا العرافة والفأل ( السحر والكهانة ) ، … 22: ولم يعدل الإسرائيليون عن ارتكاب جميع خطايا يربعام ، بل أمعنوا في اقترافها ، 23: فنفى الرب إسرائيل من حضرته ،كما نطق على لسان جميع الأنبياء ، فسبي الإسرائيليون إلى أشور ، إلى هذا اليوم " ( أي اليوم الذي كتبوا فيه هذا النص بعد السبي بمدة طويلة ) .
وصف فساد المملكة الجنوبية :
وأما ما يُنسب من إفساد إلى ملوك المملكة الجنوبية ، فقد جاء في نفس السفر ما نصه ، " 21: 2: وارتكب الشرّ في عينيّ الربّ ، مقترفا رجاسات الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل ، 3: … ، وأقام مذابح البعل ، ونصب تماثيل عشتاروت ( مدينة بابلية ) ، وسجد لكواكب السماء وعبدها ، 6: ولجأ إلى أصحاب الجانّ والعرّافين ، وأوغل في ارتكاب الشرّ ، … 10: ثم قال الرب على لسان عبيده الأنبياء : لأن منسّى ملك يهوذا اقترف جميع هذه الموبقات ، وأضلّ يهوذا … ، 12: … ، ها أنا أجلب شرا على أورشليم ويهوذا ، 13: … ، وأمسح أورشليم كما يّمسح الطبق من بقايا الطعام ، 14: وأنبذ شعبي وأسلمهم إلى أيدي أعدائهم ، فيصبحون غنيمة وأسرى لهم ، 15: لأنهم ارتكبوا الشرّ في عيني ، … 16: وزاد منسّى فسفك دم أبرياء كثيرين ، حتى ملأ أورشليم من أقصاها إلى أقصاها ، فضلا عن خطيئته التي استغوى بها يهوذا ، … " .
وتخبر التوراة أن الحروب استمرت بين المملكتين ، واستعانة المغلوب بالأقوام المجاورة على الآخر ، إلى أن جاء الغزو الآشوري ، وسبى المملكة الشمالية 721 ق.م .
وتتابعَ الملوك الجنوبيون في ارتكاب الشرّ في عينيّ الرب ( حسب قولهم ) ، وفي عهد الملك يهوياقيم ، هاجم نبوخذ نصر ( بختنصر ) مملكة يهوذا وخضعت له ثلاث سنوات ، ثم تمردّ عليه ( يهوياقيم ) ، " 24: 2: فأرسل الرب غزاة من كلدانيين وأراميين وموآبيين وعمّونيين ( سكان العراق والأردن القدماء ) ، للإغارة على مملكة يهوذا وإبادتها ، بموجب ما قضى به الرب ، على لسان عبيده الأنبياء ، 4: وانتقاما للدم البريء الذي سفكه ( منسّى ) ، إذ أنه ملأ أورشليم بدم الأبرياء ، … " .
وفي عهد الملك ( يهوياكين ) " 24: 10: … زحف قادة نبوخذ نصر ملك بابل على أورشليم ، وحاصروا المدينة ، ثم جاء نبوخذ نصر بنفسه وتسلّم زمام القيادة ، فاستسلم ( يهوياكين ) … واستولى على جميع ما في خزائن الهيكل والقصر ، … ، تماما كما قضى الرب ، 14: وسبى نبوخذ نصر أهل أورشليم ، " ( وكما يقولون أنه ولّى ابن عم الملك خلفا له ، وسمّاه صدقيّا ، وبعد سنوات ارتكب صدقيّا الشر في عيني الرب كالعادة ، وتمرّد على ملك بابل ، وآنذاك ) ، " 25: 1: زحف نبوخذ نصر ملك بابل ، بكامل جيشه على أورشليم وحاصرها ، … ، 3: تفاقمت المجاعة في المدينة ، حتى لم يجد أهلها خبزا يأكلونه ، 6: فأسروا الملك ( الذي كان ينوي الهرب ) واقتادوه إلى ملك بابل ، … ، ثمّ قتلوا أبناء صدقيّا على مرأى منه ، وقلعوا عينيه ، وساقوه إلى بابل ، … ، 9: وأحرق الهيكل وقصر الملك وسائر بيوت أورشليم ، وسبى نبوزرادان ( قائد الحرس الملكي ) بقية الشعب … ، 121 ، ولكنه ترك فيها فقراء الأرض المساكين . 13: وحطم الكلدانيون أعمدة النحاس وبركة النحاس … إلى آخره ، ( كل محتويات الهيكل ونقلوها إلى بابل ) ، 18: وسبى رئيس الحرس الملكي ( سرايا رئيس الكهنة وأعوانه وقادة الجيش وندماء الملك ، وفي المجمل هم علية القوم وزمرة الفساد والإفساد في الأرض ) فقتلهم ملك بابل في المعسكر في أرض حماة ( المدينة السورية ) ، وهكذا سُبي شعب يهوذا من أرضه " .
فما أطول باله هذا النبوخذ نصر ، حتى يزحف عليهم مرارا وتكرارا . والحقيقة أنه زحف عليهم مرة واحدة ، وبشكل مفاجئ فأباد مملكتهم ، وما هذا التطويل والتطويل والتكرار ، إلا من صنع أيدي الكتبة ، وما ( يهوياقيم ) و( يهوياكين ) ، إلا تسميتين لنفس الملك الذي حصل في عصره السبي البابلي .
مملكة واحدة وبعث واحد :
ما تقدم من نصوص ، كان من الأسفار ، التي يُسمّونها الأسفار التاريخية ، التي أرخّت لعصر الملوك ، ابتداءً من طالوت وداود وسليمان ، وانتهاءً بيهوياكين الذي وقع السبي البابلي في عصره . والحقيقة أنه لم يكن هناك مملكتين ، ولم يكن هناك سبيين ، وإنما مملكة واحدة وسبي واحد . ولكن نتيجة كتابة التوراة بتلك الطريقة المزدوجة ، أصبحت المملكة مملكتين ، وأصبح الزحف البابلي زحفين ، ولحل الإشكال قولبوه في زمانين مختلفين .
أما إدّعاء انقسام المملكة ، فالقرآن أثبت بطلانه في موضعين ، أولا ؛ ذُكر العلو مرتين كأمة في زمانين مختلفين ، ثانيا ؛ الآية التي تتحدث عن سفكهم دمائهم وإخراجهم أنفسهم ، تؤكد أن ذلك لم يكن انشقاق في الحقيقة ، بل كان ذلك قتل وإخراج وسلب ، لطائفة مستضعفة من قومهم ، وفي الحقيقة ، وقع هذا الفعل ، في سبط الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام ، الذي تُسميه التوراة ( ببنيامين ) ، وما كان بإمكان هؤلاء ، إقامة دولة في أراضي الكنعانيين المجاورة ، التي لجأوا إليها ، وما كانت حروبهم مع المملكة الأم ، إلا ضمن جيوش الكنعانيين وهو الأرجح ، أو كثوّار لاسترداد أسلابهم وديارهم .
وربما أن بعضهم استنجد بالبابليين ، كنوع من الانتقام ، ( بأسهم بينهم شديد ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى ) فاستجابوا لهم ، وربما كان ذلك طمعا في كنوز هيكل سليمان ، والله أعلم . حيث لم يأتي أي ذكر في التاريخ للسبي الآشوري ، لعشرة أسباط ( قبائل ) من المملكة الشمالية ، حسب ما يدّعي مؤلفو التوراة ، حتى أن بعض الباحثون الذين صدّقوا التوراة ، يتساءلون عن كيفية اختفاء تلك القبائل ، التي سُبيت إلى مدينة أشور برمتها ، ومن المرجّح أن اختراع قصة المملكة الثانية وسبيها ، هو أحد مظاهر الإسقاط النفسي ، لمن عوقبوا ، على الذين لم يُعاقبوا ، من أُخرجوا من ديارهم رغم أنوفهم ، تجنبا وتخفيفا للشعور بالألم ، كلما طرأ على مخيلتهم تلك الذكرى الأليمة ، ويحصل هذا عادة على المستوى الشخصي ، فور تعرض الشخص لحادثة مؤلمة ، فيعزو الأخطاء التي تسببت في الحادثة إلى الآخرين .
تحذيرات الأنبياء من الإفساد
جاء التحذير من الاستهانة بنص النبوءة ، ومغبة الإفساد عند العلو ، والتخويف من العقاب ، التي كانت بدايتها نصا في كتاب موسى عليه السلام ، وعلى لسان كل الأنبياء المتعاقبين ، داعين إلى الالتزام بشريعة موسى ، ومحذّرين من تركها ومخالفتها على مدى عمر مملكتهم ، بدءا من سليمان عليه السلام ، وانتهاءً بإشعياء وإرمياء عليهما السلام ، إن كانوا أنبياء .
وهذا هو التحذير الذي جاء على لسان سليمان ، بعد انتهاءه من بناء الهيكل ، الأيام الثاني : " 7: 19: ولكن إن انحرفتم ونبذتم فرائضي التي شرعتها لكم ، وضللتم وراء آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم لها ، 20: فإني أستأصلكم من أرضي التي وهبتها لكم ، وأنبذ هذا الهيكل الذي قدّسته لاسمي ( جعلته قائما لذكري ) ، وأجعله مثلا ومثار هُزءٍ لجميع الأمم ، 21: ويغدو هذا الهيكل الذي كان شامخا ، عبرة يُثير عجب كل من يمرّ به " .
وبالإضافة إلى ما تقدم ، هذا عرض لجزء يسير ، من النصوص الكثيرة والمطوّلة والمكرّرة ، لما جاء في أسفار بعض أنبيائهم ( الكبار ) ، اخترناها لتكتمل معالم الصورة من الجانب الآخر .
تحذيرات إشعياء :
إشعياء هو أول الأنبياء الكبار وهم أربعة ، ويُقال أنه بُعث في فترة ، بلغ فيه إفساد بني إسرائيل الذروة ، قبل وقوع السبي البابلي ، حيث أن سفره ، جاء حافلا بالتقريع والتوبيخ والتحذير والإنذار ، والتذكير بنص النبوءة الذي جاء به موسى ، ويروى أنه من الأنبياء الذين قُتلوا ( التعريف بأصحاب الأسفار من الأنبياء ، مستقاة من مقدمة المترجم لكل سفر ) :
1: 4: ويل للأمة الخاطئة ، الشعب المثقل بالإثم ، ذرية مرتكبي الشرّ ، أبناء الفساد . 10: اسمعوا كلمة الرب يا حكام سدوم ( قرية لوط ) ، … 15: عندما تبسطون نحوي أيديكم أحجب وجهي عنكم ، وإن أكثرتم الصلاة لا أستجيب ، لأن أيديكم مملوءة دما ، 16: اغتسلوا ، تطهّروا ، أزيلوا شرّ أعمالكم من أمام عيني ، كفوا عن اقتراف الإثم ، 17: وتعلّموا الإحسان ، انْشدوا الحقّ ، انصفوا المظلوم ، اقضوا لليتيم ، ودافعوا عن الأرملة ، … 19: إن شئتم وأطعتم ، تتمتعون بخيرات الأرض ، وإن أبيتم وتمرّدتم فالسيف يلتهمكم ، لأنّ فم الربّ قد تكلّم " ( ويستطرد واصفا حال المدينة آنذاك ) ، " 21: … كانت تفيض حقّا ، ويأوي إليها العدل ، فأصبحت وكرا للمجرمين ، 22: صارت فضّتك مزيّفة ، وخمرك مغشوشة بماء ، 23: أصبح رؤساءك عصاة ، وشركاء لصوص ، يُولعون بالرشوة ويسعون وراء الهبات ، لا يدافعون عن اليتيم ، ولا تُرفع إليهم دعوى الأرملة " .
" 3: 8: قد كَبَت ( وقعت ) أورشليم ، انهارت يهوذا ( المملكة ) ، لأنهما أساءتا بالقول والفعل إلى الرب ، وتمرّدتا على سلطانه ، 9: ملامح وجوههم تشهد عليهم ، إذ يجاهرون بخطيئتهم كسدوم ولا يسترونها ، فويل للذين جلبوا على أنفسهم شرّا ، 10: ولكن بشّروا الصدّيقين بالخير ، لأنهم سيتمتعون بثواب أعمالهم ، 11: أمّا الشرّير فويل له وبئس المصير ، 12: … إن قادتكم يُضلّونكم ويقتادونكم في مسالك منحرفة … " .
" 4: 11: ويل لمن … يسعون وراء المُسْكِر … ، 12: يتلهّون في مآدبهم بالعود والرباب والدف والناي والخمر ، غير مكترثين بأعمال الربّ ، … 13: لذلك يُسبى شعبي لأنهم لا يعرفون ، ويموت عُظماؤهم جوعا ، وتهلك العامة عطشا ، … 15: ويُذلّ الإنسان ويُخفض الناس ويُحطُّ كل متشامخ فيها ، ( الذل بعد العلو ) … 18: ويل لمن يجرّون الإثم بحبال الباطل ، … 19: ويقولون ليُسرع ويُعجّل بعقابه حتى نراه ( انظر الآيات 92،99 الإسراء و58،59 الكهف ) ، ليُنفذ مقدّس إسرائيل مآربه فينا ، فندرك حقيقة ما يفعله بنا ، 21: ويل للحكماء في أعين أنفسهم ، والأذكياء في نظر ذواتهم ، … 25: لذلك احتدم غضب الرب ضدّ شعبه ، فمدّ يده عليهم وضربهم ، فارتعشت الجبال ، وأصبحت جثث موتاهم كالقاذورات في الشوارع ، ومع ذلك لم يرتدّ غضبه ، ولم تبرح يده ممدودة بالعقاب ، 26: فيرفع راية لأمم بعيدة ، ويصفر لمن في أطراف الأرض ، فيقبلون مُسرعين ، 27: دون أن يكلّوا أو يتعثروا أو يعتريهم نُعاس أو نوم ، … 28: سهامهم مسنونة ، وقسيّهم مشدودة ، حوافر خيلهم كأنها صوّان ، عجلات مركباتهم مندفعة كالإعصار ، 29: زئيرهم كأنه زئير أسد ، يزمجر وينقض على فريسته ، ويحملها وليس من منقذ ، 30: يُزمجرون … كهدير البحر ، وإن جاس أحدهم في البلاد متفرسا ، لا يرى سوى الظلمة والضيق ، حتى الضوء قد احتجب وراء سحبه .. " .
10: 1: ويل للذين يسنّون شرائع ظلم ، وللكتبة الذين يسجّلون أحكام جور ، 2: ليصدّوا البائسين عن العدل ، ويسلبوا مساكين شعبي حقّهم ، لتكون الأرامل مغنما لهم ، وينهبوا اليتامى ، 3: فماذا تصنعون في يوم العقاب ، عندما تقبل الكارثة من بعيد ! إلى من تلجئون طلبا للعون ؟ وأين تودعون ثروتكم ؟ لم يبقى شيء سوى أن تجثوا بين الأسرى ، وتسقطوا بين القتلى ، … 21: وترجع بقية ذرية يعقوب إلى الرب القدير ، مع أن شعبك يا إسرائيل ، فإن بقية فقط ترجع ، لأن الله قضى بفنائهم ، وقضاؤه عادل " .
" 46: 8: اذكروا هذا واتعظوا ، انقشوه في آذانكم أيها العصاة ، تذكّروا الأمور الغابرة القديمة ، لأني أنا الله وليس إله آخر ، 10: وقد أنبأت بالنهاية منذ البداية ، وأخبرت منذ القدم ، بأمور لم تكن قد حدثت بعد ، قائلا : مقاصدي لا بد أن تتم ، ومشيئتي لا بد أن تتحقق ، 11: أدعوا من المشرق الطائر الجارح ، ومن الأرض البعيدة برجل مشورتي ، قد نطقت بقضائي ، ولا بد أن أُجريه ، … 12: أصغوا إليّ يا غلاظ القلوب ، أيها البعيدون عن البرّ ، 13: لقد جعلت أوان برّي قريبا ، لم يعد بعيدا ، وخلاصي لا يُبطئ …
30: 15-17: لأنه هكذا قال الرب ، قدّوس إسرائيل : إنّ خلاصكم مرهون بالتوبة والركون إليّ ، وقوّتكم في الطمأنينة والثقة بي ، لكنكم أبيتم ذلك ، وقلتم : لا بل نهرب على الخيل ، أنتم حقّا تهربون ، لهذا فإن مطارديكم يُسرعون في تعقّبكم ، يهرب منكم ألف من زجرة واحد ، وتتشتّتون جميعا من زجرة خمسة ، حتى تُتركوا كسارية على رأس جبل …
نلاحظ أن إشعياء يدعوا إلى التوبة والإصلاح ، ويصف ما وصل ببني إسرائيل من إفساد ، ويذّكرهم ويحذّرهم ، ويعيد إلى أذهانهم ، مضمون تلك النبوءة ، التي جاءت في أسفار موسى ، ونصوص إشعياء لم تحمل في طياتها تصريح عن ماهية المبعوثين ، سوى أن الفقرة الأخيرة ، ذكرت جهة مخرج البعث ، وربما يكون ذلك إضافة من مؤلفي التوراة .
تحذيرات ارميا :
ارميا هو ثاني الأنبياء الكبار ، ويُقال أن هذا النبي ، عاش في الفترة ما قبل وما بعد ، التي وقع فيها السبي البابلي ، وكان فحوى رسالته : دعوة قومه إلى التوبة والعودة إلى الله ، والتخلي عن الأوهام ، وتقدير الله حقّ قدره ، فلا ملجأ منه إلا إليه ، ولا يردّ غضبه قوة أو مال أو جاه . وقد وُصف هذا النبي ( بالنبي البكّاء ) ، من كثرة بكاءه على قومه ، بعد وقوع الكارثة التي طالما حذّرهم منها ، فلم يستجيبوا له .
" 7: 2: اسمعوا كلام الرب … 3: قوّموا طرقكم وأعمالكم فأُسكنكم في هذا الموضع ، 4: لا تتكلّوا على أقوال الكذب ( النفاق ) ، 5: لكن إن قوّمتم حقّاً طرقكم وأعمالكم ، وأجريتم قضاءً عادلا فيما بينكم ، 6: إن لم تجوروا على الغريب واليتيم والأرملة ، ولم تسفكوا دما بريئا … وإن لم تضلّوا وراء الأوثان ، 7: عندئذ أُسكنكم في هذا الموضع … إلى الأبد 8: ها أنتم قد اتكلتم على أقوال الكذب ( نافقتم ) ، ولكن من غير جدوى ، 9: أتسرقون وتقتلون وتزنون ، وتحلفون زورا وتبخّرون للبعل ( الصنم ) ، 10: ثم تمثلون في حضرتي …هل أصبح هذا الهيكل ( الذي أُقيم لذكري ) مغارة لصوص ؟! … 20: لذلك يُعلن الرب : ها غضبي وسخطي ينصبّان على هذا الموضع …
" 8: 7: إن اللقلق في السماء يعرف ميعاد هجرته ، وكذلك … ، أمّا شعبي فلا يعرف قضاء الرب ! 8: كيف تدّعون أنكم حكماء ، ولديكم شريعة الرب ، بينما حولها قلم الكتبة المخادع إلى أُكذوبة ؟! سيلحق الخزي بالحكماء ، ويعتريهم الفزع والذهول ، لأنهم رفضوا كلمة الرب ، إذ أي حكمة فيهم ؟! لذلك أُعطي نسائهم لآخرين ، وحقولهم للوارثين القاهرين ، لأنهم جميعهم من صغيرهم إلى كبيرهم مولعون بالربح ، حتى النبي والكاهن يرتكبان الزور في أعمالهما ، ويعالجون جراح شعبي باستخفاف ، قائلين : سلامٌ ، سلامٌ ، في حين لا يوجد سلام ، هل خجلوا عندما ارتكبوا الرجس ؟! كلّا ! لم يخزوا قطّ ، ولم يعرفوا الخجل ، لذلك سيسقطون بين الساقطين ، وحين أُعاقبهم يُطوّح بهم ، يقول الرب " .
" 10: 22: اسمعوا ، ها أخبار تتواتر عن جيش عظيم ، مقبل من الشمال ، ليحوّل مدن يهوذا ، إلى خرائب ومأوى لبنات آوى " .
" 6: 22: انظروا ، ها شعبٌ زاحف من الشمال ، وأمّة عظيمة تهبّ من أقاصي الأرض ، تسلّحتْ بالقوس والرمح ، وهي قاسية لا ترحم ، جلبتها كهدير البحر ، وهي مقبلة على صهوات الخيل ، قد اصطفّت كإنسان واحد ، لمحاربتك يا أورشليم ، سمعنا أخبارهم المرعبة فدبّ الوهن في أيدينا ، وتوّلانا كرب وألم ، كألم امرأة تعاني المخاض ، لا تخرجوا إلى الحقل ، ولا تمشوا في الطريق ، فللعدوّ سيف ، والهول مُحدّق من كل جهة ، فيا أورشليم ارتدي المسوح ، وتمرّغي في الرماد ، ونوحي كمن ينوح على وحيده ، وانتحبي نحيبا مرا ، لأن المُدمِّر ينقض علينا فجأة ، إني أقمتك مُمتَحنا للمعدن ( إقامة مملكتهم كان لامتحانهم ) ، وجعلت شعبي مادةً خام ، لكي تعرف طرقهم وتفحصها ، فكلّهم عصاة متمرّدون ساعون في النميمة ، هم نحاس وحديد ، كلهم فاسدون " .
" 23: 3: وأجمع شتات غنمي من جميع الأراضي ، التي أجليتها إليها ، وأردّها إلى مراعيها ، فتنموا وتتكاثر ، وأُقيم عليها رعاة يتعهّدونها ، فلا يعتريها خوف من بعد ، ولا ترتعد ولا تضل ، ها أيام مقبلة أُقيم فيها لداود ذريّة بِرّ ، ملكا يسود بحكمة ، ويجري في الأرض عدلا وحقّا ، في عهده يتمّ خلاص شعب يهوذا ، ويسكن شعب إسرائيل آمنا " .
" 30: 3: ها أيام مقبلة أردّ فيها سبي شعبي … ، وأعيدهم إلى الأرض التي أعطيتها لآبائهم فيرثونها ، ( ثم يقول ) : سمعنا صراخ رعب ، عم الفزع وانقرض السلام ، … ، ما أرهب ذلك اليوم ، إذ لا مثيل له ، هو زمن ضيق على ذرية يعقوب ، ولكنها ستنجوا ، في ذلك اليوم ، يقول الرب القدير : أُحطّم أنيار أعناقهم وأقطع رُبطَهم ( أي أرفع قيود العبودية والذل عنهم ) فلا يستعبدهم غريب فيما بعد ، بل يعبدون الرب إلههم ، وداود ملكهم الذي أُقيمه عليهم ( شرك بالله ) ، … فيرجع نسل إسرائيل ، ويطمئنُّ ويستريح ، من غير أن يُضايقه أحد ، … ، فأُبيدُ جميع الأمم التي شتَّتكَ بينها ، أمّ أنت فلا أُفنيك أُودّبك بالحق ، ولا أُبرّئك تبرئة كاملة ، … ، ( الخطاب موجّه لأورشليم ) إن جرحك لا شفاء له ، وضربتك لا علاج لها ، إذ لا يوجد من يدافع عن دعواك ، … ، قد نسيك محبّوك ، وأهملوك إهمالا ، لأني ضربتك كما يَضربُ عدوّ ، وعاقبتكِ عقابَ مبغضٍ قاسٍ ، لأن إثمك عظيمٌ وخطاياك متكاثرة ، … ، لهذا أوقعتك بالمحن ، ولكن سيأتي يوم يُفترس فيه جميع مُفترسيك ، ويذهب جميع مضايقيك إلى السبي ، ويصبح ناهبيك منهوبين ، لأني أردّ لك عافيتك وأُبرئ جراحك " .
النصوص الأخيرة أعلاه ، من النصوص المضلّلة ، التي شكّلت قناعات ومعتقدات ، عامّة اليهود حكماءً ومغفلين ، وملخصها أنهم في المرة الثانية ، سيقيمون لهم دولة في أرض الميعاد ، ويُبعث لهم ملكا من نسل داود عليه السلام ، يحكم الأرض كلها بالحق والعدل ، وليس فلسطين فقط ، ففلسطين لا تتسع لأحلامهم وأوهامهم وهلاوسهم وأمانيّهم ، وينعم اليهود تحت حكمه ، بالسلام والأمن إلى الأبد ( فلا بعثا ولا نشورا ) ، ويكون فيها اليهود أسيادا ، وباقي خلق الله عبيدا تحت أقدامهم .
لقد أضاع كتبة التوراة الحقيقة ، وظلموا أجيالهم القادمة من حيث لا يعلمون ، فكذبوا الكذبة وصدّقها أبنائهم ، وأصبحت من صميم معتقداتهم ، فالمعاصرين من اليهود والنصارى ، يتعاملون مع كل نصوص التوراة ، بغثها وسمينها ، على أنها من عند الله ، ولا مجال لتكذيبها .
يقولون أن النص التالي ، هو رسالة من إرمياء إلى المسبيين في بابل ، يُخبرهم فيها أن مقامهم هناك سيكون طويلا ، وينصحهم فيها بأن يُقيموا فيها ويبنوا بيوتا ، ويتزوجوا ويتكاثروا ، وهذا جزء من نصها :
" 29: 10: ولكن بعد انقضاء سبعين سنة عليكم في بابل ، ألتفت إليكم وأفي لكم بوعودي الصالحة ، بردِّكم إلى هذا الموضع ، لأني عرفت ما رسمته لكم ، إنها خطط سلام لا شرّ ، لأمنحكم مستقبلا ورجاء ، … ، وحين تجدونني ، أردُّ سبيكم ، وأجمعكم من بين جميع الأمم ، ومن جميع الأماكن التي شتّتكم إليها ، … " .
في الحقيقة أن كتبة التوراة ، كانوا يعتقدون أن عودتهم الجزئية ، من بابل إلى أورشليم ، بعد (70) سنة من السبي ، في عهد كورش الفارسي كما يُروون ، هي العودة الثانية التي سيتحقق فيها ، النصف الثاني من نبوءة موسى وإشعياء وارميا ، ومنذ ذلك اليوم وهم ينتظرون ، أن يُبعث فيهم ( الملك الإله ) ليُقيم لهم دولة في القدس ، فلم يكن لهم ذلك ، ويروى أن الذين رجعوا من بابل ، أعادوا بناء الهيكل ، مع معارضة المقيمين . وطال انتظارهم ، وبين عاميّ ( 37ق.م – 70م ) أي مائة سنة تقريبا ، حصلوا على حكم ذاتي محدود ( المملكة الهيرودية ، وكان الملك من أصل يهودي آرامي ) ، تحت التاج الروماني ، وفي زمانهم تواجد زكريا ويحيى ، وبُعث إليهم عيسى عليه السلام ، فتآمروا عليه ودفعوه إلى الرومان ، لقتله وصلبه ، حيث كانت سلطة القتل في أيدي الرومان الوثنيون .
وبعد زوال مملكتهم على يد ( نبوخذ نصر ) البابلي عام 586م ، وحتى تشتّتهم النهائي على يد ( هادريان ) الروماني عام 135م ، أُخرج أغلبية اليهود منها ، ولم تقم لليهود في فلسطين قائمة ، وأقصى ما استطاعوا الحصول عليه ، هو ذلك الحكم الذاتي ، في بداية الحكم الروماني لبلاد الشام ، حيث قضى هذا الإمبراطور ، على أي أمل لهم ، في إعادة إقامة دولتهم الثانية ، فكان إنتشارهم في كافة أرجاء العالم .
( ولنكمل النصوص من سفر ارميا ) ، " 31: 8: ها آتي بهم من بلاد الشمال ، وأجمعهم من أقصي أطراف الأرض ، وفيهم الأعمى والأعرج ، الحبلى والماخض ، فيرجع حشد عظيم إلى هنا "
" 31: 27: ها أيام مقبلة ، يقول الرب ، أُكثّر فيها ذرية إسرائيل ويهوذا ، وأُضاعف نتاج بهائمهم أضعافا ، وكما تربّصت بهم لأستأصل ، وأهدم وأنقُض وأُهلك وأُسيء ، كذلك أسهر عليكم لأبنيكم وأغرسكم " .
" 31: 33: سأجعل شريعتي في دواخلهم ، … ، وأكون لهم إلها ويكونون لي شعبا ، لأني سأصفح عن إثمهم ، ولن أذكر خطاياهم من بعد " .
( وهذا محض افتراء وتحريف ، وتتبع هذه الأكذوبة عبارات مبهمة ، ومن ثم تُفاجأ بهذه العبارة التي تقول ) : " عندئذ أَنبذ ذرية إسرائبل من أجل كل ما ارتكبوه " ، ( لتفهم أن العبارات المبهمة ، كانت بدلا من عبارات حذفوها ، وهي عبارات مفادها اشتراط الإحسان للثواب والإفساد للعقاب ) .
"31: 38: ها أيام مقبلة ، يُعاد فيها بناء هذه المدينة للرب ، … ، ولن تستأصل أو تُهدم إلى الأبد " .
بالنظر في قولهم هذا ، وخاصة العبارة الأخيرة ، نجد أن مؤلفي التوراة ، قضوا على أي أمل لليهود ، في الصلاح الإصلاح في دولتهم الحالية ، حيث أنه شرط أساسيّ في استمرار وجودهم ، فمؤدّى هذه العبارة ، أنهم سيقيمون فيها إلى الأبد ، بغض النظر عن إصلاحهم أو إفسادهم فيها ، لتصبح نهاية دولتهم حتمية في الموعد المحدّد ، وقد لاحظت من خلال تتبعي ، لما جاء في المرة الثانية ، أنهم بعد كل عقاب مأساوي يحل بهم ، يبدءون بذكر العودة والجمع من الشتات ، والبركة والكثرة ، ويفيضون فيها وصفا وشرحا ، والنتيجة تكون على الدوام هي ، انتصار ربهم على أعدائهم ومحقهم عن بكرة أبيهم ، وجعل أرضهم صحراء قاحلة ، أما هم فيعشون جنة ونعيما ، ويكون لهم الملك في الأرض إلى الأبد ، بعد أن رضيَ عنهم ربهم ورضوا عنه .
( وانظر إلى هذه النبوءة في المرة الثانية على لسان الرب ) "42: 10: إن أقمتم في هذه الأرض ، فإني أبنيكم ولا أهدمكم ، وأغرسكم ولا أستأصلكم ، لأني أسفت على الشرّ الذي ألحقته بكم ( ربهم يأسف ) ، لا تخشوا ملك بابل ، الذي أنتم منه خائفون ، فإني معكم لأخلصكم وأنجيكم من يده ( بلا قيد أو شرط ) ، وأُنعم عليكم ، فيرحمكم ويردّكم إلى أرضكم " ، ( فربهم يأسف ، ويحضّهم على عدم الخشية من ملك بابل ) .
السبي البابلي :
هذا الحدث المشهور تاريخيا والمعروف ( بالسبي البابلي ) ، هو أول وأقسى وأفظع حدث ، وقع في تاريخ اليهود كأمة ، أثناء تواجدهم في فلسطين ، من حيث الأذى الجسدي والنفسي ، وكان له أبلغ الأثر ، في وجدان وفكر الشعب اليهودي ، وليس أدل على ذلك ، من أن عدد الصفحات ، التي تتطرّق إلى ذكر متعلّقات هذا الحدث ، وتفصّله من جميع جوانبه ، هو (350 – 400) صفحة ، أي ما يُعادل ثلث التوراة . وقد جاء في كتاب ( الاختراق الصهيوني للمسيحية ) للقس إكرام لمعي ، ونقلا عن كتاب ( تاريخ اليهود ) للكاتب ( بول جونسون ) ما نصه : " وفي بابل لم يعامل اليهود معاملة سيئة ، فقد وجدت مخطوطات بجوار عشتاروت – أقدم مدن بابل – وجد فيها قائمة بأسماء المسبيين ، ونشاطهم في بابل ، وكان بها اسم ( يهوياكين ) ملك يهوذا ، وبعض الأسماء الأخرى ، وموضح بها أن اليهود عملوا بالتجارة ، واكتسبوا أموالا كثيرة ، وكانت لهم أوضاعهم المتميزة إلى حدّ ما " . وأما أشور فيشير نفس الكاتب ، إلى عدم وجود أي دليل من ذكر أو أثر ، يؤكد رواية سبيهم إليها .
رواية التلمود عن تدمير الهيكل :
نص منقول عن كتاب ( التلمود تاريخه وتعاليمه ) لظفر الإسلام خان :
" عندما بلغت ذنوب إسرائيل مبلغها ، وفاقت حدود ما يُطيقه الإله العظيم ، وعندما رفضوا أن يُنصتوا لكلمات وتحذيرات ارميا ، ترك النبي أورشليم وسافر إلى بلاد بنيامين ، وطالما كان النبي لا يزال في المدينة المقدّسة ، كان يدعو لها بالرحمة فنجت ، ولكنه عندما هجرها إلى بلاد بنيامين ، دمّر نبوخذ نصر بلاد إسرائيل ، وحطّم الهيكل المقدّس ، ونهب مجوهراته ، وتركه فريسة للنيران الملتهبة ، وكان نبورذدان الذي آثر البقاء في ريبله ( منطقة سورية بالقرب من حماة ) ، قد أرسل نبوخذ نصر لتدمير أورشليم " .
" وقبل أن يبدأ نبوخذ نصر حملته العسكرية ، سعى لمعرفة نتائج الحملة ، بواسطة الإشارات نظرا لذهوله ، فرمى من قوسه نحو المغرب ، فسارت باتجاه أورشليم ، ثم رمى مرة أخرى نحو الشرق ، لكن السهم اتجهت نحو أورشليم ، ثم رمى مرة أخرى ، ليتأكد من محل وقوع المدينة المُذنبة ، التي وجب تطهيرها من الأرض ، وللمرة الثالثة اتجهت سهمه نحو أورشليم ، وبعد أن استولى نبوخذ نصر على المدينة ، توجّه مع أُمرائه وضباط جيشه ، إلى داخل الهيكل ، وصاح ساخرا مخاطبا إله إسرائيل : وهل أنت الإله العظيم الذي يرتعد أمامه العالم ؟ ها نحن في مدينتك ومعبدك ! " .
" ووجد نبوخذ علامة لرأس سهم ، على أحد جدران الهيكل ، كأن أحدا قُتل أو أُصيب بها ، فسأل : من قُتل هنا ؟ فأجاب الشعب : ( زكريا بن يهوياداه ) كبير الكهنة ، لقد كان يُحذّرنا في كل ساعة من حساب اعتداءاتنا ، وقد سئمنا من كلماته ، فانتهينا منه . فذبح جنود نبوخذ نصر سكان أورشليم ، كهنتها وشعبها ، كهولها وشبابها ونسائها وأطفالها ، وعندما شاهد كبير الكهنة هذا المنظر ، ألقى بنفسه بالنار ، التي أشعلها نبوخذ نصر في الهيكل ، وتبعه بقية الكهنة مع عودهم وآلاتهم الموسيقية الأخرى ، ثم ضرب جنود نبوخذ نصر السلاسل الحديدية ، في أيدي باقي الإسرائيليين " .
" ورجع ارميا النبي إلى أورشليم ، وصحب إخوانه البؤساء ، الذين خرجوا عرايا ، وعند وصولهم إلى مدينة ، تُسمى بيت كورو ، هيّأ لهم ملابس جيدة ، وتكلّم مع نبوخذ نصر والكلدانيين ، قائلا لهم : لا تظن ، أنك بقوتك وحدها ، استطعت أن تتغلّب على شعب الرب المُختار ، إنها ذنوبهم الفاجرة ، التي ساقتهم إلى هذا العذاب " .
نجد أن رواية التلمود أكثر وضوحا من رواية التوراة ، حيث أنها لم تذكر مملكتين ، وتؤكد أن اسم المملكة الجنوبية ، المقام فيها الهيكل هو إسرائيل ، وليس يهوذا كما ذُكر في التوراة . وأن من أسقطوا عليهم اسم إسرائيل والمملكة الشمالية ، هم الذين أُخرجوا من ديارهم ، ولم يقع فيهم السبي الآشوري المزعوم ، وبقوا على حالهم خارج حدود المملكة ، حيث يذكر النص التلمودي أن ارميا النبي لجأ إليهم " ترك النبي أورشليم وسافر إلى بلاد بنيامين " . وبنيامين حسب التوراة ، هو الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام ، وهذا يوحي أن الحقد القديم بين الأخوة الآباء ، توارثه الأبناء على مرّ العصور ، وبأن الأسباط الأخرى القوية ، أخرجت سبط بنيامين المستضعف ، عندما سيطرت على مقاليد الحكم ، بعد سليمان عليه السلام . وبالتالي يُثبت هذا النص وقوع السبي البابلي ، وينفي وقوع السبي المسمى بالآشوري . وأن أشور وبابل آنذاك ، تسميتان لمملكة واحدة ، عند كتبة التوراة ، وأن أحد مصادر التوراة ذكر على أنه بابلي ، والأخر ذكره على أنه آشوري ، وأما نبوخذ نصر ، فتجده أحيانا ملكا ، وأحيانا وزيرا أو قائدا للجيش ، أو قائدا للحرس .
مقتطفات من رثاء ارميا لشعبه ولأورشيلم بعد السبي البابلي :
( من كتاب مراثي ارميا في نهاية سفره ) : " 1: كيف أصبحت المدينة الآهلة بالسكان مهجورة وحيدة ؟! هذه التي كانت عظيمة بين الأمم ، صارت كأرملة ! صارت السيدة بين المدن تحت الجزية ! تبكي في الليل بمرارة ، وتنهمر دموعها على خدّيها ، لا مُعزّي لها بين مُحبيها ، غدر بها جميع خلّانها ، وأصبحوا أعداءً لها ، سُبيت يهوذا إلى المنفى ، … ، فأقامت شقية بين الأمم ، … ، تهدّمت جميع أبوابها ، … ، ارتكبت أورشليم خطيئة نكراء فأصبحت نجسة ، … ، لم تذكر آخرتها لهذا كان سقوطها رهيبا ، … ، بدّد الربّ جميع جبابرتي في وسطي ، وألّبَ عليّ حشدا من أعدائي ليسحقوا شُبّاني ، داس الربّ العذراء بنت صهيون ، كما يُداس العنب في المعصرة ، … ، الربّ عادل حقا ، وقد تمرّدت على أمره ، فاستمعوا يا جميع الشعوب ، واشهدوا وجعي ، قد ذهب عذارايَ وشبّاني إلى السبي ، … ، فَنِيَ كهنتي وشيوخي في المدينة ، … ، ها السيف يثكل في الخارج ، ويسود الموت في البيت … " .
" 2: قد هدم الربّ بلا رحمة ، جميع مساكن يعقوب ، … ، وألحق العار بالمملكة وحكّامها ، إذ سوّاها بالأرض ، … ، وتّر قوسه كعدوّ ، نصب يمينه كمُبْغِض ، ذبح بقسوة كلّ عزيز في عيوننا ، … ، وهدم جميع قصورها ودمّر حصونها ، … ، جلس شيوخ ابنة صهيون على الأرض صامتين ، عفّروا رؤوسهم بالرماد ، وارتدوا المسوح ، وطأطأت عذارى أورشليم رؤوسهن إلى الأرض ، كلّت عيناي من البكاء ، … ، نفّذ الرب قضاءه ، وحقق وعيده الذي حكم به منذ الحقب السالفة ، هدم ولم يرأف ، فأشمت بك الخصوم ، وعظّم قوة عدوك ، … ، انظر يا ربّ وتأمّل ، … ، قد انطرح الصبيان والشيوخ في غبار الطرقات ، سقط عذارايَ وشُبّاني بالسيف ، قد قتلتهم في يوم غضبك ، ونحرتهم من غير رحمة … "
" 3: أنا هو الرجل الذي شهد البلية ، التي أنزلها قضيب سخطه ، … ، ولكن هذا ما أُناجي به نفسي ، لذلك يغمرني الرجاء ، من إحسانات الرب ، أننا لم نفنَ ، لأن مراحمه لا تزول ، … ، فلماذا يشتكي الإنسان حين يُعاقب على خطاياه ؟ … ، لنفحص طرقنا ونختبرها ، ونرجع إلى الرب ، لنرفع أيدينا وقلوبنا إلى الله في السماوات ، … "
" 4: … ، لأن عقاب إثم ابنة شعبي ، أعظم من عقاب خطيئة سدوم ، التي انقلبت في لحظة ، من غير أن تمتدّ إليها يد إنسان ، كان نُبلاؤها ، أنقى من الثلج ، وأنصع من اللبن ، أجسادهم أكثر حمرة من المرجان ، وقاماتهم كالياقوت الأزرق ، فأصبحت صورتهم أكثر سوادا من الفحم ، فلم يُعرفوا في الشوارع ، … ، نفث الربّ كامل سخطه ، وصبّ حموّ غضبه ، وأضرم نارا في صهيون ، فالتهمت أُسسها ، … ، عقابا لها على خطايا أنبيائها ، وآثام كهنتها ، الذين سفكوا في وسطها دماء الصدّيقين ، … ، آذنت نهايتنا ، وتمّت أيامنا ، وأزِفت خاتمتنا ، كان مُطاردونا أسرع من نسور السماء ، تعقّبونا على الجبال ، وتربّصوا بنا في الصحراء ، … "
" 5: اذكر يا ربّ ما أصابنا ، انظر وعاين عارنا ، قد تحوّل ميراثنا إلى الغرباء ، وبيوتنا إلى الأجانب ، أصبحنا أيتاما لا أب لنا ، وأمهاتنا كالأرامل ، … ، داس مُضطهدونا أعناقنا ، أُعيينا ولم نجد راحة ، خضعنا باسطين أيدينا إلى أشور ومصر ، لنشبع خبزا ، … ، تسلّط علينا عبيد ، وليس من يُنقذنا من أيديهم ، … ، اغتصبوا النساء في صهيون ، والعذارى في مُدن يهوذا ، عُلّقَ النبلاء من أيديهم ، ولم يوقّروا الشيوخ ( كبار القوم ) . سخّروا الشُبّان للطحن ، وهوى الصبيان تحت الحطب ، هجر الشيوخ ( كبار السن ) بوّابات المدينة ، وكفّ الشبّان عن غنائهم ، انقطع فرح قلوبنا ، وتحوّل رقصنا إلى نوح ، تهاوت أكاليل رؤوسنا ، فويل لنا لأننا قد أخطأنا ، لهذا غُشِي على قلوبنا ، وأظلمت عيوننا ، لأن جبل صهيون أصبح أطلالا ، ترتع فيه الثعالب " .

فلسطين عبر التاريخ
منذ نشأة مملكة اليهود الأولى ، وحتى نشأة دولتهم الثانية
تاريخ ما قبل الميلاد :
طالوت ( شاول ) ملكاً على اليهود . 1020 ق.م
عصر الملك سليمان وبناء الهيكل في القدس . 965 – 928 ق.م
تقسيم دولة إسرائيل الى مملكة إسرائيل ( شمالية ) ويهودا ( جنوبية ) . 928 ق.م
فلسطين تحت الحكم الآشوري . 732 ق.م
فتح الآشوريون لمملكة إسرائيل ، ونهاية مملكة إسرائيل ( الشمالية ) . 721 ق.م
انتصار البابليين بقيادة " نبوخذ نصر" على مملكة يهودا ( في القدس ) ، وتدمير الهيكل ، وترحيل سكانها إلى بابل . 586 ق.م
الاسكندر يهزم الفرس ، وتصبح فلسطين تحت الحكم اليوناني . 333 ق.م
موت الاسكندر يؤدي لتغيير الحكم الى البطالسة ( في مصر ) والسالوقيين ( في سوريا ) . 323 ق.م
بداية حكم البطالسة . 301 ق.م
تمرّد المكابيين ( اليهود ) ضد الحكم السالوقي ، للعمل على إنشاء دولة يهودية مستقلة . 165 ق.م
فلسطين ضمن الإمبراطورية الرومانية ( بعد استيلاء الرومان عليها ) . 63 ق.م
استيلاء الفرس على فلسطين . 40 ق.م
عودة الحكم الروماني الوثني للمنطقة . 38 ق.م
القضاء على المكابيين وابتداء حكم الهرادسة في فلسطين . 37 ق.م
تاريخ ما بعد الميلاد :
تدمير الهيكل الثاني على يد الإمبراطور الروماني ( تيطس أو تايتوس ) . 70م
إخماد ثورة ( باركوبا ) اليهودي ضد الرومان ، وإبعاد بقية اليهود عن القدس ، على يد الإمبراطور ( هادريان ) . 132- 135م
فلسطين تحت الحكم البيزنطي ( نسبة إلى بيزنطة ) . 313 – 638م
( في عام 330م أسّس الإمبراطور قسطنطين ، الذي جعل المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية ، عاصمة جديدة للنصف الشرقي في بيزنطة عُرفت بالقسطنطينية . وفي عام 395م انقسمت الإمبراطورية الرومانية ، إلى قسمين : شرقية عاصمتها بيزنطة ( القسطنطينية ) وغربية وعاصمتها روما ، ومع اتخاذ المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية ، بدأ عصر الاضطهاد المسيحي لليهود ، واستمرّ حتى منتصف القرن الماضي )
العرب المسلمون يفتحون فلسطين ، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب . 638م
فلسطين تحت الحكم الإسلامي ( الأمويون ، العباسيون ، الفاطميون ، السلاجقة ) . 638 - 1099م
الصليبيون يقيمون المملكة اللاتينية في القدس . 1099 - 1187م
صلاح الدين الأيوبي يهزم الصليبيين في معركة حطين . 1187م
فلسطين تحت حكم المماليك بعد هزيمة المغول فى موقعة عين جالوت . 1220م
فلسطين جزء من الإمبراطورية العثمانية وعاصمتها استنبول ( القسطنطينية ) . 1516 - 1917م
تاريخ فلسطين الحديث :
إنشاء أول مستوطنة زراعية صهيونية ( بتاح تكفا ) في فلسطين . 1878م
البارون ( ادموند دورتشلد ) ، يبدأ دعمه المالي للمستوطنات اليهودية . 1882م
أول موجة من 25 ألف مهاجر صهيوني تدخل فلسطين ، وغالبيتهم من أوروبا الشرقية . 1882 – 1903م
ينعقد المؤتمر الصهيوني الاول " في بال بسويسرا " ويصدر " برنامج بال " الذي يدعو إلى إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين ، ويقرر إنشاء ( المنظمة الصهيونية العالمية WZO ) ، للعمل من أجل هذا الهدف . 1897م
إنشاء أول كيبوتز على قاعدة العمل اليهودي ، إنشاء قاعدة تل أبيب شمالي يافا . 1909م
بداية الحرب العالمية الأولى . 1914م
المراسلات بين الشريف حسين (شريف مكة وقائد الثورة العربية ضد العثمانيون ) ، وبين سير هنري مكماهون ( المندوب السامي في مصر ) ، تنتهي إلى اتفاق استقلال ووحدة البلاد العربية ، تحت الحكم العربي بعد انتهاء الحرب . 3/1/1916م
اتفاقية ( سايكس بيكو ) السرية ، لتقسيم البلاد العربية ، التي كانت تحت الحكم العثماني بين بريطانيا وفرنسا . 16/5/1916م
( وقد كشف البلاشفة ( الروس ) النقاب عنها في تشرين أول 1917م )
الشريف حسين يعلن استقلال العرب ، عن الحكم العثماني ، وبداية الثورة العربية . 1916م
وزير الخارجية البريطاني ( بلفور ) ، يتعهد بالدعم البريطاني ، لوطن قومي لليهود في فلسطين . 2/11/1917م
قوات الحلفاء بقيادة الجنرال اللنبي البريطاني تحتل فلسطين . -/9/1917م
نهاية الحرب العالمية الأولى . 30/10/1918م
المجلس الأعلى لمؤتمر السلام سان ريمو يعطي بريطانيا الانتداب على فلسطين . 25/4/1920م
المندوب السامي سير هربرت صموئيل السياسي اليهودي الإنجليزي يدشن " الإدارة المدنية البريطانية " . 1/7/1920م
عصبة الأمم تقرّ الانتداب على فلسطين . 24/7/1921م
بداية الحرب العالمية الثانية . 1/9/1938م
اللجنة الأمريكية – الإنجليزية لتقصي الحقائق ، تصل إلى فلسطين . 6/3/1946م
تقرير اللجنة الأمريكية الإنجليزية يقدر حجم القوات المسلحة اليهودية ( 61 - 69 ) ألف فرد ، ويوصي بقبول 100.000 يهودي في فلسطين ، وفلسطين تضرب احتجاجا . ( هنا تدخل العناية الأمريكية ) . -/5/1946م
لجنة الأمم المتحدة الخاصة تقترح خطة للتقسيم ، والجامعة العربية ترفضها . 8/9/1947 م
بريطانيا تعلن أنها ستغادر فلسطين خلال ستة شهور إذا لم يتم التوصل الى تسوية . 29/10/1947م
الجمعية العامة للأمم المتحدة ، توصي بتقسيم فلسطين بنسبة 56.5% لدولة يهودية ، ونسبة 43% للدولة الفلسطينية ، ومنطقة دولية حول القدس . 29/11/1947م
الجامعة العربية تنظم جيش الإنقاذ العربي ( قوة متطوعين بقيادة فوزي القاوقجي ، لمساعدة الفلسطينيين في مقاومة التقسيم ) . -/12/1947م
بريطانيا توصي الأمم المتحدة ، بإنشاء دولتين يهودية وفلسطينية ، بعد أسبوعين من انتهاء الانتداب . 8/12/1947م
جيش الإنقاذ العربي يشن هجمات ناجحة على المستعمرات الإسرائيلية شمالي بيسان . 16/2/1948م
القاوقجي يدخل فلسطين ويقود وحدات جيش الإنقاذ في مثلث جنين – نابلس- طولكرم . 5-7/3/1948م
الرئيس الأمريكي ( ترومان ) يدعو الى هدنة فورية للقتال . 25/3/1948م
عصابة شتيرن ترتكب مذبحة في دير ياسين بالقرب من القدس تسفر عن مقتل اكثر من 250 شخصاً . 9/4/1948م
قرار لمجلس الأمن يدعو إلى هدنة . 17/4/1948م
نهاية الانتداب البريطاني ، وإعلان الدولة الإسرائيلية من تل أبيب . 15/5/1948م
القوات اللبنانية تعبر الحدود وتستعيد مؤقتا قرى المالكية وقدس من الهاجاناة . 15- 17/5/1948م
القوات الأردنية تعبر نهر الأردن ، وتتحرك صوب القدس ، وتسيطر على الشيخ جراح والحي اليهودي ، في المدينة القديمة . 15- 28/5/1948م
الوحدات العراقية تعبر نهر الأردن ، وتتحرك نحو مثلث نابلس ، جنين ، طولكرم . 15/5 – 4/6/1948م
القوات المصرية تعبر الحدود ، وتتحرك عبر الساحل إلى اسدود . 15/5 – 7/6/19489م
تقدم الطوابير السورية عبر الشمال . 16/5- 10/6/1948م
مجلس الأمن الدولي يعين الكونت ( فولك برنادوت ) كوسيط دولي في فلسطين . 20/5/1948م
قرار مجلس الأمن الدولي ، بوقف إطلاق النار . 22/5/ 1948م
الهدنة الأولى . 11/6- 8/7/1948م
الهدنة الثانية . 18/7- 15/10/1948م
تقرير الوسيط الدولي ( برنادوت ) يقترح تقسيم فلسطين الى دولتين ؛ عربية وإسرائيلية ، مع بقاء القدس منطقة دولية ، وتُرفض من العرب وإسرائيل . 16/9/1948م
اغتيال الوسيط الدولي ( برنادوت ) في القدس ، بواسطة عصابة شتيرن ، ويخلفه نائبه الأمريكي ( رالف باتش ) .
عام 1949م :
توقيع اتفاقيات الهدنة من قبل الدول العربية التي شاركت في حرب 48 باستثناء العراق :
24/2 الهدنة المصرية – الإسرائيلية .
23/3 الهدنة اللبنانية – الإسرائيلية .
3/4 الهدنة الأردنية - الإسرائيلية .
20/5 الهدنة السورية – الإسرائيلية .

المراحل الزمنية في تاريخ اليهود حسب ما جاءت في سورة الإسراء
توضح الآيات من ( 4 – 8 ) من سورة الإسراء ، خمس مراحل زمنية ، من تاريخ بني إسرائيل ، وهي :
• المرحلة الأولى : ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَــابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)
( زمن موسى عليه السلام ، حيث أوحى إليه ربه عز وجل ، فيما أنزل إليه من الكتاب نص هذه النبوءة ، والأرجح أنها أنزلت في فترة التيه قبل أربعين عاما ، من دخولهم الأول للأرض المقدسة ) .
• المرحلة الثانية : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا ………………… …… …… وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)
( منذ نهاية فترة التيه … بدء حرب الملك طالوت ، لدخول الأرض المقدسة …مُلك ونبوّة داود وسليمان عليهما السلام … مُلك مُتوارث بدون نبوّة : فساد وإفساد … حتى السبي البابلي سنة 586 قبل الميلاد ) .
• المرحلة الثالثة : ( … ثُمَّ … (6)
( منذ السبي البابلي … بعث عيسى عليه السلام … نزول سورة الإسراء بنص هذه النبوءة سنة 621م … إلى ما قبل حرب 1948م ) .
• المرحلة الرابعة : ( رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ … … … … … وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)
( منذ قيام دولة إسرائيل ( 15/5/1948م ) … وانتصار الجيش إسرائيلي في حروبه … ووصول الدولة إلى قمة مجدها … حتى نهايتها ) .
• المرحلة الخامسة : ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا … ( 8)
( منذ نهاية إسرائيل … قيام الدولة العربية المتحدة في بلاد الشام والعراق … الحرب العالمية النووية الثالثة … ظهور المهدي … معارك المهدي … قيام الإمبراطورية الإسلامية وعاصمتها القدس … خروج الدجال … نزول عيسى عليه السلام … هروب الدجال وأتباعه إلى فلسطين … قتل الدجال … نطق الحجر والشجر … حتى الذبح النهائي لبني إسرائيل على أرض فلسطين ) .

سورة الإسراء
هذه السورة … شهادة حية لكافة البشر … بأن الله ما زال يدبر الأمر … من فوق سبع سموات … وأن كتابه ما زال ينطق بالحق … بعد مرور أربعة عشر قرنا من الزمان … والخطاب فيها … موجّه بمجمله إلى المسلمين بالدرجة الأولى … والمعاصرين منهم خاصة … ليزيد المؤمنين إيمانا فوق إيمانهم … وليعيد الضالين والمسرفين منهم … إلى رياض الإسلام … ليشملهم برعايته وكرمه … ويتجاوز عن سيئاتهم … فلهم ما سلف من أمرهم … والله غفور رحيم …
وكل ما جاء فيها … تستشعر من وراءه … ظلال بني إسرائيل … وما أحدثوه في هذا العصر … من فساد وإفساد لعقول البشر … وما زرعوه فيها من أفكار ومعتقدات … تهبط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان … يركضون وراء شهواتهم وغرائزهم … لتقلب حياتهم رأسا على عقب … والمسلمون … الذين كانت أرواحهم تعانق السحاب … صارت جثثهم تمشي على الأرض … وأرواحهم تحت التراب … وهكذا شرب دهاقنة المكر والدهاء … نخب وأد الإسلام في جثث المنتسبين إليه حيا … لماذا حيا ؟ … لأن الإسلام لا ولن يموت … ما دام هذا القران ينبض في عروقه …
في البداية … حذّرهم رب العزة وأنذرهم … منذ بدء وجودهم … أعادهم إلى الأرض … فعاثوا فيها فسادا … أصروا واستكبروا استكبارا … فاختار الحل الأمثل لمشكلتهم … إنهاء وجودهم فيها … وها هو قد أعلن حربه عليهم … وعند مجيء الموعد … سينهيها بعزة واقتدار … وما النصر إلا من عند الله … والله عزيز ذو انتقام …
وستبقى الأرض … خاوية على عروشها … تبكي سنين غربتها … في انتظار ورثتها … عباده الذين اصطفى من بطن الغيب … ليخرجوا القران من تابوت العهد … لتعود الروح في الأجساد ثانية … وتسجد للرحمن تائبة … بعد أن أقفرت الأرض من الأحياء … وطال ظلام الليل ولا ضياء …
وفيما تبقى من السورة … يكمل تعالى حربه على معتقداتهم ونمطية أفكارهم … التي زرعوها في تربتنا وارتوت بمياهنا وتنفست من هواءنا … ونمت وترعرعت في أكناف بيوتنا … فتهنا فيها حبا وهياما … وما زلنا ننهل من شهد ثمارها … ولم نشبع بعد … ونطلب المزيد … فتلك هي الجنة … فلنتبوأ منها ما نشاء …
مخاطبته لهم … لم تكن تشريفا لتلك الأفاعي … وإنما جاءت لتذكيرهم … وتنبيههم … وتوبيخهم … وتحذيرهم … وإعادة هذه النبوءة إلى أذهانهم … منّا من الله عليهم … ولئلا يكون لهم حجة … بأن لم يأتهم نذير …
أما أبشع انتقام إلهي … لليهود في فلسطين … سترونه بإذن الله … قريبا جدا … هي أشهر معدودة … وقد بدأ العد التنازلي … ستكون هزة عنيفة … تزلزل الكرة الأرضية … من مشارقها لمغاربها … فهل سيزلزل ما وجدناه مخطوطا في كتابه العزيز … وجدان كل مسلم على وجه البسيطة …
[ نهاية الجزء الأول ]

الجزء الثاني
الفصل الأول :
المؤامرة اليهودية على العالم
الفصل الثاني :
النبوءات التوراتية بين الماضي والمستقبل
الفصل الثالث :
النبوءات الإنجيلية بين الماضي والمستقبل
الفصل الرابع :
الغربيون وهوس النبوءات التوراتية والإنجيلية
الفصل الخامس :
السياسة الأمريكية ونبوءات التوراة والإنجيل
الفصل السادس :
الكتب المقدّسة تأمر اليهود بتدمير أصحاب البعث

المؤامرة اليهودية على العالم
" ويل للمُتآمرين بالسوء ، الذين يحيكون الشرّ ، وهم في مضاجعهم ، الذين يُنفّذون عند طلوع الفجر ، ما خطّطوا له ( في الليل ) ، لأن ذلك في مُتناول أيديهم ، يشتهون حقولا فيغتصبونها ، وبيوتا فيستولون عليها ، يجورون على الرجل ، وعلى بيته ، وعلى الإنسان وميراثه " ( التوراة : سفر ميخا ، 2: 1-2 ) .
" قد باد الصالح من الأرض ، واختفى المُستقيم من الناس ، جميعهم يكمنون لسفك الدماء ، وكل واحد منهم يقتنص أخاه . تَجِدُّ أيديهم في ارتكاب الشرّ ، ويسعى الرئيس والقاضي وراء الرشوة ، ويملي العظيم عليهم أهواء نفسه ، فيتآمرون جميعا على الحقّ . أفضلهم مثل العوسج ، وأكثرهم استقامة مثل سياج الشوك " ( التوراة : سفر ميخا ، 7: 2-3 ) .
هذه النصوص التي تكشف حقيقة اليهود والعقلية التي يفكّرون ، لم تخطّها قلم كاتب عربي أو غربي حاقد ، على اليهود واليهودية ، من المعادين للسامية اليهودية ، وإنما جاءت في التوراة ، كتاب اليهود والنصارى المقدّس . وبالرغم من ذلك ما زال الكثير ، من مفكري وكتاب العرب في هذا العصر الأغبر ، ينكر أن هناك مؤامرة تُحاك ضد كل ما هو مسلم ، وضد كل ما هو عربي ، بل ضد كل ما هو غير يهودي ، ويتهمون كل من يقول بذلك ، بأنه من مؤيدي نظرية المؤامرة ، التي لا أصل لها من الصحة . أما ما نقوله نحن في هؤلاء أحد أمرين ، إما أن يكونوا شركاء في المؤامرة ، ويعملون ما بوسعهم لتجهيل الناس بعلم ، حتى لا يتنبّهوا لأسلحتها ورموزها فيُقاوموها ، وإما أن يكونوا أُناس ، يعيشون على سطح كوكبٍ ، غير الذي نعيش فيه ، يُدلون بدلوهم ليُضلّوا الناس بغير علم .
الديانة اليهودية :
لنعلم أن تسمية القرآن لبني إسرائيل باليهود ، أُطلقت عليهم لقولهم ( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ (156 الأعراف ) ، وذلك بعد اتخاذهم العجل ، بمعنى أنهم أعلنوا التوبة عن فعلهم والرجوع إلى الله ، وفي الحقيقة كان ذلك قولهم بألسنتهم ، وأما قلوبهم فأُشربت وشُغفت بعبادة العجل ، حيث قال سبحانه ( قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93 البقرة ) ، وكان هذا حالهم بمعية نبيهم موسى عليه السلام . ولم يختلف حالهم مع نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، حيث قال فيهم سبحانه ( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ، وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46 النساء ) .
وأما الديانة اليهودية : فهي معتقد ، اختلط فيه شيء ، من بقايا مشوّهة لكتب أنبيائهم ، مع آراء وتفسيرات أحبارهم ، ومعتقدات وأساطير وخرافات الأقوام ، التي عاشوا فيما بينها ، على مرّ العصور ، ومصدر هذه العقيدة في الأصل هو التوراة ، والتي سبق أن قلنا أنها كُتبت بشكلها النهائي ، في القرن الأول الميلادي ، قبل خروجهم النهائي من فلسطين ، وتشتّتهم في كافة أرجاء الأرض .
وفيما بعد السبي البابلي ، قام كهنتهم وأحبارهم ( حكمائهم ) ، بتأليف كُتب جمعوا فيها ، معتقداتهم وآرائهم وشروحهم للتوراة ، وقالوا أنها القانون الشفوي ، الذي لم يأتِ به موسى عليه السلام مكتوبا ، والذي تناقلوه شفاها عبر الأجيال ، وجُمعت هذه المؤلفات فيما سُمّي بالتلمود ، والذي يعتبرونه أكثر قُدسية من التوراة نفسها ، ولديهما تلمودان أحدهما جُمع في فلسطين عام 400 م ، وسُميَ تلمود أورشليم ، والآخر جُمع في بابل عام 500 م ، وسُميَ تلمود بابل ، وهو الأشهر ويقع في 36 مُجلّدا . وقد كان التلمود يُعامل بسرية ، فيما بين اليهود ، وقد تم طبعه في أوروبا ، في القرون الوسطى ، وكلّما أُكتشف أمره في الدول الأوربية ، كان يُصادر ويُجمع ويُحرق ، وكان اكتشافه سببا ، في كثير من حالات الاضطهاد والتعذيب والقتل والنفي لليهود . ومن هذا نخلص إلى أن الديانة اليهودية ، هي ما جاء من معتقدات في التلمود أولا وثانيا وثالثا … ، والتوراة على ما بقي فيها من وحي أخيرا .
ماهية التلمود ومعتقدات اليهود :
قال د. ( جوزيف باركلي ) أحد الباحثين في التلمود : " وبعض أقوال التلمود مغالٍ ( مُبالغ فيه ) ، وبعضها كريه ، وبعضها الآخر كفر . ولكنها تشكّل في صورتها المخلوطة ، أثراً غير عادي ، للجهد الإنساني ، وللعقل الإنساني ، وللحماقة الإنسانية " .
ومما جاء في التلمود من تعاليم ، نعرض بعض المقتطفات التالية ، من كتابيّ ( تعاليم التلمود ) لظفر الإسلام خان ، و( بروتوكولات حكماء صهيون ) لعجاج نويهض :
يقول عجاج نويهض : " هذه الكلمات للعلامة ( بولس حنا مسعد ) ، صاحب كتاب ( همجية التعاليم الصهيونية ) ، ومما قاله المؤلف في مقدمته : " للمسيحي إنجيله يبشّر به العالم ، وللمسلم قرآنه ينشره بين جميع الشعوب ، أما الإسرائيلي فله كتابان ؛ كتاب معروف وهو التوراة ، لا يعمل به ، والآخر مجهول لا يعرفه العالم ( التلمود ) ، يفضّله على الأول ويدرسه خفية ، وهو أساس كل مصيبة . والنصارى يؤمنون بأن الله هو أبو الجميع ، والمسلمين يعترفون بأن الله رب العالمين . أما الصهيونيون يريدون أن يكون الإله ، لهم وحدهم ، زد على ذلك ، أن التلمود ينصّ على أن جميع خيرات الأرض ، ملك لبني إسرائيل ، وأن النصارى والمسلمين وعبدة الأوثان ، خلقوا عبيدا لهم . هم منحدرون من الله ، كما ينحدر الابن من أبيه ، وشعوب الأرض مشتّقة من الأرواح النجسة ، ولم يُعطوا صورة الإنسانية ، إلا إكراما لبني إسرائيل " .
نظرة التلمود لكافة البشر :
المخلوقات نوعان ؛ علوي وسفلي . العالم يسكنه سبعون شعبا بسبعين لغة . إسرائيل صفوة المخلوقات ، واختاره الله ، لكي تكون له السيادة العليا ، على بني البشر جميعا ، سيادة الإنسان على الحيوان المُدجّن . " إن نفوس اليهود منعّم عليها ، بأن تكون جزءا من الله ، فهي تنبثق من جوهر الله ، كما ينبثق الولد من جوهر أبيه " ، و" هذا السبب يجعل نفس اليهودي ، أكثر قبولا عند الله ، وأعظم شأنا عند الله ، من نفوس سائر الشعوب ، لأن هؤلاء تُشتقّ نفوسهم من الشيطان ، وهي مشابهة لنفوس الحيوانات والجماد " .
ولهذا يقول التلمود : " أن زرع ( نطفة ) الرجل غير اليهودي هي زرع حيواني " . و" زرع الأغراب كزرع الحصان " . و" إن غير اليهود كلاب عند اليهود " . و" إن غير اليهودي ، لا يختلف بشيء عن الخنزير البري " . و" إن بيوت غير اليهود زرائب للحيوانات " ، و" قد كُتب على شعوب الأرض : لحومكم من لحوم الحمير ، وزرعكم من زرع الحيوانات " . و" كما أن ربة البيت تعيش من خيرات زوجها ، هكذا أبناء إسرائيل ، يجب أن يعيشوا من خيرات الأمم ، دون أن يتحمّلوا عناء العمل " .
نظرة التلمود إلى العرب ( القدماء ) :
أمة مُحتقرة ، من العار الزواج بعربية ، يعبدون الأصنام ، مرتكبو تسعة أعشار الجرائم في العالم ، صفتهم الغدر وكراهية اليهود ، كانوا قادة تخريب الهيكل مع نبوخذ نصر .
التعامل مع الملل الأخرى :
" إن عبدة الأوثان ، الذين لا يعتنقون الدين اليهودي ، والمسيحيين والمسلمين ، هم في نظر اليهود أعداء الله وأعداء اليهود " . و" يسمح التلمود لأصدقاء الله وأقاربه ، في أن يُضلّوا الأشرار " . و" ممنوع السلام على الكفار " ، ولكنّ " الرياء مسموح به " . و" يُمكنك أن تغشّ الغريب وتدينه بالربا الفاحش " . و" يجب انتزاع قلب النصراني من جسده ، وإهلاك علية القوم منهم " . و" إذا ردّ أحد اليهود إلى الغريب ما أضاعه ، فالرب لا يغفر له أبدا " . و" أُقتل عبدة الأوثان ، ولو كان أكثر الناس كمالا " . و" إذا وقع وثني في حفرة فاسددها عليه بحجر " . و" من يسفك دم الكفار ( غير اليهود ) بيده ، يقدّم قربانا مُرضيا لله " . وإجمالا يقول التلمود : أن من ينتهك الوصايا العشر مع غير اليهود فهو جائز بل واجب .
التجديف على الله :
" اليهود يضعون التلمود فوق التوراة ، والحاخام فوق الله ، والله يقرأ وهو واقف على قدميه ، وما يقوله الحاخام يفعله الله ، إن تعاليم اللاهوتيين في التلمود ، لهي أطيب من كلام الشريعة ( كلام الله ) ، والخطايا المُقترفة ضد التلمود ، لهي أعظم من المقترفة ضد التوراة " . و" إن الرباني مناحيم يُطلعنا بالاتفاق مع كثير من العلماء ، على أن الله يأخذ رأي الربانيين على الأرض ، في المشاكل التي تنشأ في السماء " . و" إن كلمات الربانيين أشدّ عذوبة من كلمات الأنبياء … وذلك لأن كلماتهم هي كلمات الله " .
و" إن الله قد تاب عن تركه بني إسرائيل ، يرتطمون في الشقاء ، كمن يتوب عن إثم شخصي ، … " . و" أن الله عندما يُقسم في كل مرة ، بدون مُبرّر معقول ، فمن اللازم أن يحلّ قسمه بقسم آخر نظيره ، … " . و" أن الله قد أقسم بغير عدل ، وارتكب خطيئة الكذب ، لكي يلقي السلام والوئام ، بين سارة وإبراهيم " . و" أن اليهود أحبّ إلى الله من الملائكة ، فالذي يصفع اليهودي ، كمن يصفع العناية الإلهية سواء بسواء ، وهذا يُفسر لنا ، استحقاق الوثني وغير اليهودي الموت ، إذا ضرب يهوديا " . و" وإذا أراد الرجل أن يقترف ذنبا ، فعليه أن يذهب إلى مكان ، هو مجهول فيه ، لئلا يُهين الله علانية " .
الملائكة :
" إن عمل الملائكة الرئيسي ، سكب النوم على عيون البشر ، وحراستهم في الليل ، أما في النهار فإنهم يُصلّون عن البشر ، ولذلك ، يجب أن نلتجئ إليهم " .
الأنبياء :
" أن إبراهيم أكل 74 رجلا ، وشرب دمائهم دفعة واحدة ، ولذلك كان له قوة 74 رجلا " . وصفوا عيسى عليه السلام بالأحمق والمجذوم و" غشاش بني إسرائيل " ، واتهموا أمه بالزنا ، وتلاميذه بالملحدين ، والإنجيل بالكتاب المملوء بالإثم .
التنجيم :
يعتقد التلمود اعتقادا جازما ، بأن التنجيم علم يتحكم بحياة الناس ، ومن أقوالهم : " إن تأثير النجوم تجعل الرجل ذكيا ، وبنو إسرائيل تحت تأثير النجوم " ، " إن كسوف الشمس آية سوء للشعوب ، وخسوف القمر آية سوء لبني إسرائيل ، لأن إسرائيل تعتمد في بقائها على القمر " .
السحر :
والتلمود مليء بطقوس السحر والشعوذة والعرافة ، وطرق الاتصال بالجنّ ، وفيه أن الأرواح الشريرة والشياطين والجنيات ، من ذرية آدم . وأنهم يطيرون في كل اتجاه ، وهم يعرفون أحوال المستقبل ، باستراق السمع ، وهم يأكلون ويشربون ويتكاثرون مثل الإنسان ، ويجوز للناس استشارة الشيطان ، في آخر أيام الأسبوع .
الروح والبعث والجزاء :
لهم فيها أقوال شتى ، " تنتقل نفس اليهودي بعد موته إلى جسد آخر ، وعندما يلفظ المتقدم في السن أنفاسه ، تسرع نفسه إلى جنين في بطن أمه " . ومنها ؛ أن اليهودي الذين يقتل يهوديا " تدخل روحه في الحيوانات والنباتات ، ثم تذهب إلى الجحيم ، وتعذّب عذابا أليما ، مدة اثنيّ عشر شهرا ، ثم تعود ثانية لتدخل في الجمادات ، ثم في الحيوانات ، ثم في الوثنيين ، حتى ترجع إلى جسد يهودي بعد تطهيرها " . ويقولون أن الجنة ، ليس فيها أكل أو شرب ، أو زواج أو تناسل … ، وإنما يجلس الصالح فيها بوقار وسكينة ، ويقولون أن نار جهنم لا سلطان لها ، على مُذنبي بني إسرائيل ، ولا سلطان لها على تلامذة الحكماء .
ويقولون أنه لا حساب بعد انفصال الروح عن الجسد . ويقولون " المشروبات السماوية هي الخمور الفاخرة ، المعتّقة المحفوظة من يوم الخليقة السادس ، وهذه الجنّة اللذيذة ، لا يدخلها إلا اليهود الصالحون ، أما الباقون فيُزجّون في نار جهنم " . و" … ، ويأتي المسلمون بعد النصارى ، لأنهم لا يغسلون ، سوى أيديهم وأرجلهم وأفخاذهم وعوراتهم ، كل هؤلاء ، يُحشرون حشرا في جهنم ، ولا يغادرونها أبدا " .
التطلع الدائم للملك :
" إن المسيح ( الذي ينتظرون ظهوره ) يُعيد قضيب المُلك إلى إسرائيل ، فتخدمه الشعوب وتخضع له الممالك " ، " ولا يأتي ما لم ينقرض مُلك الشعوب غير اليهودية " ، " ذلك أن إسرائيل إذا كان صالحا ، يجب عليه أن يعمل بغير هوادة ، في العمل على أن ينبذ المتسلّطين ( الحكام ) على الشعوب نبذ النواة ، لأن السلطة على الشعوب غير اليهودية ، هي من نصيب اليهود فقط ، وفي كل مكان يدخله اليهود ، يجب أن يكونوا هم المتسلّطين ، وطالما هم بعيدون ، عن تحقيق هذه الفكرة ، فيعتبرون أنفسهم منفيين وغرباء " .
( وهذا المقتطفات جزء يسير ، مما تحصّل لدينا لما جاء في التلمود ، من أفكار وأقوال لحاخامات اليهود ) .
قال تعالى ( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) يأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52 النساء ) .
المؤامرة اليهودية :
هي شجرة شيطانية ، لا تراها فوق أنفك ، ولا ترى رسمها فوق السطور ، بذورها التوراة ، وجذورها التلمود ، وجذعها بروتوكولات الحكماء ، وفروعها الهيئات والمنظمات الدولية ، وأوراقها كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة ، وثمارها الإلحاد والانحلال . أُنتجت بذورها في ألمانيا ، ونقلت وزُرعت في بريطانيا وسُقيت بماء الذهب ، وأضيف إليها سماد الشهوة ، ولما استقام عودها ، نُقلت وغُرست في أمريكا ، ذات الأراضي الخصبة ، لمثل هذا النوع من الأشجار ، فاشتدّ عودها وارتفع ، حتى بلغ عنان السماء ، وامتدت جذورها إلى شتى بقاع الأرض ، وبدأنا نقطف شيئا من بواكير ثمارها ، وعندما ينضب ماء الذهب من الأرض ، ستعلن حربها المدمّرة على العالم ، لنقطف الفوج الثاني من ثمار الفقر والمجاعة والمرض ، ولا علاج . آنذاك يأتي يوم الحصاد ، قيام مملكة داود الدكتاتورية العالمية الأبدية ، في قدس الأقداس ، ليُنصّب العجل الذهبي ، إله أوحدا لكل البشر ، على أطلال المسجد الأقصى .
المؤامرة الأولى في تاريخ بني إسرائيل
قال تعالى ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءَايَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)
سورة يوسف وبالرغم من تسميتها باسمه عليه السلام ، تحكي في الواقع ، قصة أُخوة يوسف ، وتروي تفاصيل أول مؤامرة ، حاكها ونفذها بنوا إسرائيل ( يعقوب ) بدم بارد ، ضد أبيهم وأخيهم يوسف عليهما السلام ، أحبّهم إلى قلب أبيه ، وبوحشية منقطعة النظير ، وقوله تعالى ( في يوسف وأخوته آيات للسائلين ) ، يؤكد أن موضوع السورة ، هو ما قام به أخوة يوسف من أفعال ، تدلّ على عدم إيمانهم بالله وما جاء به أنبياءه ، من علم وموعظة وحكمة ، من آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وأنهم لما كادوا ليوسف ما كادوه ، كانوا قد أغفلوا كليا ، وجود الله سبحانه وتعالى ، وأنكروا قدرته على التدخل بمجريات الأمور ، وقلب نتائج ما يُخطّطون له رأسا على عقب ، وأنكروا أيضا نبوة أبيهم يعقوب عليه السلام .
أخوة يوسف ليسوا أنبياء :
جاء في تفسير القرطبي رحمه الله للآية التالية ( قَالَ يَبُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) ما نصه : " ودل أيضا على أن يعقوب عليه السلام ، كان أحس من بنيه حسد يوسف وبغضه ، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم ، خوف أن تغلَّ بذلك صدورهم ، فيعملوا الحيلة في هلاكه ، ومن هذا ، ومن فعلهم بيوسف ، يدل على أنهم كانوا غير أنبياء ، في ذلك الوقت ( ولم يكونوا أنبياء في غير ذلك الوقت أيضا ) ، ووقع في كتاب الطبري لابن زيد ، أنهم كانوا أنبياء ، وهذا يردّه القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي ، وعن عقوق الآباء ، وتعريض مؤمن للهلاك ، والتآمر في قتله ، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء ، ولا يستحيل في العقل زلة نبي ، إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر ، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها ، وإنما اختلفوا في الصغائر " .
لفظ سبط يُطلق على الأحفاد وليس على الأبناء :
وفي لسان العرب " وقيل السبط واحد الأسباط ، وهو ولد الولد ، وقال ابن سيده : السبط ولد الابن والابنة ، وفي الحديث ، الحسن والحسين ، سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضي عنهما ، ومعناه طائفتان وقطعتان منه ، ومنه حديث الضباب ، إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل ، فمسخهم دواب ، والسبط من اليهود كالقبيلة من العرب ، وهم الذين يرجعون إلى أب واحد سُمّي سبطا ، ليفرق بين ولد إسماعيل وولد إسحاق ، وجمعه أسباط . قالوا والصحيح أن الأسباط ، في ولد إسحاق بن إبراهيم ، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهم السلام ، وإنما سمي هؤلاء بالأسباط ، وهؤلاء بالقبائل ، ليفصل بين ولد إسماعيل ، وولد إسحاق عليهما السلام . وجاء أيضا أن السبط لغة ، هو نبات ذو ساق طويلة مفردة عليها أوراق دقيقة ، تعلفه الإبل " .
وبالتالي نستطيع القول ، بأن لفظ الأسباط ، أُطلق على أحفاد يعقوب عليهم السلام ، وليس على أبنائه الاثني عشر ، بل يتعدى ذلك إلى كل نسل بني إسرائيل ، حتى يومنا هذا ، وأمّا قوله تعالى ( وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ (136 البقرة ) ، المقصود هنا الأنبياء من الأحفاد على مرّ العصور ، ومنهم يوسف وموسى وداود وسليمان ، وزكريا ويحيى وعيسى ، ومن كُذّب وقُتل من أنبياء بني إسرائيل ، وهم كثير ، ممن لم تُذكر أسمائهم . والوحيد من أبناء يعقوب الاثني عشر ، الذي نصّ القرآن على نبوّته هو يوسف عليه السلام ، بدلالة قوله تعالى ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84 الأنعام ) وقوله ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا (34 غافر ) ، بالإضافة إلى ما جاء من آيات في سورة يوسف .
وانظر في قوله تعالى ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا (160 الأعراف ) ، وقوله تعالى ( أسباطا أمما ) أي تم فرزهم حسب انتساب كل فرد منهم ، إلى أحد أبناء يعقوب عليه السلام ، فنتج بالتالي اثنتي عشرة أمة ، وكل أمة أُطلق عليها لفظ سبط ، وسُمي كل سبط باسم أحد أبناء يعقوب ، وعلى ذلك يُطلق لفظ سبط على مجموعة من الأفراد ، يجمعهم انتسابهم إلى أب واحد ، فيقال سبط يوسف أي قبيلة يوسف .
فصول المؤامرة الأولى :
( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ، وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8)
1. قام أبناء يعقوب بعقد اجتماع سري ، بعيدا عن المعنيين بالأمر ( يعقوب ويوسف وأخيه )
2. كانت المشكلة مدار البحث حب أبيهم ليوسف وأخيه ، والدافع هو الحسد وحب التملّك .
3. كان هناك إقرار بالإجماع ، أنّ أبيهم يعقوب نبيّ الله ضالّ ، وضلاله واضح لا لُبس فيه .
4. كانوا يؤمنون بالقوة المتحصّلة من الكثرة ( فهم عشرة أشقّاء كبار مقابل اثنان صغار ) .
5. جمعتهم وحدة الغاية والمصلحة .
( اقْتُلُوا يُوسُفَ ، أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ، يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)
1. الطرح الأول كان القتل أي حتمية الهلاك .
2. الطرح الثاني كان النفي إلى أرض بعيدة مع احتمالية الهلاك .
3. كانت الغاية الاستفراد بحبّ أبيهم .
4. الإقرار بعدم مشروعية عملهم وفساده ، وذلك قبل شروعهم بالتنفيذ .
5. تبييت نية بالتوبة والصلاح ، قبل ارتكاب الجريمة ، وهذا منطق أعوج لا يقبله ربّ ولا عبد .
6. إغفالهم للعناية الإلهية المُدّخرة في علم الغيب ، والتي تتدخل في الوقت المناسب لتسيير الأمور .
( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ، لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ، وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ، يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ، إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)
1. كان أصلحهم فاسدا ، حيث وافقهم على فعل المنكر مع تخفيف الضرر .
2. كان هناك إصرار لدى الأغلبية .
3. كان القرار النهائي أخف الضرر : إلقاء يوسف في بئر مع توافر احتمالية الهلاك ، فيما لو لم يلتقطه أحد .
4. عدم الاكتراث بنبوة أبيهم ، وما كان يتنزّل عليه من الوحي .
5. غفلة وعمى بصر وبصيرة واتباع للهوى ، فليس فيهم ذو رأي سديد ، ولا حتى شيطان أخرس .
6. جهل بعواقب الأمور ، كالأثر النفسي والمعنوي البالغ ، على من يطمحون بالاستفراد بحبه ، وبالتالي عدم تحقق مرادهم .
7. تبييت النية للقيام بالفعل عندما تحين الفرصة .
( قَالُوا يَأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ، وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ، وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ، وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ، إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ ، وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)
1. لم يكن يعقوب في العادة يأمنهم على يوسف وأخوه ، لمعرفته بعدم صلاحهم .
2. لم ينتظروا الفرصة للتنفيذ ، بل سعوا إلى خلقها وإيجادها ، باستخدام الحيلة والمكر والدهاء .
3. تجاهلوا تأكيد أبيهم لهم ، بأن غيبة يوسف عن وجهه ، ولو لفترة بسيطة تسبب له الحزن . فكيف إذا كان ذلك أبديا ؟! وكانت تلك محاولة منه عليه السلام ، لإحياء ضمائرهم لعلّهم يرجعون ، ولكنهم لم يشعروا بذلك فكان كما أخبره سبحانه .
4. كان أبوهم عليه السلام على علم بمخطّطهم قبل التنفيذ ، وقد أخبرهم بما كانوا قد خطّطوه مسبقا بشأن الذئب ، لكن ذلك لم يُثنهم عن عزمهم .
5. قرار التنفيذ اتُخذ بالإجماع .
6. تم إخفاء النوايا الإجرامية اتجاه يوسف ، تحت غطاء من الحرص على ترفيهه ، لإقناع أبيهم بالاستجابة لمطلبهم .
( وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ، وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ، وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ، وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)
1. الاستخفاف بأبيهم واستضعافه لكبر سنّه .
2. التضليل واختلاق وفبركة الشواهد والأدلة ، لتبرئة أنفسهم وإدانة الذئب .
3. الجرأة في الكذب على نبيّ الله مع علمهم بذلك .
4. يقين يعقوب عليه السلام من كذبهم وتجنّيهم على الذئب .
5. ومما أحزنه عليه السلام ، هو ما كان عليه أبناءه من قلة إيمانهم ، وعقوقهم له ، وظلم لأخيهم ، وفسادهم وإفسادهم ، وصفات وطبائع غاية في السوء ، لا تليق بالأنبياء أو بأبناء أنبياء يتنزّل الوحي بين ظهرانيهم ، وفي المقابل لم يملك عليه السلام إلا الصبر والرجاء ، وطلب العون من الله لمجابهتم .
( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ، ءَاوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ ، قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ ، فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) … ( قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ ، فَقدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ، فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ، قَالَ : أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)
بعد أن مرّت سنين على تلك الحادثة ، وأصبح يوسف وزيرا لمالية فرعون ، وقدِمَ أخوته إليه في مصر ، احتال عليهم ليأمن منهم على أخيه ، ويرفع عنه ما كان قد وقع عليه من ظلم وكيد .
1. كان يوسف عليه السلام على علم ، بما كانوا يكيدون لأخيه ، عن طريق الوحي أو القياس .
2. عدم توبتهم عما فعلوه سابقا ، وبقائهم على نفس الحال .
3. خيانة يوسف بالغيب ، بعد كل هذه السنين ، واتهامه زورا وبهتانا بالسرقة ، فيوسف من عباد الله المخلصين ، وما كان له أن يسرق .
4. تأكيد يوسف على فسادهم وإفسادهم ، بما حدّث به نفسه ، حيث لم يجهر نبي الله بقوله ( أو بحكمه عليهم ) أنهم أسوء حالا ممن يسرق ، ( قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ) فما فعلوه معه لا يُقارن بخطيئة السرقة ، التي اتهموه بها ، والتي أقرّوا بأنها أحد أشكال الإفساد في الأرض ( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73 يوسف ) .
( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَبَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
1. عدم اكتراثهم بسوء حال يعقوب عليه السلام ، ومدى ما نزل به من أذى نفسي وجسدي .
2. قسوة قلوبهم باستنكارهم حزن أبيهم على يوسف .
3. يعقوب يقطع الرجاء من أبنائه ، ويشكو قسوة أبنائه ، وضعفه وقلة حيلته في مواجهة أفعالهم إلى الله .
4. لم يعترفوا لأبيهم بحقيقة فعلتهم مع يوسف ، مع علمهم ومعرفتهم ومعايشتهم لحال أبيهم ، وما وصلت إليه من سوء .
5. كان يعقوب على يقين من نجاة يوسف ، وكذب أبنائه عليه .
هنا تتضح مفارقة عجيبة ، توضح الكثير من معالم الشخصية اليهودية الإسرائيلية القديمة الحديثة ، فهم يعلمون علم اليقين ، أن يوسف ذهب إلى غير رجعة ، وأنه قُتل على الأرجح ، ولم يعترفوا لأبيهم بحقيقة ما فعلوا ، وظلّوا مصرّين على حكاية الذئب ، فلا ضمير يؤنبهم ، ولا قلب يشعر مع أبيهم . وأبيهم يعلم علم اليقين من ربه ، أن يوسف على قيد الحياة ، وأنه نبي وسيكون له شأن كبير مستقبلا ، إذ كان عالما بتأويل رؤيا يوسف السابقة ، وأن أخوته سيسجدون له لعلو منزلته ، وهذا ما كان يُصبّره عليه السلام حين قال ( فصبر جميل ) ، أما ما كان يؤلمه عليه السلام ، هو إصرار أبنائه على ما هم عليه واستمرارهم ، وعدم التوبة والرجوع إلى الله .
( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) … ( وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) … ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)
1. هنا يتضح خلق الأنبياء وأدبهم ، في يوسف عليه السلام ، حيث قابلَ السيئة بالحسنة ، ونسب خطيئة أخوته إلى الشيطان .
2. معطيات المعادلة كانت : جمع واجتماع + قرار بالإجماع + تنفيذ بمكر ودهاء = مؤامرة .
3. أخوة يوسف لم يكونوا أنبياء بأي حال من الأحوال .
انظر إلى الآيتين (102-103) التي جاءت تعقيبا على قصة يعقوب عليه السلام مع أبنائه ، لتقول أن هذا هو حال نبي الله يعقوب مع أبنائه ، الذين لم يكونوا على الأقل مؤمنين بنبوة أبيهم ، إن لم يكونوا أصلا غير مؤمنين بالله ، فما بالك في عدم إيمان قومك بنبوتك ودعوتك ، وهم ليسوا بأبنائك ، فلا تكن شديد الحرص ، على من لا أمل في هدايته بعدما أضلّه الله ، ولكن أُدعُ الناس ، وفوّض أمر هدايتهم لله ، كما فوّض يعقوب عليه السلام ، أمره إلى الله فيما كان من شأن أبنائه . أما من يستنكر فكرة أنهم غير أنبياء ، والله أعلم بحالهم ، فليرجع إلى القرآن وليقرأ قصة نوح عليه السلام مع ابنه ، وقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه ، وقصة أبو لهب عم رسول الله عليه الصلاة والسلام .
ما تقدّم من أمر أخوة يوسف عليه ، ليس بحاجة لزيادة أو توضيح أو تعليق ، فهذا ما جاء به القرآن الكريم ، وكان هذا أول فسادهم وإفسادهم في الأرض ، الذي كان موجّها ضد أخيهم وأبيهم . ومنذ ذلك اليوم ، احترف بنو إسرائيل فنون التآمر ، ومارسوه أولا فيما بينهم ، منذ نشأتهم وحتى نهاية مملكتهم الأولى في فلسطين . وبعد السبي البابلي ، وشتاتهم في شتى بقاع الأرض ، أصبح بعضا من تآمرهم ، يُحاك ضد الشعوب التي يقيمون فيما بينها . وكان تطلّعهم دائما وأبدا إلى الملك والقوة والغنى والأفضلية ، وكانت غايتهم على الدوام ، جمع المال بطرق غير مشروعة ، من ربا ونصب واحتيال ، والتقرب من أصحاب السلطة والنفوذ بالإغواء والإغراء ، للتلاعب بهم وتحريكهم من وراء الستار ، لإيقاع الفتن والحروب بين الشعوب ، لضمان السيطرة لتلبية مصالحهم واحتياجاتهم ، ولذلك تجدهم يجتمعون ويُخطّطون ويعملون باستمرار بلا كلل أو ملل ، وتاريخهم قديما وحديثا غني بالأمثلة والشواهد .
اليهود والمُلك المادي
ملك يوسف عليه السلام :
كانت نشأة بني إسرائيل كقبيلة بدوية ، تعيش ضمن قبائل البدو ، في صحراء النقب ، وكان أول عهد لهم بالمُلك ، في زمن يوسف عليه السلام ، تحت التاج الفرعوني في مصر ، حيث وفّر لهم الُملك آنذاك حياة هانئة رغيدة ، وأزال عنهم بؤس وشقاء حياة البدواة ، ولما زال ملك يوسف عليه السلام بوفاته ، انقلب حالهم رأسا على عقب ، فقاسوا شتى أنواع العذاب والمهانة ، ومنذ ذلك اليوم ترسخّت لديهم قناعة بأن الملك والغنى يعني السعادة ، وزوالهما يعني الشقاء .
رفض نبوة موسى عليه السلام :
وعندما بعث سبحانه لهم موسى عليه السلام ، لم يستجيبوا له ، فهم لا ينتظرون من يدعوهم إلى الله ، ولا يؤمنون بما هو غيبي وغير محسوس ، دين فيه إله غير مرئي ، يمنح جنة غير مرئية ، والحصول عليها مشروط بالصلاح والإصلاح ، بعد عمر طويل ، وبعد موت وبعث وحساب ، وإنما يؤمنون بمن يمنحهم ، ملكا مجانيا دنيويا ماديا ، عاجلا لا آجلا ، يكون في متناول اليد ، بلا جهد أو عناء منهم لتحصيله ، ولا مانع لديهم بعد ذلك ، أن يكون لهم إله ، بشرط أن يكون محسوسا ، ويوافق أهوائهم ، كالعجل الذهبي الذي صنعه لهم السامري ، فسارعوا لعبادته ، لذلك عانى منهم عليه السلام ما عاناه ، في رحلته معهم من مصر ، إلى الأرض المقدّسة .
طلب المُلك بدعوى الرغبة في القتال :
وبعد موته عليه السلام ، وبعد انقضاء سنوات التحريم الأربعين ، لم يطلبوا من نبيهم قيادتهم للقتال ، لدخول الأرض المقدسة ، وإنما طلبوا منه أن يبعث الله لهم مَلِكا ، وذلك طمعا في المُلْك ، وليس للقتال في سبيل الله كما زعموا ، إذ أنهم بعد أن كُتب عليهم القتال ، تولوا إلا قليل منهم ، وبالرغم من ذلك منّ الله عليهم بالملك ، فكانت مملكتهم الأولى في الأرض المقدسة ، بقيادة داود وسليمان ، الذين لم يكن لبني إسرائيل معهما حول ولا قوة ، إذ لم يستطع مترفوهم وفسقتهم ، من الوصول والتغلغل والتدخل في شؤون الحكم ، لاجتماع الملك والنبوة فيهما عليهما السلام ، بل لعنهم داود آنذاك ، كما لعنهم عيسى عليه السلام من بعد .
مُلكاً لا نبوة فيه :
وبعد أن توفّى الله سليمان ، وخرجت النبوة من الملك ، كان لهم ما أرادوا – امتحانا لهم وابتلاء منه عزّ وجلّ – فأفسدوا فيها أيّما إفساد ، فوقع منهم القتل في الأنبياء والصالحين والمستضعفين ، وإخراج بني جلدتهم من أرضهم ، وسلب ونهب ممتلكاتهم ، وعصيان أوامر الله ، والاعتداء على حدوده ، بمخالفتهم الوصايا العشر برمتها ، بما فيها الشرك بالله باتخاذ الأصنام والشياطين والملائكة ، أولياء من دونه ، فأزال الله عنهم المُلك عقابا لهم ، على يد نبوخذ نصر البابلي وجيوشه ، وكان فيهم السبي والإخراج من الأرض المقدّسة ، لقسم كبير منهم ، ومع علمهم بفسادهم وعقاب الله لهم ببعث البابليين عليهم ، إلا أنهم عاتبون وغاضبون على الله ، لأنه أخطأ في حقهم - حسب اعتقادهم – بإنزال عقاب أولى الإفسادتين فيهم ، ويعتبرون وعده لهم برجوعهم من الشتات للإفساد الثاني ، هو تصحيح للخطأ الأول . بالإضافة إلى ذلك تجدهم ، يصبّون جام غضبهم على بابل والبابليين ، وكأن بعث البابليين على شعب الله المختار ، كان من تلقاء أنفسهم ، ودون وجه حق ، ولم يكن هذا البعث من قبله سبحانه . فقد جاء في سفر إشعياء " 52: 3: قد تمّ بيعكم مجّانا ، ومجّانا من غير فضة تُفدَوْن ( أي يُعادون إلى فلسطين ) ، قد نزل شعبي أولا إلى مصر ليتغرّب هناك ، ثم جار عليه الآشوريون بلا سبب " .
عيسى عليه السلام لم يوافق أهواءهم :
ومع بقاء بعضهم في الأرض المقدسة ، من الذين كانوا قد أخرجوا من المملكة من المستضعفين ، وعودة بعض المسبيين من بابل ، بعد مدة من الزمن ، حيث لم يكن لهم فيها من أمرهم شيئا ، كانت أعينهم تتطلع إلى المُلك من جديد ، حيث كانوا يظنّون أن علوهم الثاني ، سيكون بعد عودتهم من بابل مباشرة ، إذ كانت لديهم عدة نبوءات ، الأولى بعيسى عليه السلام الذي سيُبعث من جبال ساعير ( القدس ) ، فانتظروه ليقيم لهم ملكهم الثاني ، وفي فترة انتظارهم ، تناوب على حكمهم عدة شعوب ، إلى أن بُعث عيسى في زمن الحكم الروماني لفلسطين ، فدعاهم للعودة إلى الله والمحبة والسلام والتواضع ، وعندما تيقنوا أنه ليس من طلاب الملك على اليهود ، بالرغم من توافق صفته مع ما جاءت به التوراة ، حاربوه وعادوه وكادوا له ، وتآمروا عليه وحرضّوا الرومان الوثنيون على قتله وصلبه .
وملك البرّ لم يوافق أهواءهم :
وقبل بعث عيسى وبعده ، تعرّضوا للكثير من الذل والهوان ، من الشعوب التي حكمتهم ، في كل مرة قاموا فيها ، بالتمرد والعصيان للاستقلال وإقامة الملك ، وكان آخرها على يد ( هدريان ) الروماني ، الذي أخرجهم منها بشكل نهائي ، ففرّق الله شملهم في شتى بقاع الأرض ، فاتجه قسم كبير منهم إلى الجزيرة العربية ، وسكنوا بالقرب من المدينة المنورة ، مكان هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، صاحب النبوءة الثانية لديهم ، ملك البرّ ، الذي سيُبعث من جبال فاران ( مكة ) ، ويكون له ولخلفائه ملكا ، يشمل مشارق الأرض ومغاربها .
وكان اليهود يترقّبون أخباره ، ويحسبون لزمان مولده ومبعثه ، مع كرههم وعدائهم المسبق له ، كونه من ولد إسماعيل وليس منهم ، وعندما بُعث عليه السلام ، عاينوا صفته ، وامتحنوه بأسئلتهم بما علموا وما لم يعلموا ، ولما تبيّنوا صدق نبوته ، حاولوا استمالته لجانبهم بالإغواء والإغراء ، مستغلين رغبته عليه السلام في اتباعهم له ، كونهم أهل كتاب ، وهم الأقرب لتصديقه ومؤازرته ومناصرته ، وكان مرادهم منه ، هو اتباع ملتهم لتحقيق رغباتهم وأهوائهم ، لإخراجه من الجزيرة إلى فلسطين ، لإقامة ملكه عليهم هناك ، ففضحهم رب العزة ، وحذّر رسوله الكريم من الوقوع في حبائلهم وشراكهم ، ولمّا تيقّنوا من عدم رضوخه لهم ، أنكروا نبوته وناصروا المشركين عليه ، وكادوا له بكل ما أُتوا من مكر ودهاء وحيلة ، فآذوه وآذوا أصحابه ، ولم يدخّروا في ذلك جهدا ، وحاولوا فتنته وقتله عدة مرّات ، إلى أن تمّ جلائهم وإخراجهم من جزيرة العرب .
البحث عن المُلك القاروني ، وانتظار المَلك الإله ، على النمط الفرعوني آخر الزمان :
ومع ظهور الإسلام ، ومعرفتهم بما سيكون من أمره ، من سرعة انتشاره ، واتساع دولته لتشمل مناطق شاسعة من العالم ، ومن ضمنها سيطرته على الأرض المقدّسة ، تلاشت أحلامهم في عودتهم إليها ، لإقامة ملكهم الأممي الثاني فيها على المستوى الفرعوني ، فتخلّوا عن ذلك الطموح مؤقتا ، وشرعوا في تحقيق الملك الفردي على المستوى القاروني ، بجمع المال بالطرق المشروعة وغير المشروعة ، من ربا واحتيال وسرقة والتهريب وتجارة الرقيق والدعارة ، والتمتع بزينة الحياة الدنيا من جرّاء هذا الكسب ، واستمروا على تلك الحال ، إلى أن تمكنّوا من إقامة دولتهم الحالية في فلسطين ، منتظرين حكم العالم أجمع ، من خلال النبوءة الأخيرة ، بالذي يأتي من ربوات القدس ( مسيحهم المنتظر ) .
وبعد ذلك اتجه أغلبهم إلى الشمال ، وتفرقوا في البلاد العربية الأخرى ، فتواجدوا في العراق وبلاد الشام ومصر والأندلس ، وبالرغم من تعامل الإسلام السمح مع أهل الكتاب ، إلا أنهم كانوا مقيّدين ، بما وضعه الإسلام من قيود ، على أهوائهم ومطامعهم المادية ، ووجود القرآن عدوهم اللدود وثيقة أبدية ، تكشف طبائعهم وحقيقة نواياهم وتحذر منهم . ولكي يستطيع أحدهم من العيش في ظل الحكم الإسلامي ، كان يعمد إلى إظهار إسلامه وإخفاء يهوديته ، أو أن يُرغم نفسه كارها على التخلي ، عن طبائعه وأهوائه في الفساد والإفساد ، وهذا مما لا يوافق طبعهم ، ولا ما يأمرهم به تلمودهم ، ولذلك آثر الكثير منهم الهجرة ، من كل البلاد ، التي كانت تخضع للحكم الإسلامي تباعا ، على مرّ العصور ، ومن ثم استقر بهم المقام في القارة الأوروبية ، حيث وجدوا فيها متنفسا في البداية ، لجهل الأوربيين بطبيعتهم البشعة .
الاضطهاد الأوروبي لليهود ، وفشلهم في تحصيل المُلك القاروني :
وعندما تبين للأوربيين مع مرور الوقت ، أن الكثير من المشاكل والمصائب والكوارث الاجتماعية والاقتصادية ، من فقر ومجاعات وانهيارات اقتصادية ، وانتشار للفساد والرذيلة ، كان سببه اليهود ، وضعوا الكثير من الحلول لمواجهة مشكلتهم ، مثل سن القوانين التي تقيد حركتهم وتعاملاتهم ، فلم تكن تجدي نفعا ، مع ما يملكون من مكر ودهاء . وتم عزلهم في أحياء سكنية خاصة بهم ، فلم يجدي ذلك نفعا ، فكان لا بد من الحل الأخير ، وهو طردهم ونفيهم ، من معظم بلدان أوروبا الغربية ، وكان رجالات الكنيسة آنذاك ، يعملون كمستشارين للملوك في العصور الوسطى ، وكانوا يؤيدون تلك الإجراءات ضد اليهود ، لتحريم المسيحية للزنا والربا ، بالإضافة إلى ما اكتشف من تجديف على المسيح والدته ، وكره وبغض وعداء للمسيحيين ، في تلمودهم السري ، الذي جلب لهم المذابح الجماعية في بعض البلدان الأوربية ، كإسبانيا والبرتغال ، وفي النهاية تم طردهم بالتعاقب وعلى فترات متباعدة ، من فرنسا وسكسونيا وهنغاريا ، وبلجيكا وسلوفاكيا والنمسا ، وهولندا وإسبانيا وليتوانيا ، والبرتغال وإيطاليا وألمانيا ، بدءا من عام 1253م وحتى عام 1551م ، فاضطر اليهود للهجرة ، إلى روسيا وأوروبا الشرقية والإمبراطورية العثمانية .
إذن لا بدّ من التآمر :
فأصبح لليهود كشعب مشتت همّا مشتركا ، من جرّاء الاضطهاد والتعذيب والطرد ، من قبل الأوروبيين . وأبواب الجنّة الأوربية قد أغلقت من دونهم ، حيث بدأ هناك بعد رحيل أغلب اليهود ، ما يُسمى بالنهضة الأوروبية ، فحيل بينهم وبين تحقيق أحلامهم ، سواء على مستوى الملك الأممي ، أو مستوى الملك الفردي ، وهذا ما لا يستطيعون احتماله أو تقبّله ، وهذه الأجواء تذكّرنا بأجواء المؤامرة الأولى في تاريخهم ، حيث واجه أخوة يوسف همّا مشتركا ، تمثّل في شعورهم بالدونية ، بالمقارنة مع يوسف وأخيه ، وكان دافعهم الحسد ، فاجتمعوا سرا وتآمروا ، وأجمعوا فنفّذوا .
ويحضرني في هذا المقام قول لابن القيم ، إذ يقول في كتاب الفوائد أن أصول المعاصي ، ثلاثة : الكبر والحرص والحسد ، فالكبر جعل إبليس يفسق عن أمر ربه ، والحرص أخرج آدم من الجنة ، والحسد جعل أحد ابنيّ آدم يقتل أخاه ، وبعد التدبر في هذا القول ، ستجد أن الطريق إلى الوقوع في المعصية ، هو الوقوع فريسة للمقارنة والمفاضلة ، من خلال الاعتماد على الحواس فقط ، وبتغييب العقل والفؤاد ، وبالتالي فقدان القدرة على الاستبصار ، والحكم على الأمور ، وقد نهى سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن ، عن المقارنة والمفاضلة ، وحسم الأمر بأن الفضل من لدنه ، يؤتيه من يشاء من عباده ، أما اليهود وبعد إطلاعي على ما جاء في توراتهم وتلمودهم ، فإنهم جمعوا فيها أصول المعاصي كلها ، فالكبر جعلهم أفضل الناس على الإطلاق ، والحرص جعلهم يفضّلون الدنيا على الآخرة ، والحسد جعلهم يستبيحون ممتلكات الآخرين ويستحلّونها لأنفسهم .
( لوثر ) بإصلاحاته الكنسية في القرن السادس عشر ، يُمكّن اليهود من احتلال أوروبا اقتصاديا :
وعندما تم تدمير السلطة الكنسية ، التي قام بها الإصلاحيون في أوروبا ( بفعل اليهود أنفسهم ) ، وضُمّت التوراة إلى الإنجيل في كتب النصارى المقدسة ، وجد اليهود بعض القبول في الدول الأوروبية ، فعادوا إليها شيئا فشيئا ، ونتيجة للاضطهاد والطرد الجماعي ، الذي تعرض له اليهود في هذه الدول فيما مضى ، وهم شعب الله المختار ، أجمع قارونات المال اليهود ، وبدءوا يعقدون اجتماعاتهم السرية ، في نهايات القرن الثامن عشر ( قبل أكثر من مائتي سنة ) ، للانتقام وتجنب ذلك المصير المرعب مرة أخرى . وبوجود المال اليهودي ، تشكل لديهم مخططا شيطانيا ، للسيطرة على العالم كله وحكمه ، فوضعوا مخططا مبدئيا ، كان موجها في الدرجة الأولى ، ضد ملوك أوروبا ورجالات الدين المسيحي .
أكبر وأخطر مؤامرة في تاريخ اليهود
المخطط في أطواره الأولى :
ويتلخص مخططهم المبدئي ، مما كُشف من محاضر اجتماعاتهم ، في كتاب ( أحجار على رقعة الشطرنج ) لمؤلفه ( وليام كار ) ضابط الاستخبارات في البحرية الكندية ، بما يلي :
الهدف العام : تأليه المادة ونشر المذاهب الإلحادية ، لتمهيد سيطرة اليهود على العالم ، ومن ثم تتويج أنفسهم ملوكا وأسيادا على الشعوب . ( ونتيجة لذلك برز الكثيرين من المُفكّرين اليهود كفرويد وماركس وغيرهم ، ومن غير اليهود من المأجورين كداروين وغيره ، حيث بدأت الأطروحات والنظريات الإلحادية المنكرة لوجود الله عزّ وجلّ ، فظهرت الشيوعية ( لا إله ) والرأسمالية ( المال هو الإله ) لذلك وضع الصيارفة اليهود عبارة ( In God we Trust ) على الدولار الأمريكي ، وليس على الصفحة الأولى من كتابهم المقدّس ، وظهرت الاشتراكية التي جمعت ما بين المبدأين من حيث الكفر ) .
فلسفة المخطط : يتم تقسيم الشعوب ، إلى معسكرات متنابذة ، تتصارع إلى الأبد ، دونما توقف ، حول عدد من المشاكل ، اقتصادية وسياسية واجتماعية وعرقية وغيرها ، ومن ثم يتم تسليح هذه المعسكرات ، ثم يجري تدبير حادث ما ( فتنة ) ، تتسبب في إشعال الحروب بين هذه المعسكرات ، لتُنْهِك وتحطّم بعضها بعضا ، وبالتالي تتساقط الحكومات الوطنية والمؤسسات الدينية تباعا .
برنامج العمل :
1. السيطرة على رجالات الحكم ، على مختلف المستويات والمسؤوليات ، بالإغواء المالي ( الرشوة ) والإغراء الجنسي ، وعند وقوعهم ، يتم استغلالهم لغايات تنفيذ المخطط ، وعند تفكير أي منهم بالانسحاب ، يتم تهديده بالانطفاء السياسي أو الخراب المالي ، أو تعريضه لفضيحة عامة كبرى تقضي على مستقبله ، أو تعريضه للإيذاء الجسدي أو بالتخلص منه بالقتل .
2. دفع معتنقي المذهب الإلحادي المادي ، للعمل كأساتذة والجامعات والمعاهد العلمية وكمفكرين ، لترويج فكرة الأممية العالمية بين الطلاب المتفوقين ، لإقامة حكومة عالمية واحدة ، وإقناعهم أن الأشخاص ذوي المواهب والملكات العقلية الخاصة ، لهم الحق في السيطرة على من هم أقل منهم كفاءةً وذكاءً ( وذلك كغطاء لجرهم لاعتناق المذهب الإلحادي ) .
3. يتم استخدام الساسة والطلاب ( من غير اليهود ) ، الذين اعتنقوا هذا المذهب ، كعملاء خلف الستار ، بعد إحلالهم لدى جميع الحكومات ، بصفة خبراء أو اختصاصيين ، لدفع كبار رجال الدولة ، إلى نهج سياسات ، من شأنها في المدى البعيد ، خدمة المخططات السرية لليهود ، والتوصل إلى التدمير النهائي ، لجميع الأديان والحكومات ، التي يعملون لأجلها .
4. السيطرة على الصحافة وكل وسائل الإعلام ، لترويج الأخبار والمعلومات التي تخدم مصالح اليهود ، وتساهم في تحقيق هدفها النهائي .
أما القائمون على المؤامرة ، فهم مجموعة كبيرة منظمة من جنود إبليس ، تضم حفنة من كبار أثرياء اليهود في العالم ، بالإضافة إلى حفنة من كبار حاخامات الشرق والغرب ، ومن الأسماء التي أطلقها عليهم الباحثون في مؤلفاتهم ، جماعة النورانيون ، وحكومة العالم الخفية ، واليهود العالميّون ، يعملون في الخفاء . هدفهم حكم العالم اقتصاديا ، ومن ثم سياسيا ، عن طريق تدمير الأخلاق والأديان ، وإشعال الحروب الإقليمية والعالمية ، وهم وراء كل جريمة ، ويسيطرون على كثير من المنظمات السرية والعلنية ، اليهودية وغير اليهودية ، تحت مسميات عديدة ، ولهم عملاء ذوي مراكز رفيعة ومرموقة ، في معظم الحكومات الوطنية لدول العالم ، من الذين باعوا شعوبهم وأوطانهم بأبخس الأثمان ، وتميّزوا بولائهم للمطلق للمؤامرة وأصحابها ، وفيما يلي سنعرض أهدافهم وسياساتهم .
بروتوكولات حكماء صهيون
يقول ( ويليام كار ) أن هذه البروتوكولات ، عرضها ( ماير روتشيلد ) أحد كبار أثرياء اليهود ، أمام اثني عشر من كبار أثرياء اليهود الغربيون ، في فرانكفورت بألمانيا عام 1773م ، أما كشفها فقد تم بالصدفة عام 1784م في ألمانيا نفسها ، حيث أرسلت نسخ منها إلى كبار رجال الدولة والكنيسة ، وتم محاربتها ، ومحاربة كل رموزها الظاهرة في ألمانيا آنذاك . ولذلك انتقلت إلى السرية التامة ، وسارع معظم يهود العالم إلى التنصل منها ، واستطاعوا بما لديهم من نفوذ ، من إرغام الناس والحكومات على تجاهلها ، ومنذ ذلك اليوم الذي كُشفت فيه ، وحتى منتصف القرن الماضي ، والكتّاب والباحثون الغربيون يتناولونها بالبحث والتقصي ، ويؤكدون مطابقة ما جاء فيها ، مع ما جرى ويجري على أرض الواقع ، ويحذّرون حكوماتهم من الخطر اليهودي المحدّق بأممهم ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، في حكومات تغلغل فيها اليهود ، كما تتغلغل بكتيريا التسوس في الأسنان ، ومعظم الكتب التي حذّرت - وما زالت - من الخطر اليهودي ، كان مصيرها الاختفاء من الأسواق ، أو الإلقاء في زوايا النسيان والإهمال .
أما من يُفكّر اليوم بمناهضة اليهود ومعاداتهم في الغرب ، فقد ثكلته أمه ، فخذ ( هايدر ) مثلا ، زعيم أحد الأحزاب النمساوية ، الذي أطلق يوما عبارات مناهضة لليهود ، عندما فاز حزبه ديموقراطيا ، بأغلبية في مقاعد البرلمان ، فقامت الدنيا ولم تقعد ، ضجّة إعلامية كبرى ، في إسرائيل ، أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، الأمم المتحدة ، حتى أُرغم الاتحاد الأوروبي على مقاطعة النمسا ، لمنع ( هايدر ) من الحصول على أي منصب في الحكومة النمساوية .
الصيغة النهائية لمبادئ المخطط الشيطاني :
ـ الذي تربع اليهود من خلاله ، أسيادا على العالم في الخفاء ، منذ خمسين عاما مضت ، وما زالوا :
1. أن قوانين الطبيعة تقضي بأن الحقّ هو القوة . ( بمعنى أن الذي يملك القوة ، هو الذي يُحدّد مفاهيم الحق ، ويفرضها على الآخرين ، والقوة تعني امتلاك المال ) .
2. أن الحرية السياسية ليست إلا فكرة مجردة ، ولن تكون حقيقة واقعة . ( بمعنى أنك تستطيع الإدعاء ظاهريا ، بأنك ديموقراطي وتسمح بحرية الرأي ، ولكنك في المقابل تقمع الرأي الآخر سرا ) .
3. سلطة الذهب ( المال ) فوق كل السلطات حتى سلطة الدين . ( محاربة الدين وإسقاط أنظمة الحكم غير الموالية ، من خلال تمويل الحركات الثورية ذات الأفكار التحررية ، وتمويل المنتصر منها بالقروض ) .
4. الغاية تبرّر الوسيلة . ( فالسياسي الماهر : هو الذي يلجأ إلى الكذب والخداع والتلفيق ، في سبيل الوصول إلى سدة الحكم ) .
5. من العدل أن تكون السيادة للأقوى . ( وبالتالي تحطيم المؤسسات والعقائد القائمة ، عندما يترك المستسلمون حقوقهم ومسؤولياتهم ، للركض وراء فكرة التحرّر الحمقاء ) .
6. ضرورة المحافظة على السرية . ( يجب أن تبقى سلطتنا ، الناجمة عن سيطرتنا على المال ، مخفيّة عن أعين الجميع ، لغاية الوصول إلى درجة من القوة ، لا تستطيع أي قوة منعنا من التقدم ) .
7. ضرورة العمل على إيجاد حكام طغاة فاسدين . ( لأن الحرية المطلقة تتحول إلى فوضى ، وتحتاج إلى قمع ، وذلك لكي يتسنى لأولئك الحكام سرقة شعوبهم ، وتكبيل بلدانهم بالديون ، ولتصبح الشعوب برسم البيع ) .
8. إفساد الأجيال الناشئة لدى الأمم المختلفة . ( ترويج ونشر جميع أشكال الانحلال الأخلاقي ، لإفساد الشبيبة ، وتسخير النساء للعمل في دور الدعارة ، وبالتالي تنتشر الرذيلة حتى بين سيدات المجتمع الراقي ، اقتداءً بفتيات الهوى وتقليدا لهن ) .
9. الغزو السلمي التسللي هو الطريق الأسلم ، لكسب المعارك مع الأمم الأخرى . ( الغزو الاقتصادي لاغتصاب ممتلكات وأموال الآخرين ، لتجنب وقوع الخسائر البشرية في الحروب العسكرية المكشوفة ) .
10. إحلال نظام مبني على أرستقراطية المال ، بدلا من أرستقراطية النسب ، ( لذلك يجب إطلاق شعارات : الحرية والمساواة والإخاء ، بين الشعوب بغية تحطيم النظام السابق ، وكان هذا موجها إلى الأسر الأوروبية ذات الجذور العريقة ، ومن ضمنها الأسر الملكية والإمبراطورية ، ليلقى لصوص هذه المؤامرة بعدها ، شيئا من التقدير والاحترام ) .
11. إثارة الحروب ، وخلق الثغرات في كل معاهدات السلام التي تعقد بعدها ، لجعلها مدخلا لإشعال حروب جديدة . ( وذلك لحاجة المتحاربين إلى القروض ، وحاجة كل من المنتصر والمغلوب لها بعد الحرب ، لإعادة الإعمار والبناء ، وبالتالي وقوعهم تحت وطأة الديون ، ومسك الحكومات الوطنية من خنّاقها ، وتسيير أمورها حسب ما يقتضيه المخطط من سياسات هدامة ) .
12. خلق قادة للشعوب ، من ضعاف الشخصية الذين يتميزون بالخضوع والخنوع ، ( وذلك بإبرازهم وتلميع صورهم ، من خلال الترويج الإعلامي لهم ، لترشيحهم للمناصب العامة في الحكومات الوطنية ، ومن ثم التلاعب بهم ، من وراء الستار بواسطة عملاء متخصّصين ، لتنفيذ سياساتنا ) .
13. امتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها . ( لترويج الأكاذيب والإشاعات والفضائح الملفّقة ، التي تخدم المؤامرة ) .
14. قلب أنظمة الحكم الوطنية المستقلة بقراراتها ، والتي تعمل من أجل شعوبها ، ولا تستجيب لمتطلبات المؤامرة . ( من خلال إثارة الفتن ، وخلق ثورات داخلية فيها ، لتؤدي إلى حالة من الفوضى ، وبالتالي سقوط هذه الأنظمة الحاكمة ، وإلقاء اللوم عليها ، وتنصيب العملاء قادة في نهاية كل ثورة ، وإعدام من يُلصق بهم تهمة الخيانة من النظام السابق ) .
15. استخدام الأزمات الاقتصادية للسيطرة على توجهات الشعوب . ( التسبب في خلق حالات من البطالة والفقر والجوع ، لتوجيه الشعوب إلى تقديس المال وعبادة أصحابه ، لتصبح لهم الأحقية والأولوية في السيادة ، واتخاذهم قدوة والسير على هديهم ، وبالتالي سقوط أحقية الدين وأنظمة الحكم الوطنية ، والتمرد على كل ما هو مقدّس ، من أجل لقمة العيش ) .
16. نشر العقائد الإلحادية المادية . ( من خلال تنظيم محافل الشرق الكبرى ، تحت ستار الأعمال الخيرية والإنسانية ، كالماسونية ونوادي الروتاري والليونز ، التي تحارب في الحقيقة كل ما تمثله الأديان السماوية ، وتساهم أيضا في تحقيق أهداف المخطط الأخرى ، داخل البلدان التي تتواجد فيها ) .
17. خداع الجماهير المستمر ، باستعمال الشعارات والخطابات الرنّانة ، والوعود بالحرية والتحرر . ( التي تلهب حماس ومشاعر الجماهير لدرجة يمكن معها ، أن تتصرف بما يخالف حتى الأوامر الإلهية ، وقوانين الطبيعة ، وبالتالي بعد الحصول على السيطرة المطلقة على الشعوب ، سنمحو حتى اسم " الله " من معجم الحياة ) .
18. ضرورة إظهار القوة لإرهاب الجماهير . ( وذلك من خلال افتعال حركات تمرد وهمية ، على أنظمة الحكم ، وقمع عناصرها بالقوة على علم أو مرأى من الجماهير ، بالاعتقال والسجن والتعذيب والقتل إذا لزم الأمر ، لنشر الذعر في قلوب الجماهير ، وتجنُّب أي عصيان مسلح قد يُفكّرون فيه ، عند مخالفة الحكام لمصالح أممهم ) .
19. استعمال الدبلوماسية السريّة من خلال العملاء . ( للتدخل في أي اتفاقات أو مفاوضات ، وخاصة بعد الحروب ، لتحوير بنودها بما يتفق مع مخططات المؤامرة ) .
20. الهدف النهائي لهذا البرنامج هو الحكومة العالمية التي تسيطر على العالم بأسره . ( لذلك سيكون من الضروري ، إنشاء احتكارات عالمية ضخمة ، من جرّاء اتحاد ثروات اليهود جميعها ، بحيث لا يمكن لأي ثروة من ثروات الغرباء مهما عظُمت ، من الصمود أمامها ، مما يؤدي إلى انهيار هذه الثروات والحكومات ، عندما يوجّه اليهود العالميون ، ضربتهم الكبرى في يوم ما ) .
21. الاستيلاء والسيطرة على الممتلكات العقارية والتجارية والصناعية للغرباء . ( وذلك من خلال ؛ أولا : فرض ضرائب مرتفعة ، ومنافسة غير عادلة للتجار الوطنيين ، وبالتالي تحطيم الثروات والمدخرات الوطنية ، وحصول الانهيارات الاقتصادية بالأمم . ثانيا : السيطرة على المواد الخام ، وإثارة العمال ، للمطالبة بساعات عمل أقل وأجور أعلى ، وهكذا تضطر الشركات الوطنية لرفع الأسعار ، فيؤدي ذلك إلى انهيارها وإفلاسها ، ويجب ألا يتمكن العمال بأي حال من الأحوال ، من الاستفادة من زيادة الأجور ) .
22. إطالة أمد الحروب لاستنزاف طاقات الأمم المتنازعة ماديا ومعنويا وبشريا . ( لكي لا يبقى في النهاية سوى مجموعات من العمال ، تسيطر عليها وتسوسها حفنة من أصحاب الملايين العملاء ، مع عدد قليل من أفراد الشرطة والأمن ، لحماية الاستثمارات اليهودية المختلفة ، بمعنى آخر إلغاء الجيوش النظامية الضخمة حربا أو سلما ، في كافة البلدان ) .
23. الحكومة العالمية المستقبلية ، تعتمد الدكتاتورية المطلقة كنظام للحكم . ( فرض النظام العالمي الجديد ، يقوم فيه الدكتاتور بتعيين أفراد الحكومة العالمية ، من بين العلماء والاقتصاديين وأصحاب الملايين ) .
24. تسلل العملاء إلى كافة المستويات الاجتماعية والحكومية . ( من أجل تضليل الشباب وإفساد عقولهم بالنظريات الخاطئة ، حتى تسهل عملية السيطرة عليهم مستقبلا ) .
25. ترك القوانين الداخلية والدولية التي سنتها الحكومات والدول كما هي ، وإساءة استعمالها وتطبيقها . ( عن طريق تفسير القوانين ، بشكل مناقض لروحها ، يستعمل أولا قناعا لتغطيتها ، ومن ثم يتم طمسها بعد ذلك نهائيا ) .
ثم يختم المتحدّث عرضه بالقول : " لعلكم تعتقدون أن الغرباء ( غير اليهود ) ، لن يسكتوا بعد هذا ، وأنهم سيهبّون للقضاء علينا ، كلا هذا اعتقاد خاطئ . سيكون لنا في الغرب ، منظمة على درجة من القوة والإرهاب ، تجعل أكثر القلوب شجاعة ترتجف أمامها ، تلك هي منظمة الشبكات الخفية تحت الأرض ، وسنعمل على تأسيس منظمات من هذا النوع ، في كل عاصمة ومدينة ، نتوقّع صدور الخطر منها " ، انتهى .
* بتصرّف من كتاب ( أحجار على رقعة الشطرنج ) .
نود أن نُشير إلى أنّ هذا المخطط ، وُضع قبل أكثر من 200 سنة تقريبا ، وأن العمل على تنفيذه بقي جاريا على قدم وساق ، وكان دائم التجدّد والتطوّر من حيث القائمين عليه ، ومن حيث برامجه وأدواته ، ليتوافق مع التطورات المتسارعة التي ظهرت في القرنين الماضيين ، من مُخترعات واكتشافات كوسائل الاتصال ووسائل الحروب على مختلف أنواعها ، سُخرّت كلها لخدمة هذا المُخطّط الشيطاني ، الذي خطّته أيدي أبالسة اليهود على مرّ العصور ، وما كان لبشر من غير اليهود ، أن يجمعوا كل هذا الشرّ في جعبتهم ، ويصهروه بهذا الشكل المُذهل المتعمّق ، في معرفته بدواخل النفس البشرية وأهوائها ، ومكامن ضعفها وقوتها ، اتقانا ربما يعجز إبليس نفسه عن الإتيان بمثله ، حتى استطاعوا من خلاله ، التحكم بالبشر ، بدءا من الرئيس الأمريكي بعظمته ، وحتى إنسان الغياهب الأفريقية بفقره وقلة حيلته ، الذي لا يدري ما الذي يُحاربه أولا ، الجوع أم الإيدز . وها هم الآن بدءوا يُزيلون أقنعتهم شيئا فشيئا ، فتصريحاتهم من مواقع السياسة الأمريكية ومواقفهم ، تكشف عن مدى قباحة وجوههم وأفعالهم في حقّ الإنسانية .
إسقاط جميع أنظمة الحكم الوراثية العريقة في أوروبا من خلال الثورات التحررية :
وقد استطاع اليهود ، من خلال مواظبتهم على تنفيذ هذه البروتوكولات ، من إسقاط نظام الحكم الملكي في بريطانيا ، لفترة ليست بالقصيرة ، ومن ثم عاد النظام الملكي ، بشكل صوري لا يتمتع بأي سلطة ، كما هو الحال الآن ، كما وقاموا بإسقاط النظام الملكي في فرنسا ، ومن ثم تم تحويلها إلى النظام الجمهوري . وبعد إثارتهم للحرب العالمية الأولى ، استطاعوا إسقاط الحكم القيصري في روسيا ، الذي عاملهم كما عوملوا في أوروبا ، ولكن بدون طرد ، وإدخال الحكم الشيوعي إليها ، واستطاعوا إسقاط الحكم القيصري في ألمانيا أيضا ، وأسقطوا الإمبراطورية العثمانية ، وكان آخر حصادها ، هو وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني .
المخطط في مراحله النهائية ، تحت حماية أمريكا :
ولو أنك نظرت إلى البروتوكول رقم (23) ، ستجد أن النظام الذي كان يُنادي به الرئيس الأمريكي ( بوش ) في بداية التسعينيات ، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، موجود تحت نفس الاسم ( النظام العالمي الجديد ) وهذه العبارة نفسها مكتوبة أيضا ، على الدولار باللغة اللاتينية ، وهذا مؤشر على أن المخطّط أصبح في مراحله الأخيرة ، حيث أن هذا البرتوكول هو الثالث قبل الأخير ، وما بقي عليهم للوصول إلى هدفهم النهائي ، سوى تنفيذ البرتوكولين (24) و (25) ، وهما المتعلقيّن بالعولمة بجانبيها الثقافي والاقتصادي ، والتي سنوضحها لاحقا .
الرؤساء الأمريكيون الأوائل يُحذّرون من الخطر اليهودي
ترجمة النص الكامل للجزء الخاص باليهود من خطاب بنيامين فرانكلين أمام الكونغرس :
" أيها السادة : هنالك خطر كبير يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية … وهذا الخطر هو اليهود … ففي أي أرض يحلُّ بها اليهود … يعملون على تدني المستوى الأخلاقي والتجاري فيها … وعلى مدى تاريخهم الطويل …ظلّوا متقوقعين على أنفسهم في معزل عن الأمم التي يعيشون فيها … ولم يندمجوا في حضاراتها … بل كانوا يعملون دوما على إثارة الأزمات المالية وخنق اقتصادياتها … كما حصل في البرتغال وإسبانيا .
لأكثر من 1700 سنة … وهم يبكون على قدرهم ومصيرهم المحزن … أعني طردهم ونفيهم من وطنهم الأم ( فلسطين ) … ولو أن العالم المتحضر ( الغرب ) أعاد لهم فلسطين الآن … فإنهم على الفور سيختلقون الكثير من الأسباب والأعذار والحجج الواهية … ليبرروا عدم رغبتهم في العودة إليها … لماذا ؟ … لأنهم كائنات طفيلية … والطفيليات لا تستطيع أن تتطفل على طفيليات أخرى … فهم لا يستطيعون العيش مع بعضهم البعض … مما يستدعي ضرورة تواجدهم بين المسيحيين … أو بين أناس من غير جنسهم .
وإن لم يُطردوا من الولايات المتحدة بموجب الدستور … فإنهم وخلال مائة عام على الأقل من الآن … سيتوافدون إلى هذا البلد بأعداد كبيرة … وبتلك الأعداد سوف يحكمونا ويدمّرونا … من خلال تغيير أنظمة الحكم لدينا … والتي بذلنا نحن الأمريكيين من أجل توطيدها على مر السنين … الغالي والنفيس من دمائنا وأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا … وإن لم يتم طردهم … وبعد مائتي سنة من الآن …فإن أحفادنا سيعملون في الحقول ليل نهار … من أجل إشباع بطونهم وجيوبهم … بينما يجلسون هم في قصورهم يفركون أيديهم فرحا واغتباطا … بما حصدوه من غلال وأرباح .
وها أنا أحذركم أيها السادة … إن لم تطردوا اليهود من هذا البلد إلى الأبد … فإن أولادكم وأحفادكم سيلعنونكم في قبوركم … ومع أنهم يعيشون بيننا منذ أجيال … فإن مُثُلهم العليا ما زالت تختلف كليا ، عما يتحلى به الشعب الأمريكي من مُثُل … فالفهد الأرقط لا يمكنه تغيير لون جلده ( عبارة مقتبسة من التوراة ) … سوف يُعرّضون مؤسساتنا ومقوماتنا الاجتماعية للخطر … لذلك يجب طردهم بنص من الدستور " .
وكان فرانكلين من الرؤساء الأوائل في أمريكا ، والذي استشعر الخطر اليهودي قبل تغلغله في أمريكا ، من خلال دراسته لتوراتهم ولتاريخهم في أوروبا ، وما أحدثوه من خراب فيها .
وهذا قسم من خطاب الرئيس الأمريكي ( لنكولن ) للأمة ، في نهاية مدته الرئاسية الأولى :
" إنني أرى في الأفق نُذر أزمة تقترب شيئا فشيئا … وهي أزمة تثيرني وتجعلني أرتجف على سلامة بلدي … فقد أصبحت السيادة للهيئات والشركات الكبرى … وسيترتب على ذلك وصول الفساد إلى أعلى المناصب … إذ أن أصحاب رؤوس الأموال ، سيعملون على إبقاء سيطرتهم على الدولة … مستخدمين في ذلك مشاعر الشعب وتحزّباته … وستصبح ثروة البلاد بأكملها ، تحت سيطرة فئة قليلة … الأمر الذي سيؤدي إلى تحطم الجمهورية " .
وكان هذا الخطاب قبل أكثر من 130 سنة ، بعد أن تغلغل اليهود في أمريكا ، وقد اغتيل هذا الرئيس في بداية فترة الرئاسية الثانية ، نتيجة خطاباته لأن كل أصحاب رؤوس المال الأمريكي أصبحوا من اليهود . كما اغتيل الرئيس ( جون كندي ) ، عندما أعلن عن برامجه الإصلاحية ، وبناء أمريكا من الداخل ، ونهج التعايش السلمي مع الخارج ، كروسيا والبلدان الأخرى ، وهذا مما يتعارض كليا ، مع بروتوكولات أرباب المال اليهود وحكمائهم . وتخيل لو أن أرباب المال اليهود يسحبون أرصدتهم من أمريكا ، بالتأكيد سينهار الاقتصاد الأمريكي برمّته على الفور ، وربما تصبح أمريكا من أفقر بلدان العالم .
بعد اغتيال ( كندي ) استوعب رؤساء أمريكا الدرس ، وحفظوه عن ظهر قلب ، فلم يجرؤ أحدهم على نهج أي سياسة ، تتعارض مع طموحات اليهود ، وتطلعاتهم على كافة الأصعدة ، بل كانوا فور انتخابهم ، يسارعون لتقديم فروض الطاعة والولاء لأسيادهم اليهود . وخدماتهم لليهود خلال الأربعين سنة الماضية ظاهرة للعيان ، وأصبحت مهمة الرئيس الأمريكي ، لا تتعدى مهمة ( كلب الصيد المدرّب جيدا ) ، لاصطياد الشعوب وثرواتها وجلبها ، لليهود في الداخل والخارج ، وفي نهاية ولاية كل كلب جيد منهم ، يُعلّق في رقبته وساما رفيعا من المديح اليهودي ، فيهزّ ذنبه فرحا ويمضي خارجا من البيت الأبيض ، بعد حصوله على شرف عضوية ( نادي كلاب الصيد ) اليهودي ، وكلنا يذكر قصة ( كلينتون ) عندما نسي نفسه ، وحاول الضغط على نتنياهو ، ففجّروا في بيته الأبيض القنبلة ( لوينسكي ) ، التي كانت مُعدّة منذ لحظة انتخابه ، فأعادته إلى صوابه ، وإلى موقعه الحقيقي ككلب صيد لا أكثر ، فأصبح في نهاية مدة رئاسته صهيونيا ، أكثر من الصهاينة أنفسهم ، يمسح بفروه الأبيض الناعم نعال أحذيتهم ، عسى أن يقتات هو وزوجته على فتات موائدهم ، في قاعات مجلس الشيوخ الأمريكي ، بعد خروجهم من البيت الأبيض .
الحرب العالمية الثانية درس من دروس التآمر اليهودي العالمي
الظروف التي سبقت الحرب ، من كتاب ( أحجار على رقعة الشطرنج ) بتصرّف :
ـ معاهدة فرساي المجحفة بحق ألمانيا : التي كان لليهود وعملائهم اليد الطولى في صياغتها ، من وراء الستار ، لتكون بؤرة لتوريط ألمانيا في حرب أخرى ، إذا تطلب الأمر مستقبلا . حيث أن بنود هذه المعاهدة ، اقتطعت جزءا من الأراضي الألمانية ، وضمتها إلى بولندا ، وأرغمت ألمانيا على دفع التعويضات ، للخسائر الناجمة عن الحرب العالمية الأولى ، وأبقت ألمانيا تحت طائلة الديون إلى ما لا نهاية .
ـ وجود الحركة النازية في ألمانيا : والسبب في بلورة أفكارها ، هو معرفة الألمان بفصول المؤامرة اليهودية ، حيث أن الصيغة النهائية لبرتوكولات حكماء المؤامرة ، التي تدعو لتفوق العرق اليهودي ، والتي كُشفت أصلا فيما سبق في ألمانيا نفسها ، مما دفع الألماني ( كارل ريتر ) إلى طرح أفكار ، تدعو إلى تفوق العرق الجرماني ، ردا على ما طرحته برتوكولات حكماء اليهود . ومن أقوال مؤسس الفكر النازي ( كارل ريتر ) الذي نشر أفكاره عام 1849م : " لكي يعود السلام والحرية الاقتصادية إلى العالم ، يجب أولا القضاء على الممولين اليهود ، وعلى جميع أعضاء الحركة الثورية العالمية ، الذين يُوجّهون الشيوعية ويسيطرون عليها " . ومضمون المعتقدات النازية يقضي بتفوق العرق الجرماني ، والذي يتوجب عليه إخضاع العالم بالقوة العسكرية ، ويجب أن تكون الطاعة فيه لرئيس الدولة الجرمانية ، طاعة عمياء وبدون نقاش . وعلى ما يبدو أن رجالات الحرب الألمان ، بعد الحرب العالمية الأولى ، وما لحق بألمانيا من إجحاف ، من خلال المؤامرات اليهودية قبل وبعد الحرب ، اقتنعوا بالمذهب النازي واعتنقوا مبادئه ، التي تتقاطع مع المخطط اليهودي ، للسيطرة على العالم اقتصاديا ، ومن ثم السيطرة على الحكم سلميا ، فوضعوا مخططهم العسكري لاكتساح أوروبا وأمريكا ، للقضاء على الممولين اليهود ، واليهود بشكل عام في أماكن تواجدهم ، والاستيلاء على ثرواتهم الطائلة .
ـ مرتكزات السياسة الألمانية : كانت تقوم على وجوب تحرير ألمانيا ، من الاتفاقيات الاقتصادية المفروضة عليها ، من قبل الممولين والمرابين الدوليين ، بعد أن أدرك الزعماء الألمان ، خطر هذه الاتفاقيات على استقلال البلاد ، لأن الفوائد المفروضة على القروض المالية ، بموجب هذه الاتفاقيات ، ستؤدي حتما إلى وقوع البلاد في براثن دائنيها ، ( بمعنى ارتهان القرار والموقف ، السياسي والاقتصادي بمصلحة الدائنين ، بغض النظر عن مصلحة الأمة ) ، تماما كما وقعت بريطانيا عام 1694م ، وفرنسا عام 1790م ، وأمريكا عام 1791م . وبالتالي ستكون هذه القروض ، دينا واستعبادا لكل فرد من أفراد الشعب ، لأن تسديدها لن يكون إلا بفرض مزيد من الضرائب ، يدفعها المواطنون جميعا ، ويكون المستفيد الذي لا يخسر أبدا هو الدائن ، أي الممول المرابي العالمي . عندئذ صمم القادة الألمان ، على خلق عملة ألمانية ، لا تستند إلى القروض ، بل تعتمد على الدخل القومي ، والممتلكات الوطنية ، وعلى موارد الصناعة والزراعة ، والثروات الطبيعية ، وعلى الطاقة الإنتاجية للأمة .
ـ وصول هتلر إلى سدة الحكم : شخصية هذا الرجل ، اعتراها الكثير من التشويه الإعلامي اليهودي الغربي ، وفي الحقيقة لم يكن هتلر داعية حرب ، ولم يكن معتنقا للمذهب النازي ، بل كان رجلا قوميا ، يسعى لرفع الظلم والإجحاف الذي لحق بأمته ، من جراء معاهدة فرساي ، وكان عدوًا لدودا للنازيين ، والممولين اليهود على حد سواء ، وقد جاء في الصفحة الأخيرة من كتابه ( كفاحي ) الذي كتبه في السجن عام 1934م ، قبل أن يتسلّم الزعامة ، ما نصه " وبهذا يقف الحزب الاشتراكي الوطني ، موقفا إيجابيا من المسيحية ، ولكنه لا يترك أمور العقيدة لجماعة من المنحرفين ( النازيين ) ، ومن جهة أخرى يحارب ، الروح المادية اليهودية ، المتغلغلة في نفوسنا وفي نفوس الآخرين " . أما عن معاهدة فرساي فقد كتب يقول : " إنها لم تكن لمصلحة بريطانيا ، ولكنها كانت أولا وأخيرا ، في صالح اليهود لتدمير ألمانيا " . ونود أن نضيف أن السبب الرئيسي ، في هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، وهي في قمة انتصاراتها العسكرية ، هو الثورات والفتن التي أحدثها الممولون اليهود ، بإحياء الثورات الشيوعية داخل ألمانيا ، والتي أضعفت الجبهة الداخلية ، وأضعفت الروح المعنوية لدى الجيش الألماني ، والتي تسببت في تنازل القيصر عن عرشه ، وتوقيع الهدنة للالتفات إلى الشأن الداخلي ، خوفا من سيطرة الشيوعية على ألمانيا ، كما حصل في روسيا .
ـ نشوء دول المحور : وجد الشعب الألماني بصورة عامة ، أنه يشارك شعوب اليابان وإيطاليا وإسبانيا ، آمالهم وأمانيهم في المستقبل السياسي والاقتصادي ، فظهر حلف المحور ، ونظرا لديناميكية زعماء تلك الدول ، وما بذلوه من جهود ضخمة ، تمكنّوا من إعادة بناء بلدانهم على كافة المستويات ، الصناعية والزراعية والعسكرية ، بما يشبه المعجزات .
كان هتلر يحمل على كاهله أربعة هموم قومية :
1. إعادة بناء الدولة الألمانية .
2. استرجاع الأجزاء المقتطعة من ألمانيا .
3. محاربة أرباب المال اليهود ، والقضاء على الثورة الشيوعية اليهودية في روسيا ، والتي كانت تموّل الحركات الشيوعية الثورية في بلاده .
4. كبت رغبات لوردات الحرب النازيون ، في احتلال العالم عسكريا .
سيناريو الحرب :
بدأ هتلر عام 1936م ، محاولات التحالف مع بريطانيا ، وجرت عدة محادثات غير رسمية بين دبلوماسيي البلدين ، وكانت الغاية من هذا التحالف ، هو رغبة الألمان في احتلال جميع الدول الشيوعية ، وتحرير شعوبها ، وإعدام جميع الخونة فيها ، وذلك لقناعة الألمان بارتباط الشيوعية ، بكبار أغنياء اليهود ، الذين يوجّهون حركتها ويموّلونها ، كما يوجهون ويمولون في نفس الوقت الحركة الصهيونية السياسية ، وكان الرد البريطاني على مقترحات الألمان سلبيا ، معبرا عن عدم موافقته على هذه المقترحات ، فاقتنع هتلر بأنه يستحيل على أي أمة بمفردها ، أن تحطم نفوذ المرابين العالميين ، وخاصة في الدول المسمّاة بالديموقراطية ، وذلك لتحكّمهم المالي بهذه الدول ، وإيقاعهم إياها تحت طائلة الديون .
ولمّا رفض هتلر ، أوامر لوردات الحرب النازيين ، لردع الشيوعية وستالين منفردا ، حاولوا اغتياله ، ولما فشلوا ، حاولوا إضعاف شعبيته التي حققها بين الألمان ، فبدأ النازيون بنشر الأفكار النازية الإلحادية بين الشعب الألماني ، واستغلت الصحافة المعادية ذلك ، وألصقت هذه التهمة بهتلر ، وبدأت وسائل الإعلام حملتها ضد هتلر ، وانقسم الشعب الألماني إلى قسمين ، ووقع هتلر بين فكي كماشة ، رجال الكنيسة من جهة ، ورجال النازية من جهة أخرى ، أما في بريطانيا فكانت وسائل الإعلام اليهودية ، ماضية في تشويه صورة هتلر وألمانيا ، لتمنع أي فرصة لأي تقارب ألماني بريطاني .
وعندما عرضت ألمانيا مشروعا مقبولا ، لمشكلة الممر البولندي ودانزنغ المدينة الألمانية ، التي سببتها معاهدة فرساي الجائرة ، سارع أقطاب المؤامرة ، لإيجاد تحالف بريطاني بولندي ، من خلال فبركتهم لإنذار مزوّر ، تنذر فيه ألمانيا البولنديين ، بالاستسلام خلال 48 ساعة فقط ، تمخّض عن معاهدة بريطانية ، لحماية البولنديين من أي عدوان ألماني ، عام 1939م . ومن ثم عملوا على إقناع البولنديين ، بصلاحية معاهدة الحماية البريطانية ، وهكذا أهمل البولنديون المذكرة الألمانية أشهرا عديدة ، في حين كانت الصحافة المعادية لهتلر ، تشنّ عليه الحملات العنيفة المضادة ، وذلك لسبب واحد هو معاداته لأصحاب المؤامرة العالمية ، واعتماده سياسة مستقلة داخل الإمبراطورية الألمانية ، بعيدا عن قروضهم وخططهم الاقتصادية المدمرة ، وبشكل عام كانت الصحافة الغربية ، قد هيّأت الشعوب هناك لتقف موقفا معاديا للألمان ، ولجميع الدول التي تؤيد سياستهم ، وبدأت تفسّر وتحلّل أقواله وأفعاله ، وتقلب الحقائق وتفبرك الأخبار ، وتحذر من أطماعه التوسعية .
وهكذا بعد التعنت البولندي وتجاهله للمذكرة الألمانية ، ضجر هتلر من انتظار الرد ، ومن الحرب المشينة ، التي وجهتها ضده صحافة الحلفاء ، فأمر جيوشه بالتحرك نحو بولندا ، لاسترجاع ما استقطع من أراضي ألمانيا بالقوة ، ولم يتعدّ إلى ما وراءها ، بل توقف عند ذلك الحدّ . عندئذ أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا ، بموجب الاتفاقية السابقة ، مع علم الذين أوجدوا هذه الاتفاقية عدم قدرة بريطانيا ، على حماية نفسها في مواجهة القدرات العسكرية الألمانية . وعندما تأكد لهم أن رئيس الوزراء البريطاني ( تشامبرلين ) ، غير مُتحمس للدخول في حرب فعلية مع ألمانيا ، أسقطوه وجاءوا ( بتشرشل ) الذي قام بقصف المدن الألمانية بالطائرات . وهكذا اضطر هتلر مرغما لتكملة تلك الحرب المدمرة ، مُستجيبا للوردات الحرب النازيون ، التي دامت قرابة الخمس سنوات ، وانتهت بخروج معظم الدول التي شاركت فيها ، مثقلة بالديون والخسائر المادية والبشرية . وكان المستفيد الوحيد هم المرابون اليهود ، الذين موّلوا هذه الحرب في سنواتها الخمس ، وموّلوا عمليات الإعمار بعدها ، بقروض لم تستطع البلدان الأوربية ، تسديدها إلى يومنا هذا .
وأما ألمانيا ومن أجل عدائها المعلن لليهود ، سواء من هتلر أو من قبل النازيون ، فقد لاقت مصيرها المحتوم ، من تقسيم أراضيها وتحجيمها قدراتها ، ونهب مقدّراتها وثرواتها ، حيث استطاع اليهود العالميون ، بما يملكونه من أموال ، ومن خلال سيطرتهم على اقتصاديات الدول الغربية برمتها ، ومصادرة قرارها السياسي ، وتجييره لخدمة مخططاتهم الشيطانية ، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا ، من التخلص من الخطر الألماني ، الذي كان يُهدّد وجودهم ، ويقضّ مضجعهم ويتقاطع مع مخطّطاتهم لتدمير البشرية .
ويخلص صاحب كتاب ( أحجار على رقعة الشطرنج ) المسيحي الكندي ، في نهاية حديثه عن الحرب العالمية الثانية ، يوجهه لمن انساق وساهم من ساسة الغرب ، في نجاح المخطط الجهنمي للمرابين اليهود ، طمعا بما يلقونه لهم من فتات وحطام هذه الدنيا الزائلة ، إلى القول :
" أما الحقيقة الأولى : فهي أن الإنسان ، لن يصحب معه إلى القبر ، شيئا من كنوز الدنيا ، أو شيئا من أكاليل المجد والثناء …
والحقيقة الثانية : هي أن القبر ، ليس النهاية ، بل إنه الطريق الذي لا مناص منه ولا مفرّ ، بعد القبر ، من تقديم الحساب أخيرا ، حيث ليس للمرابين العالميين ، من حول ولا قوة " .
تأخر موسم الحصاد اليهودي للمحصول العالمي :
كان مخطط المؤامرة ، يقتضي تنفيذ ما جاء في البروتوكولات بحرفتيه ، والغاية من ذلك السيطرة على اقتصاديات دول العالم بأسرها ، وحصر رؤوس الأموال العالمية كلها في أيدي اليهود ، وعندما يحين الموعد المناسب ، يعمد اليهود إلى شراء الذهب من الأسواق العالمية وتكديسه ، ومن ثم يُشعلون نيران الحرب العالمية الثالثة ، والتي حسب تصورهم ، ستكون كارثية بكل معنى الكلمة على العالم بأسره ، وتخلف وراءها قطعانا بشرية جائعة ، ملحدة لا تؤمن إلا بما هو مادي ، ومنحلة لا تبحث إلا عن كل ما يُشبع غرائزها الجسدية ، آنذاك يُعلن ملوك الذهب عن أنفسهم ، ويشترطون لإنقاذ تلك القطعان البشرية من الموت جوعا ، بما أنهم يملكون الذهب ، تنصيبهم ملوكا على الأرض ، ليُقيموا دولتهم العالمية الدكتاتورية وعاصمتها القدس ، فلا تملك تلك القطعان ، إلا أن تدين بالعبودية المطلقة لليهود ، بعد أن جاءها نور الذهب ليُبدد ظلمة الأديان الموحشة .
إذ كان من المفروض أن تقوم الحرب العالمية الثالثة ، حسب مُخططاتهم ، بعد ( 20 – 25 ) عاما من الحرب العالمية الثانية ، ولكن ما لم يكن في الحسبان ، هو موت لينين نتاج المؤامرة اليهودية ، وانقلاب ( ستالين ) على مخطّطاتها ومخطّطيها ، وتخلّصه من جميع القادة اليهود في الحزب الشيوعي ، وإقامته لاتحاد سوفييتي قوي ، وامتلاكه للسلاح النووي ، ومقاسمته لأمريكا حكم العالم ، ودخول عصر الحرب الباردة ، الذي حجّم اليهود وطموحاتهم ، بوقوفه ندّا قويا في وجه أمريكا وطموحاتها ، فكان لا بد من تدميره وتفكيكه أولا ، عن طريق الغزو السلمي التسلي ، المطروح في البروتوكول رقم ( 9 ) .
فوجدوا في ( غورباتشوف ) ضالتهم ، الذي أدخل إصلاحاته الهدّامة . ولما أوشك الاتحاد على الانهيار ، أجهزوا عليه بعمليهم الآخر ( يلتسين ) ، فسيطر على مقاليد الحكم بالقوة ، وأنهى ما يُسمى بحلف وارسو ، وأزاح الحكم الشيوعي المناهض لأمريكا عن روسيا ، وأخذ بنصائح صندوق النقد الدولي ، للإصلاح الاقتصادي من خصخصة وغيرها ، فاستطاع المليارديرات اليهود ك ( بيريزوفسكي ) من شراء معظم المشاريع الاستثمارية الروسية ، وشراء القرار السياسي والاقتصادي الروسي ، وبالإضافة إلى ما كانت تواجهه روسيا من أوضاع اقتصادية متردّية ، أدخلوها في حرب استنزافية مع الشيشان في أوساط التسعينيات ، وكل ذلك حتى يتسنى لليهود أن يصولوا ويجولوا ، في كافة أرجاء العالم ليُحققوا طموحاتهم ، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ، وعندما خلت لهم الساحة بانهيار الاتحاد السوفييتي ، وتجيير قرارات روسيا بالأموال اليهودية ، أشعلوا حرب الخليج الثانية ، باستخدام نفس السيناريو المستخدم في الحرب العالمية الثانية ، والخروج بنفس النتائج ، وشاركت روسيا في الحملة الثلاثينية على العراق ، على استحياء من حليفها السابق ، غير أن الحصار العراقي ، شمل كل مناحي الحياة ، ولم يقتصر على التصنيع العسكري كما هو الحال مع ألمانيا واليابان .
وكان مؤتمر مدريد للسلام ، الذي كان في الأصل ، غاية لمخطّطي ومفكري اليهود التوراتيون في الغرب ، والذي لم يكن يوافق عليه حكام إسرائيل العلمانيون ، وذلك لخلق درع من معاهدات السلام ، لحماية إسرائيل من الأخطار الخارجية ، من دول ما وراء دول الطوق ، ولتحييد طول الطوق نفسها ، ودفعها لخوض الحروب نيابة عن الدولة اليهودية ، في حال فكرت أي دولة بعيدة ، كروسيا والعراق ، العدوين اللدودين حسب النبوءات التوراتية ، بالإضافة إلى مصر والسودان وليبيا ، والأردن وسوريا وإيران وأفغانستان ، وكل هذه الدول مذكورة في التوراة بأسمائها القديمة . ولذلك كانت هناك معاهدة السلام المصرية ، لقطع الطريق على مصر نفسها والسودان وليبيا ، وكانت المعاهدة الأردنية لقطع الطريق على الدول الشرقية ، ولم تتحقق معاهدة السلام السورية ، نتيجة التعنت السوري لاسترجاع هضبة الجولان ، التي لا تستطيع إسرائيل التخلي عنها ، بأي حال من الأحوال ، فكانت هناك معاهدة أمنية بين إسرائيل وتركيا ، بديلا عن المعاهدة السورية مؤقتا ، لقطع الطريق على روسيا ، أما هذه الأيام فالموقف من سوريا قد اختلف ، باختلاف الموقف السوري من إسرائيل ومن العراق ، مما يستدعي أفكارا جديدة ، وأسلوبا جديدا للتعامل مع سوريا .
ميكانيكيات وأدوات العمل المستخدمة لتنفيذ برامج المخطط الشيطاني
مجلس الأمن :
بغض النظر عما يُمثّله من أنظمة وقوانين وقرارات ، تأخذ طابع العدالة والإنصاف ، فالتطبيق في الواقع يختلف كليا ، ويأخذ طابع الجور والظلم ، كما هو الحال مع فلسطين والعراق من جانب ، وإسرائيل من جانب آخر . فالقرارات ملزمة للجانب الأول ، وغير ملزمة للجانب الثاني . وخذ إسرائيل وجنوب إفريقيا من جانب آخر كنظاميين عنصريين ، فالنظام الأول زالت عنه صفة العنصرية ، بقرار من مجلس الأمن مع بقاء النظام العنصري ، والثاني زالت عنه هذه الصفة بزوال النظام ، وهذا لا يُسمّى كما يحلو لبعض الغافلين ، ازدواجية في التعامل ، أو الكيل بمكيالين ، فالحقيقة هي أن مجلس الأمن الخاص بالأمم المتحدة ، هو مجلس أمن يهودي عالمي ، وبالتالي ليس هناك ما يُسمّى بمعيارين أو مكيالين ، بل هو معيار واحد ومكيال واحد ، يقيس كل الأشياء وفق الرؤى اليهودية الإسرائيلية ، فهو الذي أوجد دولة إسرائيل ، وهو الذي حافظ على بقائها وإدامتها .
لنطرح هذه التساؤلات : كم كان عدد الدول ، التي كانت قلقة بمصير اليهود ؟ وما الداعي لوجود دولة لليهود ، بما أن اليهودية ديانة وليست قومية ؟ ومن قال بأن القومية تعطي الشرعية لإقامة دولة ؟ فهناك الأكراد والأرمن وألبان كوسوفو وغيرهم الكثير ، ممن هم متواجدين على أراضيهم ! فلماذا لم يُوجد لهم مجلس الأمن دولا ؟! وبدلا من ذلك يتغاضى عن إبادتهم وقمعهم ، خاصة إذا كانوا مسلمين كالبوسنة وكوسفو والشيشان ، أو أعداءً لدولة حليفة لليهود كأكراد تركيا ، وعندما يتعلّق الأمر بالعراق يُصبح الأكراد في الشمال مسألة إنسانية تُقلق مجلس الأمن . فما مصلحة أمم العالم قاطبة ومجلس أمنها ، في إنشاء دولة لليهود ! مع وجود الأنظمة العلمانية في معظم دول العالم ، حتى في معظم الدول الإسلامية والعربية ! إلا أن يكون هذا المجلس هو مجلس أمن يهودي بحت ، ولكن كيف تحصّل اليهود على ذلك ؟
الجواب بسيط جدا ، من خلال التلاعب من خلف الستار ، بالترغيب والترهيب الاقتصادي ، للمصوّتين على القرارات ، لضمان الأغلبية لإصدار أي قرار يرغبون بتمريره . بالإضافة إلى إيجاد حق النقض ( الفيتو ) للدول دائمة العضوية ، منها ثلاث دول مؤيدة لإسرائيل بالسيطرة الاقتصادية ، مع أن واحدة تكفي ، لتعطيل أي قرار لا يخدم مصالح اليهود والدولة اليهودية ، واثنتان لا يُرتجَ منهما خيرا وهما روسيا والصين ، اللتان غالبا ما كانتا تتماشيان مع الرغبة الأمريكية ، نتيجة الاسترضاء السياسي ، كغض الطرف عن ممارسات هاتين الدولتين ، فيما يخص مثلا حقوق الإنسان في الصين ، أو اضطهاد الشعوب المُجاورة والأقليّات العرقية أو الدينية في روسيا ، بالإضافة إلى الاغراء الاقتصادي ، متعدد الأوجه والخيارات . وفي حال فكّرت إحداهما في استعمال أي منهما ، حق النقض على قرار يخدم إسرائيل ، تصبح دولة نازية ولا سامية ، وتبدأ الآلة الإعلامية اليهودية العالمية بالطبل والزمر ، فالأمور تصبح محسومة مسبقا ، ومؤخرا كُشف النقاب عن هذه السياسة علنا ، عندما هدّدت أمريكا دولة كولومبيا المستضعفة بفرض مقاطعة اقتصادية ، عندما صوّتت لصالح إرسال قوة حماية دولية للفلسطينيين .
ولنأخذ على سبيل المثال ، القرارات الخاصة بالعراق ، حيث اتُخذت بالإجماع ، بحجة مخالفة العراق للقانون الدولي آنذاك ، وطريقة تأمين الإجماع ، تمت كما هي العادة بطريقة آلية ، بالنشاط الملحوظ للديبلوماسية اليهودية الأمريكية من وراء الستار ، ومن أمام الستار أحيانا بجولات مكوكية . فمعظم دول مجلس الأمن ، إمّا أن تكون حليفة أو صديقة أو مديونة أو منهارة اقتصاديا . وعندما وُضع أول قرار بدأت الماكينة اليهودية ، بالدوران بأقصى سرعتها وطاقتها ، مدفوعة بأحقادها ومخاوفها التوراتية ، لفرض قرارات جديدة ، ولتأمين تطبيق القرارات وتنفيذها ، والعالم كله لا يعلم لغاية الآن ، حقيقة النوايا اليهودية الأمريكية البريطانية الفرنسية ، من وراء تلك الحرب وهذا الحصار . وفي الحقيقة ما وُضع بقرار لا يُرفع إلا بقرار ، وهذا ينطبق على الحصار ، ولن يُرفع هذا الحصار اليهودي التوراتي ، ما دامت أمريكا تملك حق النقض ، إلا أن يتم خرق هذا الحصار بدون قرار رفع ، من جانب دولة عظمى كروسيا أو الصين ، لا يستطيع القانون الدولي اليهودي الأمريكي معاقبتها ، كونها تمتلك سلاحا نوويا ، قادرا على أن يمحو أمريكا وحلفائها عن الوجود ، بما فيها من يهود ، وهذا الاحتمال يُعدّ نوع من المُغامرة في الظروف الراهنة ، ومع ذلك بدأ التمرد الروسي على أوامر أسياد العالم يلوح في الأفق .
المنظمات الإنسانية في الأمم المتحدة :
ما الذي تنادي به هذه المنظمات ؟ تنادي بحرية المرأة ، وحقوق الإنسان ، وحقوق الطفل ، وتنظيم النسل وتحديده ، وغيرها ، وكل هذه الحريات والحقوق ، عند المناداة بها ، غالبا ما تأخذ الطابع السياسي ، فانظر إلى الدول المتهمة ، بانتهاك هذه الحريات وهذه الحقوق ، هي الدول العربية الإسلامية أولا ، والدول الإسلامية غير العربية ثانيا ، والدول الشيوعية ، وما عدا ذلك إذا كان موجودا ، فهو لذرّ الرماد في العيون ، فما الذي يريدون من وراء ذلك ؟ انظر إلى الحياة الاجتماعية في الغرب ، الذي سمح ويسمح بهذه الحريات والحقوق ، تجد أن الإجابة هي ما يلي :
تحرّر الفكر ، فنتج الكفر والإلحاد وعبادة المادة وتقديسها ، تحررت النساء فتنازلن عن دورهن الفطري في الأمومة والتربية ، فنتجت كافة أنواع الإباحية والفجور والدعارة ، وأصبحت لحوم النساء عرضة للكلاب الضالّة . وتحرّرت الطفولة ، فتطاولت على الأباء والأمهات والمعلّمين والمعلّمات ، وتمرّدت عند البلوغ لتترك الأسرة ، وطفقت تبحث عن إشباع الغرائز والشهوات . لنخلص من ذلك إلى أن المطالبة بحماية هذه الحقوق والحريات ، هي في الأصل دعوة للتمرد على الطبيعة البشرية وأبجدياتها ، وعلى القيم الروحية والأخلاقية ، التي قدّمتها الأديان السماوية كمنهج للحياة . تهدف إلى ضرب الأسرة ، اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات ، بحرمان الأب من دوره القيادي ، مما يؤدي إلى تفكيك العلاقات ما بين أفرادها ، وضياع الرؤى المشتركة للبقاء والاستمرار . ولو قمت بإحصائية لعدد الغربيون ذوي الولادات الشرعية ! ربما لوجدت أن معظمهم أولاد زنا ، شرّ الخلق عند الله !! أما نحن … فماضون على الدرب لنواكب مُتطلبات العصر اليهودي … بجهود الجهابذة من مفكرين وخبراء واختصاصيين … من دعاة التحرّر والتحرير والإصلاح الاقتصادي والثقافي … وسنصل … عمّا قريب … إن لم يدّاركنا الله برحمته .
صندوق النقد الدولي :
مهمة هذه المؤسسة تقديم النصائح ، بما يُسمى ببرامج التصحيح الاقتصادي ، ومن ثم تقديم القروض ، والحصول على ضمانات للسداد ، ولكن هل تكترث هذه المؤسسة بمصير الأموال المقدّمة ، وهل تتابع تنفيذ برامجها التصحيحية ؟ وما هي طبيعة هذه البرامج وماذا تحمل في طياتها ؟ في الحقيقة تذهب معظم الأموال المقدّمة إلى جيوب ، المتنفّذين في الحكم ، وكنفقات للأجهزة الحكومية ، ولا تظهر المتابعة ، إلا عندما تقع الدول المديونة ، في أزمات اقتصادية يكون سببها في الأصل برامج الصندوق نفسها ، تعجز بسببها من سداد استحقاقات الدين ، فيأتي الصندوق بحزمة اقتراحات جديدة ، بديون جديدة وفوائد جديدة ، ومن ثم يتم إعادة جدولة الديون . ومن ضمن الاقتراحات رفع الضرائب والرسوم على كل شيء . وربما يضعوا في بيتك مستقبلا موظفا حكوميا ، ليحصي عليك عدد لقمات الطعام ، التي تأكلها أنت وأبناءك ، أو ما تحرقه عضلاتك من سكّر أثناء الحركة ، بما أنها نوع من الوقود ، ولتُجبى منك نسبة الضريبة على كل لقمة أو غرام من السُكّر ، مما يؤدي إلى رفع الأسعار باستمرار ، ويكون ضحيتها أولا وأخيرا المواطن المسحوق . ويُضاف دين جديد للخروج من الأزمة الاقتصادية ، وتُعاد جدولته مع الديون القديمة مرة أخرى ، ومن ثم تقع أزمة جديدة ، نتيجة الانسياب المستمر لرأس المال الوطني ، في المجتمعات الاستهلاكية وغير المنتجة ، فضلا السرقات والاختلاسات ، ومن ثم ديون جديدة ، وهكذا دواليك … ، فيتضخم أصل الدين القومي ليصل إلى أرقام فلكية ، لا تستطيع الشعوب حتى تسديد قيمة فوائدها السنوية …
وبالتالي تصادر أو بالأحرى تُشترى القرارات السياسية ، كما اشتُريت قرارات الاتحاد السوفييتي ، في حرب الخليج وما بعدها ، بعد أن اختلس ( غورباتشوف ) وحاشيته ، ما مجموعه أربعة مليارات دولار ، ثمنا لتدمير الاتحاد السوفييتي ، لكي يتمكن اليهود من التفرّد بحكم العالم ، من خلال نظامهم العالمي الجديد . وبعد أن أزاح الرئيس الروسي ( يلتسين ) غريمه من الكرملين بقوة المدرعات ، أكمل صفقة البيع ، فاختلس على مدى سنين حكمه ، ما مجموعه سبعة مليارات دولار ، من مساعدات صندوق النقد لدولي . ولما اكُتشف الأمر من قبل الروس ، وصار ( يلتسين ) قاب قوسين أو أدنى من الملاحقة القضائية ، اشتعلت بقدرة قادر أحداث داغستان ، والتفجيرات الوهمية في موسكو ، التي لم تُسجّل أي ضحية ، وشُنّت حرب غير مبررة للقضاء على الإرهاب في الشيشان ، وانشغل الشعب الروسي فيها ، ونسي اختلاسات ( يلتسين ) ، الذي قدّم استقالته ، واشترط علنا على خليفته ( بوتين ) ، عدم ملاحقته قضائيا عند تسلمه للسلطة ، فمن الذي مكّن ( يلتسين ) من ذلك ؟ وكيف صعد ( بوتين ) من المجهول ، ليصبح رئيسا لروسيا ؟!
يُصرّح الملياردير اليهودي ( سوروس ) ، بأن المسؤول عن تدبير ذلك ، هو الملياردير اليهودي الآخر ( بيريزوفسكي ) ، الذي قدّم التمويل لثوار داغستان الإسلاميين ، وبعد اشتعال النيران وغزو الشيشان ، انقطع التمويل . ويصرح زعيم الإسلاميين ( خطّاب ) صحفيا ، بعد أن شرب المقلب اليهودي ، وتبخرّت أحلامه في إقامة دولة إسلامية في داغستان ، بأن الاتفاق مع ( بيريزوفسكي ) ، لم يتطرّق إلى تدخل الطيران الروسي لقصف الثوار . وبالتالي ذهبت الشعب الشيشاني المسلم ، ضحية لمؤامرة ( يلتسين ، بيريزوفسكي ، خطّاب ، بوتين ) ، كما حصل مع الشريف حسين في الثورة العربية في الحرب العالمية بعد أن غُدر به ، فكانت نتيجتها الاستعمار والانتداب وضياع فلسطين وتشرذم الأمة العربية ، وكما حصل مع هتلر في الحرب العالمية الثانية ، ومع صدام حسين في حربي العراق المُدمّرتين . هل المشكلة في أن العرب ، لا يقرءون التاريخ أو القرآن أو التوراة أو الإنجيل ؟! أم أن العرب لا يقرءون شيئا ، وإن قرءوا لا يفهمون ، وإن فهموا لا يعملون . في الحقيقة هذا ليس من قولي ، وإنما سمعته يوما من أحدهم ، منسوبا إلى أحد زعماء اليهود ربما يكون ( بيغن ) ، والغريب أن سيناريو المؤامرة هو نفسه بكل حيثياته ، يتكرّر في كل مرة !!!
والسؤال هنا ، من هم أصحاب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الحقيقيون ؟! وإن كانت تملكهما الدول ، فما معنى أن تكون بلدان كأمريكا وبريطانيا وفرنسا واليابان مثلا ، من أكثر دول العالم أرقاما للدين القومي ؟! فالدين القومي الأمريكي المعلن لعام 2000 ، كما نُشر في إحدى الصحف ، يصل إلى 300 ألف مليار دولار ، والدين القومي الياباني يصل إلى 280 ألف مليار دولار ، وهما أكبر اقتصادان في العالم . ولم يكفهم كل ذلك ، وكما أخوة يوسف ، لم ينتظروا الفرصة ولم يتقاعسوا ، بل سارعوا لخلق الفرصة بالمكر والحيلة ، للظفر بأخيهم ، لم تستكن أبالسة الشر ، ولم يهدأ لهم بال ، فهم دائمو الحركة والبحث ، في مطابخ السياسة والاقتصاد هناك في الغرب ، وكل جيل يُكمل ما بدأه الآخر ، ويضيف عليه تعديلاته ، ويستعجل تنفيذ خطوات المخطط الشيطاني ، ويحلم كل جيل بأن يكون مجيء مليكهم المنتظر في زمانه ، وتأخّر التنفيذ يعني تأخر المجيء ، وآخر ما تفتّقت عنه أذهانهم ، في حلقات هذا المسلسل الطويل ، هو فكرة العولمة ، التي لا تعدو أكثر من كونها ، وحيا شيطانيا ، لنشر المذهب الشيطاني وفرضه على شعوب العالم .
العولمة :
العولمة : كلفظ مُجرّد مصطلح مُبهم ، ويصبح مفهوما وتضح ماهيته ، عندما تُضاف إليه كلمة أخرى ، كأن نقول عولمة الثقافة وعولمة الاقتصاد . وبما أننا نعلم أن من يُنادي بالعولمة ويدعوا إليها هي أمريكا ، فذلك يعني أولا : تعميم الثقافة الأمريكية ، وثانيا : تعميم النظام الاقتصادي الأمريكي الرأسمالي . وبشكل شمولي هو فرض الحضارة الأمريكية الغربية بكافة جوانبها ، كأسلوب جديد للحياة على كافة شعوب العالم ، ولو قمنا بتقييم بسيط للحضارة الأمريكية ، لوجدنا أن من رسم وشكّل معالم وأبعاد هذه الحضارة ، منذ بدايات القرن الماضي ، هم الأسياد الجدد لأمريكا ، أعني أرباب المال اليهود ، من خلال سيطرتهم المطلقة ، على كافة أدوات الإنتاج الأمريكي الاقتصادي والثقافي .
أما ملامح الحضارة الأمريكية ، فهي في الواقع ترجمة حيّة لما يحمله اليهود ، من عقائد كفرية إلحادية ، لا تؤمن إلا بكل ما هو محسوس ، تدعوا إلى تأليه رأس المال والاقتصاد وعبادة أصحابه . وتدعوا إلى أخلاقيات اجتماعية تلمودية ، سِمتها الانحلال والإباحية ، والدعوة لممارسة كل رذيلة ، والتحلل من كل فضيلة . لنخلص إلى القول إلى أن الغاية من العولمة ، هو نشر العقيدة اليهودية المادية الدنيوية ، الخاصة بأصحاب البروتوكولات اليهود تمهيدا لضربتهم النهائية .
في أواخر القرن الماضي ، تمكن اليهود من نشر هذه العقيدة في أمريكا والدول الغربية ، وبعد أن استحكمت قبضتهم على مواقع صنع القرار فيها ، من خلال امتلاكهم لرؤوس الأموال المحرّكة لاقتصاديات هذه الدول . ومع انتهاء الحرب الباردة وتفرّد أمريكا بحكم العالم ، امتلك هؤلاء القوة العظمى والوحيدة في العالم ، التي أصبحت كالمعلّم الشرس بعصاه الطويلة ، الذي يسعى كل التلاميذ لنيل رضاه ، بالانصياع لأوامره وترك نواهيه ، وينفذون ما يفرضه عليهم رغبة ورهبة ، حتى لو أوردهم موارد الهلاك . فأصبح لدى هؤلاء القدرة أكثر من أي وقت مضى – حسب تصورهم - على تنفيذ ما تبقى من خطوات مخططهم الشيطاني .
في الجانب الآخر من العالم ، تقف بشموخ المجتمعات الشرقية ، من المؤمنين بالله وحتى الملحدين والوثنيون ، ذوي المعتقدات والقيم الراسخة ، والتي غرسها وحافظ عليها الأنبياء والمفكّرين ورجال الدين ، قديما وحديثا ، فشكّلت حواجز منيعة أمام طموحات اليهودية العالمية ، وكانت آخر القلاع التي يتطلّعون إلى تحطيمها ، وما تبقى من أسوارها في طريقه للانهيار .
ولما أصبحت الرياح مواتية لهم ، جلس أسياد العالم وائتمروا فتفتّقت أذهانهم ، عن هذه الأفكار الجهنمية الخاصة بمنظمة التجارة العالمية وقوانينها ، ومتطلبات الانتساب إليها ، لاختراق جميع الحواجز الاقتصادية ، التي أقامتها الحكومات لحماية ثرواتها الوطنية ، من الانسياب التلقائي إلى جيوب أرباب المال اليهود . والتي سيكون بمقدورهم من خلالها ، إصابة عدة عصافير بحجر واحد .
وسائلها الثقافية : بالترتيب هي ، المطبوعات والراديو والسينما والتلفاز والفيديو والأطباق اللاقطة وأخيرا الإنترنت . وكان ابتكار الإنترنت بمُشاركة الأطباق اللاقطة ، التي أُجبرت الدول العربية ، على السماح بدخولها واقتناها ، قبل 4 إلى 5 سنوات ، أكبر ضربة لما أقامه هؤلاء من حواجز ، لحماية شعوبهم من الغزو الثقافي الغربي . وجاءت العولمة الاقتصادية لترفع الرسوم الجمركية عنها ، لتصبح في متناول من لا يملك ثمن رغيف الخبز ، ولتكون بمثابة حصان طروادة ولكن بحلّة جديدة ، لتصل إلى البدوي في خيمته ، والمشرّد في كهفه ، والموظف في مكان عمله ، والطالب في جامعته ومدرسته ، وحتى الطفل في مهده .
التحذير من خطر العقائد والأخلاقيات اليهودية ، والتي يسعون الآن لنشرها تحت مُسميات عولمة الثقافة وعولمة الاقتصاد ، جاء في بعض أقوال رؤساء الغرب :
( لنكولن ) : " … فقد أصبحت السيادة للهيئات والشركات الكبرى … إذ أن أصحاب رؤوس الأموال ، سيعملون على إبقاء سيطرتهم على الدولة … وستصبح ثروة البلاد بأكملها ، تحت سيطرة فئة قليلة … الأمر الذي سيؤدي إلى تحطم الجمهورية " .
( فرانكلين ) : " ومع أنهم يعيشون بيننا منذ أجيال … فإن مُثُلهم العليا ما زالت تختلف كليا ، عما يتحلى به الشعب الأمريكي من مُثُل … فالفهد الأرقط لا يمكنه تغيير لون جلده ( عبارة مقتبسة من التوراة ) " .
( هتلر ) : " ومن جهة أخرى يحارب ، الروح المادية اليهودية ، المتغلغلة في نفوسنا وفي نفوس الآخرين " .
بعد هذا العرض نستطيع تعريف لفظ العولمة على أنها :
مصطلح مضلل استعمل كغطاء ، للتعبير عن برنامج يهودي أمريكي لتهويد العالم بأسره . أدواته الثقافية هي وسائل الاتصال والإعلام المختلفة ، وأدواته الاقتصادية صندوق النقد والبنك الدولي والخصخصة ومنظمة التجارة العالمية . وغايته أولا : خلق ديانة مادية جديدة ، تحت عنوان الثقافة والتحضّر ، وثانيا : نهب ثروات الشعوب ، تحت عنوان تحرير التجارة . وذلك لتهيئة الأجواء ، لظهور اليهود كأسياد للعالم بأسره ، عندما يحين الوقت المناسب لذلك .
أخطار العولمة على أرض الواقع :
الخطر الاجتماعي ؛ يتمثّل في ضرب منظومة العقائد والقيم والأخلاق ، لدى الشعوب المختلفة في العالم ، والتي بدورها تشكل الضمير الإنساني للفرد ، الذي يُحاول السمو بالإنسان إلى مرتبة الملائكة . وأما الهدف النهائي المرتجى من بعدها الاجتماعي ، هو تشكيل أجيال جديدة تبحث بشتى الوسائل والسبل ، عما يُشبع غرائزها ورغباتها ونزواتها ، لتهبط بالإنسان إلى ما دون مرتبة الحيوان ، وبذلك يسهل على مخططي المؤامرة اليهود سياسة هذه الأجيال وتذليلها . وبالتالي لن تكون هناك معارضة ، لمثل هؤلاء فيما لو حُكموا من قبل سادة العالم الجدد ، ملوك الإلحاد والإباحية ، وهذا ما تصبوا إليه الأجيال التي هي في طور التشكّل الآن .
وقد بدأنا في السنوات الأخيرة ، نرى نماذج من المسوخ البشرية ، في العديد من بيوت المسلمين . فتيان وفتيات لا يرغبون في التعلم أو العمل ، والفشل هو السمة البارزة في أعمالهم وتوجهاتهم ونتائجهم . يجوبون الشوارع ويرتادون الأماكن العامة ويذهبون إلى الجامعات ، بحثا عن الحب والمجون والخلاعة ، بعد أن أصبحت جامعاتنا وشوارعنا معارض لدور الأزياء العالمية ، ولا أحد يريد العفاف والطهر ، لذلك تجدهم يعزفون عن الزواج ، وكما قال أحد المتعولمين : " ما دام الحليب موجود في السوق ، فما الداعي لشراء البقر ؟ " .
وأكبر الأثر في تشكيل هذه النماذج ، هي القنوات الفضائية العربية – فضلا عن قنوات الإباحة الأجنبية – وخاصة التي تضم في طاقمها مقدّمي ومقدّمات البرامج اللبنانيون ، بعرض الكاسيات العاريات المائلات المميلات ، اللواتي يتحدثن بلسان عربي مبين ، مما أعطى المبرر لفتياتنا ، وكسر الحاجز النفسي لديهن ، ليتّخذن منهن قدوة تُحتذى ، بمباركة من الأب الذي يُربّت على كتف ابنته ، أثناء مشاهدته لتلك الغواني وأولئك المخنّثين ، بعين الرضا والقبول والإعجاب والاستحسان والاستمتاع .
ما تراه اليوم أن رجال أمة الإسلام ، يتحدّون الله وحدوده وحُرماته ، عن سبق إصرار وترصّد ، وهم يدفعون فتياتهم بشكل مباشر لممارسة مهنة عرض الأزياء ، في الشوارع والأماكن العامة والجامعات وأماكن العمل . هدفهن دائما وأبدا الإغواء والفتنة بحركات وأصوات ، لا تقوم بها إلا إناث القطط في شهر شباط ، ولمرة واحدة في السنة ، أمّا رجال بلاد العرب أوطاني ، شيوخا وشبابا ، أصبحوا كذكورها ، ولكن على مدار السنة . لينتهي بهن المطاف في أحضان الرذيلة ، فلا أحد معصوم ، والذباب البشري الجائع يملأ الأجواء ، بحثا عن قطة الحلوى أو كيس للقمامة ، فلا فرق عنده . وأما الإنترنت فحدّث ولا حرج ، والنساء تتهافت عليها أكثر من الرجال …
أما أطفال أمة الإسلام ، فهم بين أيدي أمهات صفتهن قد تقدّمت أعلاه ، لا يفقهن من الزواج شيئا ، ولا يملكن من عاطفة الأمومة واحد بالمليون ، مما تمتلكه وحوش القفر . وتربية الأطفال لديهن ، تقوم على مبادئ تربية الدواجن وتسمين الخراف . أطفال مهملون في زوايا الغرف ، يحملقون في برامج المسوخ المتحركة ، وأغاني ومسلسلات وأفلام الدعارة العربية والأجنبية . أما في المدرسة فقد عُمِدَ إلى تغيير المناهج المدرسية ، لسلخ الطفل عن هويته الإسلامية العربية ، فحُذفت أمجاد الأبطال والبطولات الإسلامية ، وبدلا منها تم تصميم بطولات وهمية لأبطال من ورق . وربما يضيفون غدا مناهج التربية الجنسية لتثقيف الأجيال الناشئة ، فالغرائز تحتاج إلى تعلم . وتم تغيير أساليب التربية والتدريس ، بإلغاء عقوبة الضرب ، وإلغاء عقوبة الرسوب ، وإدخال لغة العولمة ، كمبحث أساسي في المناهج الدراسية .
وخلاصة القول بأنهم سيُهوّدون العالم ، تحت غطاء أمريكي مدموغ بِ ( made in USA ) ، لدرجة أنهم ربما ، يُجبروك على الذهاب لصلاة الجمعة ، في يوم السبت أو الأحد ، بعد إحدى ندوات حوار الأديان .
أما الخطر الاقتصادي ؛ فيتمثّل في ضرب قوانين الحماية ، التي وُضعت للمحافظة على الثروة الوطنية . لتسهيل عملية سلب ثروات الشعوب ، وتكديسها في المصارف العالمية وإفقارها وتجويعها . إذ لم يكفهم ما يقوم به البنك الدولي وصندوق النقد والخصخصة ، من نهب لثروات الشعوب ، من خلال تغلغل الاستثمارات اليهودية ، في شتى أقطار العالم ، بعد كل هزة أو أزمة اقتصادية مفتعلة ، بشكل مباشر أو غير مباشر . فموجة الخصخصة التي هي أحد برامج صندوق النقد الدولي ، أتاحت لرؤوس الأموال اليهودية ، لدخول الدول العربية ، تحت مُسميات شركات أجنبية عالمية كبرى ، أو عن طريق شركات محلية بأسماء عربية صورية ، مقابل حفنة من الدولارات .
بل ابتكروا ما هو أخطر بكثير ، الشق الأخر الذي كان ( كلينتون ) يُروّج للانضمام له ، ألا وهو ( منظمة التجارة العالمية ) ، والتي تدعو لتحرير التجارة وتحرير رأس المال . والملاحظ أن كل مبادئهم الهدامّة ، عادة ما تحمل صفة التحرير أو التحرر ، وانظر إلى هذا القول الأعرج الأعوج ، فالشعوب عندما تحمي سلعتها وصنعتها ، تصبح مُستعمِرة لتجارتها ، لذلك فهي بحاجة إلى التحرير . أما المراد من وراء ذلك في الحقيقة ، فهو السطو على مكتسبات الدول الغنية والفقيرة ، بطرق شرعية ملتوية ، مغطّاة بأوراق التغليف البراقّة الملوّنة ، لتسحر أعين الشعوب المسحوقة ، بما يُشبه عملية التنويم المغناطيسي . ولنوضح ما نقصده بذلك ، بأنك تستطيع في البداية على سبيل المثال ، الحصول على سيارة جيدة بثمن زهيد ، نتيجة تخفيض الجمارك والرسوم ، ولكن هذا التخفيض سيترتب عليه ، عجز كبير في الموازنة العامة للدولة ، فمن أين ستغطي الدولة هذا العجز برأيك ، إن لم تعتمد على فرض رسوم وضرائب بديلة تحت مسميات أخرى ، لتصل في النهاية إلى عدم القدرة ، على شراء الوقود لتلك السيارة ، لعدم قدرة الراتب على تأمين متطلبات الحياة الأساسية .
فبعد أن تمكّنوا من خلق قطعان من المستهلكين ، تنظر بعين القداسة لكل ما هو غربي ومستورد ، من منتجات ثقافية وتكنولوجية استهلاكية الطابع ، جاءوا باتفاقيات هذه المنظمة ، لرفع القيود ، من قوانين جمركية وضريبية على السلع المستوردة ، وذلك بغية فتح الأسواق الوطنية للسلع الأجنبية ، وبالتالي تتهافت المجتمعات الاستهلاكية ، على تلك السلع ، فتتسرّب العملة الوطنية إلى الخارج بلا توقف ، ويترتّب على ذلك عجز كبير ، في ميزانيات دول العالم الثالث ، التي لا تملك صناعات منافسة ، تعوّض وتعيد جزء من العملة المفقودة . لذلك ستضطر الحكومات ، إلى اتخاذ إجراءات علاجية عديدة ، لسدّ عجز الموازنة ، التي غالبا ما يتكفل بها صندوق النقد الدولي ، بزيادة الضرائب بكافة الأشكال والمُسمّيات ، بمبررات ومن غير مبررات أحيانا ، بالإضافة إلى تراكم ديون جديدة ، وزيادة الضرائب تعني رفع الأسعار تلقائيا ، وهكذا دواليك … ، وسيظهر التأثير المدمّر على شعوب الدول التي انضمّت لهذه المنظمة ، خلال فترة ربما لا تزيد عن سنة أو سنتان . وذلك عندما تبدأ المؤسسات والشركات الوطنية ، بالإفلاس والانهيار تباعا ، ومن ثم انتشار البطالة والفقر والجوع بين مواطنيها ، انتشار النار في الهشيم .
هناك فرق شاسع ، بين فلسفة الاقتصاد وفلسفة الدمار والخراب . تقضي فلسفة الاقتصاد بأن تنفق أقل مما تُنتج ، وتدّخر الفائض لتقلبات الزمن ، وأما فلسفة الدمار والخراب ، تقضي بأن تنفق أضعاف أضعاف ما تنتج ، لتنتهي في أحضان صندوق النقد الدولي ، ولا أظن من قال : " على قدّ لحافك مدّ رجليك " كان حاصلا على دكتوراه في الاقتصاد ، ليصل إلى هذه النتيجة . وأتساءل كيف عاشت البشرية ما يُقارب الستة آلاف سنة ، بدون صندوق النقد الدولي وبرامجه الإصلاحية .
أما الآن … فأمعن النظر والفكر والوجدان ، في كل ما يدور من حولك ، في بيتك ، في الشارع ، في المدرسة ، في الجامعة ، في وطنك ، بل في العالم أجمع … وأجب هن هذا التساؤل … على أيّ هدي ، يسير هذا الواقع الذي نحن عليه الآن … ؟! على هدي القرآن … أم على هدي أسياد هذا الزمان !
نبذة بسيطة عن يهود العالم
من حيث المنشأ ، ينقسم الشعب اليهودي إلى ثلاثة أقسام :
ـ اليهود الغربيون : وأغلبهم أثرياء ، استطاعوا التغلغل في أوروبا الغربية في نهاية القرون الوسطى ، وبدايات عصر النهضة ( 16-17) ، فازدادوا ثراء فوق ثراء ، بما لديهم من وسائل وإمكانيات وأخلاقيات ، لجمع المال بطرق مشروعة وغالبا غير مشروعة ، لم يكن الأوروبيون والأمريكيون يُمارسونها أو يتنبّهوا إليها ، رغم كل تحذيرات الرؤساء والساسة والخبراء المخلصين لأممهم ، حتى " وقع الفأس في الرأس " ، فتربعوا على عرش الاقتصاد العالمي حاليا .
ـ اليهود الشرقيون الإشكناز : وأغلبهم فقراء ، وقد بقي حالهم كذلك ، في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا الفقيرة ، وكانوا مضطهدين ومنبوذين ، في أغلب الأحيان ، ويعيشون فيما يُسمّى بالغيتوهات أو الكيبوتس .
ـ اليهود الشرقيون العرب : وهم الذين عاشوا في البلدان العربية ، كأفراد وجماعات ، يتمتعون بحق المواطنة مثلهم مثل غيرهم ، وكثير منهم أُجبر على الهجرة إسرائيل ، من خلال دبّره الموساد الإسرائيلي ، من أزمات لإرغامهم على المغادرة ، وبقي جزء منهم في البلدان العربية لغاية الآن .
أما من حيث التوجه فينقسموا إلى ثلاث أقسام :
ـ المتحرّرون : وأغلبهم من يهود الغرب ، ومهمتهم تنفيذ ما جاء في بروتوكولات الحكماء ، وحكم العالم اقتصاديا وسياسيا ، يكونون فيه شيوخ الأمة ، ويضعون الدستور ، ويرسمون السياسية ، ويُنصّبون مَلِكا من أنفسهم ، دكتاتورا مُطلقا على العالم ، يؤمر فيُطاع ، ويكون بمثابة الإله على الأرض ، ولا إله في السماء ، فيُصبح اليهود أسيادا وبقية خلق الله ، بلا استثناء عبيدا لهم .
ـ العلمانيون : وأغلبهم من يهود الشرق الأوروبي ، ومهمتهم هي تنفيذ أهداف الحركة الصهيونية السياسية ، التي تلفّعت بالدين اليهودي ، من أجل تحقيق أهدافها السياسية ، بإيجاد " غيتو " قومي لليهود في فلسطين ، لرفع الاضطهاد والذل الذي لازمهم طيلة ، ولإيجاد موطئ قدم لهم ، فنوائب الدهر الغربية غير مضمونه ، فربما ينقلبون عليهم يوما ما ويطردونهم ، وهم الذين يشكّلون الأحزاب العلمانية في الدولة اليهودية .
ـ المتدينون : وأغلبهم من يهود الشرق بما فيهم يهود البلاد العربية ، وظهرت منهم حركات دينية متطرفة كثيرة ، ومهمتهم هي تنفيذ الوصايا التوراتية ، التي خطّها أحبارهم القدماء على شكل نبوءات ، وتتلخص في استلاب الأراضي ، وتهجير السكان الوثنيين ، والاستيطان ، وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل ، تمهيدا للملك اليهودي الداودي القادم ، الذي سيأتي من ربوات القدس ، ليحكم العالم إلى الأبد ، فينتشر الحق والعدل والسلام اليهودي في الأرض ، وهم الذين يشكّلون الأحزاب الدينية المتطرّفة .
وكل هذه الأصناف اليهودية ، في المحصلة وجوه عديدة لعملة واحدة ، هي التوراة والتلمود ، أخطر وثيقتين على مستقبل البشرية والعالم ، لذلك احتل التحذير من اليهود واليهودية ، مساحة شاسعة من قرآننا العظيم . بينما احتل الفكر اليهودي المادي ، مساحة شاسعة ، من عقول أمة الإسلام ، فنسيت إلهها ، وعبدت العجول الذهبية المادية للسامريّون الجدد .
آخر ما نود قوله ، أن اليهود قطعوا شوطا كبيرا ، في تنفيذ مخططهم الشيطاني للسيطرة على العالم ، حتى صاروا ( نظريا ) قاب قوسين أو أدنى ، من الوصول إلى هدفهم النهائي في ظرف سنين قليلة ، ونجاحهم اعتمد في الدرجة الأولى ، ليس على ذكائهم ومكرهم ودهائهم فحسب ، بل في العزف على وتر يطرب له جميع الناس ، بلا استثناء إلا من رحم وهدى ربي ، ألا وهو سهولة وقوع النفس البشرية أسيرة لأهوائها وأطماعها ، ومن ثم إرغامها على الخلود إلى الأرض ، لترضى بالحياة الدنيا وتطمئنّ بها ، عندما تنعدم لديها القيم الروحية الإيمانية ، المُتحصّلة من فهم حقيقة العلاقة ما بين السماء والأرض ، والتي توضحها سورة الإسراء بكل فصولها ، فاقرأها إن رغبت في الفهم ، فهي تحكي واقعنا المعاصر بكل فصوله ، ومن أجل أن تفهم فصولها ، كان هذا الفصل في هذا الكتاب .
وقد يسأل سائل : ثم ماذا ؟ نُجيب بقوله تعالى : ( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ، يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42 الرعد ) وقوله : ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26 النحل ) .
والعلو اليهودي قائم على قاعدتين ، هما إسرائيل كموطن بما فيها القدس ، كعاصمة مستقبلية للدولة اليهودية العالمية الأبدية ، وأمريكا كقوة اقتصادية عسكرية ، لتمكين هذا الحلم اليهودي . فلا غرابة ولا عجب ، إن أتى الله هذا البنيان من القواعد ، فخرّ على رؤوسهم وعلى رؤوس من يشدّ على أيديهم ، سقف أحلامهم وطموحاتهم ، فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون .
ونختم هذا الفصل بنص من التوراة ، يؤكد لليهود أن عاقبة أفعالهم ، ستكون مدمرة لا محالة ، وأن الكأس التي جرّعوها للشعوب ، لا بد أن يتجرّعوها في النهاية ، حتى لو تخندقوا في الحصن الأمريكي البريطاني المنيع ، فذلك لن يُجدي نفعا ، ومهما كُبرت أمريكا وعظمت وتعالت ، فالله أكبر وأعظم وأعلى ، وليت عبدة أمريكا من أمتي يفقهون ذلك ، لعلهم يرجعون ، قبل فوات الأوان .
" ويل لمن يكوّم لنفسه الأسلاب ، ويثرى على حساب ما نهب ، إنما إلى متى ؟ ألا يقوم عليك دائنوك بغتة ، أولا يثورون عليك ويُملأونك رُعبا . فتصبح لهم غنيمة لأنك سلبت أمما كثيرة ، فإن بقية الشعوب ينهبونك ثأرا ، لما سفكت من دماء ، وارتكبت من جور في الأرض ، فدمّرت مُدنا ، وأهلكت الساكنين فيها . ويل لمن يدّخر لبنيه مكسب ظلم ، ويُشيد مسكنه في مقام حصين ، ليكون في مأمن من الخطر . لقد لطّخَتْ مؤامرتك بيتك بالعار ، حين استأصلت أمما عديدة ، وجلبت الدمار على نفسك ، حتى حجارة الجدران تصرخ من شرّك ، فتردّد الدعائم الخشبية أصداءها . ويل لمن يبني مدينة بالدماء ، ويُؤسس قرية بالإثم " . ( التوراة : سفر حبقوق 2: 6-12 )
قال تعالى
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ، وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ، مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، طُغْيَانًا وَكُفْرًا ، وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64 المائدة )

النبوءات التوراتية بين الماضي والمستقبل
بالرغم من تحريف التوراة ، ونسخها وتأليفها عدة مرات ، وضعف الترجمة إلى العربية وانحيازها . إلا أنها ما زالت تحوي بقية من كلام الله جلّ وعلا ، تستطيع الاستدلال عليها ، من خلال مقابلتها ومقارنتها ، مع ما لدينا من وحي ، وتستطيع أحيانا ملاحظة الأساليب ، التي تم بها كتابة التوراة ، من إضافة وحذف وتبديل لمواضع العبارات ، كما أخبر عنها القرآن الكريم . وهذه البقية هي ما كان يستدل اليهود من خلالها وما زالوا ، على بعض الأحداث المستقبلية ، كبعث عيسى ومحمد عليهما السلام قديما ، وما سيقع من أحداث النهاية مستقبلا .
وكما قلنا في الفصل السابق ، أن معرفتهم بما وجد لديهم من نبوءات ، كانت بمثابة القوة الدافعة ، في تحركاتهم لاستباق تحقّق هذه النبوءات ، على أرض الواقع ، ولم ولن يألوا جهدا ، في استعجالها إن وافقت أهوائهم ، أو في تعطيلها إن خالفتها ،
في هذا الفصل ، سنتتبع في البداية ، بعض الأخبار التي وردت في التوراة ، بشكل مقتضب وسريع ، ومن ثم سنعرض جانبا من النبوءات التوراتية ، التي تحققت في الماضي ، وجانبا من النبوءات التي لم تتحقق بعد ، مما يُساعد على استقراء بعض النبوءات المستقبلية لديهم ، لنتعرّف على المخاوف اليهودية ، وتطلعاتهم وأحلامهم وأمانيّهم ، المتعلّقة بعودتهم إلى فلسطين للمرة الثانية .
ومن خلال هذا الكشف تستطيع التعرف على حقيقة العقلية ، التي يُفكّر بها يهود ، ومن ثم قراءة مواقفهم وسياستهم ، على الساحتين العالمية والإقليمية ، وتستطيع أيضا قراءة سياسات ومواقف أمريكا ، التي يحكمها ويديرها في الخفاء ، زعماء المؤامرة العالمية ، من الأثرياء والحاخامات اليهود ، لتجد أن التوراة ونبوءاتها هي ما سيّر اليهود في الماضي ، وهي ما يُسيّرهم في الحاضر والمستقبل .
قال تعالى ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ، ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79 البقرة )
وقال أيضا ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89 البقرة )
وقال أيضا ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا ، يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ ، وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78 آل عمران )
خبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في سفر التكوين
وعد الله لنسل إبراهيم بامتلاك الأرض :
" تكوين : 15: 18: في ذلك اليوم ، عقد الرب ميثاقا مع إبراهيم ، قائلا : سأعطي نسلك هذه الأرض ، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات " .
" تكوين : 17: 4-8: ها أنا أقطع لك عهدي ، فتكون أبا لأمم كثيرة ، وأُصيّرك مُثمرا جدا ، يخرج من نسلك ملوك ، فأكون إلها لك ولنسلك من بعدك . وأهبك أنت وذريّتك أرض كنعان التي نزلت فيها غريبا ، مُلكاً أبديا " .
ـ تكرار الوعد لإبراهيم ، بأرضين مختلفتين ، ناتج عن كون التوراة ، جُمعت من مصدرين مُختلفين كما سبق وأوضحنا ، وأحد المصدرين أقل تطرّفا ومُغالاة ، في التحريف والكذب من الآخر ، وهذا الوعد بما أنه كان لإبراهيم ونسله ، فهو ليس حكرا على نسل إسحاق ، بل يشمل نسل إسماعيل أيضا .
وعد الله لهاجر في إسماعيل :
" تكوين : 16: 10 وقال لها ملاك الرب : لأُكثّرنّ نسلك فلا يُعدّ من الكثرة ، هو ذا أنت حامل ، وستلدين ابنا وتدعينه إسماعيل ، ويكون إنسانا وحشيّاً يُعادي الجميع والجميع يُعادونه ، [ وأمام جميع أخوته يسكن ] " .
ـ همجيّ متوّحش وإرهابي ، معاد للبشرية ، هذه هي صورة ، إسماعيل عليه السلام نبي الله ، جد العرب ، وهي ذاتها صورة الإنسان العربي في وسائل الإعلام الغربية ، من سينما وتلفزيون وصحف ومجلّات ، ومصدر هذه الصورة هو التوراة ، والمُنتج المُنفذّ هم اليهود ، المُسيطرون على كافة وسائل الإعلام الغربية . فالرب يقول ذلك ، لا كذبة التوراة ، وإذا كان العرب مستاءون من هذه النظرة لهم ، فليجرؤ أحدهم على مطالبة اليهود والنصارى ، بحذف كلمات الرب هذه ، من كتابهم المقدّس ، كما يُطالبوننا بحذف الآيات التي تحضّ على قتالهم ، من الكتب المدرسية .
وعد الله لإبراهيم في سارة ونسلها :
" تكوين : 17: 15-19: وقال الرب لإبراهيم : أما ساراي زوجتك ، وأُباركها وأُعطيك منها ابنا ، سأباركها وأجعلها أمّا لشعوب ، ومنها يتحدّر ملوك أمم ، إنّ سارة زوجتك هي التي تلد لك ابنا ، وتدعو اسمه اسحق وأُقيم عهدي معه ، ومع ذريّته من بعده إلى الأبد " .
وعد الله لإبراهيم في إسماعيل ونسله :
" تكوين : 17: 20: وأمّا إسماعيل فقد استجبت لطلبتك من أجله ، سأُباركه حقا ، وأجعله مُثمرا ، وأكثّر ذريّته جدا ، فيكون أبا لاثني عشر رئيسا يلد ، ويُصبح أمّة كبيرة " .
هجرة هاجر وإسماعيل إلى صحراء فاران :
" تكوين : 21: 14-21: فنهض إبراهيم في الصباح الباكر ، وأخذ خبزا وقربة ماء ، ودفعهما إلى هاجر ، ووضعهما على كتفيها ، ثم صرفها مع الصبي ، فهامت على وجهها في برية بئر سبع . وعندما فرغ الماء من القربة ، طرحت الصبي تحت إحدى الأشجار ، ومضت وجلست قبالته ، على بُعد مائة متر ، ( تبريرهم : حتى لا تشهد موت الصبي ) ، ورفعت صوتها وبكت . ( ناداها ملاك الرب قائلا ) : " قومي واحملي الصبي ، وتشبّثي به لأنّي سأجعله أمّة عظيمة " ، ثم فتحت عينيها ، فأبصرت بئر ماء ، فذهبت وملأت القربة وسقت الصبي . وكان الله مع الصبي فكبُر ، وسكن في صحراء فاران ، وبرع في رمي القوس ، واتّخذت له أُمّه زوجة من مصر " .
ـ في هذا النص يُوحي كتبة التوراة ، أن إبراهيم تخلّى عن هاجر وابنها وطردهما طردا ، ويقولون في بداية النص ، أنه سكن بئر السبع ، وأن بئر زمزم تفجّرت فيها ، وفي نهاية النص يقولون بأنه سكن في صحراء فاران ، وهذا يعني أن التسمية العبرية القديمة ، لصحراء الجزيرة العربية هو صحراء فاران ، وجبال فاران هي جبال مكة أو الجزيرة العربية ، ولذلك كان اليهود يعلمون على وجه التحديد ، أن نبياً من نسل إسماعيل ، سيُبعث في جزيرة العرب ، فارتحلوا إليها وسكنوا فيها .
التبشير بمحمد عليه الصلاة والسلام في سفر التثنية على لسان موسى عليه السلام
" تثنية : 18: 18: فقال لي الرب : لهذا أُقيم لهم نبيا من بين أُخوتهم مثلك ، وأضع كلامي في فمه ، فيُخاطبهم بكل ما آمره به ، وكلّ من يعصي كلامي ، الذي يتكلم به باسمي ، فإني أُحاسبه " .
ـ وقول موسى عليه السلام ، نبيا من بين أُخوتهم ، يعني أنه من غير بني إسرائيل ، بل من أخوتهم ، وأخوتهم كما نعلم هم نسل إسماعيل عليه السلام ، بدلالة التوراة نفسها في النص الوارد أعلاه ( 16: 12 ) ، وهذا القول بطبيعة الحال ، لا يُشير إلى عيسى عليه السلام ، كون أُمه من بني إسرائيل . وقوله نبيا مثلك ، يعني يماثله في كل شيء تقريبا ، من لحظة ولادته بما شمله الله من رعاية وعناية ، وبعثه ورسالته ومعاناته ، وحتى مماته عليه السلام .
" تثنية : 33: 2 [ فقال ( موسى عليه السلام ) : جاء الرب من سيناء ، وأشرق لهم من سعير ، وتلألأ من جبال فاران ، وأتى من ربوات القدس ، وعن يمينه نار شريعة لهم ] " .
ـ وهذا النص يحمل في ثناياه أربع نبوءات هي :
1. جاء الرب من سيناء . وسيناء هو ( طور سيناء ) في وادي عربة ، مكان الوحي الذي أُنزلت فيه الألواح ، على موسى عليه السلام .
2. وأشرق لهم من سعير . ، حيث بُعث عيسى عليه السلام بالإنجيل ، قال تعالى ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16 مريم ) وقال ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50 المؤمنون ) وسعير على ما يبدو من الآيات الكريمة ، هي منطقة شرقي القدس ، تقع على تلة ذات أشجار مثمرة وفيها عين ماء جارية .
3. وتلألأ من جبال فاران . جبال فاران هي جبال الجزيرة العربية ، حيث تقع مكة ، مكان سُكنى إسماعيل بدلالة التوراة نفسها ، حيث بُعث محمد عليه الصلاة والسلام بالقرآن ( لاحظ هنا الفعل تلألأ ) ، دلالة على ما سيكون للإسلام من شأن عظيم . وهذا دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129إبراهيم ) ، وهذه استجابة دعائهما ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2 الجمعة )
4. وأتى من ربوات القدس . وهي النبوءة التي لم تتحقق لغاية الآن ، حيث لا شريعة جديدة ، بل تجديد لشريعة قائمة .
ـ والنبوءة الأخيرة فُسرّت على ثلاثة أقوال :
• المسلمون : ظهور المهدي وعودة الخلافة الإسلامية واتّخاذ القدس عاصمة لها .
• اليهود : ظهور مَلِك اليهود المنتظر ، الذي سينتصر على أعداء إسرائيل ، في حرب العالمية النووية الثالثة ، ومن ثم يحكم العالم إلى الأبد .
• النصارى : عودة عيسى عليه السلام ، ليخلّص أتباعه برفعهم فوق السحاب ، عند نشوب تلك الحرب ، ومن ثم يحكم العالم مدة ألف عام .
سفر إشعياء يُخبر عن نبينا عليه الصلاة والسلام وعن أمته
مما روى البخاري في صحيحه " عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ ، قَالَ : أَجَلْ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ ، بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) ، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ ، بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا ، وَآذَانًا صُمًّا ، وَقُلُوبًا غُلْفًا " . وأخرجه أحمد في مسنده .
وقال تعالى ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ، قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ، تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ، أَنْتَ وَلِيُّنَا ، فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ، إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ، قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، فَسَأَكْتُبُهَا ، لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ، الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ، وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ، فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159 الأعراف )
خاتم النبوة على كتفه واسمه أحمد :
من كتاب ( المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ) لأبي الفرج " عن حسان بن ثابت ، قال : إني لغلامٍ يفعة ، ابن سبع أو ثمان ، إذا يهوديٌ بيثرب ، يصرخ ذات غداة : يا معشر يهود ، فلما قالوا : ما لك ، ويلك ! قال : طلع نجم أحمد ، الذي ولد هذه الليلة ، قال : فأدركه اليهودي ولم يؤمن به " .
من كتاب ( المنتظم ) " أخبرنا أبو الحسن بن البراء قالت آمنة : … وكان بمكة رجل من اليهود حين ولد ، فلما أصبح ، قال : يا معشر قريش ، هل ولد فيكم مولود ؟ قالوا : لا نعلمه ، قال : ولد الليلة نبي العرب ، به شامة بين منكبيه سوداء فيها شعرات ، فرجع القوم ، فسألوا أهليهم فقيل : ولد الليلة لعبد المطلب غلام ، فلقوه فأخبروه ، فنظر إليه ، فقال : ذهبت النبوة من بني إسرائيل ، هذا الذي سرّه أحبارهم ، يا معشر قريش ، والله ليسطونّ بكم سطوة ، يخرج نبأها من المشرق إلى المغرب " .
" إشعياء : 9: 2: الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما ، والمقيمون في أرض ظلال الموت ، أضاء عليهم نور عظيم … 9: 6-7: لأنه يُولد لنا ولد ، ويُعطى لنا ابن يحمل الرياسة على كتفه ، ويُدعى اسمه عجيبا ، مُشيرا ، إلها قديرا ، أبا أبديا ، رئيس السلام ، ولا تكون نهاية لنمو رياسته وللسلام ، اللذَيْن يسودان عرش داود ومملكته ، ليُثبتها بالحق والبرّ ، من الآن وإلى الأبد ، إن غيرة الرب تُتم هذا " .
" إشعياء : 9: 13: إن الشعب لم يرجع تائبا إلى من عاقبه ، ولا طلب الرب القدير . لذلك سيقطع الرب من إسرائيل ، في يوم واحد الرأس والذنب ، النخل والأسل " .
" إشعياء : 10: 33-34: لكن الرب القدير يُحطّم الأغصان بعنفوان ، فكل مُتطاول يُقطع ، وكل مُتشامخ يُذلّ " .
ـ علم اليهود من خلال النص الأول :
1. أن نجما عظيما سيظهر عند مولد أحمد ،
2. ومن النص الثاني أن علامة النبوة ستكون على كتفه ،
3. أما اسمه العجيب في هذا الموضع فوصفته أقلام الكهنة ، بمشير وإله وأب ورئيس سلام .
4. أما رسالته فتشمل مشارق الأرض ومغاربها ، حتى قيام الساعة ،
5. أما إضافة عرش داود ومملكته فهي من أمانيهم وأحلامهم .
6. أما النص الثالث والرابع يؤكد انقطاع النبوة وخروجها من بني إسرائيل بمولد هذا النبي ومبعثه .
ـ ويعود الكهنة ويسمّون هذا الإله بأحمد ، في النص التالي :
" إشعياء : 25: 1-3: يا رب أنت إلهي ، أُعظمّك وأحمد اسمك ، لأنك صنعت عجائب كنت قد قضيت بها منذ القدم ، وهي حق وصدق … لذلك يُمجّدك شعب قوي ، وتخشاك مدن آهلة بأمم فظة لأنك كنت حصنا للبائس ، وملاذا منيعا للمسكين في ضيقه ، وملجأ له من العاصفة ، وظلّا تقيه وهج الحرّ … "
هو ملك البرّ ورؤساءه يحكمون بالعدل :
" إشعياء : 32: 1: ها إن ملكا يملك بالبرّ ( محمد ) ، ورؤساء يحكمون بالعدل ( الخلفاء ) ، 2: [ ويكون إنسان ] ( أي ليس إلها كما صوّره النص السابق ) كملاذ من الريح ، وكملجأ من العاصفة ، أو كجداول مياه في صحراء ، أو كظل صخرة عظيمة في أرض جدباء ، 3: عندئذ تنفتح عيون الناظرين وتصغي آذان السامعين ، 4: فتفهم وتعلم العقول المتهوّرة ، وتنطق بطلاقة الألسنة الثقيلة ( الأُميّون ) . … ، حتى تنسكب علينا روح من السماء ، فتتحوّل البرية ( الصحراء ) إلى مرج خصيب ، ويُحسب المرج غابة ، عندئذ يسكن العدل في الصحراء ، ويٌقيم البرُّ في المرج الخصيب ، فيكون ثمر البرّ سلاما ، وفعل البرّ سكينة وطمأنينة إلى الأبد " .
نص آخر " إشعياء : 35: 1: ستفرح الصحراء والقفر الأجرد ( جزيرة العرب ) ، و تبتهج البرية وتزهر كالورد ، تزهر ازدهارا ، وتبتهج أشدّ بهجة ، ويضفي عليها مجد لبنان وجلال الكرمل ، ويشهدون مجد الرب وبهاء إلهنا ، … ، 5: عندئذ تبصر عيون العمي ، وتنفتح آذان الصمّ ، 6: [ ويقفز ] الأعرج كالظبي ، ويترنم لسان الأبكم فرحا ، إذ تنفجر المياه في البرية ، وتتدفق الجداول في الصحراء ، 7: و يتحوّل السراب إلى واحة ، والأرض الظمأى إلى جداول ، … ، حيث كانت تأوي بنات أوى ، ينمو العشب القصب و البرديّ ، … "
صفة المصطفى عليه الصلاة والسلام :
" إشعياء : 42: 1: هو ذا عبدي الذي أعضده ، مختاري الذي ابتهجت به نفسي ، وضعت روحي عليه ليسوس الأمم بالعدل ، 2: لا يصيح ولا يصرخ ، ولا يرفع صوته في الطريق ، 3: لا يكسر قصبة مرضوضة ( أي يُقيمها ) ، ولا يطفئ فتيلة [ خامدة ] ( أي يُشعلها ) ، إنما بأمانة يُجري عدلا ، ( أي أنه لا يسيء إلى الناس ، بل يُحسن إليهم ) ، 4 لا يكلّ ولا تُثبّط له همّة ، حتى يرسّخ العدل في الأرض ، وتنتظر الجزائر شريعته ، 6: أنا الرب قد دعوتك بالبِّر ، أمسكت بيدك وحافظت عليك ، وجعلتك عهدا للشعب ونورا للأمم ، 7: لتفتح عيون العمي ، وتطلق سراح المأسورين في السجن ، وتحرّر الجالسين في ظلمة الحبس ، 9: ها النبوّات السالفة تتحقق ، وأخرى جديدة أُعلنُ عنها ، وأُنبئُ بها قبل أن تحدث ، … "
نبي الهدى يُعرّف بنفسه من خلال التوراة :
" 49: 1-13: " أنصتي إليّ أيّتها الجزائر ، وأصغوا يا شعوب الأرض البعيدة : قد دعاني ( سمّاني ) الربّ وأنا ما زلت جنينا ، وذكر اسمي وأنا ما برحت في رحم أُمّي ، جعل فمي كسيف قاطع ، وواراني في ظل يديه ، فصنع مني سهما مسنونا ، وأخفاني في جعبته ، وقال لي : أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمّجد ، ولكنني أجبت : لقد تعبت باطلا ، وأفنيت قوّتي سدى وعبثا ، غير أنّ حقي محفوظ عند الرب ، ومُكافأتي عند إلهي " .
ـ وحتى يستقيم النص ضع أحمد بدلا من إسرائيل ، واحذف الكلمات ، التي تحتها خط ، وأقرأ النص من جديد ، فهي ليست من قول رسولنا الكريم ) ، وهذا قوله ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47 سبأ ) .
الجزيرة العربية تُشرق بنور ربّها :
"إشعياء : 60: 1: قومي استضيئي ( صهيون ، والأصل الجزيرة العربية ) ، فإن نورك قد جاء ، ومجد الرب أشرق عليك ، … 3: فتقبل الأمم إلى نورك ، وتتوافد الملوك في إشراق ضياءك ( الحج ) ، … 15: وبعد أن كنت مهجورة وممقوتة ، لا يعبر بك أحد ، سأجعلك بهيّة إلى الأبد ، وفرح كل الأجيال ، … 18: ولا يسمع بظلم في أرضك ، … 21: وشعبك كلهم أبرار ، ويرثون الأرض إلى الأبد ، فهم غصن غرسي وعمل يدي لأتمجّد ، 22: ويضحي أقلّهم ألفا ، وأصغرهم أمة قوية ، أنا الرب أُسرع في تحقيق ذلك في حينه ، …" .
رسالة الإسلام وصفة حملتها :
" إشعياء : 61: 1: روح السيد الرب عليّ ( الوحي ) لأن الرب مسحني لأُبشّر المساكين ، أرسلني لأضمّد جراح منكسري القلوب ، لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالحرية ، 2: لأعلن سنّة الرب المقبولة ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (19 آل عمران ) ، … ، 7: وعوضا عن عاركم تنالون ضعفين من الميراث ( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ … (54 القصص ) ، 8: لأني أنا الرب أُحبّ العدل ، وأمقت الاختلاس والظلم ، وأُكافئهم بأمانة ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97 النحل ) ، وأقطع معهم عهدا أبديا ، 9: وتشتهر ذريتهم بين الأمم ، ونسلهم وسط الشعوب ، وكل من يراهم يعرفهم ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) ، ويُقرّ أنهم شعب باركه الرب ، … ، 11: كما تنبت الأرض مزروعاتها ، والحديقة تخرج نباتاتها ، هكذا السيد الرب ينبت البرّ والتسبيح ، ينبتان أمام كل الأمم ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) ، 62: 1: إكراما لصهيون ( هذه إحدى تحريفاتهم ، والأصل إكراما لخير أمة أُخرجت للناس ) ، لا أصمت ، و… لا أستكين ، [ حتى يخرج برّها كضياء ، وخلاصها كمصباح مُتقد ] ، 2: فترى الأمم بِرَّكِ وكلّ الملوك مجدك ، وتدعين باسم جديد يطلقه عليك فم الرب ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (78 الحج ) .
انتشار رسالة الإسلام بين الأمم ، وصفة مجيء حجّاج بيت الله الحرام :
" إشعياء : 66: 18-20: ولأني عالم بأعمالهم وأفكارهم ، فأنا مُزمع أن آتي لأجمع كل الأمم والألسنة ، فيتوافدون ويرون مجدي ، وأجعل بينهم آية ، وأبعث بعض الناجين منهم إلى الأمم ، إلى ترشيش وفول ولود ، المهرة في رمي السهام ، وإلى توبال وياوان ، وإلى الجزائر البعيدة ، ممن لم يسمعوا بشهرتي ، أو يروا مجدي ، فيذيعون مجدي بين الأمم . ويُحضرون جميع أخوتكم من سائر الأمم ، تقدمة للرب ، على متون الجياد ، وفي المركبات والهوادج ، وعلى ظهور البغال وأسنمة الجمال ، إلى أورشليم جبل قدسي " .
قال تعالى ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ، أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ، وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، يَأْتُوكَ رِجَالًا ، وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ، يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27 الحج )
وهب بن منبه يُجمل ما تفرّق من نصوص التوراة :
وقارن كل ما تقدّم مع ما قاله وهب بن منبه أحد مُسلمي اليهود ، حيث أجمل كل هذه النبوءات في هذا النص من كتاب ( المنتظم ) لأبي الفرج " قال وهب بن منبه : أوحى الله تعالى إلى إشعياء ، إني مُبعث نبيا أميّا ، أفتح به آذانا صما ، وقلوبا غلفا ، وأعينا عميا ، مولده بمكة ومهاجره طيبة ( المدينة المنورة ) ، وملكه بالشام ، عبدي المتوكل المرفوع الحبيب المجيب ، لا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ويغفر بالمؤمنين ، وليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزيّن بالفحش ولا قوّال ، أُسدّده لكل جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، وأجعل السكينة لباسه ، والبرّ شعاره ، والتقوى والحكمة مقولته ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمغفرة والمعروف خلقه ، والعدل والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، … به بعد الجهالة ، وأُكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العيلة ، وأجمع به بعد الفرقة بين قلوب مختلفة ، وأهواء متشتتة ، وأمم متفرقة ، أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، توحيدا لي ، وإيمانا بي ، وإخلاصا لي ، وتصديقا لما جاء به رسلي ، وهم دعاة الشمس ( النور ) ، طوبى لتلك القلوب " .
اليهود ينكرون نبوّة أحمد عليه الصلاة والسلام حسدا وبغيا :
من كتاب ( المنتظم ) " عن عاصم بن عمر عن قتادة عن رجل من قومه ، قال : إن مما دعانا إلى الإسلام ، مع رحمة الله إيانا وهداه ، لما كنا نسمع من يهود ، كنا أصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب ، عندهم علم ليس عندنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون ، قالوا لنا : إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، وكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم ، فلما بعثه الله عز وجل ، أجبناه حين دعانا إلى الله ، وعرفنا ما كانوا يتوّعدونا به ، فبادرناهم إليه ، وآمنا وكفروا ، ففينا وفيهم ، نزلت هذه الآيات ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89 البقرة ) " .
من كتاب ( المنتظم ) " وعن عاصم عن شيخ من بني قريظة ، قال : قال لي : هل تدرون عمّا كان إسلام ثعلبة بن سعيد وأسد بن عبيد ، نفر من بني ذهل أخوة بني قريظة ، كانوا معهم في جاهليتهم ، كانوا ساداتهم في الإسلام ، قال : قلت : لا أدري ، قال : فإن رجلا من يهود من أهل الشام ، يُقال له ابن الهيبان ، قدم علينا قبل الإسلام بسنين ، فحلّ بين أظهرنا ، لا والله ما رجلا قط ، كان يصلي الخمس أفضل منه ، فأقام عندنا ، فكنّا إذا قحط عنا المطر ، قلنا اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا ، فيقول لا والله ، حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة له ، فنقول : كم ؟ فيقول : صاعا من تمر أو مُدّين من شعير ، قال : فيُخرج ذلك ، ثم يخرج بنا إلى حرّتنا ، فيستسقي لنا ، فوالله ما يبرح مجلسه ، حتى يمر السحاب ويسقي ، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثا ، قال : ثم حضرته الوفاة عندنا ، فلما عرف أنه ميت ، قال : يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير ، إلى أرض الجوع والبؤس ، قالوا : قل لنا أنت ، قال : فإني إنما جئت هذه البلدة ، أتوّكف خروج نبي قد أظلّكم زمانه ، هذه البلدة مهاجره ، فكنت أرجو أن أُدركه فأتبعه ، وقد أظلّكم زمانه ، فلا يسبقنّكم أحد إليه ، يا معشر اليهود ، فإنه يُبعث يسفك ويسبي الذراري والنساء ممن خالفه ، فلا يمنعنّكم ذلك منه ، فلما بعث الله رسوله … بني قريظة ، قال هؤلاء الفتية ، وكانوا شبابا أحداثا ، يا بني قريظة ، والله إنه الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان ، قالوا : ليس به ، قالوا : بلى والله ، إنه لهو بصفته ، فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهاليهم " .
من كتاب ( المنتظم ) " عن ابن عباس قال : كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر ، يجدون صفة النبي قبيل أن يُبعث ، وأن دار مهاجره المدينة ، فلما وُلد رسول الله ، قالت أحبار اليهود ولد أحمد الليلة ، هذا الكوكب طلع ، فلما تنبّأ ، قالوا تنبأ أحمد ، قد طلع الكوكب ، كانوا يعرفون ذلك ، ويُقرّون به ، وما منعهم من اتّباعه ، إلا الحسد والبغي " .
كان هذا عرضا لبعض من نبوءات التوراة ، التي تحقّقت في الماضي ، وعرضا لكيفية فهمهم لإشاراتها ورموزها وتفسيرهم لها . وفيما يلي سنبدأ بعرض أغلب نبوءاتهم المستقبلية ، والتفسيرات المعاصرة لها ، من الرواد الغربيون من اليهود والنصارى ، مع التعقيب عليها أحيانا .
نبوءات المرة الأولى والثانية في سفر ارميا
المرة الأولى وما بعدها :
" ارميا : 25: 3: على مدى ثلاث وعشرين سنة ، والربّ يوحي إليّ بكلمته ، فخاطبتكم بها ، ولكنكم لم تسمعوا ، … 5: وقد قالوا لكم ( الأنبياء ) : توبوا الآن ليرجع كل واحد منكم ، عن طُرقِه الشرّيرة ، وممارساته الأثيمة ، … 6: ولا تضلوا وراء آلهة أخرى … عندئذ لا أُنزل بكم أذىً ، 7: غير أنكم لم تسمعوا لي ، بل أثرتم غيظي بما جنته أيديكم ، فاستجلبتم على أنفسكم الشرّ ، 8: لذلك يقول الرب القدير : لأنكم عصيتم كلامي ، 9: فها أنا أُجنّد جميع قبائل الشمال ، بقيادة نبوخذ نصر عبدي ، وآتي بها إلى هذه الأرض ، فيجتاحونها ويهلكون جميع سكّانها ، مع سائر الأمم المحيطة بها ، وأجعلهم مثار دهشة وصفير ، وخرائب أبدية ، 10: وأُبيد من بينهم أهازيج الفرح والطرب ، … وضجيج الرحى ونور السراج ، 11: فتصبح هذه الأرض بأسرها قفرا خرابا ، وتُستعبد هذه الأمم لملك بابل ، طوال سبعين سنة ، 12: وفي ختام السبعين سنة أُعاقب ملك بابل وأمّته ، وأرض الكلدانيين على إثمهم ، وأُحولها إلى خراب أبديّ ، يقول الرب ، 13: وأُنفّذ في تلك الأرض ، كل القضاء الذي نطقت به عليها ، كلّ ما دوّن في هذا الكتاب ، وتنبأ به إرميا على جميع الأمم ، 14: إذ أنّ أمما كثيرة وملوكا عظماء يستعبدونهم أيضا ، وهكذا أُجازيهم بمقتضى أفعالهم ، وما جنته أيديهم من أعمال أثيمة " .
ـ نص النبوءة في هذه الفقرة ، بالمقارنة مع نص النبوءة الأصلي في سفر التثنية ، هو محض افتراء وتزوير ، فالكاتب في الواقع يسرد تاريخا لأحداث بعد وقوعها ، يحدّد فيه أسماء وأمكنة وأزمنة ، مع أنه يحكيها بصيغة المستقبل ، وفي النهاية يسكب بعضا من حقده الدفين ، على بابل وأهلها ، فاضحا الأثر النفسي الذي كان يعتريه عند كتابتها ، وهذا يؤكد أنّ هذا النص ، أُعيدت كتابته بالإضافات ، من قبل مؤلفي التوراة ، بعد السبي البابلي ، فمثلا سفر إشعياء ، يقول بأن الطائر الجارح سيأتي من المشرق ، وسفر إرمياء يقول أن نبوخذ نصر يأتي من الشمال ، وفي الحقيقة ، ربما يكون كلا الأمرين بناءً على نصوص التوراة صحيح ، ليكون خروج نبوخذ نصر من الشرق ( بابل ) ، وغزوه لمملكتهم من الشمال ( حماة ) ، أما جهة المخرج في المرة الأولى ،لم تكن معروفة إلا بعد تحقق البعث ، فلذلك كانت الفقرة السابقة سردا تاريخيا .
المرة الثانية وما بعدها :
" ارميا : 30: 3: ها أيام مقبلة أردّ فيها سبي شعبي … ، وأعيدهم إلى الأرض التي أعطيتها لآبائهم فيرثونها ، ( ثم يقول ) : سمعنا صراخ رعب ، عم الفزع وانقرض السلام ، … ، ما أرهب ذلك اليوم ، إذ لا مثيل له ، هو زمن ضيق على ذرية يعقوب ، ولكنها ستنجو ، في ذلك اليوم ، يقول الرب القدير : أُحطّم أنيار أعناقهم وأقطع رُبطَهم ( أي أرفع قيود العبودية والذل عنهم ) فلا يستعبدهم غريب فيما بعد ، بل يعبدون الرب إلههم ، وداود ملكهم الذي أُقيمه عليهم ، … فيرجع نسل إسرائيل ، ويطمئنُّ ويستريح ، من غير أن يُضايقه أحد ، … ، فأُبيدُ جميع الأمم التي شتَّتكَ بينها ، أمّ أنت فلا أُفنيك أُودّبك بالحق ، ولا أُبرّئك تبرئة كاملة ، … ، ( الخطاب موجّه لأورشليم ) إن جرحك لا شفاء له ، وضربتك لا علاج لها ، إذ لا يوجد من يدافع عن دعواك ، … ، قد نسيك محبّوك ، وأهملوك إهمالا ، لأني ضربتك كما يُضربُ عدوّ ، وعاقبتكِ عقابَ مبغضٍ قاسٍ ، لأن إثمك عظيمٌ وخطاياك متكاثرة ، … ، لهذا أوقعتك بالمحن ، ولكن سيأتي يوم يُفترس فيه جميع مُفترسيك ، ويذهب جميع مضايقيك إلى السبي ، ويصبح ناهبيك منهوبين ، لأني أردّ لك عافيتك وأُبرئ جراحك " .
ـ هذه الفقرة تتحدث عن المرة الثانية وعقابهم الثاني ، وهذا النص منقول كاملا ، مع حذف بعض العبارات الزائدة كعبارة يقول الرب أو ما شابه ، فانظر ماذا أضافوا إليها ، لقد أضاعوا الحقيقة ، وظلموا أجيالهم القادمة من حيث لا يعلمون ، فكذبوا الكذبة وصدّقها أبنائهم ، وأصبحت من صميم معتقداتهم ، فالمعاصرين من اليهود والنصارى ، يتعاملون مع كل نصوص التوراة ، بغثها وسمينها ، على أنها من عند الله ، ولا مجال لتكذيبها . وما أُضيف إلى هذه النبوءة المستقبلية ، كما يعتبرونها هم ، هو كل ما تحته خط . وأخطر ما في هذه الإضافة ، هو تفسيرهم المعاصر لها .
نبوءات حزقيال المستقبلية
حزقيال هو ثالث الأنبياء الكبار ، ويقال أنه أحد الذين سُبوا إلى بابل ، ويحتوي كتابه على كثير من النبوءات المستقبلية ، فيما يخص عودة اليهود الثانية ، وأحداث آخر الزمان وما سيقع فيها من حروب ، وهذا الكتاب وما يأتي بعده في الترتيب ، من كتب أنبياء التوراة ، أصبح مادة دسمة للباحثين في القرن الماضي ، فيما يتعلّق بأحداث آخر الزمان ، كنهاية اليهود ، والحرب والعالمية الثالثة ، وظروفها ، ونتائجها ، وعودة المسيح الثانية إلى الأرض ، وفيما يلي عرض لنبوءاته حسب تسلسلها في التوراة ، الذي كما يبدو حافظ عليه كتبة التوراة .
تأكيد الوعد بالعقاب وتبيان أسبابه وغاياته :
" حزقيال : 5: 5: هذه هي أورشليم التي أقمتها في وسط الشعوب … ، فخالفت أحكامي بأشرّ مما خالفتها الأمم … لذلك من حيث أنكم تمرّدتم أكثر من الأمم المحيطة بكم ، … ، ها أنا أنقلب عليك يا أورشليم ، وأجري عليك قضاء على مشهد من الأمم ، فأصنع بك ما لم أصنعه من قبل ، وما لم أصنع مثله من بعد ، عقابا لك على جميع أرجاسك ، … ، فأنا أيضا أستأصل ، ولا تترأف عليك عيني ولا أعفو … ثُلث سُكّانك يموتون بالوبأ والجوع في وسطك ، وثُلث ثانٍ يُقتل حولك بالسيف ، وثُلث أخير أُشتّته بين الأمم ، وأتعقبه بسيف مسلول ، وهكذا أُنفّس عن غضبي ، ويخمد سخطي ، إذ أكون قد انتقمت … وأجعلك خرابا وعارا بين الأمم … أنا الرب قد قضيت " .
ـ هذا النص يؤكد مقتل ثلثي اليهود ، وشتات ثلث سيكون عرضة للقتل والتنكيل والاضطهاد .
نزول العقاب ببني إسرائيل في جميع مواطن إقامتهم :
" حزقيال : 6: 3: ها أنا أجلب عليكم سيفا وأهدم مرتفعاتكم ، فتصبح مذابحكم أطلالا ، … ، وأطرح قتلاكم أمام أصنامكم ، وأُلقي جثث أبناء إسرائيل أمام أوثانهم ، وأذري عظامهم حوا مذابحكم ، وحيثما تُقيمون تتحول مُدنكم إلى أطلال ، … يموت البعيد بالوبأ ، والقريب يصرعه السيف ، والباقي منهم والمُحاصر تقضي عليهم المجاعة ، … ، وأمدّ يدي عليهم في جميع مواطن إقامتهم " .
ـ هنا يؤكد نزول العقاب بهم على اختلاف مكان إقامتهم ، ويؤكد بأن مدنهم التي يتواجدون فيها ستصبح خرابا .
شدة العقاب وآثاره النفسية على البقية الناجية :
" حزقيال : 7: 15: السيف مُسلّط من الخارج ، والوبأ والجوع من الداخل … أما الناجون منهم ، فيلوذون بالجبال كحمام الأودية ، يبكي كل واحد منهم على إثمه ، جميع الأيدي مسترخية ، وكلّ الركب مائعة كالمياه ، يتلفعون بالمسوح ( الملابس الخشنة ) ، ويغشاهم الرعب ، ويكسو العار وجوههم جميعا ، ويطغى القرَع ( الصلع ) على رؤوسهم . ويطرحون فضّتهم في الشوارع ، ويضحي ذهبهم نجاسة ، وتعجز فضتهم وذهبهم عن إنقاذهم في يوم غضب الرب " .
الوعد بالعودة إلى فلسطين من الشتات :
" حزقيال : 11: 14 ثم أوحى الرب إليّ بكلمته ، قائلا : يا ابن آدم ، قل لأخوتك وأقربائك وسائر شعب إسرائيل ، في الشتات معك ، الذين قال لهم سكان أورشليم : ابتعدوا عن الرب ، لنا قد وهبت هذه الأرض ميراثا . ولكن إن كنت ، قد فرّقتهم بين الأمم ، وشتّتهم بين البلاد ، فإني أكون لهم مَقدِسا صغيرا ، في الأراضي التي تبدّدوا فيها . لذلك قل لهم : سأجمعكم من بين الشعوب ، وأحشدكم من الأراضي التي شتّتكم فيها ، وأهبكم أرض إسرائيل . وعندما يُقبلون إليها ينتزعون منها جميع أوثانها الممقوتة ورجاساتها ( أي الإحسان والإصلاح بترك أوثانهم وأرجاسهم ، ولكنهم عملوا ويعملون على انتزاع الفلسطينيين وهدم أوثانهم المقدسة ) ، أعطيهم جميعا قلبا واحدا ، وأجعل في دواخلهم روحا جديدا ، وأنزع قلب الحجر من لحمهم ، وأستبدله بقلب من لحم ، لكي يسلكوا في فرائضي ، ويطيعوا أحكامي ويعملوا بها ، ويكونون لي شعبا وأنا أكون لهم إلها . يقول السيّد الرب : أمّا الذين ضلّت قلوبهم وراء أوثانهم ورجاساتهم ، فإني أجعلهم يلقَوْن عقاب طُرُقهم على رؤوسهم ( فإن أحسنوا فلها وإن أساءوا فعليها ) " .
الحث على الإحسان والتوبة والرجوع إلى الله ، لأنها السبيل الوحيد للنجاة :
" حزقيال : 18: 29-32: يقول السيد الرب : ومع ذلك يقول بيت إسرائيل إنّ طريق الرب غير عادلة ، أطرقي غير عادلة يا بيت إسرائيل ؟! أليست طرقكم هي المعوجّة ؟! لذلك أُدينكم يا شعب إسرائيل ، كل واحد بمُقتضى طُرُقه . يقول السيد الرب : توبوا وارجعوا عن ذنوبكم كلّها ، فلا يكون لكم الإثم معثرة هلاك . اطرحوا عنكم كل ذنوبكم ، واحصلوا لأنفسكم على قلب جديد وروح جديدة ، فلماذا تموتون يا شعب إسرائيل ؟! إذ لا أُسرّ بموت أحد ، فتوبوا واحيوا " .
ـ يؤكد النص على فسادهم على الدوام ، وأنهم لا يعترفون بذلك ، بل يدّعون بأن الرب غير عادل بعقابهم على فسادهم ، كما ويحضّهم النص على التوبة والعودة ، ويُحذّرهم من الهلاك إن لم يفعلوا .
ذكر المرتين وعقابهما بشكل رمزي :
" حزقيال : 19: 1-9: أما أنت فاتلُ مرثاة على رؤساء إسرائيل ، وقل : ماذا كانت أمك ؟! لبؤة ربضت بين الأسود ، وربّت جراءها بين الأشبال ، حتى إذا كبُر أحد جرائها وصار شبلا ( الأولى ) ، وتعلّم الصيد ، أكل الناس . وعندما بلغ أمره الأمم وقع في حفرتهم ، فأخذوه مسوقا بخزائمه إلى أرض مصر ، وعندما أدركت أثناء انتظارها أن رجاءها قد هلك ، أخذت جروا آخر وجعلته شبلا ( الثانية ) ، فتمشى بين الأسود وتعلّم الصيد ، أكل الناس ، وهدم قصورهم وخرّب مدنهم ، فارتعبت الأرض ومن فيها صوت زمجرته ، فاجتمعت عليه الأمم من كل صوب ، وألقوا عليه شبكتهم فوقع في حفرتهم ، فساقوه بخزائم وزجّوه في قفص وأحضروه إلى ملك بابل ، واعتقلوه في القلاع لكيلا تتردّد أصداء صوته بعد ، فوق جبال إسرائيل " .
التحذير المُسبق من الاغترار بالقوة ، ومن الاستهانة بما أنذرهم الله به :
" حزقيال : 21: 6-16: يقول السيد الرب : أمّا أنت يا ابن آدم ، فتنهّد بقلب مُنكسر وحزن ومرارة ، فإن سألوك على ماذا تتنهّد ؟ تجيبهم : على الأخبار الواردة التي تُذيب كل قلب ، فتسترخي الأيدي ويعتري القنوط كل روح ، وتصبح الركب كالماء ، ها هي الأخبار واردة ولا بد أن تتم . وأوحى إليّ بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، تنبّأ وقل : هذا ما يُعلنه الرب : سيفٌ ، سيفٌ قد تم سنّه وصقله ، قد سٌنّ للذبح المُبرم ، وصقل ليومض بالبريق ، فهل نبتهج قائلين : عصا ابني ( الابن إسرائيل الدولة ، والعصا كناية عن القوة ) تحتقر كل قضيب ؟! ( بمعنى فهل نسخر من هذا السيف ونستهزئ بجبروته مغترّين بقوتنا ) ، وقد أُعطي السيف ليصقل ويجرّد بالكف ، وها هو بعد سنّه وصقله يُسلّم ليد القاتل ، اصرخ واعول يا ابن آدم ، لأنه يتسلّط على شعبي ، وعلى كل رؤساء إسرائيل ، يتعرّض شعبي لأهوال من جراء هذا السيف ، لذلك اضرب على صدرك فزعا ( ندبا ) . يقول السيد الرب : لأنه امتحان ( وجود إسرائيل في فلسطين ) ، وماذا يحدث إن لم تُقبل العصا المُحتقرِة ( الُمزدرِية ، غير الآبهة بالعقاب ) ؟! ( بمعنى ماذا ستكون عاقبتها ، إذا رسبت بالامتحان الإلهي ) . أنا الرب قد تكلّمت ( قضيت ) : فتنبأ يا ابن آدم ، واصفق كفا على كف ، وليضرب السيف مرتيّن ، بل ثلاث مرّات ، إنه سيف القتلى ، سيف المجزرة العظيمة المُحدّقة بهم ، لكي تذوب القلوب ، ليتهاوى كثيرون عند كل بواباتهم ، لهذا جرّدت سيفا متقلبا برّاقا مصقولا للذبح . فيا سيف اجرح يمينا ، اجرح شمالا ، اجرح حيثما توجّه حدّك ، وأنا أيضا أُصفّق بكفي ، وأُسكن غضبي " .
ـ هذا النص يصف الجبن اليهودي وحالة الرعب التي ستصيبهم ، عندما يدخل عليهم هذا السيف الذي يعرفونه جيدا ، والذي مزّق أجسادهم شرّ مُمزق ذات مرّة . ويحذّر النص من الاستهزاء بهذا السيف ، والاغترار بالقوة ، لأنه سيف من صنع الله ، وسيسلّم ليد القاتل في الموعد المُحدّد ، ويؤكد أن الرسوب في الامتحان أي الإفساد ، معناه نفاذ القضاء بوقوع المجزرة .
من أرض واحدة يخرج البعثان :
" حزقيال : 21: 19: وأوحى إليّ الربّ بكلمته قائلا : أمّا أنت يا ابن آدم ، فخطّط طريقين لزحف ملك بابل . من أرض واحدة تخرج الطريقان [ وأنت يا ابن آدم ، عيّن لنفسك طريقين ، لمجيء سيف ملك بابل ، من أرض واحدة تخرج الاثنتان ] ( النص الثاني من النسخة الأخرى ) ، ... ، لأنكم ذكّرتم بإثمكم ، إذ انكشف تمردكم ، فتجلّت خطاياكم في كل ما ارتكبتموه من أعمال ، لهذا إذ ذكّرتم بأنفسكم ، يُقبض عليكم باليد ، وأنت أيّها المطعون الأثيم ، ملك إسرائيل ، يا من أزِف يومه في ساعة العقاب النهائي ، اخلع العمامة وانزع التاج ، فلن يبقى الحال كسالف العهد به ، ارفع الوضيع ، وضع الرفيع ( اجعل الوضيع عاليا ، والعالي وضيعا ) ، ها أنا أقلبه ، أقلبه ، أقلبه ، حتى لا يبقى منه أثر ( تاج الملك ) إلى أن يأتي صاحب الحكم ، فأعطيه إياه ( للذي يأتي من ربوات القدس ) " .
ـ هذه النبوءة توضح لهم ، أن أرض الخروج الثاني هي بابل ، بما لا يدع مجالا للشك ، وأن البعث عقاب لهم لإفسادهم ، وأن ملكهم سيزول لا محالة ، وأن تاج المُلك سيُعطى لصاحبه ، عندما يأتي من ربوات القدس ، وهي النبوءة الرابعة والأخيرة ، التي أخبر عنها موسى عليه السلام قبل موته . وبما أنهم لا يفقهون ولا يعلمون ، وعقولهم وقلوبهم كالحجارة أو أشدّ قسوة ، فهم لا يتقبّلون فكرة زوال ملكهم ، وذهاب الملك لغير شعب الله المُختار وأبناء الله وأحبائه ، حسب ما علّمهم كهنتهم وأحبارهم ، لذلك فهم سيعملون المستحيل ، للمحافظة على بقائهم في فلسطين ، بغض النظر عن إفسادهم فيها ، ليخرج هذا الملك التوراتي المُنتظر فيهم ، ليحكموا العالم من خلاله إلى الأبد .
وصف الإفساد والعقاب في المرة الثانية :
" حزقيال : 22: 2-17: وأوحى إليّ الربّ بكلمته قائلا : وأنت يا ابن آدم ، أتُدين المدينة السافكة الدماء ؟! إذاً عرفّها بكل رجاساتها ( أي بيّن صفة إفسادها ) ، وقل : هذا ما يُعلنه السيد الرب : أيّتها المدينة التي تسفك الدماء في وسطها ، لتستجلب العقاب على نفسها ، … ، قد أثمت بما سفكت من دماء ، وتنجّست بما عملت من أصنامك . قد قرّبتِ يوم دينونتك ، وبلغتِ منتهى أيامك ، لذلك جعلتك عارا عند الأمم ، ومثار سخرية لجميع البلدان ، … ، أنت يا نجسة ، يا كثيرة الشغب ، هو ذا كل واحد من رؤساء إسرائيل ، ممن كانوا فيك ، انهمك في سفك الدماء على قدر طاقته . فيك استخفّوا بأب وأم ، واضطهدوا اليتيم والأرملة ، احتقرتِ مُقدّساتي ونجّستِ أيام سبوتي . أقام فيك وشاة عملوا على سفك الدم ، وأكلوا أمام الأصنام على الجبال ، وارتكبوا في وسطك الموبقات ، … ، أخذت الربا ومال الحرام ، وسلبت أقربائك ظُلما ونسيتني " .
" حزقيال : 22: 13-16: ها أنا قد صفّقت بكفي من جرّاء ، ما حصلت عليه من ربح حرام ، وما سُفك من دم في وسطك . فهل يصمد قلبك أو تحتفظ يداك بقوتهما ، في الأيام التي أتعامل معك فيها ؟! أنا الرب قد تكلّمت ، وأُتمم ما أنطق به . سأُشتتك بين الأمم وأُبعثرك بين البلدان ، وأزيل نجاستك منك ، وتتدنّسين بنفسك على مرأى من الأمم ، وتدركين أنّي أنا الرب " .
" حزقيال : 22: 23-31: وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، تنبأ وقل لها أنت أرض ، لم تتطهّري ولم يُمطر عليها في يوم الغضب ، ... ، خالف كهنتها شريعتي ، ونجّسوا مقادسي ، لم يُميّزوا بين المُقدّس والرجس ، ولم يعلموا الفرق بين الطاهر والنّجِس ، رؤساؤها فيها كذئاب خاطفة ، تُمزّق فرائسها ، إذ يسفكون دماء الناس ، في سبيل الربح الحرام ، وأنبياؤها ( أي المتنبئون الجدد كعوفاديا يوسف ) يرَوْن لها رؤى باطلة ، … ، قائلين : هذا ما يعلنه الرب - مع أن الرب لم يعلن شيئا - : أَفِرطوا في ظلم شعب الأرض ، فاغتصبوا سالبين ، واضطهدوا الفقير والمسكين ، وظلموا الغريب جورا . فالتمست من بينهم رجلا واحدا ، يبني جدارا ( رجلا مُصلحاً ) ، ويقف في الثغرة أمامي ، حتى لا أُخربها فلم أجد . فصببت سخطي عليهم ، والتهمتهم بنار غضبي ، جازيتهم بحسب طرقهم ، يقول السيد الرب " .
ـ هذه النصوص تصف إفساد دولة اليهود الحالية ، بدقة متناهية ، وكأنها تُسجّل وقائع عاينها الراوي ، وتؤكد أن الهلاك والخراب واقع بهم لا محالة ، عندما تبلغ هذه الدولة منتهى أيامها .
التعقيب على المرتين وعقابهما بشكل رمزي :
" حزقيال : 23: 1-35: وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، كانت هناك امرأتان ، ابنتا أم واحدة ، … ، اسم الكبرى ( أُهولة أي السامرة ) واسم أختها ( أُهوليبة أي أورشليم ) ، وكانتا لي وأنجبتا أبناء وبنات ، وزنت أهولة ( المملكة الأولى ) ( أي فسدت وأفسدت ) مع أنها كانت لي ، وتنجّست بكل من عشقتهم ، وبكل أصنامهم ، ولم تتخل عن زناها منذ أيام مصر ( فساد الآباء وعصيانهم ) ، لذلك سلمّتها ليد عُشّاقها أبناء أشور ، ففضحوا عورتها ، وأسروا أبنائها وبناتها ، وذبحوها بالسيف ، فصارت عبرة للنساء ، ونفّذوا فيها قضاءً . ومع أن أختها أُهوليبة ( المملكة الثانية ) شهدت هذا ، فإنّها أوغلت أكثر منها في عشقها وزناها ، … ، فرأيت أنها قد تنجست ، وسلكتا كلتاهما في ذات الطريق ، … ، وإذ واظبت على زناها علانية ، وتباهت بعرض عُريّها ، كرهتها كما كرهت أختها . لذلك يا أهوليبة : ها أنا أُثير عليك عشّاقك ، … ، وآتي بهم عليك من كل ناحية ، أبناء البابليين ، وسائر الكلدانيين ، ومعهم جميع أبناء أشور ، من ولاة وقادة ورؤساء ، وكلهم فرسان خيل ، فيُهاجمونك بأسلحة ومركبات وعربات ، … ، وأصبّ سخطي عليك ، فيعاملونك بغيظ ، يجدعون أنفك وأذنيك ، وتُقتل بقيّتك بالسيف . يأسرون أبناءك وبناتك ، وتلتهم النار بقيّتك ، ويُجرّدونك من ثيابك ، ويستولون على حُليّك . وهكذا أضع حدّا لعهرك وزناك ، … . وهذا ما يُعلنه السيد الرب : ستشربين كأس عقاب أختك العميقة ( في القِدم ) ، وتكونين مثار ضحك واستهزاء ، لأن الكأس تسع كثيرا ، تمتلئين سُكرا وحزنا ، فكأس أختك السامرة ،كأس الرعب والخراب ، تشربينها وتمتصينها ، … ، لأنك نسيتني ونبذتني وراء ظهرك " .
خراب أمريكا بعد زوال إسرائيل :
في الإصحاحات ( 26 ، 27 ، 28 ) ، تجد وصفا تفصيليا لمدينة سمّاها كتبة التوراة ( صور : مدينة ساحلية لبنانية ) نلخصّه بما يلي :
1. مُسيطرة هي وسُكّانها على البحر .
2. تُرعب جميع جيرانها .
3. تاجرة الشعوب وكاملة الجمال .
4. تقبع في قلب البحار .
5. تأتيها السفن التجارية من كل مكان .
6. شعبها وجيشها خليط من أمم أخرى .
7. تتمتع بكونها مركز للتجارة العالمية .
ـ وهذه الأوصاف لا تنطبق إلا على أمريكا كدولة ، أو ( نيويورك ) كمدينة ، وأما صفة عقابها فهي كما يلي :
1. دمارها سيتحصل بريح شرقية ( أي من الشرق ) .
2. اندلاع النيران في وسطها .
3. تحوّلها إلى رماد .
4. مصيرها الغرق ولن يبقى منها أثر .
5. القائمون على خرابها غرباء من أعتى الأمم .
ـ وأما أسباب الغضب الإلهي عليها وعلى ملكها فهي :
1. تنصيب ملكها لنفسه كإله للبشر .
2. تربعه في مجلس الآلهة في قلب البحار .
3. الإدعاء بامتلاكه حكمة الآلهة .
4. الاستحواذ على الذهب والفضة وادّخارها .
5. مضاعفة الثروة بمهارتها في التجارة .
6. التجارة الظالمة .
7. البهاء والجلال والتكبر والاستعلاء لفرط الغنى .
ـ وفي النص التالي تسمية أخرى لها ، هي مصر :
" حزقيال : 29: 3-16: ها أن أنقلب عليك يا فرعون ملك مصر ، أيها التمساح الكامن في وسط أنهاره ، … وأُخرجك قسرا من أنهارك ، وأسماكها ما برحت عالقة بحراشفك ، وأهجرك في البرية ، مع جميع سمك أنهارك ، فتتهاوى على سطح أرض الصحراء ، فلا تُجمع ولا تُلمّ ، بل تكون قوتا لوحوش البرّ وطيور السماء . فيُدرك كل أهل مصر أني أنا الرب ، لأنّهم كانوا عُكّاز قصبٍ هشةً لبني إسرائيل ، ما أن اعتمدوا عليك بأكفهم ، حتى انكسرت ومزّقت أكتافهم ، وعندما توكّأوا عليك ، تحطّمت وقصفت كلّ متونهم . لذلك ها أنا أجلب سيفا ، وأستأصل منك الإنسان والحيوان ، وأجعل ديار مصر ، الأكثر وحشة بين الأراضي المقفرة ، وتظلّ مدنها الأكثر خرابا بين المدن الخربة … وأجعلهم أقلية لئلا يتسلطوا على الشعوب ، فلا تكون بعد ، موضع اعتماد لبني إسرائيل ، بل تُذكّرهم بإثمهم حين ضلّوا وراءهم … "
ـ قد يظن القارئ للوهلة الأولى أن هذا النص ، يتنبأ بخراب مصر ، ولكن بعد إمعان النظر في العلاقة ما بين هذا الفرعون وبين اليهود ، الموضّحة بما تحته خط ، ستجد أن المقصود بهذا النص ، هم فراعنة هذا العصر ، أمريكا ومن شايعها ، وعلى ما يبدو أن المقصود بالتمساح هو الأسطول ، والمقصود بالأسماك هو السفن الحربية ، والمقصود بالأنهار هي البحار التي تنشر فيها القوات البحرية الأمريكية ، وعلى ما يبدو أن الأساطيل الأمريكية ، ستخرج وتجتمع في مكان ما ( البحر المتوسط ) ، بعد إنهاء الوجود اليهودي في فلسطين ، لتلاقي مصيرها المحتوم الذي يُخبر عنه هذا النص .
ـ وفي نصوص أخرى ، ربما نوردها لاحقا ، ستجد أن هناك تسميات أخرى ، استخدمها كتبة التوراة والإنجيل ، لنفس المدينة كبابل الجديدة ، وبابل العُظمى . كناية عن دولة عظمى ، سيتزامن وجودها مع ظهور الدولة اليهودية في فلسطين .
تحالف أعداء الله ضد اليهود والنصارى :
" حزقيال : 29: 18- : يا ابن آدم : إنّ نبوخذ نصّر ملك بابل ، قد سخّر جيشا أشدّ تسخير ، ضدّ صور فأصبحت كل رأس من رؤوس جنوده صلعاء ، وكل كتف مُجرّدة من الثياب ، ولكن لم يغنم هو ولا جيشه شيئا من صور ، رغم ما كابده من جهد للاستيلاء عليها . لذلك … ، ها أنا أبذل ديار مصر لنبوخذ نصر ملك بابل ، فيستولي على ثروتها ، ويسلبها غنائمها وينهبها ، فتكون هذه أُجرةً لجيشه " .
" حزقيال : 30: 1-13: وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، تنبّأ ، وقل : … ، إنّ يوم الربّ بات وشيكا ، … ، إنّه يوم مُكفهرّ بالغيوم ، ساعة دينونة ( نهاية ) للأمم ، إذ يُجرّد سيف على مصر ، فيعُمّ الذعر الشديد إثيوبيا ، عندما يتهاوى قتلى مصر ، ويستولي على ثروتها ، وتُنقض أُسسها . ثم تسقط معهم بالسيف ، إثيوبيا وفوط ولود ، وشبه الجزيرة العربية وليبيا ، وشعوب الأرض المُتحالفة معهم … فيتهاوى سُكّانها من مجدل إلى أسوان ... فتُصبح أكثر الأراضي المُقفرة وحشة ، وتُضحي مُدنها أكثر المُدن خرابا … في يوم هلاك مصر ، الذي لا بد أن يتحقّق .
لأني سأفني جماهير مصر بيد نبوخذ نصّر ملك بابل ،إذ يُقبل بجيشه ، أعتى جيوش الأمم لخراب ديار مصر ، فيُجرّدون عليها سيوفهم ، ويملئون أرضها بالقتلى ، وأُجفّف مجاري نهر النيل ، وأبيع الأرض لقوم أشرار ، وأُخرّب البلاد فيها بيد الغرباء ، أنا الربّ قد قضيت . ثمّ أُحطّم الأصنام ، وأُزيل الأوثان من ممفيس ، ولا يبقى بعد ، رئيس في ديار مصر ، وأُلقي فيها الرعب " .
" 32: 18-30: وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، ولول على جند مصر ، … ، يسقطون صرعى وسط قتلى السيف . قد أسلمت مصر للسيف ، وأسروها مع كل حلفائها ، وهناك أشور ( سوريا ) وقومه ، … وحلفاؤه ، …. وهناك أيضا أيلام ( أفغانستان ) وحلفاؤها … وهناك أيضا ماشك وتوبال ( مدن روسية ) ، وكلّ حلفائهما ، … وهناك أيضا أدوم ( الأردن ) وملوكها ورؤسائها ، … وهناك أُمراء الشمال ، وكل الصيدونيين ( اللبنانيين ) ، … أولئك الذين أشاعوا الرعب في أرض الأحياء ، … ، كلهم قتلى ، وصرعى السيف " .
ـ هذه الفقرات الثلاثة ، مقتطعة من الإصحاحات ( 30 ، 31 ، 32 ) ، التي كرّرت بإسهاب ما جاء في الإصحاح ( 29 ) ، وعلى ما يبدو أن محتوى هذه الإصحاحات الثلاثة ، قد تناولته أقلام الكتبة ، بكثير من التبديل والتحوير والإضافة ، وقد أوردنا هذه الفقرات لتعيينها بعض الشعوب والدول ، التي يعتبرها الغرب أعداءً لله ، الذي هو المسيح عند النصارى . ويفترض الكثير من المفسّرين الجدد للتوراة ، أن الدول المذكورة في هذه النصوص ، ستقوم بالتحالف مستقبلا ، ومن ثم ستغزو إسرائيل وتنهي وجودها ، بقيادة مصر أو العراق أو روسيا ، منفردة أو مجتمعة ، مما يتسبب في مواجهة مصيرية كبرى بين الشرق والغرب ، يطلقون عليها تسمية ، الحرب العالمية الثالثة ، ويجزمون بأن النصر ، سيكون فيها حليف أحباء الله من اليهود والنصارى ، على أعداءه من المسلمين وغيرهم ، وحتمية وقوع هذه الحرب المستقبلية ، أصبحت في السنوات الأخيرة ، حقيقة وعقيدة راسخة ، لدى عامة نصارى الغرب وساستهم ، المهووسون بالنبوءات التوراتية ، وهذا مما ساهم فيه واستغلته اليهود في أمريكا ، لدفع أمريكا لخوض هذه الحرب الوهمية ، التي فيها كل المصلحة ليهود الشرق والغرب ، ضد العرب والمسلمين ، من قبل أن تبدأ .
وقد تكون هذه النصوص ، في الحقيقة ، تُخبر عن الاستعمار الغربي ، لكل البلدان العربية والبلدان الأخرى المذكورة فيها ، أو تُخبر عن توحيد البلدان بالقوة ، من قبل ورثة نبوخذ نصر الجدد ، بعد قيامهم بإنهاء الوجود اليهودي في فلسطين .
خراب الأرض بعد خراب إسرائيل :
" حزقيال : 33: 24-29: فأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، إن المقيمين في خرائب أرض إسرائيل ، يقولون : إن إبراهيم كان فردا واحدا ، ومع ذلك ورث الأرض ، وهكذا نحن كثيرون ، وقد وُهبت لنا الأرض ميراثا . لذلك قل لهم أتأكلون اللحم بالدم ، وتتعلّق عيونكم بأصنامكم ، وتسفكون الدّم ، فهل ترثون الأرض ؟! اعتمدتم على سيوفكم ، وارتكبتم الموبقات ، … ، فهل ترثون الأرض ؟! قل لهم : هذا ما يُعلنه الرب : إن الذين يُقيمون في الخرائب ، يُقتلون بالسيف . والذين يسكنون في العراء ، أبذلهم قوتا للوحوش . والمتمنّعون في الحصون والمغاور يموتون بالوبأ ( يُفسّرونه على أنه السلاح النووي والكيماوي ) . فأجعل الأرض أطلالا مُقفرة ، ويُذلّ كبريائها وعزّتها … فيُدركون أنّي أنا الرب ، حين أجعل الأرض خربة مُقفرة ( وهذا ما ستُحدثه أسلحة الدمار الشامل التي يرتعبون منها لتوافقها مع ما جاءت به التوراة ) ، من جرّاء ما ارتكبوه من رجاسات " .
ـ وهذه النبوءة تؤكد زوال الدولة اليهودية بعد قيامها ، وذبح اليهود وتشريدهم وفنائهم ( بالنووي والكيماوي كما يعتقدون ) ، وبالإضافة إلى ذلك تؤكد خراب الأرض إجمالا ؟ ولكنهم يرفضون هذه النبوءة جملة وتفصيلا ، ويصرّون على مخالفة ما جاء فيها ، ويبذلون قصارى جهدهم لمنع تحقّقها . ولو طالعت نصوص التوراة بمجملها ، ستجد أنه بعد كل مرة ، تُخبر التوراة بحتمية نفاذ قضاء ( الرب ) ، في إسرائيل وشعبها عند الإفساد ، يُضيف ( كتبة التوراة ) نصوصا تفيد بأن ربهم دائما وأبدا ، يعود ويعفوا عنهم ، فيجمعهم من الأرض التي شُتتوا فيها ، من جميع الشعوب ، ويعيدهم إلى أرض الميعاد التي وُهبت لهم ، فيّفسدون فيها ، فيُعذّبون ويُشتتون ، فيجمعهم ويعيدهم إليها ، وهكذا دواليك ، … ( حسب ما يشتهيه كتبة التوراة ) ، واليهود حتى بعد زوال دولتهم الحالية لن يستكينوا أو يهدءوا ، إلى أن يتحصّل لهم فيها الملك الأبدي ، الذي يحلمون به ، وهو ما رسم معالمه أقلامهم الكهنة والأحبار ، في النص التالي :
مَلِك القدس المنتظر من نسل محمد ، لا من نسل داود :
" حزقيال : 37: 21-28: وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، … ، وها أنا أحشد أبناء إسرائيل من بين الأمم ، التي تفرّقوا فيها ، وأجمعهم من كل جهة ، وأُحضرهم إلى أرضهم ، وأجعلهم أمة واحدة ، … ، تحت رئاسة ملك واحد ، … ، ولا ينقسمون إلى مملكتين . ولا يتدنّسون بعد بأصنامهم ورجاساتهم ، ولا بأيّ من معاصيهم ، بل أُخلّصهم من مواطن إثمهم ، وأُطهّرهم فيكونون لي شعبا ، وأكون لهم إلها . ويُصبح داود عبدي ملكا عليهم ، … ، فيمارسون أحكامي ويُطيعون فرائضي ويعملون بمقتضاها . ويُقيمون في الأرض التي وهبتها لعبدي يعقوب ، التي سكن فيها آباؤهم ، فيستوطنون فيها ، هم وأبناؤهم وأحفادهم إلى الأبد ، ويكون عبدي داود رئيسا عليهم مدى الدهر . وأُبرم معهم ميثاق سلام ، فيكون معهم عهدا أبديا ، … ، فتدرك الأمم أنّي أنا الرب مُقدّس إسرائيل ، حين يكون مقدِسي قائما فيهم ( أي العبادة لله ، ولكنهم يُفسّرونها بإقامة الهيكل ) إلى الأبد " .
ـ هذه النبوءة المُحرّفة ، هي ما يسير عليه اليهود ، منذ أجيال وما زالوا ، حيث أن كتبة هذا النص ، استخلصوا ما يُوافق أهوائهم وأطماعهم ، من مُجمل النبوءات السابقة واللاحقة ، وصهروها في بوتقة واحدة ، وبات من جاء بعدهم من اليهود ، يحملها ويعتقد بها كحقيقة ، غير قابلة للنقض أو المناقشة ، فهي نُسبت إلى الرب . ومؤدى هذه النبوءة يقول : عند مجيئهم من الشتات ( نبوءة العلو والإفساد الثاني مع استثناء العقاب ، الذي طالما تحدّثت عنه النصوص السابقة ) ، سيبعث الله لهم ملكا ( وجاءت شخصية هذا الملك من خلال تجميع النبوءات الخاصة برسولنا ، وعيسى ، والدجّال ) ، وجعلوه من نسل داود ( مَلِكَهم الأول ) ، ويكون مُلكه الأبدي هذا ، في فلسطين ( يأتي من ربوات القدس ) ، وفي زمانه ينتشر الحقّ والعدل ( اليهودي طبعا ) ، في أرجاء المعمورة . وعلى هذا يعتقد عامة اليهود أن عودتهم الحالية ، هي العودة الأخيرة والنهائية ، والتي ورد ذكرها في سورة الإسراء ، تحت عبارة ( وإن عُدّتم عدنا ) ، وليست المرة الثانية ، التي سيتحقّق فيها وعد الآخرة ، ولكن هذا الاعتقاد ليس يقينا ، بل هناك نسبة من الشك ، وهذا الشكّ تولّد نتيجة التناقض في النصوص التوراتية ، فهم يعملون على الاحتمال الأول ، مع عدم إغفالهم للاحتمال الثاني . وحقيقة النص أعلاه تُخبر عن مُلك المهدي ، في القدس ، وهو من نسل محمد عليه الصلاة والسلام ، مؤسس دولة الإسلام الأولى .
روسيا وحلفاؤها من نصارى الشرق يُهاجمون دولة الإسلام في زمن المهدي :
" حزقيال : 38: 1-12: وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، التفت بوجهك نحو جوج أرض ماجوج ، رئيس روش ( روسيا ) ماشك ( موسكو ) وتوبال ، وتنبّأ عليه ، وقل : هذا ما يُعلنه السيّد الرب : ها أنا أنقلب عليك ، يا جوج رئيس روش وماشك وتوبال ، وأقهرك … ، وأطردك أنت وكل جيشك خيلا وفرسانا ، وجميعهم مُرتدون أفخر ثياب ، جمهورا غفيرا ، كلهم قابض سيف ، وحامل أتراس ومجانّ . ومن جملتهم ، رجال فارس ( إيران ) ، وإثيوبيا ( السودان ) وفوط ، … ، وأيضا جومر ( اليمن / أوروبا الشرقية ) وكل جيوشه ، وبيت توجرمة ( بلاد القوقاز الروسية / الشيشان ) من أقاصي الشمال مع كل جيوشه ، جيوش غفيرة اجتمعت إليك ( أي لرئيس روش ) . إذ بعد أيام كثيرة تُستدعى للقتال ، فتقبل في السنين الأخيرة ( آخر الزمان ) ، إلى الأرض الناجية من السيف ( فلسطين ) ، التي تم جمع أهلها من بين شعوب كثيرة ، فتأتي مُندفعا كزوبعة ، … أفكار سوء تراودك ، … ، للاستيلاء على الأسلاب ، ونهب الغنائم ، ومهاجمة الخرائب التي أصبحت آهلة ، ولمحاربة الشعب المجتمع من بين الأمم ، … ، المُستوطن في مركز الأرض " .
ـ هذا النص النبوي ، وقع فيه خلط كبير ، بين نبوءتين ، وحقيقة هذا النص تحكي وقائع الملحمة الكبرى ، التي ستقع مستقبلا بين الروس والعرب ، والتي سنتطرق لذكرها لاحقا ، ولنكمل النص …
خروج يأجوج ومأجوج ، ونهايتهم عند وصولهم لمشارف مدينة القدس :
"حزقيال : 38: 14-23: لذلك تنبّأ يا ابن آدم وقل لجوج ، هذا ما يُعلنه الرب : في ذلك اليوم عندما يسكن شعبي إسرائيل آمنا … وتُقبل أنت من مقرّك في أقاصي الشمال ، مع جيوش غفيرة ، تغشى الأرض ، كلّهم راكبو خيل ، … وتزحف على شعبي إسرائيل ، كسحابة تغطي الأرض ، في الأيام الأخيرة ، أني آتي بك إلى أرضي ، لكي تعرفني الشعوب ، عندما تتجلّى قداستي ، حين أُدمّرك يا جوج أمام عيونهم . هذا ما يقوله السيد الرب : ألست أنت الذي ، تحدّثت عنه في الأيام الغابرة ، على ألسنة عبيدي أنبياء إسرائيل ، الذين تنبّأوا في تلك الأيام لسنين كثيرة ؟! … ، وأُسلّط عليه السيف في كل جبالي ، فيكون سيف كلّ رجل ضدّ أخيه . وأُدينه بالوباء وبالدم ، وأُمطر عليه وجيوشه ، وعلى جموع حلفائه الغفيرة ، مطرا جارفا ، وبردا عظيما ، ونارا وكبريتا ، … فيدركون أني أنا الرب … فيخرج سكان مُدن إسرائيل ( بعد أن يكونوا قد اعتصموا منهم في جبال القدس ) ، ويحرقون الأسلحة والمجانّ ، والأترسة والقسيّ والسهام ، والحراب والرماح ، ويوقدون بها النار سبع سنين ، وينهبون ناهبيهم ، ويسلبون سالبيهم " .
ـ مفاد هذه النبوءة ، والنبوءة السابقة ، كما يُفسّره ويُأولّه الباحثون الجدد حديثا ، من اليهود والنصارى ، أن روسيا ( جوج وماجوج ) وحلفائها ، ستقوم بغزو أرض إسرائيل ، آنذاك سيقف الرب بجانب إسرائيل وحلفائها ، فيكون النصر حليفهم . والخلط الذي أوجده مؤلفو التوارة ، بتكرار ذكر يأجوج ومأجوج ، في نصين مختلفين ، دفع مفسّري التوراة للاعتقاد ، بأن الروس هم يأجوج ومأجوج ، والحقيقة التي نعلمها نحن كمسلمون أن خروج يأجوج ومأجوج ، سيقع بعد زوال دولة إسرائيل ، بل بعد ذبح اليهود النهائي ، وبعد خروج الدجال ، ونزول عيسى عليه السلام ، وأما غزو الروس لبلاد الشام ، فسيكون لقتال المسلمين ، في زمن المهدي وقبل خروج الدجال .
مواصفات الهيكل الهندسية :
وعلى مدى 16 صفحة تقريبا ، يُفردها سفر حزقيال ، لتحديد المواصفات الهندسية للهيكل الجديد ، بلغة الكلمات ، من بوابات وساحات ، وحجرات لإعداد الذبائح ، وحجرات للكهنة ، ودعائم الهيكل وجدرانه وغرفه ، ومخادع الكهنة ، ومقاييس المنطقة التي سيقام فيها الهيكل ، ومقاييس المذبح . ويصف مراسيم تقديم القرابين المُقدّسة ، ويوضح شرائع لاستخدام الهيكل . ويُحدّد الأرض الممنوحة للكهنة ، والممنوحة للشعب ، والممنوحة للملك . ومن ثم يصف طريقة تقديم الملك للقربان المُقدّس ، إلى آخره . وبناءً على هذه المواصفات ، قام كثير من اليهود بعمل مخططات ونماذج ، للهيكل الذي يسعون لتشييده مكان المسجد الأقصى ، كما تأمرهم التوراة .
الإطار العام للأحداث المستقبلية حسب الترتيب الزمني لحزقيال :
1. غزو الجيش العراقي لإسرائيل وإنهاء وجود اليهود فيها .
2. توحيد البلدان العربية تحت لواء واحد .
3. خراب الأرض في حرب عالمية نووية مُدمّرة .
4. نزول الخلافة الإسلامية في القدس .
5. روسيا وحلفاؤها من نصارى الشرق يغزون دولة الإسلام في زمن المهدي .
6. خروج يأجوج ومأجوج ، ونهايتهم عند وصولهم لمشارف مدينة القدس .
ـ هذه هي قراءتنا لنبوءات حزقيال ، من خلال معرفتنا بأحداث آخر الزمان ، مما ورد في القرآن والسنة ، أما فهم النصارى واليهود لهذه النبوءات ، هو فهم مرتبك ومضطرب ، إذ أنهم عند تفسيرها ، لا يُعيرون انتباها لترتيبها الزمني ، كما جاءت في سفر حزقيال ، فمعظم تفسيراتهم على اختلافها ، تذهب إلى أن كل هذه الأحداث ، ستتحقق في زمن واحد ، متمثلة في حرب عالمية ثالثة .
رؤى دانيال ونبوءاته
دانيال هو آخر الأنبياء الكبار ، وأحد الذين سُبوا إلى بابل طفلا ، وكتابه في مُعظمه يشتمل على رؤى نبوية ، تصف ما سيقع من أحداث في آخر الزمان ، وخاصّة فيما يتعلّق بقيام دولة اليهود الثانية وزوالها ، وعودة المسيح عليه السلام .
غزو العراق لإسرائيل سيُشعل الحرب العالمية الثالثة :
تفسير جبريل لإحدى رؤى النبي دانيال : " دانيال : 8: 19: وقال : ها أن أُطلعك على ما سيحدث ، في آخر حقبة الغضب ، لأنّ الرؤيا ترتبط بميعاد الانتهاء [ وقت المُنتهى ] ، أن الكبش ذو القرنين الذي رأيته هو ملوك مادي وفارس ( إيران والعراق ) ، والتيس الأشعر هو ملك اليونان ( الغرب ) ، والقرن العظيم النابت بين عينيه ، هو الملك الأول وما أن انكسر ، حتى خلفه أربعة عوضا عنه ، تقاسموا مملكته ، ولكن لم يُماثلوه في قوته . وفي أواخر ملكهم ، عندما تبلغ المعاصي أقصى مداها ( عند اكتمال الظلم ) ، يقوم ملك فظ حاذق وداهية [ جافي الوجه وفاهم الحيل ] ( بعض المفسّرون يرون بأنه الرئيس العراقي ) ، فيُعظم شأنه ، إنما ليس بفضل قوّته ( أي بقدرة الله ) . ويُسبّب دمارا رهيبا ( نتيجة استخدام أسلحة الدمار الشامل ) ، ويفلح في القضاء على الأقوياء ( أمريكا والغرب ) ، ويقهر شعب الله ( اليهود ) . وبدهائه ومكره يُحقّق مآربه ، ويتكبّر في قلبه ، ويُهلك الكثيرين وهم في طمأنينة ، ويتمرّد على رئيس الرؤساء ، لكنه يتحطّم بغير يد الإنسان ( أي يموت موتا طبيعيا ) " .
ـ يرى نوستراداموس قديما ، من خلال هذا النص ، أن نقطة البداية ( الشرارة ) للحرب العالمية النهائية المدمّرة ، ستكون محصورة في ثلاثة بلدان هي ( إيران والعراق وفلسطين ) ، أما أتباعه الجدد ، فيرون أن هذه النبوءة تتحدث عن صدام حسين ، وغزوه لإسرائيل وتدميرها ، وإشعاله لنار الحرب العالمية الثالثة ، فتارة يصفونه بنبوخذ نصر جديد ، وتارة يصفونه بصلاح الدين الجديد ، وتارة بدجال آخر الزمان ، الذي يظهر في إيران أو العراق ، وهذه النبوءة وتفسيراتها الحديثة ، مما يُفسر جانبا من العداء الغربي ، للعراق ولشخص الرئيس العراقي .
فساد إسرائيل وإفسادها يؤكد حتمية زوالها :
" دانيال : 9: 11: قد تعدّى كلّ شعب إسرائيل على شريعتك ، وانحرفوا فلم يسمعوا صوتك ، فسكبت علينا اللعنة وما أقسمت أن توقعه بنا ، كما نصّت عليه شريعة موسى عبد الله ، لأننا أخطأنا إليك . وقد نفذّت قضاءك الذي قضيت به علينا ، وعلى قضاتنا الذين تولّوا أمرنا ، جالبا علينا على أورشليم شرا عظيما ، لم يحدث له مثيل تحت السماء . … ، ولم [ نتضرّع إلى ] وجهك أيها الرب إلهنا ، تائبين عن آثامنا ومُتنبّهين لحقك ، فأضمرت لنا العقاب ، وأوقعته بنا لأنك إلهنا البارّ في كل أعمالك ، التي صنعتها لأننا لم نستمع إليك ".
ـ هنا يُخبر دانيال عن العقاب على اعتبار ما سيكون ، وبأنه قضاء كان موسى عليه السلام قد أخبر عنه في كتابه ، وموضحا الأسباب التي أوجبت العقاب ، وأن العقاب سيُرفع ، لو سبقته التوبة ، ويقرّر أن الله عادل في عقابه لشعبه المختار .
قيام دولة اليهود الثانية :
ـ النص التالي هو تكملة لنصّ متداخل ، على ما يبدو أنه تكرار لنفس نص الرؤيا الأولى أعلاه ، لم أستطع تتبّع بداياته بدقة ، يتحدّث عن حروب وعن ملك ما ، لم أستطع تحديد ماهيته أو مخرجه ، ولكن من قراءة النص اللاحق ، يتبين أنه الذي تسبب في زوال الحكم الإسلامي وقيام دولة إسرائيل في فلسطين . ويصف هذا النص بدقة ، الواقع الحالي لأهل فلسطين وللعرب والمسلمين إجمالا ، ويحمل بشرى لهم ، بالنصر والفرج من عند الله ، عندما يحين موعد نهاية الدولة اليهودية ، وما كان عودة اليهود لفلسطين إلا امتحانا ، ليميز الطيب من الخبيث ، والمؤمن من المنافق .
" دانيال : 11: 31: فتُهاجم بعض قوّاته حصن الهيكل وتنجّسه ، وتزيل المحرقة الدائمة ( أي الحكم الإسلامي ) ، وتنصب الرجس المُخرّب ( أي دولة إسرائيل ) . ويُغوي بالمُداهنة المعتدين على عهد الرب ( اليهود ) ، أمّا الشعب ( الفلسطينيون ) الذين يعرفون إلههم فإنّهم يصمدون ويُقاومون . والعارفون منهم يُعلّمون كثيرين ، مع أنّهم يُقتلون بالسيف والنار ، ويتعرّضون للأسر والنهب أيّاما ( سنين معدودة ) ، ولا يتلقون عند سقوطهم ( قتلى وجرحى ) ، إلا عونا قليلا ، وينضمّ إليهم كثيرون نفاقا ( حال العرب ) ، ويعثر بعض الحكماء تمحيصا لهم وتنقية ، حتى يأزف وقت النهاية ( نهاية إسرائيل ) ، في ميقات الله المعيّن ( أي عند مجيء وعد الآخرة ) " .
حتمية نهاية إسرائيل على يد العراقيين :
" دانيال : 11: 36: ويصنع الملك ( ملك إسرائيل ) ما يطيب له ، ويتعظّم على كل إله ويُجدّف بالعظائم على إله الآلهة ، ويُفلح إلى أن يحين اكتمال الغضب ، إذ لا بدّ أن يتم ما قضى الله به ، ولن يبالي هذا الملك بآلهة آبائه ، … ، إنّما يكرم إله الحصون بدلا منهم ( أي يتّكل على القوة ) ، … . وعندما تأزف النهاية ، يُحاربه ملك الجنوب ، فينقضُّ عليه ملك الشمال ، كالزوبعة بمركبات وفرسان وسفن كثيرة ، ويقتحم دياره كالطوفان الجارف . ويغزو أرض إسرائيل ، فيسقط عشرات الألوف صرعى ، ولا ينجو منه سوى ، أرض أدوم وأرض موآب ، والجزء الأكبر من أرض عمون ( ممالك الأردن القديمة ) ، يبسط يده على الأراضي ، فلا تفلت منه حتى أرض مصر . ويستولي على كنوز الذهب والفضة ، وعلى كل ذخائر مصر ، ويسير الليبيون والأثيوبيون في ركابه ( ليبيا والسودان ) ، وتبلغه أخبار من الشرق ومن الشمال ، فيرجع بغضب شديد ، ليُدمّر ويقضي على كثيرين ، وينصب خيمته الملكية ، بين البحر وأورشليم ، ويبلغ نهاية مصيره ( الوفاة ) ، وليس له من نصير " .
ـ يبدو أن هذا النص يتحدّث عن آخر رئيس لإسرائيل ، وهو ملك لا يؤمن إلا بالقوة ولا يتكلّ إلا عليها ، والنص يصف الغزو العراقي القادم لإسرائيل ، وسيطرة رئيس العراق على معظم بلدان المنطقة وحكمه لها ، واتخاذه القدس عاصمة لملكه ، ومن ثم موته موتا ، لا قتلا . وأما ذكر ملكين من الشمال والجنوب ، فهو ناتج عن ارتباك كتبة التوراة ، في تحديد هوية هذا الملك ، والذي تبين لدينا من النبوءات السابقة ، أن هناك ملكين سيقومان بغزو إسرائيل ، الأول هو ملك بابل ، وكان مخرجه حسب إشعياء من الشرق ، وكان غزوه لإسرائيل حسب ارميا من الشمال ، وهذا يفيد بأنه خرج من الشرق ، وغزاهم من الشمال عن طريق سوريا حيث كان مُعسكرا ، في منطقة حماة . والملك الثاني هو جوج رئيس ماجوج أي الرئيس الروسي ، الذي سيغزوهم من أقصى الشمال ، ومع أن كل منهما ، حادث منفصل عن الآخر ، إلا أنهم جمعوهما في نص واحد ، بطريقة مربكة للقارئ ، وهذا أدى إلى حيرة الدارسين والباحثين الجدد لهذه النصوص ، في محاولاتهم لمعرفة ظروف الحرب العالمية الثالثة ، ولتحديد شقيّ النزاع فيها وأحلاف كل منهم ، وهذا النص تكرار لنص تفسير جبريل للرؤيا الذي تقدّم أعلاه .
" 12: 9: اذهب يا دانيال ، لأن الكلمات مكتومة ومختومة إلى وقت النهاية . كثيرون يتطهّرون ويتنقّون ويُمحّصون بالتجارب ( يُمتحنون ) ، أما الأشرار فيرتكبون شرا ولا يفهمون ، ولكن ذوو الفطنة يُدركون [ يفهمون ] " .
ـ يؤكد هذا النص ، أن الأحداث التي أخبر عنها ، ستأخذ مكانها في زمان النهاية ، وسيُمتحن من خلالها أناس كثيرون ، فمنهم من يقع بشرّ أعماله ، ومنهم من ينجو بجميل صنعه وفهمه ، واختياره للطريق الأصوب ، بناءً على ما جاء في هذه النبوءات .
بعض رؤى ونبوءات الأنبياء الصغار
وهم اثنا عشر نبيا ، وعلى ما يبدو أنهم بُعثوا في الفترة ، التي كان لليهود فيها تواجد في جزئي في القدس ، وتمتعوا فيها بحكم شبه ذاتي ، للقلة التي بقيت فيها ولمن عادوا من السبي البابلي ، وامتدت هذه الفترة ، ما بعد السبي البابلي ، إلى ما قبل بعث عيسى عليه السلام ، وسُمّوا بالأنبياء الصغار ، كون أسفارهم صغيرة الحجم ، حيث يتراوح عدد صفحات كل منها ، ما بين ( 2-12 ) صفحة ، ومعظم رؤاهم ونبوءاتهم تتحدث عن أحداث آخر الزمان ، المرتبطة بعودتهم الثانية إلى فلسطين :
سفر يوئيل
وصف أصحاب البعث الثاني :
" هذا ما أوحى به الرب ، إلى يوئيل بن فثوئيل : اسمعوا هذا أيّها الشيوخ ، وأصغوا يا جميع أهل الأرض ، …
1: 15: يا له من يوم رهيب ، لأن يوم الرب قريب ، حاملا معه الدمار من عند القدير ، … اصحوا أيها السكارى ، وابكوا يا جميع مدمني الخمر … فإن أمةً قوية قد زحفت على أرضي ، أُمة قوية لا تُحصى لكثرتها ، لها أسنان ليث وأنياب لبؤة ، …
2: 2: هو يوم ظلمة وتجهّم ، يوم غيوم مُكفهرّة وقتام دامس ، فيه تزحف أمة قوية وعظيمة ، كما يزحف الظلام على الجبال ، أمّة لم يكن لها شبيه في سالف الزمان ، تلتهم النار ما أمامها ، ويُحرق اللهيب ما خلفها ، الأرض أمامها جنة عدن ، وخلفها صحراء موحشة ، يثبون على رؤوس الجبال ، في جلبة كجلبة المركبات ، كفرقعة لهيب نار يلتهم القشّ ، وكجيش عات مُصطفّ للقتال . تنتاب الرعدة منهم كل الشعوب ، وتشحب كل الوجوه ، يندفعون كالجبابرة وكرجال الحرب ، … ، ينسلّون بين الأسلحة من غير أن يتوقفوا ، ينقضّون على المدينة ، ويتواثبون فوق الأسوار ، يتسلّقون البيوت ، ويتسلّلون من الكوى كاللصوص ، ترتعد الأرض أمامهم وترجف السماء ، … ، يجهر الرب بصوته في مُقدّمة جيشه ، لأن جُنده لا يُحصى لهم عدد ، ومن يُنفّذ أمره يكون مُقتدرا ، لأن يوم الرب عظيم ومخيف ، فمن يحتمله ؟! " .
ـ يوم الغضب الذي يصفه يوئيل ، هو اليوم الذي ستنقضّ فيه ، تلك الأمة القوية ، لتنفيذ وعد الآخرة ، في شعب الله المختار .
الإشارة موعد زوال دولة إسرائيل فلكيا :
" يوئيل : 2: 30: وأجري آيات في السماء ، وعلى الأرض ، دما ونارا وأعمدة دخان . وتتحول الشمس إلى ظلام ( كسوف الشمس ) ، والقمر إلى دم ( وخسوف القمر ) ، قبل مجيء يوم الرب العظيم المُخيف . إنّما كل من يدعو باسم الرب يخلص ، لأن النجاة تكون في جبل صهيون وفي أورشليم …
ـ يُشير هذا النص إلى أن نهاية إسرائيل ، سيسبقها بعض الإشارات والدلائل ، في السماء وفي الأرض ، أما الإشارات الأرضية ، فهي قتل وسفك دماء ، ودمار ونار ، وحرائق ودخان ، وأما الإشارات السماوية ، فهي أولا كسوف كلّي للشمس ، يليه خسوف كلّي للقمر ، تتم مشاهدتهما من فلسطين على التوالي ، والملفت للنظر أن الإشارات السماوية قد وقعت بالفعل ، فالكسوف الكلي للشمس ، حدث بتاريخ 11 / 8 / 1999م ، وتبعه خسوف كلي للقمر بتاريخ 9 / 1 / 2001 ، ولأول مرة بعد قيام الدولة اليهودية ، يتحصّل هذا الحدث على هذا النحو ، وهو ما لن يتكرّر قبل 180 سنة على الأقل .
فلسطين مسرح الحرب العالمية الثالثة :
3: 1: لأنّه في تلك الأيام ، وفي ذلك الحين ، عندما أردّ سبي يهوذا وأورشليم ، أجمع الأمم كلّها ، وأحضرهم إلى وادي يهوشافاط ، وأحاكمهم هناك ، من أجل شعبي وميراثي إسرائيل ، … ، نادوا بهذا بين الأمم ، وتأهبوا للحرب ، … ، أسرعوا وتعالوا من كل ناحية ، … ، لتنهض الأمم وتقبل إلى وادي القضاء ، … ، تعالوا ودوسوا ، فإن المعصرة الخمر قد امتلأت ، والحياض فاضت بكثرة شرّهم …
ـ يوم الغضب يشمل أيضا ، ما سيقع من غضب إلهي لاحق ، على بقية شعوب الأرض .
عودة الأمن والطمأنينة لفلسطين بعد الحرب :
وتقطر الجبال في ذلك اليوم خمرة عذبة ، وتفيض التلال باللبن ، وجميع ينابيع يهوذا تتدفق ماء ، ويخرج ينبوعا من هيكل الرب ، يروي واد السنط ، وتصبح مصر خرابا ، وأدوم قفرا موحشا ، لفرط ما أنزلوه من ظلم ، … ، ولأنهم سفكوا دما بريئا في ديارهم . أما يهوذا فإنّه يسكن الأرض إلى الأبد ، وتعمر أورشليم مدى الأجيال ، وأُزكّي دمهم الذي لم أُبرّئه ، لأن الرب يسكن في صهيون ( كناية عن الدين ) " .
رؤيا حبقوق
وصف الإفساد وأصحاب البعث الثاني :
" 1: 3-11: أينما تلفّت أشهد أمامي جورا واغتصابا ، ويثور حولي خصام ونزاع ، لذلك بطلت الشريعة ( تعطلّت ) وباد العدل ، لأن الأشرار يُحاصرون الصدّيق ، فيصدر الحكم مُنحرفا عن الحقّ .
تأمّلوا الأمم وأبصروا ، تعجّبوا وتحيّروا ، لأني مُقبل على إنجاز أعمال ، في عهدكم ، إذا أُخبرتم بها لا تصدّقونها . فها أنا أُثير الكلدانيين ، هذه الأمة الحانقة المُندفعة ، الزاحفة في رحاب الأرض ، لتستولي على مساكن ليست لها ، أمّة مُخيفة مُرعبة ، تستمدّ حُكمها وعظمتها من ذاتها . خيولها أسرع من النمور ، وأكثر ضراوة من ذئاب المساء ، فرسانها يندفعون بكبرياء ، قادمين من أماكن بعيدة ، مُتسابقين كالنسر المُسرع ، للانقضاض على فريسته ، يُقبلون جميعهم ليعيثوا فسادا ، ويطغى الرعب منهم على قلوب الناس قبل وصولهم ، فيجمعون أسرى كالرمل . يهزءون بالملوك ويعبثون بالحكام ، ويسخرون من الحصون ، يجعلون حولها تلالا من التراب ، ويستولون عليها . ثم يجتاحون كالريح ويرحلون ، فقوة هؤلاء الرجال هي إلههم " .
" 2: 3 لأن الرؤيا لا تتحقّق إلا في ميعادها ، وتسرع إلى نهايتها ، إنها لا تكذب ، وإن توانت فانتظرها ، لأنها لا بدّ أن تتحقّق ، ولن تتأخر طويلا " .
عودة الإسلام بخروج المهدي من مكة وانتصاره في جميع حروبه :
" 3: 3-13: قد أقبل الله من أدوم ( الأردن ) ، وجاء القدّوس من جبل فاران ( مكة ) ، غمر جلاله السماوات ، وامتلأت الأرض من تسبيحه ، إن بهاؤه كالنور ، ومن يده يومض شعاع ، وهناك يحجب قوّته . يتقدّمه وبأ ، والموت يقتفي خطاه . وقف وزلزل الأرض ، تفرّس فأرعب الأمم ، اندكّت الجبال الأبدية ، وانهارت التلال القديمة ، أما مسالكه فهي منذ الأزل ، لقد رأيت خيام كوشان تنوء بالبلية ، وشُقق أخبية ديار مديان ترجف رعبا " .
ـ هذا النص مشابه للنص النبوي الذي ورد في سفر التثنية ، بداية هذا الفصل ، فعبارة ( جاء القدّوس ) ، تُشير إلى عودة الدين ، وعبارة ( من جبل فاران ) ، تُحدّد مكان ظهور القائم على أمره ، وهي جبال الجزيرة العربية ، أما عبارة ( قد أقبل الله ) ، فتعني قدوم شيء من أمر الله ، كالبعث أو الملك المنتظر ، وعبارة ( من أدوم ) أي من الأردن ، تُشير إلى الجهة التي سيأتي منها البعث ، أو التي سيأتي منها المهدي لدخول القدس ، وعلى ما يبدو أن هذا النص ، جاء ليُفسّر ويُفصّل النبوءة ، التي جاءت على لسان موسى عليه السلام ( وأتى من ربوات القدس ، وعن يمينه نار شريعة لهم ) ، وتؤكد أن المهدي ، سيظهر في مكة ، ومن ثم سينتقل إلى القدس ، ليُعيد للإسلام مجده وبهاءه ، وليُيدد بنوره ، عصورا من ظلام القلوب والعقول .
رؤيا صفنيا
وصف إفساد إسرائيل والوعد بعقابها :
3: 1-4: ويل للمدينة الظالمة المُتمرّدة الدنسة ، التي لا تُصغي لصوت أحد ، وتأبى التقويم ، ولا تتكلّ على الرب ، ولا تتقرّب من إلهها ، رؤساؤها في داخلها أُسود زائرة ، وقضاتها كذئاب المساء الجائعة ، التي لا تبقي شيئا ، من فرائسها إلى الصباح ، أنبياؤها مغرورون وخونة ، وكهنتها يُدنّسون المقدس ، ويتعدّون على الشريعة …
" 1: 2: يقول الرب : سأمحو محوا كل شيء عن وجه الأرض ، … . أمدُّ يدي لأُعاقب يهوذا وكل أهل أورشليم ، وأُفني من هذا الموضع بقية عبدة البعل ، وكل كهنة الوثن . … ، فتصبح ثروتهم غنيمة ، وبيتهم خرابا " .
الحرب القادمة مُباغتة وسريعة :
1: 14-18: إن يوم الرب العظيم قريب ، وشيك وسريع جدا . دويُّ يوم الرب مُخيف ، فيه يصرخ الجبار مرتعبا ، يوم غضب هو ذلك اليوم ، يوم ضيق وعذاب ، يوم خراب ودمار ، يوم ظلمة واكتئاب ، يوم غيوم وقتام . … ، فيه أُضايق الناس فيمشون كالعمي ، لأنهم أخطئوا في حقّ الرب ، فتنسكب دماؤهم كالتراب ، ويتناثر لحمهم كالجلّة . لا يُنقذهم ذهبهم ولا فضتهم ، في يوم غضب الرب ، إذ بنار غيرته تُلتهم كلّ الأرض ، وفيه يضع نهاية ، مُباغتة كاملة سريعة ، لكلّ سكان المعمورة " .
ـ اعتمادا على هذا النص ، يعتقد معظم المفسّرون الغربيون ، بأن الحرب العالمية القادمة ، ستكون مباغتة وسريعة جدا ، وستحسم في فترة زمنية قصيرة جدا ، تُعدّ بالأيام . وقصر المدة ، يُشير إلى حتمية استخدام أسلحة الدمار الشامل بكافة أشكالها .
سفر حجّي
إعادة بناء الهيكل طمعا في الذهب والفضة :
" 1: 7-8: هكذا يقول الرب القدير : تأملوا فيما فعلتم ، اصعدوا الجبل ، واجلبوا خشبا وشيّدوا الهيكل ، فأرضى عنه وأتمجّد …
2: 5-9: بمقتضى عهدي الذي أبرمته معكم ، عندما خرجتم من ديار مصر ، إن روحي ماكث معكم ، فلا تفزعوا . لأنه هكذا يقول الرب : ها أنا مُزمع مرّة أخرى ، عمّا قليل أن أُزلزل السماء والأرض والبحر واليابسة ، وأن أُزعزع أركان جميع الأمم ، فتُجلب نفائسهم إلى هذا المكان ، وأملأ الهيكل بالمجد ، فالذهب والفضة لي يقول الرب القدير ، ويكون مجد هذا الهيكل الأخير ، أعظم من مجد الهيكل السابق ، وأجعل السلام يسود هذا الموضع ، يقول الرب القدير " .
ـ هذا النص المُحرّف ، مما يتّخذه اليهود كدعوة لإعادة بناء الهيكل ، والحقيقة أن الله أمرهم بعبادته وإقامة شريعته ، ولكنهم يعبدون الذهب والفضة ، ومستودعها هو الهيكل ، ويسعون لبناءه لجعله مصرف دولي أو بورصة عالمية ، وهذا كان حالهم عند مجيء المسيح عليه السلام ، وكما هو موصوف بالإنجيل ، وأما النص غير المُحرّف ، الذي يخبرهم فيه ربهم ، بأنه لا يريد منهم هيكلا ، وإنما يريد منهم صلاحا وإصلاحا ، فهو موجود أيضا في نفس السفر ، بعد أسطر قليلة وهذا نصه :
" 2: 14-15: هذا هو حال الشعب ، … ، فكلّ أعمال أيديهم ، وما يُقدّمونه نجس . والآن تأملوا فيما صنعتم اليوم ، وفيما صنعتم في الأيام السالفة ، قبل أن تضعوا حجرا فوق حجر ، لبناء هيكل الرب !!! " .
سفر زكريا
تحذير يهود هذا الزمان على لسان زكريا عليه السلام :
1: 2-6: لقد غضب الربّ أشدّ الغضب على آبائكم ، ولكن قُل لهم هذا ما يُعلنه الرب القدير : ارجعوا إليّ فأرجع إليكم . ولا تكونوا كآبائكم ، الذين حذّرهم الأنبياء السابقون ، قائلين : ارجعوا عن طُرقكم الباطلة ، وأعمالكم الشرّيرة ، ولكنّهم لم يسمعوا ولم يُصغوا إليّ ، … ألم تدركوا أقوالي وفرائضي ، التي أمر بها عبيدي الأنبياء آباءكم ، قائلين : لقد نفّذ الرب القدير ، ما عزم أن يُعاقبنا به ( في المرة الأولى ) ، بمقتضى ما ارتكبناه ، من أعمال باطلة " .
" 7: 8: هذا ما يقوله الرب القدير : اقضوا بالعدل ، وليُبدِ كل منكم إحسانا ورحمة لأخيه . ولا تجوروا على الأرملة واليتيم ، والغريب والمسكين . ولكنهم أبَوْا أن يُصغوا ، واعتصموا بعنادهم غير عابئين ، وأصموا آذانهم لئلا يسمعوا . وقسّوا قلوبهم كالصوّان لئلا يسمعوا ، … ، فانصبّ غضب عظيم من لدن الرب القدير ، … وأضحت الأرض المبهجة قفرا " .
مصير الشعب اليهودي في إسرائيل :
" 13: 7-9: ويقول الرب القدير : استيقظ أيها السيف ، وهاجم راعيَّ ورجل رفقتي ، اضرب الراعي فتتبدّد الخراف ، ولكنّي أردّ يدي عن الصّغار ( أي المستضعفين ) . يقول الرب : فيفنى ثُلثا شعب أرضي ، ويبقى ثُلثهم حيا فقط . فأُجيز هذا الثلث في النار ، لأُنقيه تنقية الفضة ، وأمُحّصه كما يُمحّص الذهب " .
ـ هذا النص يُشير إلى الوعد الثاني وعقابه ، حيث يفنى ثلثان وينجو ثلث ، وهذا الثلث يُمتحن بمجيء الدجال ، فيفنى من تبعه منهم ، وينجو منهم من يعتنق الإسلام .
" 14: 1: انظروا ها يوم مُقبل للرب ، يُقسم فيه ما سُلب منكم في وسطكم . لأني أجمع الأمم على أورشليم لتحاربها ، فتُؤخذ المدينة وتُنهب البيوت ، وتُغتصب النساء ، ويُسبى نصف أهلها إلى المنفى ، إنّما لا ينقرض بقية الشعب من المدينة " .
الحرب العالمية النووية الثالثة :
ـ يعتقد مُجمل الغربيون من يهود ومسيحيين ، من مفسّري النصوص التوراتية ، أن حربا نووية ستقع في المستقبل القريب ، تبدأ بهجوم على إسرائيل ، من قبل روسيا وحلفائها من الشرقيين ، المذكورين في النصوص السابقة . وستكون نتيجة هذه الحرب ، هي انتصار إسرائيل وحلفائها الغربيّون ، وفيما بعض النصوص ، التي تُخبر عن ظروف هذه الحرب .
" 12: 1-6: ها أنا مُزمع ، أن أجعل أورشليم كأس خمر ، تترنّح منها جميع الشعوب المُحيطة بها ، … ، في ذلك اليوم أجعل أورشليم كصخرة ثقيلة ، تعجز عن حملها جميع الشعوب . وكل من يُحاول حملها ينشقّ شقّا ، ويتألّب عليها جميع شعوب الأرض ، في ذلك اليوم ، يقول الرب : أُصيب كل فرس من جيوش الأعداء بالرعب ، وفارسه بالجنون ، … ، أجعل عشائر يهوذا ، … ، كمشعلٍ ملتهبٍ بين أكداس الحنطة ، فيلتهمون الشعوب من حولهم ، ممن عن يمينهم وعن يسارهم ، بينما تظلّ أورشليم ، آمنة آهلة في موضعها " .
ـ مع أنّ هذا يُشير إلى أن إسرائيل ، ستُهاجم من قبل أمم كثيرة ، فينتصر الرب لأورشليم وعشائرها ، وتبقى آمنة مطمئنة ، لكن في النصوص التي تلي هذا النص ، تجد نواحا ونحيبا من قبل ذرية داود ، والنواح والنحيب لا يكون عادة من شدة الفرح ، وإنما من شدة الألم ، لوقوع فاجعة ما حلّت بهم ، وفي النص التالي ، وصفا لهذا النواح :
" 12: 11: في ذلك اليوم يكون النواح في أورشليم ، مماثلا للنواح في هدد رمّون في سهل مجدّو ، فيشيع النحيب بين أهل البلاد " .
ـ وحسب ما يعتقد اليهود والنصارى ، فإن هذا النص يُحدّد ساحة المعركة البرية ، في الحرب القادمة المُسمّاة ( هرمجدون ) ، بين إسرائيل وأعدائها ، في سهل مجدّو شمال فلسطين .
" 14: 12: وهذا هو البلاء الذي يُعاقب به الرب ، جميع الشعوب الذين اجتمعوا على أورشليم : تتهرّأ لحومهم وهم واقفون على أرجلهم ، وتتآكل عيونهم في أوقابها ، وتتلف ألسنتهم في أفواههم . 13: في ذلك اليوم يُلقي الرب ، الرعب في قلوبهم ، حتى ترتفع يد الرجل ضد رفيقه فيهلكان معا . 14: ويُحارب أبناء يهوذا أيضا دفاعا عن أورشليم ، ويغنمون ثروات من الأمم المُحيطة " .
ـ يُشكّل هذا النص توليفة غريبة ، من صنع الكتبة . فالفقرة (12) تصف ما يُشبه تأثير تعرّض الجسم لحرارة شديدة جدا . والآية (13) تصف ما يُشبه قيام الساعة . والفقرة (14) وكأنها نص مأخوذ ، مما يلي الفقرة (16) في النص اللاحق ، إذ كيف يقوم أبناء يهوذا بمحاربة الجثث المحترقة !!!
" 9: 13: ها أنا أُتر يهوذا كقوس ، وأجعل أفرايم كسهم ، وأُثير رجال صهيون على أبناء اليونان ، فتكونين كسيف جبّار . … ، 15: يقيهم الرب القدير حجارة المقلاع ، بل تقصر عنهم ويطئونها ، ويشربون ويصخبون كالسكارى من الخمر ( من نشوة النصر ) . 16: في ذلك اليوم ، يُخلّصهم الربّ إلههم لأنهم شعبه وقطيعه ، ويتألقون في أرضه كحجارة كريمة مرصّعة في تاج ، فما أجملهم وأبهاهم ! " .
ـ هذا النص يصف رجالا ، يُقاتلون أبناء اليونان ، أي ليس آباءهم ، واليونان هم الغرب ، ويُمثّلهم الآن أمريكا وبريطانيا وحلف الناتو ، وهم كما نعلم حلفاء لإسرائيل ، فكيف سيقاتل رجال صهيون ، حُلفائهم من أبناء اليونان ؟
ـ ملخص ما تُفصح عنه هذه النصوص :
بربط هذه النصوص مع النصوص السابقة ، نجد أن النصوص السابقة ، تُحذّر اليهود من الإفساد في الأرض ، ومن ثم تُخبر بأن الإفساد سيقع منهم لا محالة ، مما يُحتم انسكاب الغضب الإلهي عليهم ، والنتيجة هي وفاة ثلثيهم ، ونجاة ثلث ، وخراب أرضهم ، بمعنى نهاية دولتهم في فلسطين ، وهذا يعني أن القدس ، ستكون في أيدي أناس من غير اليهود ، وهم الذين أنهوا الوجود اليهودي فيها .
ومن ثم تبدأ بالإخبار بأن أورشليم أي القدس ، ستكون محط أنظار جميع شعوب العالم ، وبأن شعوبا كثيرة ، ستأتي لقتال أهلها والاستيلاء عليها ، فيهلكوا جميعا ، وتبقى القدس آمنة عامرة بسكانها . وهلاك هذه الشعوب سيكون باحتراقها بالأسلحة النووية ، ويُحارب أهل فلسطين آنذاك في معركة برية ، فيُنصرون ويغنمون ويسلمون .
والخصم يُحدّده النص الأخير ، بأبناء اليونان ، أي حلف الناتو بقيادة أمريكا ، ويُخبر النص بأن الله سيقي شعبه المتواجد في فلسطين ، من صورايخ أعداءهم وقنابلهم ، ويكون النصر حليفهم ، ومن ثم يُخبر عن صفة القوم ، الذين يُحاربون أبناء اليونان ، وهي صفة لا تليق إلا بالمسلمين .
بناء الهيكل تعبير مجازي والمراد منه إقامة الدين وليس إقامة البناء :
" 1: 14-17: هذا ما يقوله الرب القدير : إنّي قد غرت على أورشليم ، وعلى صهيون ( جبل المسجد ) غيرة عظيمة ، ( من أجل ما فعلوه فيها ) ، ولكنّ غضبي مُتأجج على الأمم المتنعمة ( وهم على رأسها ) . لقد اغتظت قليلا ( والأصحّ كثيرا ) من شعبي ، إلا أنّهم زادوا من فواجعهم . لذلك يقول الرب : سأرجع إلى أورشليم بفيض من المراحم ( بعودتها إلى أهلها ) ، فيُبنى هيكلي ( فيُقام الدين ) ، وتعمر أورشليم ( تُتّخذ عاصمة للحكم الإسلامي ) ، واهتف قائلا : هذا ما يقوله الرب القدير : ستفيض مُدني خيرا ثانية ويرجع الرب ، فيُعزّي صهيون ويصطفي أورشليم " .
ـ وفيما يلي تكرار لنفس النص ، ولكن بدون التشويهات التي أضافها الكهنة إلى النص أعلاه :
" 8: 2-3: هذا ما يقوله الرب القدير : إنّني أغار على صهيون غيرة عظيمة ، مُفعمة بغضب شديد على أعدائها ( وأعداءها هم اليهود أنفسهم ) . لهذا يقول الرب القدير : ها أنا عائد إلى صهيون لأُقيم في أورشليم ، فتُدعى آنئذ مدينة الحقّ ، كما يُدعى جبل الرب القدير بالجبل المُقدّس " .
ـ وهذا سيكون عند ظهور ملك القدس المنتظر ، الذي تتحدّث عنه النصوص التالية :
المهدي ومسمّاه وصفة ملكه :
" 3: 8: فأصغ يا يهوشع رئيس الكهنة ، أنت وسائر رفاقك الكهنة الجالسين أمامك ، أنتم رجال آية ( أي شهود ) : وها أنا آتي بعبدي الذي يُدعى الغصن " .
" 6: 12-15: هكذا يقول الرب القدير : ها هو الرجل الذي اسمه الغصن ، ينبت من ذاته [ وفي الترجمة الثانية / ومن مكانه ينبت ] ، ويبني هيكل الرب ( أي يقيم الدين ) . هو الذي يبني هيكل الرب ويتجلّل بالمجد ، ويكون ملكا وكاهنا في آن واحد ( أي خليفة قائم بأمر الدين والدنيا ) ، فيجلس ويحكم على عرشه ، فيعمل بفضل مشورة رتبتيه ( أي الملك والكهانة ) ، على إشاعة السلام بين قومه . ويتوافد قوم من بعيد ليبنوا هيكل الرب .
ـ وهذا الرجل ، غصن من شجرة محمد عليه الصلاة والسلام ، وينبت في نفس المكان أي من جزيرة العرب ، التي يُسمّونها في التوراة ، جبال فاران .
" 8: 19-22: ستكون مواسم ابتهاج وفرح وأعياد سعيدة ، يتمتع بها شعب يهوذا ، لهذا أحبّوا الحقّ والسلام ، … . فتتوافد أمم كثيرة وشعوب قويّة ، ليلتمسوا وجه الرب القدير ، في أُورشليم وليحظوا برضاه .
ـ قارن ما بين النصين لتكتشف التحريف والتبديل ، حيث وضعوا شعب يهوذا في النص ( 19-22) بدلا من قومه في النص ( 12-15) أعلاه ، وأضافوا إلى النص الثاني ، ابنة صهيون وابنة أورشليم .
ملك القدس المنتظر ، الذي تُخبر عنه توراة اليهود ، هو المهدي :
" 9: 9-10: ابتهجي جدا يا ابنة صهيون ، واهتفي يا ابنة أورشليم ، لأن هو ذا ملكك مُقبل إليك . هو عادل ظافر ، ولكنّه وديع راكب على أتان . وأستأصل المركبات الحربية من أفرايم ، والخيل من أورشليم ، وتبيد أقواس القتال ، ويشيع السلام بين الأمم ، ويمتدُّ ملكه من البحر إلى البحر ، ومن نهر الفرات إلى أقاصي الأرض " .
ـ يقول اليهود أنه الملك الرب ، ويقول النصارى أنه عيسى عليه السلام وقد تحقق ذلك ، والحقيقة أن هذه النبوءة مستقبلية ، ولم تتحقق لغاية الآن ، فصاحبها هو المهدي ، الذي سيقهر كل خصومه ، ومن ثم يشيع السلام والأمن ، على امتداد ملكه الموصوف بالنص ، وهذا مما يجعل أي صحوة إسلامية ، تدبّ الرعب في قلوبهم الفزعة .
الدجال وصفته في التوراة :
" 11: 16: فها أنا مزمع ، أن أُقيم في الأرض راعيا ، لا يعبأ بالغنم الشاردة ، ولا يفتقد الحملان أو يجبر المكسورين ، ولا يُغذي الصحيح ، ولكنه يفترس السِمان منهم ، وينزع أظلافهم ، ويل للراعي الأحمق الذي يهجر القطيع . ليبتر السيف ذراعه ويفقأ عينه اليمنى ، فتُيبّس ذراعه ، فتكفّ عينه اليمنى عن البصر " .
" 14: 5: … ، ويأتي الربّ إلهي في موكب ، من جميع قدّيسيه . في ذلك اليوم ، يتلاشى نور الكواكب ، ولا يكون برد ولا صقيع . ويكون يوم متواصل معروف عند الربّ ، لا نهار فيه ولا ليل ، إذ يغمر النهار ساعات المساء . في ذلك اليوم تجري مياه حية من أورشليم ، يصبّ نصفها في البحر الشرقيّ ، ونصفها في البحر الغربي ، ويملك الربّ على الأرض كلها ، فيكون في ذلك اليوم ، ربّ واحد لا يُذكر سوى اسمه " .
" 14: 16: فيصعد الناجون من الأمم ، التي تألّبت على أورشليم ، سنة بعد سنة ليعبدوا الملك الرب القدير ، ويحتفلوا بعيد المظلّات " . وإن تقاعست أيّة عشيرة من عشائر أمم الأرض ، عن الصعود إلى أورشليم ، لتسجد للملك الرب القدير ، يمتنع المطر عن الهطول على ديارهم ، وإن أبى أهل مصر الصعود ، للاشتراك في الاحتفال ، يحلّ البلاء الذي يُعاقب به الرب الأمم ، التي لا تجيء للاحتفال بعيد المظلّات … ، ولا يبقى في هيكل الرب القدير تجّار في ذلك اليوم " .
ـ من يملك دراية بالأحاديث النبوية الخاصة بآخر الزمان ، لا يشك بأن هذه النصوص بالرغم من تلاعب الكتبة بها وتشويهها ، تصف حال الدجال ، وما يملك من خوارق ، في الفقرتين الأولى والثالثة ، فهو يأتي ليُفسد في الأرض ، وهو أعور العين اليُمنى . يومه الأول كسنة ليس فيه تعاقب لليل والنهار ، وبين يديه نهران ، نهر من ماء ونهر من نار ، ويدّعي الربوبية ويجوب الأرض كلها ، وإن امتنع قوم من الاستجابة له ، أمر السماء فأمسكت ، وأصبحت سمان مواشيهم هزيلة ، والعكس بالعكس . والنص الأخير يدعوهم لعبادة هذا الملك الرب القدير ، فلذلك فهم ينتظرون ظهوره ، ويريدون استعجال الأمر ، ليحارب أعدائهم ، كما كان يُحارب عنهم في الأيام الغابرة ، وأما الفقرة الثانية ، فكأنها تصف يوم القيامة في قوله تعالى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48 إبراهيم ) ، وقوله ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210 البقرة ) .
النبوءات التوراتية وأثرها في تشكيل القناعات والعقائد اليهودية المشوّهة :
هذه النبوءات التوراتية الواعدة ، شكلّت أحد أبرز العقد في الشخصية اليهودية ، وهي التطلع الدائم إلى الملك والسيادة ، في أرض الميعاد . وهذه النبوءات ، كانت تُسيّر اليهود ، على مدى تاريخهم الطويل ، وما زالت ، في حلّهم وترحالهم في أرجاء الأرض ، بحثا عن هذا المُلك التوراتي الموعود ، الذي نسجته أقلام الكهنة ، فظلموا أنفسهم وظلموا من جاء بعدهم ، ممن آمن بأن هذا من عند الله ، ليُلاقي عُميان البصر والبصيرة ، من أبنائهم هذه الأيام ، مصيرهم المظلم والمحتوم ، والذي تقشعرّ من وصفه في التوراة ، أبدان الذين يعقلون من الناس . ولكن اليهود … لا يسمعون … ولا يُبصرون … ولا يعقلون … ولا يفقهون … إلا أكاذيب أربابهم من الكهنة والأحبار . ولذلك سيكون من ينجو منهم ، من عقاب وعد الآخرة ، صيدا سهلا للدجّال عند ظهوره بملكه المادي ، الذي هو الأقرب للوصف الذي خطه الكهنة ، وهو الأقرب لأهوائهم وأطماعهم ، التي لم تختلف قيد أنملة عن أهواء وأطماع أسلافهم .
قراءة في العقائد اليهودية :
اليهود أقرب إلى الإقرار بوجود الله من إنكاره ، ولكن معرفة المُقِرّ منهم بالله محصورة ، في إطار ما جاء في التوراة والتلمود ، التي تصف الله بصفات ، أقرب ما يكون إلى صفات الأب البشري ، الذي يعطي ويعطف ويعفو ويصفح ، ولا يغضب على أبنائه ، مهما بلغوا من السوء ، ويُخطئ ولكنه يعود ويعترف بخطئه في حق أبنائه ، ويرجع عنه ، وهم يعتبرون أنفسهم الابن البكر ، صاحب الحظوة عند الأب كما هي العادة ، ويتعاملون مع الله على هذا الأساس ، لفهمهم الخاطئ لمسألة التفضيل ، باختيارهم لحمل الرسالة السماوية ، ورعاية الله لهم فيما مضى من الزمان ، وتستطيع تصوّر العقلية التي يتعاملون بها مع الله ، بعقلية الابن المُدلّل الأناني الفاسد والمفسد ، عديم البصر والبصيرة ، والذي لا يتوقع من أبيه الأذى ، مهما ارتكب من أخطاء . حتى ولو حذّره والده مرارا وتكرارا ، من استمراره على نفس الحال ، فهو لا يريد أن يُصدّق أن هذا الأب المعطاء الحاني ، من الممكن يوما من الأيام ، أن يُعاقب ابنه المدلّل ، مهما كانت الأسباب . وتستطيع تصوّر الكيفية التي يتعامل بها اليهود ، مع باقي البشر ، من خلال الكيفية التي يتعامل بها ذلك الابن مع باقي أخوته ، وهذه الكيفية هي ما تجده في تعاليم التلمود .
وأخطر معتقدات اليهود ، هو عدم الإيمان باليوم الآخِر ، فمؤدى نكران اليوم الآخِر ، هو نكران للبعث بعد الموت ، ونكران للحساب ، ونكران للجزاء الأخروي ، والبديل إن وُجد فهو الجزاء الدنيوي . وهذا مما يؤدي إلى الاعتقاد بعبثية الخلق ، وعبثية الإيمان بالله أصلا ، فلا جدوى من الصلاح والإصلاح ، إن لم يكن هناك ثواب ، ولا ضير من الفساد والإفساد ، إن لم يكن هناك عاقبة ، وبعض من هذه الأفكار الإلحادية ، تجدها في التوراة في سفر الجامعة ، سفر العبث والعبثية . ولذلك أخذ اليهود على عاتقهم ، مسؤولية الإفساد في الأرض دونما وازع أو رادع ، بما أخفاه مؤلفو التوراة من ذكر لليوم الآخر ومتعلّقاته ، فالثواب حسب اعتقادهم ، هو مقدار ما ينالونه من كسب دنيوي بشتى الوسائل والسبل ، والعقاب هو مقدار ما يخسرونه من هذا الكسب . وحتى يُجنّب رب العزة أمّة الإسلام خطر هذا الاعتقاد ، اقترن ذكر الإيمان بالله بذكر الإيمان باليوم الآخر والآخرة ، بصريح اللفظ 26 مرة في القرآن ، وتكاد لا تخلو سورة من ذكر متعلّقاته أو التذكير بها ، من بعث وحساب وجزاء ، وما يليه من عقاب وثواب . وانعدام إيمانهم باليوم الآخر ، أوجد لديهم الصفات السلبية ، التي تمتعوا بها على مرّ العصور ، مثل الحرص على الحياة ، والجبن ، والبخل ، والسعي وراء الكسب المادي ، وانعدام المبادئ والقيم والصفات البشرية المحمودة .
وللتعويض عما حذفوه من الأصول العقائدية الصحيحة ، وللتوفيق ما بين المعتقدين السابقين ، طرح مؤلفو التوراة والتلمود ، الكثير من الأفكار الإلحادية ، كفكرة الملك الإله الرب من نسل داود ، الذي سيظهر بلحمه ودمه ، ليسكن جبل صهيون في القدس ، ويحكم العالم إلى الأبد ، لينفوا بعبارة ( إلى الأبد ) أي أمل لليهود ليعتقدوا بنهاية الحياة الدنيا ، وبوجود حياة أخرى هي التي تتصف بالأبدية ، مما أبهم على العامة مصير الروح بعد الموت ، فطرحوا حول مصيرها أفكار متضاربة ، هي أقرب إلى المعتقدات الوثنية ، منها إلى أي شيء آخر .
أثر هذه المعتقدات في الشخصية اليهودية :
كان السبي البابلي بما أحدثه من دمار وتنكيل وأسر ، أكبر صدمة يتعرض لها الشعب اليهودي ، حيث قلبت كيانهم رأسا على عقب ، ولم تقم لهم قائمة منذ ذلك اليوم ، حتى تمكنوا من تحقيق علوهم الثاني في فلسطين ، ولولا مشيئة الله التي ينكرونها ما كان . والذي لم يكن يتخيله أو يتصوره اليهود آنذاك وهم في قمة علوهم الأول ، أن يتخلى عنهم رب الجنود ، وأن يبعث عليهم أمة جافية الوجه ، لتعمل فيهم سيف انتقامه ، وأن يُنزل بهم ضعة وذلّا وخزيا ، بعد عزة وقوة وعلو ، بالرغم من كل ذلك الدلال - الموثّق في التوراة - الذي أحاطهم به ، منذ خروجهم من مصر ، وما أجراه لهم من معجزات ، وعفوه سبحانه عنهم رغم كفرهم وعصيانهم وعدوانهم ، مرارا وتكرارا ، حتى أدخلهم إلى الأرض المقدّسة ، وأقام لهم مملكة بلا جهد أو عناء .
وبالرغم من وضع نبوءة الإفسادين وما يليهما من عقاب ، سيفا إلهيا مسلطا على رقابهم ، لم ولن يرجعوا عن غيهم وطغيانهم ، فهم مسكونون بما تقوّله كهنتهم وأحبارهم وحاخاماتهم ( الحكماء ) ، على الله وعلى رسله ، وعلى كل ما هو مقدّس ، مما أدى إلى إصابتهم كأمّة ، بحالة معقدّة من الفصام العقلي ، من جراء اعتناقهم لمعتقدات خاطئة ، نتيجة ما زرعه حكماؤهم في التوراة والتلمود ، من خرافات وأساطير وآراء وتفسيرات ، هي أقرب ما يكون إلى الأوهام والهلاوس ، فأنبتت تلك المسوخ الشيطانية ، عديمة البصر والبصيرة ، التي اتّحدت وآمنت بشكل جماعي بمعتقدات خاصة بها ، تتنافى مع الطبيعة البشرية السليمة ، فرُفضت واضطهدت من كل المجتمعات البشرية ، التي ساءها ذلك السلوك الجماعي الشاذ والمنحرف لتلك المسوخ ، وبالتالي لم تجد الشعوب ، حلا لمشكلتهم ، إلا الطرد والنفي ، أو إجبارها بمراسيم ملكية ، على التقوقع والعيش كالبهائم في حظائر المواشي ، المسماة بالغيتوهات أو الكيبوتس ، ومع ذلك لم ينجح هذا الحل ، وظنّ الغرب أنهم بإيجاد غيتو كبير لهم فلسطين ، ونفيهم إليه وحشرهم فيه ، سيتخلصون من مشكلتهم إلى الأبد ، ولكن تبين لهم بعد فوات الأوان ، أنهم كانوا على خطأ ، إذ أنهم بعد تمكّنهم من إقامة وطن قومي لهم ، أصرّ معظمهم وخاصة الأغنياء منهم على البقاء في الغرب ، فأصيب نصارى الغرب مؤخرا بعدوى الفصام اليهودي ، لأنهم يملكون استعدادا وراثيا توراتيا لذلك ، لما يحملونه بدورهم من معتقدات خاطئة ، بناءً على ما جاء في الإنجيل ، من أوهام وهلاوس مشابهة . لذلك من الطبيعي جدا ، أن ترى زعماء اليهود يصافحون العرب ، راسمين على شفاهم تلك الابتسامة العريضة ، بينما أيديهم تقطر من دم أبنائهم وأخوانهم ، وكأن شيئا لم يكن .
ما يعتقده اليهود بالنسبة لوجودهم الحالي في فلسطين :
خلاصة ما يعتقده اليهود هذه الأيام ، وهم الأقرب والأكثر فهما لنبوءات التوراة ، لمعرفتهم بالطرق السرية التي كُتبت فيها نصوص التوراة ، وما تضمنته من أسرار ورموز ، مفاتيح حلها موجودة ، في كتب خاصة لديهم ، بناءً على ما تقدّم :
1. تُخبرهم بعض نصوص التوراة بأنهم ، بعد العودة من الشتات ، لا محالة سيُفسدون ، وأن الله سيبعث عليهم من يُعاقبهم ، من العراق أو إيران أو كليهما .
2. وتُخبرهم نصوص أخرى ، أنّ مُلكهم بعد العودة من الشتات ، سينضوي مستقبلا ، تحت لواء ملك من نسل داود أو الملك الرب القدير ، يظهر آخر الزمان ، يقود اليهود وينتصر على أعداء إسرائيل ، في الحرب القادمة ، ويحكم العالم أجمع من القدس ، ملكا أبديا ، يتصف بالحق والعدل والسلام ، وأن أوانه قد اقترب ، ولتعجيل ظهوره ، لا بد لهم من الاستيلاء على أرض فلسطين كاملة ، وتفريغ شعبها منها . وهدم المسجد الأقصى ، وبناء الهيكل ، لكي يتسنى لهذا الملك تقديم القربان المُقدّس على مذبح الهيكل ، وهو أول عمل سيقوم به فور ظهوره ، ويعتقدون بأن سرعة إنجاز هذه الأمور ، ستُعجّل بظهور هذا الملك .
3. وتُخبرهم نصوص أخرى ، أن هناك كم هائل من الأعداء ، الذين سيُهاجمون إسرائيل مستقبلا ، وسيكون النصر حليف إسرائيل وحلفائها . لذلك فهم يعملون بلا كلل أو ملل ، من وراء الستار الغربي الأمريكي البريطاني ، لتأمين هذا النصر الموعود .
ـ لذلك لا بد لهم من أجل مخالفة النبوءة التي تخبر عن دمار دولتهم ، ومن أجل تحقق النبوءة ، التي تنسب إليهم الملك الأبدي ، الذي سيقوم في القدس في نهاية الأمر ، أن يعملوا :
1. على تقوية إسرائيل بإمدادها بالأموال والتكنولوجيا العسكرية المُتطوّرة التقليدية والنووية .
2. على إجبار دول هؤلاء الأعداء التوراتيون على الموالاة للغرب ، ومن ثم الموالاة لإسرائيل عن طريق الترغيب والترهيب .
3. على حرمان الدول المعادية لإسرائيل من هذه القدرات ، وإضعاف هذه القدرات حين امتلاكها وتدميرها .
4. على تدمير الاستقرار الداخلي لتلك الدول ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، إن تعذّر ذلك عسكريا .
ـ ويعتقدون أن الخطر القادم يتمثّل بشكل أساسي في :
1. البلدان العربية والإسلامية وعلى رأسها العراق .
2. البلدان الشيوعية المناهضة للديموقراطية الرأسمالية ، وعلى رأسها روسيا .
3. شخص الأمير المُسلم الذي أخبرت عنه التوراة ، بأنه سيخرج من جزيرة العرب ، ليملك مشارق الأرض ومغاربها .
وللأسباب الثلاثة مجتمعة ، عمل اليهود وما زالوا يعملون ، على تواجد الأساطيل والقواعد العسكرية الأمريكية البريطانية ، بشكل مكثف في منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية ، وتركيا والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط سابقا ولاحقا ، لكي تمنع العراق من مهاجمة إسرائيل ، ولكي تمنع هذا الأمير المسلم من الخروج من أرض الجزيرة ، وظهور أمره وأمر الإسلام من جديد . فكما أنهم أي اليهود ، سكنوا جزيرة العرب ، ليحاربوا جدّه عليه الصلاة والسلام . فهم الآن متواجدون فيها تحت القناع الأمريكي ، في انتظار خروجه ، ليحاربونه بلا أدنى شك . ولقطع الطريق على الجيش الروسي عند هجومه على إسرائيل ، أما ادّعائهم بالتواجد في منطقة الخليج ، للحفاظ على مصالح الولايات المُتحدة ، فذلك لذرّ الرماد في العيون ، فمصالحهم محميّة بسواعد عربية ، وأوامرهم مطاعة حتى في غرف النوم .
وغزو العراق لإسرائيل ، الذي هو أول مشهد في الحلقة الأخيرة ، من مسلسل اليهود التاريخي الطويل ، قد اقترب أوانه وأشرف زمانه ، وهم يعلمون ذلك من خلال الحساب ، ومن خلال الظواهر الفلكية ، كما علموا قديما عن طريق الفلك ، بموعد مولده عليه السلام وموعد بعثه .
أعداء دولة إسرائيل التوراتيون بمسمّياتها القديمة والحديثة حسب تفسيرهم :
1. بابل وآشور وبلاد الكلدانيين ورجال فارس ـ العراق . ( درجة أولى في العداء التوراتي لإسرائيل ، وبامتياز مع مرتبة الشرف ) . تم توريطه في حربيّ الخليج الأولى والثانية ، وضرب المفاعل النووي ، وفرض حصار أبدي ، ويطمحون إلى إبادة شعبه بالأسلحة النووية ، في أقرب فرصة ممكنة . ومشمول في قائمة الدول الراعية للإرهاب .
2. روش وماشك وتوبال وكلّ حلفائهما ، وبيت توجرمة من أقاصي الشمال ـ دول الاتحاد السوفييتي السابق . ( درجة ثانية ) . تم تفكيك الاتحاد السوفييتي ، وإضعاف الحزب الشيوعي المناهض للغرب ، وتدمير اقتصاد روسيا وتوريطها مع صندوق النقد الدولي . وتوريطها في حربين استنزافيتين في جمهورية الشيشان .
3. مادي ، ملوك الشرق ـ إيران . ( درجة ثانية ) . تم توريطها في حرب الخليج الأولى ، ومقاطعة اقتصادية أمريكية وعداء مُعلن ، تشجيع الحركات الإصلاحية الهدامة ، وإثارة الفتن والثورات الداخلية ، لإشعال حروب أهلية ، طمعا في قلب نظام الحكم الإسلامي فيها ، وهي مشمولة في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب .
4. إثيوبيا ـ السودان . ( درجة ثالثة ) . ما زالت الحروب الأهلية التي يدعمها الغرب مشتعلة فيها ، ومقاطعة اقتصادية أمريكية وعداء مُعلن ، وُقصفت بالصواريخ الأمريكية في زمن ( كلينتون ) ، لاتهامها بالتعاون مع ابن لادن ، وهي مشمولة في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب .
5. ليبيا . ( درجة ثالثة ) قٌصفت من قبل الطائرات الأمريكية في زمن الرئيس الأمريكي ( ريغان ) ، تم فبركة حادثة تفجير الطائرة ( لوكربي ) ، واتُهمت بتدبيرها ، ومن ثم فُرض عليها ، حظر دولي من مجلس الأمن ، ومقاطعة اقتصادية أمريكية ، وهي مشمولة في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب .
6. أشور وحلفائها ـ سوريا . ( درجة ثالثة ) . موضوعة على جدول مؤامراتهم القادمة ، وهي مشمولة في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب .
7. عيلام وحلفاؤها ، ملوك الشرق ـ أفغانستان وباكستان . ( درجة ثالثة ) . حظر ومقاطعة اقتصادية على كلتا الدولتين ، تم قصف معسكرات تنظيم القاعدة في أفغانستان . وأفغانستان غير مشمولة في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب ، كونهم لا يعترفون بنظام الحكم فيها .

النبوءات الإنجيلية بين الماضي والمستقبل
الإنجيل في الأصل كتاب سماوي ، أُنزل على عيسى عليه السلام ، بنص واحد مصدقا لما جاء في التوراة ، ويحمل في طياته شريعة جديدة لليهود ، وناسخة لبعض ما جاء في شريعة موسى ، لتخفّف عنهم الكثير من الأعباء ، والكثير من القيود والأغلال ، التي كانوا قد ألزموا بها في التوراة ، نتيجة فسقهم وعصيانهم وظلمهم .
ومن أهم ما جاء به عيسى عليه السلام ، هي البشرى بنبي الهدى ( أحمد ) عليه الصلاة والسلام . وكلمة الإنجيل في اليونانية تعني البشرى أو البشارة ، ويدّعي النصارى أن هذه البشرى هي بشرى الخلاص . أمّا فيمن كانت البشارة حقيقة ، فنجده في قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6 الصف ) . ونص البشارة بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، موجود في الإنجيل الرابع المنسوب ليحيى ( يوحنّا ) عليه السلام ، في الإصحاحات ( 14-16 ) ، ومُسمّياته هي " المؤيِّد" و " المؤيِّد الروح القُدس " و " روح الحق " و" سيّد هذا العالم " ، في الترجمة التي اقتبست منها هذا النص . وفي ترجمات أخرى : " الروح القُدس المُعِين " ، " المُعَزِّي " .
أما ما هو موجود هذه الأيام في الأناجيل ، هو مُجرّد بقايا من الوحي الإلهي ، المُنزل على الرسل . وهذا ما يؤكدّه حتى المؤمنين به من النصارى أنفسهم . فقد جاء في مقدّمة نسخة العهد الجديد من الكتاب المُقدّس ، دار المشرق ط13 ، ما نصه " إن القارئ في عصرنا ، وهو حريص على الدّقة ، لا ينفكّ يبحث عن الأحداث ، التي تم إثباتها والتحقّق منها ، يقع في حيرة أمام تلك المؤلفات ( الأناجيل الأربعة وملحقاتها ) ، التي تبدو له مفكّكة ، يخلو تصميمها من التنسيق ، ويستحيل التغلب على تناقضاتها ، ولا يُمكنها أن تردّ على الأسئلة التي تُطرح عليها " .
وهكذا يعترف رجالات الدين المسيحي ، أن محتويات كتابهم المقدّس مُتناقضة ، وأنها مؤلفات كُتبت بأيدي بشر ، بعد المسيح بما يزيد على 300 سنة ، وأقدم النسخ المتوافرة ذات أصل يوناني ، تعود إلى القرن الرابع الميلادي . وأما النصوص الأصلية للإنجيل بلغته العبرية أو الآرامية ، فهي غير موجودة . وللحقيقة يستحيل أن يكون ذلك صحيحا . فقد سمعت يوما ، أن الكثير من المخطوطات الأصلية ، موجود على شكل لفائف وقراطيس ، في قوارير زجاجية على رفوف ، في أقبية الكنائس الكبرى . ولا يُسمح لأي كان من الوصول إليها ، إلا كبار رجالات الكنيسة ، الحريصون على إضلال الناس ، بكتم ما في تلك المخطوطات من حقائق ، تنفي ألوهية عيسى ، وتدعوا إلى وحدانية الله .
أما الكتاب الموجود حاليا بين يديّ النصارى ، فهو لا يعدو أكثر من كونه كتاب ، يحكي سيرة المسيح عليه السلام - كما التوراة تحكي سيرة موسى - بشكل حائر ومُضطرب ، تغلب عليه ذِكر أفعاله أكثر من أقواله ، حتى أنك تشعر عند قراءته ، أن المسيح شخصية خيالية أسطورية ساذجة غبية وبليدة ، خالية من الحكمة والمنطق ، وحاشا لله أو لابنه كما يدّعون ، أو حتى لرسول أن يكون كذلك . غير أن إنجيل يوحنّا ( يحيى ) ، وسفر الرؤيا المنسوب ليوحنّا ، يبدو أنهما أكثر قربا ، إلى الأسفار المُتأخرة من التوراة ، حيث أنهما يتفقان مع أسلوب كتابة النصوص التوراتية ، إلى درجة التطابق ، من حيث الإنشاء والألفاظ المُستخدمة والمُسميّات ، وحتى تكرار وازدواجية النصوص ، التي تؤكد أنهما جُمعا ونسخا من مصدرين مُختلفين .
وقد جاء في مقدّمة سفر الرؤيا ، من نسخة العهد الجديد من الكتاب المُقدّس ، دار المشرق ط13 ، ما نصه : " لا يأتينا سفر رؤيا يوحنّا ، بشيء من الإيضاح عن كاتبه . لقد أطلق على نفسه اسم يوحنّا ، واسم نبي ، ولم يذكر قط ، أنه أحد الاثنيّ عشر ( التلاميذ ) . هناك تقليد على شيء من الثبوت ، وقد عُثر على بعض آثاره منذ القرن الثاني ( الميلادي ) ، وورد فيه أن كاتب الرؤيا هو الرسول يوحنّا ، وقد نُسب إليه أيضا الإنجيل الرابع . بيد أنه ليس في التقليد القديم إجماع على هذا الموضوع . وقد بقي المصدر الرسولي لسفر الرؤيا ، عرضة للشك مدّة طويلة ، في بعض الجماعات المسيحية . إن آراء المُفسّرين في عصرنا مُتشعبة كثيرا ، ففيهم من يؤكد أن الاختلاف في الإنشاء والبيئة والتفكير اللاهوتي ، يجعل نسبة سفر الرؤيا والإنجيل الرابع ، إلى كاتب واحد أمرا عسيرا . وهناك مُفسّرون يرون أن ظروف إنشاء سفر الرؤيا ، أشدّ تشعبا من ذلك بكثير ، فهو ليس مُؤلَّفا مُتجانسا ، بل محاولة غير مُحكمة لجمع أجزاء مُختلفة ، أُنشئت ، ثم نُقّحت في العقود الأخيرة من القرن الأول " .
وللحق نستطيع الجزم ، بأن التوراة تم تنقيحها وجمعها بشكل نهائي ، في هذه الحقبة من الزمن ، بعد وفاة عيسى ويحيى عليهما السلام .
نجد من خلال ما تقدّم أن النصارى أنفسهم ، كان لديهم الكثير من الشكوك حول سفر الرؤيا ، وبعد قراءتي لمحتوى هذا السفر تبين لي ، أن أسلوب إنشاءه هو نفس الأسلوب ، الذي أُنشئت به أسفار التوراة ، من حيث الألفاظ والعبارات ، وحتى تكرار الأفكار والنصوص وتحويرها وتحريفها ، وتبديل مواضعها من تقديم وتأخير ، لتشويه الرؤى النبوية التي تأتي عادة في غير صالح اليهود . والسفر يحتوي على نبوءات مُشابه ، لما جاء في الأسفار المُتأخرة من التوراة . حيث أن سفر زكريا في التوراة ، ينتهي عند ذكر الدجال ، ويُغفل ما سيأتي بعده من أحداث . وتجد أن سفر الرؤيا يُعيد بعض ما جاء في الأسفار المُتأخرة من التوراة ومن ضمنها سفر زكريا ، ويكمل الأحداث حتى دخول أهل الجنة الجنة ، ودخول أهل النار النار .
وما تقدّم يدفعني إلى الاعتقاد ، أن كتبة هذين السفرين ، هم كهنة اليهود الذين ألفوا التوراة ، إذ أن آثار أقلامهم واضحة للعيان ، مما فيه من تناقض أحيانا وتكرار أحيانا أخرى ، لمحاولتهم فهم هذه النبوءات وتفسيرها ، حسبما يتناسب مع زمانهم ، أي مع بداية التقويم الميلادي ، حيث كانت مقومات ذلك العصر ورموزه ، تختلف كليا عمّا لدينا في العصر الحالي ، حيث بدأت هذه النبوءات هذه الأيام ، تأخذ مكانها على أرض الواقع .
ويبدو أن المُتأخرين من الكهنة اليهود ، كانوا عاقدي العزم ، على ضمّ سفر الرؤيا والإنجيل المنسوب إلى يوحنّا إلى التوراة ، فـأعملوا أقلامهم فيهما ، ويبدوا أنهم تراجعوا عن ذلك في اللحظة الأخيرة ، فقرّروا إسقاطهما ، بعد أن تنكرّوا لنبوة يحيى وعيسى عليهما السلام . فسفر الرؤيا كما الحال بالنسبة لإنجيل يوحنا ، يُهاجم اليهود أنفسهم ، ويهاجم مجّمعات كهنتهم ( المُسمّاة بالسنهدرين ) التي كانوا يتدارسون فيها التوراة ( والحقيقة أنهم كانوا يدرسون التوراة كما ندرس الزيتون ) ، والتي وصفها هذا السفر بمُجمعات الشيطان . حيث جاء فيه " رؤيا 2: 9: وأعلم افتراء الذين يقولون أنهم يهود وليسوا بيهود ، بل هم مَجمَع للشياطين " . رؤيا 3: 9: ها إني أعطيك أُناسا من مَجمَع للشيطان ، يقولون أنهم يهود ، وما هم إلا كذّابون " ، وهاتين العبارتين مثال على التكرار لنفس المعنى وبنفس الألفاظ تقريبا .
بالإضافة إلى ذلك جاء سفر الرؤيا ، بنبوءات تُخالف أهواء الكهنة ، وتتناقض مع ما كان قد خطّه الكهنة المُتقدّمين . ومنها أنّه يُثبت البعث والحساب والجزاء ، وهذا مما يُنكره اليهود ويجحدونه . فالتوراة على امتدادها الشاسع ، لا تجد فيها حتى كلمة ، توضّح مصير الروح بعد الموت . وما يملكونه من معتقدات ، فيا يتعلق بالروح والبعث والجزاء ، تعتمد في الدرجة الأولى على أقوال متناقضة ومرتبكة لحكمائهم ، وهذه الأقوال مثبتة في التلمود ، وهي أقرب ما تكون إلى معتقدات الوثنيين ، كتناسخ الأرواح والحلولية .
وربما تكون نسبة هذا السفر إلى ( يوحنّا ) ، وهو يحيى بن زكريا عليهما السلام صحيحه ، حيث أن يحيى كان قد سبق عيسى عليه السلام في البعث لليهود ، وحال سفر الرؤيا يشبه حال الأسفار المتأخرة من التوراة ، التي امتازت بالطابع الدعوي النبوي في معظمها . وبعد أن أسقط اليهود الإنجيل وسفر الرؤيا ، المنسوبين إلى يوحنا من التوراة ، تلقّفته كهنة النصارى ، ومن ثم قاموا بتحريفه بالحذف والإضافة والتبديل ، لإثبات أُلوهية عيسى عليه السلام ، وأضافوه إلى كتابهم المُقدّس ، على ما هو عليه من ازدواجية وتكرار ، في الألفاظ والأفكار .
أمّا الكلام في الإنجيل المنسوب إلى يوحنّا ، هو أقرب ما يكون إلى كلام عيسى عليه السلام ، حيث جاءت على لسانه البشارة بنبيّنا عليه الصلاة والسلام ، كما نص عليها القرآن الكريم ، وهذا الإنجيل يتميّز عن باقي الأناجيل ، بأنه يُركّز على الأقوال التي جاء بها عيسى عليه السلام ، أكثر من طابع السرد القصصي للأفعال التي قام بها ، الذي غلب على الأناجيل الأخرى .
إنجيل يوحنا
نص البشارة بنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام :
قال تعالى ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، يَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ، قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6 الصف )
" 14: 16-18: وأنا سأسأل الأب ، فيهب لكم مؤيِّداً آخر ، يكون معكم إلى الأبد ، روح الحقّ ، الذي لا يستطيع العالم أن يتلقّاه ، لأنّه لا يراه ولا يعرفه . أمّا أنتم فتعلمون ، أنّه يُقيم عندكم ويكون فيكم ، لن أدعكم يتامى ، فإني أرجع إليكم " .
ـ يُخبر عيسى أتباعه في هذا النص أن الأب سيرسل لهم مؤيدا آخر ، غير عيسى عليه السلام ، فإن كان عيسى هو الله ، فإن الله سيبعث للنصارى إلها غير عيسى ، وإن كان ابن الله ، فإن الله سيبعث لهم ابنا له غير عيسى ، وإن كان عيسى رسول الله ، فإن الله سيبعث لهم رسولا آخر غيره . ويُخبر أيضا أن رسالته ، ستكون خاتمة الرسالات السماوية ، ويأتي بالحقّ ويعدل به ، ويُخبرهم بأنهم امتازوا على الآخرين من سكان العالم ، بأن لديهم علم بهذا الرسول ، وبإخبارهم أيضا أن الوحي من بعده لن ينقطع .
" 14: 24-25 : ومن لا يُحبني لا يحفظ كلامي ، والكلمة التي تسمعونها ليست كلمتي ، بل كلمة الأب الذي أرسلني . قلت لكم هذه الأشياء وأنا مُقيم عندكم " .
" 14: 26-31: ولكن المؤيِّد الروح القدس ، الذي يُرسله الأب باسمي ، هو يُعلمكم جميع الأشياء ، ويُذكّركم بجميع ما قلته . … لقد أنبأتكم مُنذ الآن بالأمر قبل حدوثه ، حتى إذا حدث تؤمنون . لن أُطيل عليكم الكلام بعد ذلك ، لأن سيد هذا العالم آت ، وليس له يد عليّ . وما ذلك إلا ليعرف العالم أنّي أُحبّ الأب ، وأنّي أعمل كما أوصاني " .
ـ يخبرهم بأن هذا المؤيِّد ، سيُذكّرهم من خلال الوحي بما سبقه ، ويُعلّمهم أشياء جديدة ، وسبب إخباره لهم بذلك ، هو وجوب الإيمان به واتّباعه عند ظهوره . يصفه عيسى بأنه سيّد هذا العالم ، ويؤكد مجيئه ، وأنه ذو أفضلية على من قبله ، ويُخبرهم في نهاية النص أنّه بلّغهم البشارة بأمانة ، كما أخبره ربه .
" 15: 26-27: ومتى جاء المُؤيِّد ، الذي أرسله لكم روح الحقّ المُنبثق من الأب ، فهو يشهد لي ، وأنتم أيضا تشهدون ، لأنكم معي منذ البدء " .
ـ هذا النص تكرار لأجزاء مما تقدم من نصوص .
16: 1-14: قُلت لكم هذه الأشياء لئلا تعثروا . سيفصلونكم عن المجامع ، بل تأتي ساعة ، يظنّ فيها كلّ من يقتلكم ، بأنه يؤدي عبادة لله . … وقد قلت هذه الأشياء لكم لتذكروا إذا أتت الساعة ، أنّي قُلتها لكم . ولم أقلها منذ البدء ، لأنّي كنت معكم . أمّا الآن ، فإنّي ذاهب إلى الذي أرسلني ، وما من أحد يسألني إلى أين أذهب ؟ لا بل ملأ الحزن قلوبكم ، لأنّي قلت لكم هذه الأشياء . فإن لم أمضِ ، لا يأتكم المؤيِّد . أمّا إذا ذهبت فأرسله إليكم " .
_ يُثبت هذا النص بما لا يدع مجالا للشك ، أن هذا المؤيِّد سيُرسل لا محالة ، وأن بعثه مرتبط بذهاب عيسى عليه السلام .
" 16: 8-11: وهو ، متى جاء ، أخزى العالم ، على الخطيئة والبرّ والدينونة : أما على الخطيئة ، فلأنهم لا يؤمنون بي . وأمّا على البرّ ، فلأني ذاهب إلى أبي ، وأما على الدينونة ، فلأن سيّد هذا العالم قد دِين ." .
ـ هذا النص فيه فلسفة تفسيرية من الكاتب ، محاولا ترميم ما أفسده من تغيير للألفاظ والعبارات ومواضعها ، والمعنى المراد من وراء هذا النص ، أنه يأتي شاهدا ومُبشّرا ونذيرا ، يدعوا إلى البرّ ويُدين الخطيئة ، مُبشّرا بالثواب ومُنذرا بالعقاب وشاهد على الخلق يوم الدينونة أي يوم القيامة ، والله أعلم ، قال تعالى ( يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45 الأحزاب ) .
" 16: 13-14: فمتى جاء هو ، أي روح الحقّ ، أرشدكم إلى الحقّ كله ، لأنّه لن يتكلّم من عنده ، بل يتكلّم بما يسمع ، ويخبركم بما سيحدث ، سيُمجّدني لأنه يأخذ مما لي ويُخبركم " .
ـ هذا النص يُخبر بأن " روح الحقّ " ، سيرشدهم إلى الحقّ ، ويُبلّغ رسالة ربه على أكمل وجه ، ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4 النجم ) . ويُنبئهم بأمور غيبية ستحدث لاحقا .
ولو أمعنت النظر أخي القارئ ، في النصوص أعلاه أو رجعت إلى الكتاب نفسه ، ستكتشف بسهولة محاولات التضليل والتمويه ، من خلال تتبّع النصوص ومقارنتها مع بعضها البعض ، فالألفاظ والمُسمّيات تتكرّر بصورة مُزدوجة ، وتتقدّم أحيانا وتتأخر أحيانا أخرى ( يُحرّفون الكلم عن مواضعه ) ،كما هو الحال في النصوص التوراتية تماما . وغالبا ما يكشف أحد النصوص المزدوجة كذب ، وتضليل النص الآخر .
إنجيل متى
الإنجيل يكشف حقيقة اليهود ويُحذّر الناس من اتّباعهم :
" متى : 23: 13: ولكن الويل لكم أيّها الكتبة والفرّيسيّون المراءون ، فإنكم تُغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس ، فلا أنتم تدخلون ، ولا تدعون الناس يدخلون ، … ، فإنكم تطوفون البرّ والبحر ، لتكسبوا مُتهوّدا واحدا ، فإذا تهوّد جعلتموه أهلا لجهنّم ، ضعف ما أنتم عليه . الويل لكم أيها القادة العميان ، تقولون : من أقسم بالهيكل ، فقسمه غير مُلزم ، أمّا من أقسم بذهب الهيكل ، فقسمه مُلزم " .
" 23: 27: الويل لكم … فإنكم كالقبور المطلية بالكلس ، تبدو جميلة من الخارج ، ولكنّها من الداخل ، ممتلئة بعظام الموتى وكل نجاسة . كذلك أنتم أيضا تبدون للناس أبرارا ، ولكنّكم من الداخل ممتلئون بالرياء والفسق . … الويل لكم … فإنكم تبنون قبور الأنبياء وتُزيّنون مدافن الأبرار ، وتقولون : لو عشنا في زمن آبائنا ، لما شاركناهم في سفك دماء الأنبياء . فبهذا تشهدون على أنفسكم ، بأنكم أبناء قاتلي الأنبياء ، فأكملوا ما بدأه آباؤكم ، ليطفح الكيل " .
الجريمة وعقابها :
" 23: 33: أيها الحيّات ، أولاد الأفاعي ، كيف تُفلتون من عقاب جهنّم ؟ لذلك ها أنا ذا أُرسل إليكم ، أنبياء وحكماء ومعلّمين ، فبعضهم تقتلون وتصلبون ، وبعضهم في مجامعكم تجلدون ، ومن مدينة إلى أُخرى تُطاردون ، حتى يقع عليكم كل دمٍ سُفك في الأرض ، من دم هابيل البّار إلى دم زكريّا بن برخيا ، الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح . الحق أقول لكم : أن عقاب ذلك كله سينزل بهذا الجيل " .
" 23: 37: أورشليم ، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها . كم مرّة أردت أن أجمع أولادك ، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ، فأبَيْتم . ها إن بيتكم يُترك لكم خرابا ، فإني أقول لكم : أنّكم لن تروني من الآن ، حتى تقولوا : مُبارك الآتي باسم الرب " .
" : 24: 1: ثم خرج يسوع من الهيكل ، … ، فقال لهم : أما ترون هذه المباني كلها ؟ الحقّ أقول لكم : لن يُترك هنا حجر فوق حجر إلا ويُهدم " .
المسيح يُنبئ بأحداث آخر الزمان :
" 24: 3: وبينما كان جالسا على جبل الزيتون ، تقدّم إليه التلاميذ على انفراد ، وقالوا له : أخبرنا متى يحدث هذا ( أي خراب أورشليم ) ، وما هي علامة رجوعك ، وانتهاء الزمان ؟ فأجاب يسوع : انتبهوا ، إيّاكم أن يُضلّكم أحد ، فسوف يأتي كثير من الناس منتحلين اسمي ، ويضلّون أُناسا كثيرين . وستسمعون بالحروب وبإشاعات عن الحروب ، فإياكم أن تفزعوا ، فلا بدّ من حدوثها ، ولكن لن تكون النهاية عندئذ . فستقوم أمة على أمة ، ومملكة على مملكة ، وتحدث مجاعات وزلال في أماكن كثيرة ، وهذا ليس إلا بدء المخاض " .
اضطهاد المؤمنين بالله وفساد الدنيا يُبشّر بقرب النهاية :
" 24: 9: وستسلمون عندئذ إلى الضيق وتقتلون ، ويُبغضكم جميع الوثنيين من أجل اسمي . فيعثر أناس كثيرون ، ويُسلم بعضهم بعضا ويتباغضون …. ويزداد الإثم ، فتفتر المحبة في أكثر الناس ، والذي يثبت إلى النهاية فذاك الذي يخلص . وستُعلن بشارة الملكوت هذه ، في المعمورة كلّها ، شهادة لدى الوثنيين أجمعين ، وحينئذ تأتي النهاية " .
قيام دولة إسرائيل ودمارها يُبشر بقرب النهاية :
" متى : 24: 15: فإذا رأيتم المُخرّب الشنيع ، الذي تكلّم عليه النبي دانيال ، قائما في المكان المُقدّس – ليفهم القارئ – فليهرب إلى الجبال من كان عندئذ في اليهودية . ومن كان على السطح ، فلا ينزل ليأخذ ما في بيته .ومن كان في الحقل ، فلا يرجع ليأخذ رداءه . الويل للحوامل والمرضعات في تلك الأيام ، صلّوا لئلا يكون هربكم في الشتاء أو في يوم سبت " .
" لوقا : 21: 20-24: فإذا رأيتم أورشليم قد حاصرتها الجيوش ، فاعلموا أن خرابها قد اقترب . فمن كان يومئذ في اليهودية فليهرب إلى الجبال ، ومن كان في وسط المدينة فليخرج منها ، ومن كان في الحقول فلا يدخل إليها ، لأن هذه الأيام أيام نقمة يتم فيها جميع ما كُتب . الويل للحوامل والمرضعات في تلك الأيام ، فستنزل الشدّة على هذا البلد ، وينزل الغضب على هذا الشعب ، فيسقطون قتلى بحدّ السيف ، ويؤخذون أسرى إلى جميع الأمم " .
ـ المقصود بالمُخرّب الشنيع ، في النص الأول المأخوذ من إنجيل متى ، هي دولة الإفساد إسرائيل ، وهذا ما يوضّحه النص الثاني من إنجيل لوقا بنص صريح بعبارة (فإذا رأيتم أورشليم ) . ولو تمعّنت في النصائح المُقدّمة للشعب اليهودي ، لتجنّب القتل والأسر . ستجد أن دخول الجيوش على أورشليم ، سيكون مُفاجئا وسريعا وبدون ضجة ، لدرجة أن من على سطح المنزل ، لا يشعر بدخولهم إلى بيته . وأن من في الأرياف لا يسمع بهم ، إلا مُتأخرا ، وأما النصارى الجدد في الغرب ، فيرون أن المقصود بالمُخرّب الشنيع - أو رجسة الخراب في سفر دانيال - هو الدجال عدو المسيح ، الذي سيظهر في القدس ، وأما اليهود فيرون أنه المسجد الأقصى .
الحرب الكونية النووية :
" 24: 21: فستحدث عندئذ شدّة عظيمة ، لم يحدث مثلها ، منذ بدء الخليقة إلى اليوم ، ولن يحدث . ولو لم تقصّر تلك الأيام ، لما نجا أحد من البشر ، ولكن من أجل المُختارين ، ستقصر تلك الأيام " .
ـ وهذا أحد النصوص التي يستند إليها نصارى الغرب في تحليلاتهم ، بالقول بأن الحرب العالمية الثالثة ستكون نووية لا محالة ، لسرعة هذه الأسلحة في حسم المعركة .
المسيح يُحذّر من أتباعه الدجّال :
" 24: 23: فإذا قال عندئذ أحد من الناس : ها هو ذا المسيح هنا ، بل هنا ، فلا تُصدّقوه . فسيظهر مُسحاء دجّالون وأنبياء كذّابون ، يأتون بآيات عظيمة وأعاجيب ، ليُضلّوا حتى المُختارين ( الأتقياء ) لو استطاعوا . فها أنا قد أنبأتكم " .
" 24: 26: فإن قيل لكم ها هو في البرية ، فلا تخرجوا إليها ، أو ها هو ذا في المخابئ ، فلا تُصدّقوا . وكما أن البرق يخرج من المشرف ، ويلمع حتى المغرب ، فكذلك يكون مجيء ابن الإنسان ، وحيث تكون الجيفة ( الدجال ) تتجمّع النسور ( اليهود ) " .
ظواهر فلكية تسبق بداية النهاية :
" 24: 29: وعلى أثر الشدّة في تلك الأيام ، تُظلم الشمس ( كسوف ) ، والقمر لا يُرسل ضوءه (خسوف ) ، وتتساقط النجوم من السماء ( الصواريخ ) ، وتتزعزع قوات السماء ( دوي الانفجارات ) . وتظهر عندئذ في السماء آية ابن الإنسان . فتنتحب جميع قلائل الأرض ، وترى ابن الإنسان آتيا على غمام السماء ، في تمام العزة والجلال " .
ـ وهذا النص جعل الأصوليون الإنجيليون ، يعتقدون بأن مجيء عيسى عليه السلام ، يسبقه حرب كونية نووية شاملة ، تحرق الأخضر واليابس ، وهم يعملون على دفع القادة السياسيين في أمريكا ، إلى التحضير لها ، بغية الانتصار فيها ، والنجاة من أهوالها ، فهي لا محالة قادمة ، ومن ضمن التحضيرات - فضلا عن التسلح النووي - إصرار أمريكا مؤخرا ، على إنشاء الدرع المضادّ للصورايخ البالستية .
أحداث النهاية ستكون مباغتة :
" 24: 32: من التينة خذوا العبرة ، فمتى لانت أغصانها ونبتت أوراقها ، علمتم أن الصيف قريب ، وكذلك أنتم ، إذا رأيتم كلّ هذه الأمور ، فاعلموا أن ابن الإنسان قريب ، بل على الأبواب … السماء والأرض تزولان ، وكلامي لا يزول … " .
" 24: 37: وكما كانت الحال في زمن نوح ، كذلك ستكون عند رجوع ابن الإنسان ، فقد كان الناس قبل الطوفان ، يأكلون ويشربون ويتزوّجون ويُزوّجون ، وما كانوا يتوقعون شيئا ، حتى جاء الطوفان فجرفهم أجمعين " .
رؤيا يوحنّا
خروج أصحاب البعث الثاني من أرض الفرات :
" 9: 14: فقال للملاك السادس : " أطلق الملائكة الأربعة المُقيّدين ، على النهر الكبير ، نهر الفرات " . وكان هؤلاء الملائكة الأربعة ، مُجهّزين استعدادا لهذه الساعة واليوم والشهر والسنة ، فأُطلقوا ليقتلوا ثلث البشر . وسمعت أن جيشهم يبلغ مائتي مليون مُحارب ، ورأيت في الرؤيا الخيول وعليها فرسان ، يلبسون دروعا … . وكانت رؤوس الخيل مثل رؤوس الأسود ، تلفظ من أفواهها نارا ودخانا وكبريتا ، فقُتل ثلث الناس بهذه البلايا الثلاث … . وكانت قوة الخيل القاتلة ، تكمن في أفواهها وفي أذنابها أيضا ، أما سائر الناس الذين لم يموتوا من هذه النكبات ، لم يتوبوا عن أعمالهم … " .
ـ هذا النص يُبين أن هنالك جيش كبير العدد ، مقيّد على نهر الفرات أي في العراق ، وسيُفكّ قيده في موعد مُعين . ويصف هذا النص ما يملكه هذا الجيش من آليّات حربية حديثة ، وأن هناك أُناس سينجون من هذا الجيش ، ولكنهم بالرغم من ذلك لن يتوبوا .
جفاف نهر الفرات والحرب العالمية النهائية :
" 16: 12-14: وسكب الملاك السادس ، كأسه على نهر الفرات الكبير فجفّ ماؤه ، ليصير ممرا للملوك القادمين من الشرق . وعند هذا رأيت ثلاثة أرواح نجسة ، … ، وهي أرواح شيطانية ، قادرة على صنع المُعجزات ، تذهب إلى ملوك الأرض جميعا ، وتجمعهم للحرب في ذلك اليوم العظيم ، يوم الله القادر على كل شيء " .
ـ هذا النص يُخبر بأن العراق سيُضرب بالنووي لا محالة ، فيجفّ نهر الفرات من جراء ذلك ، إما قبل أو بعد ، نشوب الحرب العالمية ، ليصير ممرا للدول الشرقية لتشارك في الحرب القادمة ، والدول الواقعة شرق الفرات ، تبدأ بإيران وتنتهي بالصين . ومن ثم يجتمع ملوك العالم لتبدأ الحرب البرية ، التي يُحدّد مكانها في النص اللاحق .
" 16: 16-21: وجمعت الأرواح الشيطانية ، جيوش العالم كلها ، في مكان يُسمّى بالعبرية " هرمجدون " . ثم سكب الملاك السابع ، كأسه على الهواء ، فدوى صوت من العرش ، … ، يقول : " قُضيَ الأمر " . فحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزال عنيف ، لم تشهد الأرض له مثيلا ، منذ أن وُجد الإنسان على الأرض ، لأنه كان زلزالا عنيفا جدّا . فانقسمت المدينة العُظمى إلى ثلاثة أقسام ، وحلّ الدمار بمُدن الأمم . فقد ذكر الله بابل العُظمى ، ليسقيها كأسا تفور بخمر غضبه . وهربت الجُزر كلها ، واختفت الجبال . وتساقط من السماء على الناس بَرَدٌ كبير ، كلّ حبّة بقدار وزنة واحدة ، فجدّف الناس على الله ، بسبب هذه البلية الشديدة جدا " .
ـ هذا النص يصف هذه الحرب ، فهناك صواريخ تسقط من السماء ، وأصوات انفجاراتها مُدوّية كالرعد ، محدثة زلازل عنيفة ، واختفاء الجبال من شدة الزلازل ، وهروب الجُزر تحت الماء ، لذوبان الكتل الجليدية ، وتبخّر المسطّحات المائية ، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة ، التي ستحدثها الأسلحة النووية .
أمّا المدينة العُظمى التي ستنقسم إلى ثلاثة أقسام ، فهي بلا شك أمريكا ، وإن كان هناك مدينة بعينها فهي نيويورك ، بالرغم من أن كتبة التوراة ، أضافوا عبارة ( فقد ذكر الله بابل العُظمى ) . فلفظ مدينة بالعبرية يعني دولة ، وبما أن النبوءة تحكي عن دولة عُظمى في العصر الحالي ، فهم أضافوا هذه العبارة لكون بابل في مُخيّلتهم ، تُمثّل الدولة العظمى والقوية في العصور القديمة ، أما بابل الحالية أي العراق ، فهي ليست بأي حال من الأحوال بالدولة العظمى ، وهذا اللقب حاليا يُطلق على أمريكا .
ويبدو أن بعض مفسّري النبوءات التوراتية والإنجيلية مُؤخرا ، اكتشفوا هذا الأمر ، ومنهم من قام بتأليف كتب تنبأوا فيها بدمار إسرائيل ، ومن ثم أمريكا ، وبالتالي تستطيع قراءة النصوص ، التي تُخبر عن دمار بابل العظمى أو الجديدة ، على أنها تُخبر عمّا سيحلّ بأمريكا نتيجة هذه الحرب ، وليس العراق . ولكن اليهود يريدونها بابل القديمة ، ولكن ستجري الرياح بما لا تشتهيه سُفنهم ، بإذن الله .
عرس الحمل :
" 19: 6-10: ثمّ سمعت صوتا ، … ، يقول : " هلّلويا ! فإن الرب الإله القادر على كل شيء ، قد مَلَك ، لنفرح ونبتهج ونمجّده ، فإن عرس الحمل ، قد حان موعده ، وعروسه قد هيّأت نفسها ، ووهب لها أن تلبس الكتان الأبيض الناصع ، والكتان يرمز إلى أعمال الصلاح التي قام بها القدّيسون " .
" 19: 11: ثم رأيت السماء مفتوحة ، وإذا حصان أبيض يُسمّى راكبه " الأمين الصادق " ، الذي يقضي ويحارب بالعدل . … وكان الأجناد الذين في السماء ، يتبعونه راكبين خيولا بيضاء ، … ، وكان يخرج من فمه سيف حادّ ، ليضرب به الأمم ، ويحكمهم بعصا من حديد ، … " .
ـ لا أجد تفسيرا لهذه النبوءة ، إلا أنها تُخبر عن المهدي ( الحمل ) وعروسه ( القدس ) ، وجيوشه ( الأجناد ) ، وانتصاراته في حروبه التي سيخوضها .
عودة المسيح :
" 20: 4: ثمّ رأيت عروشا مُنح الجالسون عليها حق القضاء . ورأيت نفوس الذين قُتلوا في سبيل الشهادة ليسوع ، وفي سبيل كلمة الله ، والذين … ، وقد عادوا إلى الحياة ، وملكوا مع المسيح ألف سنة . هذه هي القيامة الأولى . أما بقية الأموات فلا يعودون إلى الحياة حتى تنقضي الألف سنة " .
ـ ظاهر هذا النص يُبشر بعودة المسيح ، وبأنه سيحكم من انتسب إلى الديانة المسيحية ، بعد بعثهم من الموت ، بغض النظر عن فساد من انتسب إليه أو صلاحه ، مدة ألف عام يعيشون فيها بسلام ، أما بقية البشر من غير المسيحين ، فسيقومون بعد ألف سنة ، فيما يُسمّونه بالقيامة الثانية . وسيُخلّدون في نار جهنم ، ولله في خلقه شؤون .
الدجّال ويأجوج ومأجوج :
" 20: 7-10: فحين تنقضي الألف سنة ، يُطلق الشيطان من سجنه ، فيخرج ليُضلّل الأمم في زوايا الأرض الأربع ، جوج وماجوج ، ويجمعهم للقتال ، وعددهم كثير جدّا كرمل البحر . فيصعدون على سهول الأرض العريضة ، ويحاصرون من كل جانب مُعسكر القدّيسين ( عيسى ومن معه من المسلمين ) والمدينة المحبوبة ( القدس ) ، ولكن نارا من السماء تنزل عليهم وتلتهمهم . ثم يُطرح إبليس الذي كان يُضلّلهم ، في بُحيرة النار والكبريت ، حيث الوحش ( أمريكا ) والنبي الدجال ( إسرائيل ) ، هناك سوف يُعذّبون نهارا وليلا ، إلى أبد الآبدين " .
( في هذا النص يُذكر الشيطان ( الدجال ) الذي سيُطلق ، بعد أن كان مقيدا مدة ألف سنة . وهو في الأصل سابق لمجيء عيسى عليه السلام ، ويذكر خروج يأجوج ومأجوج ، حيث أنهم يحصرون عيسى ومن معه من المؤمنين ، في جبال القدس ، هربا منهم حيث لا قِبل لأحد بهم ، فيتم القضاء عليهم والتخلّص من جثثهم ، بأمر من عند الله ، أمّا النصارى ، فهُم يُفسّرون هذا النص ، على ما فسّره العهد القديم أي التوراة ، حيث أخبرت أن جوج وماجوج هم الروس .
البعث والحساب :
" 20: 11-12: ثم رأيت عرشا عظيما أبيض ، هربت السماء والأرض من أمام الجالس عليه ، فلم يبق لهما مكان . ورأيت الأموات كبارا وصغارا ، واقفين أمام العرش . وفُتحت الكتب ، ثم فُتح كتاب آخر هو سجلّ الحياة ، ودِين الأموات بحسب ما هو مُدوّن في تلك الكتب ، كل واحد حسب أعماله . … وطُرح الموت … وكل من لم يُوجد اسمه في سجل الحياة ، طُرح في بُحيرة النار " .
السماء الجديدة والأرض الجديدة
"12: 1: ثم رأيت سماء جديدة ، وأرضا جديدة ، لا بحر فيها ، لأن السماء والأرض القديمتين قد زالتا . ورأيت المدينة المُقدّسة أورشليم الجديدة ، نازلة من السماء من عند الله ، … . وسمعت صوتا هاتفا من العرش : " الآن صار مسكن الله مع الناس ، هو يسكن بينهم . والله نفسه يكون معهم إلها لهم ، وسيمسح كل دمعة عن عيونهم . إذ يزول الموت والحزن … ، لأن الأمور القديمة كلها زالت " .
ـ في الحقيقة يصف هذا النص يوم الحشر والحساب ، حيث أن أورشليم هي أرض المحشر ، وهذا الموقف العظيم الوارد في هذا النص ، موصوف بالتفصيل في مواضع كثيرة من القرآن . ولكن النصارى يفهمون النص على أن إلههم ( المسيح ) سينزل ليسكن معهم ، في أورشليم الجديدة ، التي يصفونها في نهاية السفر ، وهو في الحقيقة وصف يُشبه وصف الجنّة في القرآن ، والموت لا يزول ، إلا عندما يدخل أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار .
ـ يفهم عامة النصارى وخاصتهم من مُجمل النصوص أعلاه ، أنه عندما تبدأ الأحداث المُدمّرة التي سيتعرّض لها كوكب الأرض ، بأن المسيح سيعود وسيرتفع بهم فوق السحاب ، وبعد نهاية الأحداث التي لن تستمرّ طويلا ، سينزل بهم ويحكمهم مدة ألف عام ، تحت أرض وسماء جديدتين . وهنا وقع خلط ما بين ، استعادة الأرض لبركتها بعد الخراب ، وبين تبدّل السماء والأرض يوم القيامة ، كما جاء في قوله تعالى ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48 إبراهيم ) .
ولذلك ظهرت جماعة التدبيريين ، التي تدعوا إلى تدمير كوكب الأرض بالأسلحة النووية ، لقناعاتهم الجديدة نتيجة تفسيرهم الجديد ، بأن هناك أرض جديدة وسماء جديدة ستأتي بعد الدمار . والمصيبة الكبرى أن رؤساء وساسة ، أكبر دولة عظمى في العالم يؤمنون بذلك ، ويسيرون بالعالم نحو الهاوية ، ( فجورج بوش الإبن ) لا يكترث بظاهرة الانحباس الحراري ، وارتفاع درجة حرارة الأرض ، وهو غير معني بتوقيع اتفاقية ( كيوتو ) للحد من هذه الظاهرة ، بما أن هذه الأرض ستؤول إلى الزوال ، وما يعنيه في الدرجة الأولى ، هو الاستعداد للحرب النووية القادمة هجوما ودفاعا .

الغربيون وهوس النبوءات التوراتية والإنجيلية
يعتقد اليهود ونصارى الغرب ، أن قيام دولة إسرائيل للمرة الثانية في فلسطين ، هو علامة لقرب ظهور الملك المنتظر بالنسبة لليهود ، وللمجيء الثاني للمسيح بالنسبة للنصارى ، ولذلك يعكف الكثير من النصارى واليهود ، على اختلاف تخصصاتهم العلمية والمهنية ، في السنوات الأخيرة ، على دراسة وتحليل وتفسير النبوءات التوراتية والإنجيلية ، التي تُخبر عن أحداث آخر الزمان . وخاصة فيما يتعلّق بنهاية إسرائيل ، ودمار العالم الغربي ، وعودة الإسلام ، في نهاية المطاف ، لواجهة الصدارة . ونطاق هذه البحوث في الغالب ، يدور حول ما جاء في التوراة والإنجيل من نصوص نبوية ، وما قُدّم فيها من كتب ومؤلفات مؤخرا ، تفسّر هذه النصوص ، والكتاب الأكثر شهرة في هذا المجال ، هو كتاب ( نبوءات نوستراداموس ) الغامض ، والسوق الرائجة لأطروحاتهم في هذا المجال ، هي شبكة الإنترنت .
وإذا أردت أن تعرف مقدار ما تشغله هذه النبوءات المستقبلية ، من فكر كبار رجالات السياسة والدين والعلم ، وعامة الشعوب الغربية ، وفي مقدّمتها الأمريكية والبريطانية والفرنسية ، وحتى عامة النصارى واليهود في شتى بقاع الأرض ، فما عليك إلا أن تزور شبكة الإنترنت ، وأن تقوم بالبحث – على سبيل المثال – عن إحدى الكلمات التالية : ( World War III ) ، (WW III ) ، (WW3 ) ، ( Armegeddon ) ( Nostradamus ) ، (Prophecy ) ، ( Miracle) ، ( Piple ) ، ( Torah ) ، لتجد أن هناك عشرات الآلاف ، من المواقع التي تعرض الأبحاث والكتب والدراسات ، التي تبحث في تفسير النصوص التوراتية والإنجيلية .
ـ وفيما يلي ، غيض من فيض هذه المواقع :
•NOSTRADAMUS, CATHOLIC PROPHECY ON WORLD WAR III (1999-2030)
... A Catholic Prophecy Nostradamus prophesied that World War III would be initiated
by Russia and Iran on July 4th of 1999 with nuclear and chemical weapons. ...
http://web.tusco.net/newone/nostradamus.htm [More Results From: web.tusco.net]
نبوءة الكاثوليكي نوستراداموس بالحرب العالمية الثالثة ( 1999م – 2030م )
… الكاثوليكي نوستراداموس ، كان قد تنبأ ، بأن الحرب العالمية الثالثة ، ستبدأ باستخدام كلٍ من روسيا وإيران ، للأسلحة النووية … والكيميائية ، في الرابع من حزيران عام 1999م …
•Armageddon, World War III, Antichrist, and the second coming ...
Armageddon, World War III, Antichrist, and the second
coming of Jesus ...
هرمجدون ، الحرب العالمية الثالثة ، عدو المسيح ( الدجال ) ، العودة الثانية للمسيح …
Web Directory: Resources for Nostradamus Research
مصادر لأبحاث نوستراداموس .
Nostradamus Society of America.
مجتمع نوستراداموس في أمريكا .
International Center for Nostradamian Studies – description of Nostradamus, his prophecies, and Prof. Vlaicu Ionescu’s interpertations.
المركز العالمي لدارسات نوستراداموس …
وصف لنوستراداموس ، نبوءاته ، وتفسيرات البروفيسور ( Vlaicu Ionescu ) .
Nostradamus, Saddam Hussein, Armegeddon – by Storm Ministries.
نوستراداموس ، صدام حسين ، هرمجدون
كتاب لكاتب البريطاني ( ستورم مينيستريز ) ، يبحث في النصوص النبوية التوراتية ، يجيب فيه عن عدّة تساؤلات يطرحها في بداية كتابه ، وأحد هذه التساؤلات : هل صدام حسين هو دجّال آخر الزمان الذي تنبأ به ( نوستراداموس ) ؟! .
من هو ( نوستراداموس ) ... ؟
ـ من كتاب ( نبوءات نوستراداموس ) للطبيب الفرنسي د. ( دو فونبرون ) ، ترجمة أسامة الحاج ، دار مكتبة التربية ، بيروت ، طبعة 1996م .
هو مسيحي كاثوليكي فرنسي ، ذو أصل يهودي ، عاش في الفترة ( 1503 – 1566م ) ، ألّف أحد أشهر كتب النبوءات التوراتية والإنجيلية . يقول هذا المتنبئ في مقدمة كتابه ، أن مصدر نبوءاته ، هو مجموعة من الكتب والمجلدات القديمة ، التي كان قد ورثها عن أجداده اليهود ، كانت مخبأة منذ قرون عديدة ، وعلى ما يبدو أنه استطاع من خلالها ، الكشف عن الرموز التوراتية اللفظية والعددية ، التي استخدمها مؤلفو التوراة من الكهنة والأحبار ، ومن ثم قام بقراءة الأحداث الواردة في النبوءات . ووضعها في كتاب ، على شكل رسائل نثرية ، وأبيات شعرية سمّاها الرباعيات ، استخدم فيها الكثير من الاستعارات والرموز ، الواضحة الدلالة أحيانا ، والمضلّلة والمُحيّرة أغلب الأحيان .
وقد اجتهد كثير من الباحثين الغربيين ، وخاصة في العصر الحديث ، وأجهدوا أنفسهم ، بمحاولات مضنية لحل رموزه وطلاسمه ، ومحاولات مضنية لمطابقتها ، لما جرى ويجري وسيجري على أرض الواقع ، لدرجة أنك لو بحثت عن لفظ ( Nostradamus ) في أحد محرّكات البحث على شبكة الإنترنت ، ستجد أكثر من ( 57 ) ألف موقع ، لمراكز وجمعيات وكتب ودراسات ، تبحث في أمر نبوءاته وتجتهد في مطابقتها مع الواقع ، في محاولة لاستقراء المستقبل ، وخاصة فيما يتعلق بأحداث النهاية ، وخاصة الحرب العالمية الثالثة ، ونهاية الحضارة الغربية ، المرتبطة بعودة الخلافة الإسلامية .
ومن أشهر الكتب في تفسير نبوءاته ، وفك رموزه وطلاسمه ، هو كتاب ( نبوءات نوستراداموس ) ، الذي ألّفه الطبيب الفرنسي ( دو فونبرون ) ، المتوفى عام 1959م ، وقد طُبع هذا الكتاب عدة مرات ، أعوام 38 و39 و1940م ، ومن ثم أُعيد طبعه بعد عدة سنوات من خلال ابن المؤلف ، ومما أضافه الابن إلى الطبعة الجديدة من الكتاب ، نص مخطوط بقلم أبيه الطبيب ، كتبه قبل وفاته بأربعة أشهر ، بعنوان : ( بحث في الأحداث القادمة )
وهذا نصه :
" يجب النظر بصورة منفصلة إلى الأحداث وتتابعها الزمني ، إن ترتيبها من حيث الزمان لا يمكن تصوّره ، إلا ضمن عملية افتراضية ، إذ أن المعطيات المتعلقة بها شديدة التشذر ، بحيث لا يمكن أن تؤدي إلى استنتاجات أكيدة كليا …
إن جميع النبوءات القيّمة ، متركّزة على الحقبة ، التي ستغدو فيها الحضارة الغربية ، مهدّدة بالدمار . والوقائع الأساسية لهذه الأزمة العالمية ، هي كالتالي : الحرب والثورة العامتان ، تدمير باريس الكلي بالنار ، وتدمير جزء من مرسيليا ، بتلاطم لأمواج البحر ، هزات أرضية مخيفة ، وباء طاعون يقضي على ثلثي البشرية ، البابا المطرود من روما ، انشقاق كنسي …
يبدو أن هذه الأحداث ستبدأ بالحرب بين الشرق والغرب ، أما ذريعتها فستكون في الشرق الأوسط ( العراق ، إيران ، أو فلسطين ) ، ومن المرجح أن تجري على مرحلتين ، على غرار حرب 39 –1945م …
في تلك اللحظة يظهر نجم مذنّب سوف يمرّ على مقربة من الأرض ، لدرجة أنها ستجتاز شعره المُحمّل بالحصى ، هذه النيازك الجوية التي ستكون بمثابة انتقام السماء العجائبي ، سوف تسقط على أمكنة محدّدة ، حيث ستكون محتشدة قوات الثورة الحمراء ، والأسطول الروسي في البحر المتوسط …
من المرجح أن تدمير باريس ، سيتم في المرحلة الثانية من النزاع ، قبل وقت قصير من طرد البابا من روما … " ، انتهى .
وجاء في نفس المقدمة ما مفاده أن المحنة الكبرى ، التي ستشهد بداية تدمير الحضارة اليهودية المسيحية ، كان ( نوستراداموس ) قد حدّد نقطة انطلاقها في الشهر السابع من عام 1999م .
نصوص من نبوءات ( نوستراداموس ) من كتاب الطبيب الفرنسي :
في الرسالة إلى هنري الثاني ورد ما نصّه :
" وسوف تتم حملة جديدة ، ما وراء البحر المتوسط لإنقاذ الأندلس ، التي يُهدّدها النهوض الأول للمحمديين . ( إشارة للاستعمار الغربي للبلاد العربية ) .
والمكان الذي كان به مسكن إبراهيم في الماضي البعيد ( أي العراق ) سوف تُهاجمه رسل المسيح ( إشارة للعدوان الثلاثيني النصراني على العراق ) .
ومدينة ( سيشم ) أي فلسطين ، سوف تُحيط بها وتهاجمها من كل الجهات ، جيوش غربية قوية جدا ، ستحد من قوة أساطيلهم . وفي هذا الملك سوف يحدث حزن عظيم ، تقفر مدنه الكبرى . ( إشارة لاستلاب فلسطين )
والذين يعودون إليها ، أولئك الذين سيُمارس الله غضبه ضدهم ( أي اليهود في فلسطين ) ، والمكان المُقدّس لن يؤوي بعد ذلك ، سوى عدد صغير جدا من الكفار ( يقصد المسلمين ) ، أوه ! في أي حزن فاجع ، ستكون عندئذ النساء الحبالى ، اللواتي ستمنعهن ثمرة أحشائهن من الهرب …
وخلال كل هذا التقدير الكرونولوجي ( الممتد طوليا عبر الزمن ) ، المُعاد إلى الكتابات المقدّسة ، سيتولد اضطهاد رجال الكنيسة ، من خلال تحالف قادة الشمال العسكريين (من قبل دول الاتحاد السوفييتي السابق ، يأجوج ومأجوج ) ، وهذا الاضطهاد سيدوم 11 عاما غير مكتملة ، وستسقط خلالها الدولة الشمالية الرئيسية ( روسيا ) ، بعد أن تُنجز تلك السنوات من الاضطهاد ، سيأتي حليفها الجنوبي ( العرب ) ، الذي سيضطهد رجال الكنيسة على مدى ثلاثة أعوام وبقسوة أشدّ … إلى حدّ أن دم رجال الدين الحقيقيين سيسبح في كل مكان …
وللمرة الأخيرة أيضا سترتجف كل الممالك المسيحية ، وكذلك ممالك الكفار خلال 25 عاما ، ستكون الحروب والمعارك أكثر دموية من أي وقت مضى ، وسوف تُحرق المدن والقصور وكل المباني الأخرى ، وسيتم هجرها وتدميرها ، مع إهراق عظيم لدماء العذارى والأمهات والأرامل المغتصبات ، والأطفال الرُضع الذين سيُرمى بهم على جدران المدن وتحطّم عظامهم ( وصف لعقاب اليهود في فلسطين ) ، الكثير من الشرور سيتم ارتكابها بفعل الشيطان ، الأمير الجهنمي ، بحيث كل العالم الكاثوليكي تقريبا ، سيتعرّض للخراب للإبادة ، وقبل أن تتم هذه الأحداث ، ستدوي في الفضاء طيور غريبة ( هي الطائرات ) … ، وستختفي بعد قليل ، بفعل الكارثة النهائية للعالم ( الحرب العالمية النووية الثالثة ) … ومن ثم ستقوم حقبة جديدة ، عهد ذهبي سيأمر به الخالق . وعندئذ سيبدأ بين الله والبشر سلام شامل ( زمن عيسى عليه السلام ) … "
وفي نهاية الفصل (11) من الكتاب يخلص المؤلف إلى القول : " كل الشرق إذن ، سينتفض من جديد ضد الغرب ، وحبره الأعظم الأخير بطرس الروماني ( أمريكا ) … "
ـ نجد أن المؤلف من خلال فهمه لمجمل نصوص ( نوستراداموس ) ، يخلص إلى أن الشعوب الشرقية بما فيها من إثنيات متنوعة ، ستتحد ضد الغرب في مواجهة مصيرية نهائية .
وفي بدايات الفصل (14) على لسان المتنبئ :
1-9 " من الشرق سيأتي العمل الغادر . الذي سيُصيب إيطاليا وورثة رومولوس . بصحبة الأسطول الليبي . ارتجفوا يا سكان مالطا والجزر القريبة المقفرة " .
ـ نجد أن المتنبئ يصف انتفاضة الشرق ، بالعمل الغادر ، الذي سيطيح بإيطاليا وورثة الإمبراطورية الرومانية ، ونجده يذكر ليبيا بالاسم مؤكدا تحالفها الشرق ، مثيرا رعب الغربيين من هذا العمل .
وفي الفصل ( 27) ، يقول المؤلف :
" بمقدار ما نبتعد في المستقبل ، يغدو من الصعوبة بما كان ، أن نربط بين الأحداث ، التي ستعيشها البشرية في انحدارها الأقصى . إلا أن التكرار المتواصل للتاريخ متشابه ، وعلى شبكته المُتجدّدة باستمرار ، يُمكن أن تُطرّز سلفا المعركة الأخيرة والمُخيفة ، التي سيظفر بها الشرق البربري على الغرب المسيحي .
ـ هنا يلصق المؤلف صفة البربرية بالشرق ، ويؤكد انتصار هذا الشرق المتوحش ، على الغرب المسيحي المسالم والمتحضر .
مستفيدين من الانقسامات التي سيُثيرها المسيح الدجال ، ومن الضعف والفوضى الناتجة عن مذاهبه ، ينجح العرب والآسيويّون والمغول في اجتياح أوروبا ، بعضهم عبر إيطاليا وإسبانيا ، كما هي العادة ، والآخرون عبر القارة والجو ، في حين تنهار فرنسا والكنيسة ، ويتعرض البابا بالذات إلى الاغتيال وسط الفساد العام ، تظهر ظواهر مرعبة في السماء .
ـ نجد أن المتنبئ ، يُحدّد في هذا النص ماهية الشعوب الشرقية التي يقصدها ، ويضع العرب على رأس القائمة ، ويؤكد نجاحهم في اجتياح معظم دول أوروبا ، برا وبحرا وجوا .
في عام الكسوفين الكاملين ، من طرف لآخر طرف في العالم القديم ، تحصل أمور غريبة : تظلم الشمس ويفقد القمر نوره ، وضجيج البحر والموج ، سيجعل الناس ييبسون رعبا ، لأنه سيصل الطوفان التكفيري الجديد ( عودة الخلافة الإسلامية ) ، ليختم فجأة العصر الذي بدأ مع زمن نوح " .
ـ في هذا النص ، يُحدّد المتنبئ فلكيا ، نقطة البداية ، لأحداث مسلسل الرعب الأخير ، الذي يصفه في كتابه ، بكسوف كلي كبير للشمس ( 1999م ) ، متبوعا بخسوف كلي للقمر .
يؤكد المؤلف على حتمية وقوع مواجهة أخيرة ، بين الغرب والشرق ، وعلى حتمية ظفر الشرق بها ، وكنتيجة لهذه المواجهة ، ستنهار فرنسا ( التي كانت تُمثل الدولة الصليبية العظمى آنذاك ، في العصر الذي عاش فيه المتنبئ ، أما الآن فأمريكا هي الدولة العظمى ، وراعية الحملات الصليبية الجديدة على الشرق ) ، وستنهار الكنيسة ( بمعنى انهيار الدين ، بظهور الدين الإسلامي من جديد ) . ويعزو المؤلف نجاح الشرق في غزوه أوروبا ، إلى ما أثاره المسيح الدجال ، من ضعف وفوضى وانقسام ، وليس غضبا إلهيا لكفرهم وضلالهم ، ورغبة إلهية في إظهار الحق وزهق الباطل ، والحقيقة أن الذي سيتسبب في ظهور الضعف والانقسام الأوروبي ، بين مؤيد ومعارض هو إسرائيل ( المسيح الدجال الحقيقي ) ، والشعب اليهودي بشكل عام .
والمسيح الدجال هو لفظ ، يطلقه مفسّرو النبوءات التوراتية على شخص مفسد ومخرّب ، سيظهر في المكان المقدّس ، معادٍ لليهود وللمسيح وأتباعه ، سيقود الشرق في معركته الأخيرة مع إسرائيل الغرب ، وينسبون إليه كل ما يُوصف في التوراة من إفساد ، حتى إفساد الدولة اليهودية الحالية الموصوف بالتوراة ، وبذلك أصبح الإفساد اليهودي الإسرائيلي ، الذي حذّرت منه التوراة ووصفته بدقة متناهية ، منسوبا إلى شخص المسيح الدجال الذي لم يظهر بعد ، لتكون إسرائيل وحلفائها ، بمنأى عن الغضب والعقاب الإلهي ، الذي سينسكب على الدجال وأتباعه ، وأتباعه هم من العرب والروس والمغول ، حسب اعتقادهم .
وفيما يلي بعض النصوص ، التي استقى منها المؤلف هذه الأفكار :
مشاهد من الحرب العالمية الثالثة :
2-70 " سيف السماء يمتد فوق العالم … يجري إعدام عظيم لمن سيموتون وهم يتخاطبون "
2-18 " مطر جديد مفاجئ وعنيف … تتساقط من السماء على البحر ، الحجارة والنار … تموت بغتة الجيوش السبعة البرية والبحرية " .
2-56 " من لم ينجح الطاعون والسلاح في الإجهاز عليهم … سيُضربون من أعالي السماء .. "
2-86 " خلال الغرق الذي سيتم قرب البحر الأدرياتيكي … ستهتز الأرض لتُميت من كانوا يحومون في الهواء … "
3-83 " الجو والسماء والأرض ستُظلم وتضطرب … حينئذ سيتضرع الكافر لله وقدّيسيه "
أمريكا :
9-44 " اهربوا ، اهربوا يا سكان جنيف أجمعين … عهدكم الذهبي سيغدو عهدا حديديا … "
ـ هذه الدعوة للهرب من جنيف ، هي في الأصل دعوة للهرب من بابل في النصوص التوراتية ، ليتبين لنا أن لفظ بابل استخدمه كتبة التوراة ، للتعبير عن دولة أو مدينة ذات مال وجمال وسطوة ، ستظهر مستقبلا ، كما كانت جنيف في عصر نوستراداموس ، الذي لم يُعاصر العصر الذهبي لأمريكا وعاصمتها التجارية ( نيويورك ) .
1-26 " الصاعقة العظيمة ستسقط في وضح النهار "
1-87 " النار المركزية التي تجعل الأرض تهتز … ستتجلى حول المدينة الجديدة ( نيويورك ) "
10-49 " بستان العالم قرب المدينة الجديدة … سيُؤخذ ويُغطّس في البحيرة الغالية "
6-97 " سماء خط التوازي 45 ، ستحترق تقترب النار من المدينة الجديدة العظيمة … "
بريطانيا وفرنسا وبقية دول أوروبا :
9-55 " أية حرب مخيفة ستتهيأ في الغرب … وفي العام التالي سيأتي الطاعون … رهيبا إلى حدّ أنه على الشُبّان والعجزة والقطعان … سيكون للدم والنار سلطة في فرنسا …
4-67 " في العام الذي سيشتعل فيه الزمن والحرب معا … سيكون ثمة مسار كبير للمقذوف في الهواء الجاف ( الصواريخ النووية ) … يحترق المكان الكبير بنيران آتية من بعيد … يرى الناس القحط والعاصفة ، تحصل حروب وغزوات " .
8-16 " في روما ، حيث كلي القدرة بنى هيكله … سيكون طوفان كبير ومفاجئ … بحيث ما من مكان ، وما من أرض ستسمح باتقائه … ستمر المياه من فوق الأولمب فيزول " .
3-32 " القبر الكبير للشعب البريطاني … سيكون على وشك الانفتاح … حين تزمجر الحرب قرب حدود ألمانيا … وفي بلاد مانتو ( إيطاليا ) " .
3-70 " بريطانيا العظمى ، أي إنكلترا … تتعرض لثورة عنيفة ( تغمرها المياه ) … " .
8-15 " نحو الشمال تعزيزات كبرى من الحشود البشرية ( روسيا ) … تضرب أوروبا والعالم أجمع تقريبا … خلال الكسوفين ، تقوم بمطاردة مهمة … وتدخل هنغاريا في الحياة والموت " .
خلاصة ما يتنبأ به ( نوستراداموس ) ، هو دمار الدول الغربية ( أمريكا وبريطانيا وفرنسا ) ، بهجوم صاروخي نووي مفاجئ ، يصفه بكل دقة ( مطر جديد مفاجئ وعنيف …) ويُعرّف هذا المطر الجديد ( تتساقط من السماء على البحر ، الحجارة والنار ) ويُعرّفه أكثر بقوله ( للمقذوف في الهواء الجاف ) ويُحدّد مصدره ( بنيران آتية من بعيد ) ويصف تأثيره ( يرى الناس القحط والعاصفة ) ويصف ما يعقبه ( سيكون طوفان كبير ومفاجئ ) نتيجة ارتفاع درجة حرارة الأرض ، التي ستعمل على ذوبان الكتل الجليدية ، وتبخّر مياه البحار والمحيطات ، ومن ثم لتعود وتسقط على شكل مطر غزير ، مسببة طوفانا ، تغرق في مياهه أمريكا وبريطانيا إلى غير رجعة .
وما يعطي مصداقية ، لنبوءات هذا المتنبئ ، واهتماما منقطع النظير بها لدى الغربيين ، هو تحقّق الكثير منها حسب اعتقادهم ، بالرغم من إبهامها وعموميتها ، ووصفه الدقيق - قبل (450) سنة تقريبا - للأسلحة ووسائل النقل ، التي استخدمت في الحروب العالمية ، والتي لم تكن موجودة أصلا في عصره . وهذا مما يُعزّز مخاوف هؤلاء من صدق نبوءاته ، بشأن دمار الحضارة الغربية برمتها ، من قبل الشرقيين ، كما يُعلن عن ذلك بصراحة .
من خلال هذه النصوص والنصوص التوراتية الأصلية ، تبين للكثير من الباحثين الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين ، المشغولين بنبوءات ( نوستراداموس ) ، أن المقصود بالمدينة الجديدة ، التي سيلحقها الدمار والخراب ، هي ( نيويورك ) بشكل خاص ، وأمريكا بشكل عام . وخوفا من صدق هذه النبوءات المرعبة ، تُجهد أمريكا نفسها – بقيادة الحزب الجمهوري التوراتي الإنجيلي - وتحثّ الخطى ، سعيا لامتلاك الدرع النووي المضاد ، للنبوءات التوراتية بصواريخها النووية الروسية والصينية ، لا الصواريخ النووية العراقية أو الإيرانية أو الكورية الشمالية كما تدّعي .
في تقرير لوكالة ( أ ف ب ) من واشنطن ، نقلا عن صحيفة الدستور الأردنية ، الصادرة بتاريخ 12 - 7 - 2001م ، جاء ما نصه : " أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أمس ، تسريع برنامجها للدرع المضاد للصواريخ ، الذي قد يصطدم بالقيود التي تفرضها معاهدة ( إيه بي أم ) : " وذلك في غضون بضعة أشهر عوضا عن بضع سنين " . وصرّح مساعد وزير الدفاع الأمريكي ( بول فولفوفيتس ) في كلمة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ : " لقد بدأنا متأخرين سباقا ضد الزمن " . وبحسب المسؤول الأمريكي ، فإن عمليات التجارب وتطوير نظام الدرع المضاد للصواريخ ، سيصطدم بلا شك ، بقيود نصت عليها معاهدة ( إيه بي أم ) ، وأشار إلى " أن هناك فرصا عديدة ليتم ذلك في غضون بضعة أشهر بدلا من بضع سنين " ، وأكد أنه " ينبغي أن نتجاوز قيودا تفرضها علينا معاهدة ( إيه بي أم ) ، وقال أن الولايات المتحدة ، ستحاول العمل على إبرام اتفاق مع روسيا ، يتضمّن ترتيبات جديدة ، بهدف تجاوز معاهدة ( إيه بي أم ) ، وأشار مع ذلك إلى أنه : " سيكون من الصعب التأكد من تأمين ذلك خلال السنة المقبلة " . وأضاف : " كنا نُفضّل التوصل لذلك من خلال التعاون ( مع روسيا ) ، ولا نزال متفائلين بأن مثل هذا الخيار أمر ممكن " . وذكرت صحيفة واشنطن بوست ) في عددها أمس أن وزارة الخارجية ، أن وزارة الخارجية الأمريكية أمرت الأسبوع الماضي ، سفارات الولايات المتحدة في العالم ، باطلاع الحكومات الأجنبية ، على النية الأمريكية ، بتطوير مشروع الدرع المضادة للصواريخ " انتهى .
لماذا بدءوا هذا السباق المحموم مع الزمن لإنتاج هذا الدرع ؟
الذريعة الأمريكية بتخوّفها من مهاجمتها بصواريخ باليستية ، من قبل العراق وإيران وكوريا الشمالية ، غير مقنعة لكل دول العالم ، وحتى حلفاء أمريكا من الأوروبيين ، أما الأسباب الحقيقية لإنتاج هذا الدرع ، فمردّها هو مخاوف توراتية وإنجيلية بحتة ، وهي على أربعة احتمالات :
1. وقاية نفسها من أي هجوم روسي ، أثناء المواجهة القادمة بين الشرق والغرب ، فيما لو فكرت روسيا ببدء هجوم مباغت ، بعد تحالفها مع الدول العربية والإسلامية ، وهو الاحتمال الأضعف .
2. التفكير بالمبادرة بالهجوم على روسيا ، استعجالا للمواجهة الحتمية التي فرضتها عليهم النبوءات ، فكسب المعركة سيكون من نصيب ، من يُوجّه الضربة الأولى للطرف الآخر ، وقد يكون استجابة لدعوات المُبشّرين الإنجيلين ، استعجالا للمجيء الثاني للمسيح .
3. تنفيذ نواياها المعلنة اتجاه العراق ، بالقيام بعمل إجرامي جديد ، يُريح أعصاب اليهود في الشرق والغرب إلى الأبد ، من خطر زوال إسرائيل على أيدي العراقيين ، بشن حرب أو بتوجيه ضربة نووية واسعة النطاق أو محدودة ، وهو الاحتمال الأقوى .
4. منع إمكانية ظهور ذلك القائد المسلم ، الذي سيتسبب في دمار الحضارة الغربية ، بضرب بؤر القيادات الإسلامية الحالية .
وعلى ما يبدو أن صفة الاستعجال ، جاءت من فهم حاخامات اليهود للنصوص النبوية ، ومعرفتهم من خلال الإشارات الفلكية ، والحسابات الموجودة في التوراة ، بقرب تحقق هذه الأحداث على أرض الواقع .
العدوان على العراق :
10-86 " سيأتي ملك أوروبا مثل غريفون … تُرافقه جماعة الشمال … سيقود حشدا كبيرا من الحمر والبيض … ويسيرون ضد ملك بابل " .
1-55 " في ظل المناخ الذي سيواجه بابل … سيكون الدم المراق غزيرا … والأرض والبحر والجو والسماء جائرات … بفعل البدع والمجاعة والحكومات والطاعون والفوضى " .
خروج المهدي من مكة ، وحتمية ظهور الدين الإسلامي من جديد :
وهو الأمر الذي يُرعب نصارى ويهود الغرب ويقضّ مضاجعهم ، وهو المبرّر الوحيد لحربهم الشعواء ، التي يشنّوها ضد الإسلام ومن يُمثّله ، دون كلل أو ملل ، بدفع من أحبار اليهود وكهنتهم ، في كواليس ودهاليز السياسة الغربية ، كما كانوا يُزيّنون لكفار قريش سوء أفعالهم ، في كواليس ودهاليز السياسة في مكة ، خوفا من ظهور أمر الدولة المحمدية الأولى ، وكنا قد أشرنا سابقا إلى بعض النصوص التوراتية الأصلية ، التي استطاع ( نوستراداموس ) من خلالها التنبؤ بهذا الأمر بنصوص صريحة لا لُبس فيها :
5-55 " من الجزيرة العربية السعيدة … سيولد قائد مسلم كبير … يهزم إسبانيا ويحتل غرناطة … يصد المسلمون الصليب … يخون البلاد واحد من قرطبة " .
5-25 " أمام الأمير العربي ، بعد الحرب الملكية الفرنسية … تسقط مملكة الكنيسة في البحر … يأتون من جهة فارس مليونا … حين يستولي الشيطان على مصر واستنبول .
2-29 " سيُغادر الشرقي مقرّه … يجتاز جبال الابينين ويدخل فرنسا … يعبر الثلوج الخالدة ( جبال الألب ) … ويضرب كل واحد بعصاه " .
9-100 " سيجري كسب المعركة البحرية ليلا … يكون ذلك خراب الغرب … سيكون ثمة ميثاق أحمر ، تتلطخ الكنيسة بالدم … يشهد المهزوم إفلات النصر منه ويستشيط غضبا " .
2-93 " قريبا من نهر التيبر ، تُهدّد آلهة الموت … بعد فيضان عظيم بقليل … يقع البابا في الأسر … يحرقون القصر والفاتيكان " .
ـ إذن يعلم الغربيون يهودا ونصارى ، مما جاء في كتبهم ، أن هناك قائد مسلم كبير ، هو نفس الأمير العربي والشرقي ، الذي سيولد في الجزيرة العربية ، وأن هذا القائد سينتصر في حروبه ، موحدا بذلك جميع دول العالم الإسلامي ، ومن ثم سيجتاح أوروبا كاملة ، بجيوشه الجرارة البالغة في نص ( 1 ) مليون ، وفي نص آخر ( 200 ) مليون مقاتل ، مسببا سقوط الحضارة المسيحية اليهودية واندثارها . لذلك تجد الغرب يسعى حثيثا ، لوأد أية بادرة تلوح في الأفق ، لإحياء الخلافة الإسلامية .
الصحوة الإسلامية :
يقول مؤلف الكتاب : إذا كانت أوروبا ، وفرنسا بوجه خاص ، بقيت بمنأى عن أي غزو من جانب العالم العربي ، منذ أيام ( شارلمان ) ، فالحرب الكبرى ستشهد عودتهم المؤذية ، هذا ما سماه ( نوستراداموس ) في الرسالة إلى هنري الثاني ، " العودة المحمدية الأولى " . حيث يقول ( نوستراداموس ) :
3-4 " حين سيقترب تمرّد المسلمين ، لن نكون بعيدين جدا عن هذا وذاك … البرد والقحط والخطر على الحدود … حتى حيث بدأ الوحي الإلهي " .
4-39 " … لأن إمبراطورية الهلال ستخرج من سباتها … "
6-42 " سيجري التخلي عن السلطة للكلام الفتان … لإمبراطورية الهلال التي ستفرض نفسها … وتمدّ رايتها إلى ما فوق الإيطاليين … ستكون في يد شخص يتظاهر بالحكمة " .
5-73 " سيتم اضطهاد كنيسة الله … وتصادر الأبنية الدينية … سيُعري الولد أمه … وسيتفق العرب مع البولنديين " .
10-33 " الجماعة القاسية ذات الرداء الطويل ( المسلمون ) … ستأتي مخبئة خناجرها … يستولي قائدها على فلورنسا ومكان اللهبة المزدوجة ( روما ) … قائما بفتحه مع القتلة والحالمين " .
ـ تؤكد هذه النصوص ، أن الأمة الإسلامية ستنهض من سباتها ، وستفرض نفسها كدولة عظمى ، وعلى مساحة واسعة من الأرض ، تشمل أجزاء من أوروبا الغربية ، ويُخبر ( نوستراداموس ) بخبث ودهاء يهوديين ، بأنهم أي المسلمون الغادرون القساة القتلة ، سيضطهدون كنيسة الله ، ويستولون على إيطاليا كلها . وهذه إحدى الصور التي شكلتها النبوءات التوراتية والإنجيلية ، عن الإسلام والمسلمين بشكل عام ، وبدون استثناء لأي عربي أو مسلم ، حتى لو تنصّر . وهذه الصور أجاد في تشويهها والتخويف منها ، والتحريض على محاربتها ، مفسّرو هذه النبوءات قديما وحديثا ، حتى أصبحت من المسلمات العقدية لدى عامة الغربيين ، فلا عجب ولا غرابة ، من حمل الغربيين لهذا العداء العقائدي المزمن للعرب والمسلمين ، فهذا ما يُخبرونهم به مفسّرو الكتاب المقدس ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه ، حسب اعتقادهم .
نزول عيسى عليه السلام وتسلّمه لمقاليد الحكم :
4-77 " إمبراطورية الهلال ( المسلمون ) ، وإيطاليا المسالمة ( النصارى ) … يتحدّ فيهما الحُكمان ، على يد ملك العالم المسيحي ( المسيح عليه السلام ) … " .
ـ هذا النص ، يؤكد عملية تسلّم عيسى عليه السلام للحكم من المهدي ، أما النصارى فليس لديهم استعداد ، لطرح أي تساؤل عن سبب اتحاد المسلمين ( الكفار غير المؤمنين بألوهية المسيح ) والنصارى ؟ ولماذا يتنازل خليفة المسلمين ، عن مقاليد الحكم للمسيح عليه السلام ، بعد أن يكون قد فرض سيطرته على العالم بأسره ؟ ولماذا لا يصلبه المسلمون ، وهم المتوحشون والغادرون والقتلة والقساة والإرهابيون ، كما صلبه اليهود المساكين الضعفاء ؟
نحن نعلم أن الناس قديما وحديثا ، كانوا وما زالوا ، يلجئون للعرافين والكهان ، لكشف الطالع ومعرفة أنباء الغيب ، كل حسب مآربه وغاياته ، ومنها الفضول وحب المعرفة ، ومنهم العوام وأكثرهم الملوك والرؤساء ، ولا غرابة عندما أقرأ يوما ، أن زوجة أحد رؤساء أمريكا المعاصرين ، وأظنه بوش الأب كانت تلجأ إليهم .
إن أخطر ما فعلته هذه الكتب ، هو أنها خلقت لدى نصارى الغرب ، عقائد جديدة مرتبكة ومشوهة ، فيما يتعلّق بشكل خاص بالمسلمين والعرب ، ودورهم القادم في دمار الحضارة الغربية المسيحية ، التي صنعتها اليهودية العالمية ، حتى أنستهم تعاليم المسيح نفسه ، التي ما زالت تدعوا إلى التسامح والتعايش السلمي ، بالرغم من إعادة صيغتها من قبل اليهوديين بولس وبطرس . مما خلق لديهم حالة من الرعب والقلق ، من كل ما هو إسلامي وعربي ، بمساعدة حثيثة من خبثاء اليهود ، الذين يؤمنون بأن استمرارية وجودهم وبقائهم ، ونجاح مخططاتهم الشيطانية ، تعتمد في الأساس على القضاء على الأديان ، التي يُحاربهم الله بها ، ويعلمون أن ألدّ أعدائهم هو القرآن العظيم ، الذي لا بد له في يوم من الأيام ، إن بقي الأمر على حاله ، ولم يتم مسحه من قلوب وعقول حملته ، ومسخ تعاليمه وتشويها كما شوّه آباءهم وأجدادهم التوراة والإنجيل ، سيبعث فيهم الحياة من جديد .
الحرب الشاملة 2006
هو عنوان لكتاب صدر في بريطانيا ، عام 1999م ، وعنوانه بالإنجليزية هو ( Total War 2006 ) ، للكاتب البريطاني ( سيمون بيرسون ) ، الذي شغل منصب ، مساعد رئيس أركان الحرب البريطاني لشؤون السياسة ، وهذا الكتاب واحد من آلاف الكتب والأبحاث ، التي كادت أن تُصيب كبد الحقيقة ، لولا تضليل مؤلفي نصوص التوراة ، بتحريف الكلم عن مواضعه ، وتضليل الواقع ، مما أدى إلى الخلط بين الأحداث ، من حيث شخوصها وزمانها ومكانها .
* من مقال للكاتب محمد عارف ، من صحيفة الحياة اللندنية ، في النصف الثاني من عام 1999م .
" كل فصل من فصول الكتاب تقريبا ، يُستهل بقول للنبي ارميا ، ويستهلّ الفصل الأخير منه ، بأربع فقرات من سفر ارميا ، أخفها وقعاً : " أرضهم أضحت قفرا يبابا ، شارة للازدراء السرمدي ، ويهُزّ كل عابر فيها رأسه فزعا " . هذا ما ستُخلّفه الحرب الشاملة عام 2006 ، بين التحالف الإسلامي العظيم وروسيا من جانب ، والولايات المتحدّة من جانب آخر ، حيث تبدأ الأحداث بنشوب حرب البلقان مُجدّدا عام 2002 ، واندلاع الحرب الكورية الثانية ، وثورات إسلامية تكتسح البلدان العربية ، وتوحّدها عام 2004 ، تحت راية صلاح دين جديد ، نصفه كردي ونصفه الآخر ألماني .
ويبلغ الباحث الاستراتيجي البريطاني الذروة ، عندما يتوقع الأحداث السياسية ، التي ستشمل قيام مملكة فلسطين الإسلامية ، وتضم الأردن ويقودها العاهل الأردني ، وثورة جديدة في روسيا ، تأتي بحكومة عسكرية ، يُسيطر عليها صلاح الدين ، من مقرّه في مدينة قم الإيرانية ، وانتفاضات مُتعاطفة مع الحلف الإسلامي ، يشُنّها متطرفون في مدن فرنسا وإيطاليا وبريطانيا . ولا يخلو الكتاب ، من صور فوتوغرافية لحرب عام 2006 ، بينها صورة لآخر الأبطال الإسرائيليين الأحياء ، يقف تحت مُلصق جداري لحركة حماس .
وعندما تُقرّر السيدة رئيسة الولايات المتحدّة الأمريكية ، اللجوء إلى السلاح النووي الشامل ، تجد أن صلاح الدين ، استبق تفكيرها مرة أخرى ، إنّه انفجار السلاح الكهرومغناطيسي ، الذي طوّره ألمع " علماء المسلمين " ، ليُضيء السماء ليلا على امتداد المسافة ، من قبرص والإسكندرية ، حتى حدود الأردن والحدود السورية العراقية ، حيث يُطلق هذا السلاح الإسلامي ، نبضا إلكترونيا جبارا ينفذ من خلال كل شيء معدني ، في البنايات والأجهزة والعربات والدبابات والأسلحة ، وتكمن قوته في قدرته على تدمير ، الدارات الكهربائية المستخدمة في كل شيء ، من الترانزيستور والكمبيوتر والتلفزيون ، إلى أجهزة الهاتف والاتصالات ، وأنظمة المصانع والمختبرات ، وحتى الطائرات والأقمار الاصطناعية والصواريخ الموجّهة . خلال لحظة تحوّلت دولة التكنولوجيا الرفيعة ( إسرائيل ) ، إلى مجتمع العصر الحجري ، من دون معدات حرارة وإنارة وضخ مياه ونقل ، مُحاطة بجبل من الأدوات المعدنية والإلكترونية ، لعصر أصبح فجأة غابرا " .
وعندما تُهدّد الرئيسة الأمريكية ، بشنّ الحرب النووية الشاملة ، يُجيبها صلاح الدين : " بأن كلّ شيء قد انتهى ، إسرائيل انتهت كشعب ، معظم سُكّانها قد ماتوا ، مخزونها النووي قد دُمّر ، ولن يشكر التاريخ الرئيسة ، لتسبّبها في قتل مئات الألوف ، وربما الملايين لأجل بلد خاوٍ " . كما ويبدي صلاح الدين استعداده ، في حال تراجع قوات حلف الناتو ، التي تستعد للتحرك ضدّه من تركيا ، لوقف العمليات العسكرية ، لمشاهدة إسرائيل وهي تموت " .
تعقيب على الكتاب :
الملفت للنظر أن كثير من الباحثين ، في نصوص النبوءات التوراتية والإنجيلية ، هم ممن يشغلون مراكز حساسة ومرموقة ، في السلك السياسي والعسكري والديني ، وهذا الكاتب هو أحدهم ، ولا يُعقل ألا تتأثر القرارات السياسية والعسكرية لهؤلاء ، بما يحملونه من أفكار ومعتقدات ، تُشكّل خطرا على الأمن والاستقرار العالمي ، ولا يُعقل ألا تؤثر أفكارهم ومعتقداتهم في قرارات رؤساء دولهم ، هذا إن لم يكن رؤساء الدول أنفسهم ( كريغان وبوش ) يحملون هذه الأفكار والمعتقدات .
ـ تفصيل الأحداث بشخوصها ومكانها وزمانها ، سنعرضه لاحقا في الفصول الأخيرة ، ولكن سنتوقف قليلا مع هذا الكتاب ، لنوضح ونصحّح بعضا من أحداثه وشخوصه :
1. صلاح الدين الجديد ـ كناية عن القائد الذي سيُنهي الوجود اليهودي في فلسطين .
2. مملكة فلسطين الإسلامية ـ كناية عن الخلافة الإسلامية في القدس .
3. العاهل الأردني ـ كناية عن ملك القدس المنتظر ، أي المهدي الذي يعود بنسبه ، إلى الرسول عليه الصلاة والسلام .
4. ثورات إسلامية تكتسح البلدان العربية ـ حروب المهدي لتوحيد البلدان العربية والإسلامية .
5. السلاح الكهرومغناطيسي ، ليُضيء السماء ليلا ـ شريعة الإسلام التي ستبعث من جديد بخلافة المهدي .
6. من قبرص والإسكندرية ، حتى حدود الأردن والحدود السورية العراقية ـ امتداد الدولة الإسلامية .
7. إنتاج السلاح الكهرومغناطيسي ـ ربما تكون صحيحة ، ولكن من الأرجح أنها فكرة ابتدعها الكتاب ، لتفسير الانتصار المقبل للعرب على إسرائيل وتدميرها ، رغم امتلاكها للتكنولوجيا العسكرية ، وأسلحة الدمار الشامل ، وتحالفها مع الغرب ، حسب رأيه . والحقيقة أن فلسطين لن يتم تدميرها ، لتصبح قفرا لا تصلح للسكن للأبد ، كما تُخبر النصوص التوراتية .
الدمار الموصوف - هو دمار لأمريكا لا فلسطين ، أما فلسطين فسيتم استعادتها بدون تدمير ، وهي التي ستكون أكثر البلدان ، أمانا وطمأنينة خلال الأحداث القادمة ، وستكون بمنأى ، عن ضربات أسلحة الدمار الشامل ، بإذن الله ، حيث قُسم لها بعد تلك الأحداث ، أن تكون عاصمة الخلافة الإسلامية .
حقيقة ما وقع فيه هذا الكاتب ، أنه قام ببناء هرم نبوءاته على أساس ، صحة النصوص التوراتية ، إذ أنه لا يعلم أن كتبة التوراة ، قاموا ببعثرة وجمع ، ثلاثة أخبار نبوية ، متباعدة ومتتابعة ، في نصوص مرتبكة ومضطربة ، ليظنّ الكاتب أنها تحكي حدثا نبويا واحدا . وهذه الأخبار النبوية الثلاثة بالترتيب هي ؛ أولا : الغزو العراقي لإسرائيل ، وثانيا : تحالف الروس والعرب ضد الغرب في الحرب العالمية الثالثة ، بعد سقوط الدولة اليهودية ، وثالثا : خروج المهدي من مكة ، واتخاذ القدس عاصمة لخلافته الممتدة ، من النيل إلى الفرات ، ومن تركيا إلى اليمن .
ولاحظ هنا ، أن مؤلف هذا الكتاب ، كان قد شغل منصب ، مساعد رئيس أركان الحرب البريطاني ، ولشؤون السياسة أيضا ، ونحن هنا لا نطرح تكهنات أو تخرّصات ، حول معتقداتهم بالنسبة لنا كمسلمين وعرب ، فهذا ما يعتقدون ويؤمنون به ، ويطرحونه في كتبهم ، والتي هي من أكثر الكتب مبيعا في بلدانهم ، وأن هذا المؤلف وغيره الكثير ، من الذين يحملون هذه الأفكار ، كانوا في الأمس القريب جدا ، يشتركون في صنع القرارات الخاصة بالمنطقة ، ولو اطلعت على غزارة إنتاجهم في هذا المجال ، لا شكّ أنك ستصاب بالذهول ، مما يطرحونه من أفكار وقناعات جنونية ومرعبة ، يُقدّمونها لشعوبهم على أنها مسلمات ، وستصاب بالذهول لغفلة أمتنا عما يحملونه من عقائد وقناعات ، وما يقترفونه بناءً عليها من سياسات ، يُحيكونها تحت ستر الظلام ، في كواليس السياسة الغربية ، وينفذونها على أرض واقع أمتنا ، ونشاركهم نحن أيضا في تنفيذه ، بعد أن يُقدّموها لنا ، في غلاف من ورق السولفان الملون ، الذي يكشف من خلال شفافيته وسخافته ، حقيقة أهدافهم البشعة ، والمشبعة بالحقد على أمة القرآن ، التي تخلّت عنه طوعا لا كرها ، منذ أمد ليس بالقصير ، ولكن ذلك لا ولن يرضيهم ، حتى يُحقّقوا كامل أحلامهم وأمانيهم ، ويُتخلّصوا من كامل مخاوفهم وهواجسهم ، التي لن تزول ، إلا بزوال هذه الأمة عن وجه الأرض ، التي وعدها ربها بالبقاء حتى تقوم الساعة ، ولذلك عاجلا أم آجلا ، ستقودهم أوهامهم وهواجسهم ، إلى تدمير أنفسهم ، بكسب مزيد من الأعداء والأحقاد ، من جراء تخبطهم الأعمى ، وسيرحلوا قريبا جدا ، إلى غير رجعة ، وسيرث الصالحون من هذه الأمة الأرض بأسرها ، بإذن الله ، ( … إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128 الأعراف ) .

قال تعالى

( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ، حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ، قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ، بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
( البقرة )

السياسة الأمريكية ونبوءات التوراة والإنجيل
ستناول في هذا الفصل ، مسألة تأثير نبوءات التوراة والإنجيل ، على القرارات السياسة الأمريكية ، وخاصة ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط ، لنفهم أبجديات هذه السياسة المنحازة لإسرائيل ، والمعادية للعرب والمسلمين بشكل عام ، والتي اجتهد الكثير من المحللين في تفسيرها وتحليل دوافعها . وخير من تعرّض لهذه المسألة ، وأفاض في بحثها هي الكاتبة الأمريكية ( غريس هالسل ) في كتاب ( النبوءة والسياسة ) ، وهو من منشورات ( الناشر للطباعة ) ، ط3 1990م ، ترجمة محمد السمّاك .
ملخص مقدّمة المترجم ( بتصرف ) :
يمثل العالم العربي موقعا متميزا وفريدا من نوعه ، في عملية صنع القرار السياسي الأمريكي ، فبالإضافة إلى أهمية موقعه الجغرافي ، وكونه سوقا تجارية استهلاكية ، ويملك أكبر احتياطي من النفط ، فإن هناك عامل آخر ، يتقدم على كل هذه العوامل ، وهو تأثير الفكر المسيحي الديني ، على صياغة القرار الأمريكي ، المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي . حيث نشأ في نهاية القرن التاسع عشر ، وبداية القرن الماضي ، ما يسمى بالصهيونية المسيحية الإنجيلية القائمة على اعتناق ثلاثة مبادئ :
أولا : الإيمان بعودة المسيح ،
ثانيا : أن عودته مشروطة بقيام دولة إسرائيل ،
ثالثا : وبالتالي تجمّع اليهود في فلسطين .
وقد لعب هذا الأمر دورا أساسيا ، في صناعة القرار الخاص بقيام إسرائيل ، وتهجير اليهود إليها ومن ثم دعمها ومساعدتها ، وإعفاءها من الانصياع للقوانين والمواثيق الدولية . وأن شريعة الله وحدها - التوراة – التي يجب أن تطبق على اليهود في فلسطين ، بما أنهم شعب الله المختار .
ونتيجة لهذه المعتقدات ، ظهر الكثير من الحركات الدينية المسيحية الإنجيلية الأصولية ، في بريطانيا والولايات المتحدة ، وأهم وأخطر هذه الحركات هي ( الحركة التدبيرية ) ، التي نشأت في الولايات المتحدة ، بعد قيام دولة إسرائيل . وتضمّ في عضويتها أكثر من أربعين مليون أمريكي ، لحظة تأليف هذا الكتاب في أواسط الثمانينيات ، ومن بين أعضائها الرئيس الأمريكي آنذاك ( رونالد ريغان ) وهي تسيطر على قطاع واسع من المنابر الإعلامية الأمريكية ، وتمتلك محطات تلفزة خاصة بها ، ويشارك قادتها ، كبار المسؤولين في البيت الأبيض ، ومجلس الأمن القومي الأمريكي ، ووزارة الخارجية في صناعة القرارات السياسية والعسكرية ، المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي .
ـ وتعتقد هذه الحركة أنّ الله قد وضع في الكتاب المقدس ، نبوءات واضحة ، حول كيفية تدبيره لشؤون الكون ونهايته ، كما يلي :
1. قيام إسرائيل وعودة اليهود إليها .
2. هجوم أعداء الله على إسرائيل ووقوع محرقة هرمجدون النووية ( وأعداء إسرائيل هم الروس والعرب ، وعلى مدى أوسع هم الشيوعيون والمسلمون بشكل عام ) .
3. انتشار الخراب والدمار ومقتل الملايين .
4. ظهور المسيح المخلص وتخليصه لأتباعه ( أي المؤمنين به ) من هذه المحرقة .
5. إيمان من بقي من اليهود بالمسيح بعد المحرقة .
6. انتشار السلام في مملكة المسيح في أرض جديدة وتحت سماء جديدة مدة ألف عام .
ـ وأن مهمة أعضاء هذه الحركة وأتباعها ، هي تدبير وتهيئة - وكأنّ الله قد أوصاهم بذلك - كل الأمور التي من الممكن ، أن تعجّل في عودة المسيح إلى الأرض ، ومن ضمن تلك الأمور :
أولا : ضرورة إضعاف العرب عسكريا ،
وثانيا : تلبية جميع مطالب إسرائيل بالدعم المالي والسياسي والعسكري ،
وثالثا : تعزيز ترسانتها النووية .
مقتطفات من مقدمة الكاتبة :
تؤكد الكاتبة الأمريكية ( غريس هالسل ) ، أن بذور هذه المُعتقدات المُدمّرة ، نشأت في نهاية القرن التاسع عشر . وكان رائد هذا الاتجاه ، في تفسير الكتاب المُقدّس ، هو ( سايروس سكوفيلد ) ، وقد طُبع أول مرجع إنجيلي له عام 1909م ، زرع فيه آراءه الشخصية في الإنجيل ، وصار أكثر الكتب المتداولة حول المسيحية . وبدأت هذه المُعتقدات في الظهور وتعزّزت ، عندما تتابعت انتصارات إسرائيل ، على دول الجوار العربية ، وبلغت ذروتها بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان .
تقول ، وفي إحدى المناسبات كان ( سكوفيلد ) يذكّر مُستمعيه بأنه : " عام بعد عام ، كان يُردّد التحذير بأن عالمنا ، سيصل إلى نهايته بكارثة ودمار ومأساة عالمية نهائية " . ولكنه يقول أيضا : " أن المسيحيين المُخلّصين ، يجب أن يُرحّبوا بهذه الحادثة ، لأنه مُجرّد ما أن تبدأ المعركة النهائية ، فإن المسيح سوف يرفعهم فوق السحاب ، وسيُنقذون ، وأنهم لن يُواجهوا شيئا من المعاناة ، التي تجري تحتهم " .
وتقول " بالرغم من أن بعض الأصوليين ، لم يتقبّلوا هذه الفكرة ، إلا أنها تسبّبت في انقسام كبير . فهناك مؤشر إلى أن أعداد المسيحيين الذين يتعلّقون بنظرية ( هرمجدون ) في تزايد مُضطرد . فهُم مثل سكوفيلد ، يعتقدون أن المسيح ، وعد المسيحيين المُخلّصين ، بسماء جديدة وأرض جديدة . وبما أن الأمر كذلك ، فليس عليهم أن يقلقوا حول مصير الأرض ، فليذهب العالم كلّه إلى الجحيم ، ليُحقّق المسيح للقلّة المُختارة ، سماءً وأرضا جديدتين " .
" إن استقصاء عام 1984م ، الذي أجرته مؤسسة ( باتكيلو فيتش ) أظهر أن 39 بالمائة من الشعب الأمريكي ، يقولون ، أنه عندما يتحدّث عن تدمير الأرض بالنار ، فإن ذلك يعني ، أننا نحن أنفسنا سوف نُدمّر الأرض ب ( هرمجدون ) نووية . وأظهرت دراسة لمؤسسة ( نلسن ) نُشرت في أُكتوبر 1985م ، أن 61 مليون أمريكي يستمعون بانتظام إلى مُبشّرين ، يقولون أننا لا نستطيع أن نفعل شيئا ، لمنع حرب نووية تتفجر في حياتنا " .
ـ ومن أكثر الأصوليين الإنجيليين شهرة ، من الذين يُبشرون على شاشة التلفزيون بنظرية ( هرمجدون ) :
1. بات روبرتسون : يملك شبكة تلفزيونية مسيحية ، مكونة من ثلاث محطات ، عائداته السنوية تصل إلى 200 مليون دولار ، ومساهم في محطة تلفزيون الشرق الأوسط في جنوب لبنان ، يشاهد برامجه أكثر من 16 مليون عائلة أمريكية .
2. جيمي سواغرت : يملك ثاني أكبر المحطات الإنجيلية شهرة ، يُشاهد برامجه ما مجموعه 9,25 مليون منزل .
3. جيم بيكر : يملك ثالث أشهر محطة تبشيرية ، عائداته السنوية تصل إلى 50-100 مليون دولار ، يُشاهد برامجه حوالي 6 ملايين منزل ، يعتقد أن علينا أن نخوض حربا رهيبة ، لفتح الطريق أمام المجيء الثاني للمسيح .
4. أورال روبرتس : تصل برامجه التلفزيونية إلى 5,77 مليون منزل .
5. جيري فولويل : تصل دروسه التبشيرية إلى 5,6 مليون منزل ، يملك محطة الحرية للبث بالكابل ، أقام بعد شرائها بأسبوع ، حفل عشاء على شرف جورج بوش نائب الرئيس ريغان آنذاك . وقد أخبر فولويل يومها بأن جورج بوش ، سيكون أفضل رئيس في عام 1988م .
6. كينين كوبلاند : يُشاهد برامجه 4,9 مليون منزل . يقول : " أن الله أقام إسرائيل . إنّنا نُشاهد الله يتحرك من أجل إسرائيل … إنه لوقت رائع أن نبدأ في دعم حكومتنا ، طالما أنّها تدعم إسرائيل … إنه لوقت رائع أن نُشعر الله ، مدى تقديرنا لجذور إبراهيم " .
7. ريتشارد دي هان : يصل في برنامجه إلى 4,75 مليون منزل .
8. ريكس همبرد : يصل إلى 3,7 مليون منزل ، وهو يُبشّر بتعاليم سكوفيلد التي تقول : " أن الله كان يعرف منذ البداية الأولى ، أننا نحن الذين نعيش اليوم ، سوف نُدمّر الكرة الأرضية " .
وتعقّب الكاتبة بقولها : " لقد ذكرت ثمانية من الذين يٌقدّمون البرامج الدينية ، ويُبشّرون بنظرية هرمجدون نووية في الإذاعة والتلفزيون ، ومن بين 4 آلاف أصولي إنجيلي ، … هناك 3 آلاف من التدبيريين ، يعتقدون أن كارثة نووية فقط ، يمكن أن تُعيد المسيح إلى الأرض . إن هذه الرسالة تُبث عبر 1400 محطة دينية في أمريكا . ومن بين ألف قسّيس إنجيلي ، يذيعون يوميا برامج من خلال 400 محطة راديو ، فإن الأكثرية الساحقة منهم من التدبيريين " . وتقول : " أن بعض هؤلاء القساوسة ، ورؤساء الكنائس ، هم من القوة بحيث يظهرون كالملوك في مناطقهم " .
والرسالة التي يُرسلها هؤلاء على الدوام هي : " لن يكون هناك سلام حتى يعود المسيح ، وأن أي تبشير بالسلام ، قبل هذه العودة هو هرطقة ( تخريف وكفر ) ، إنه ضد كلمة الله ( ضد ما جاء في الكُتب المقدسة ) ، إنه ضد المسيح " . وهذا ما يقوله أيضا ( جيم روبرتسون ) التلفزيوني الإنجيلي الذي دعاه الرئيس ( ريغان ) ، لإلقاء صلاة افتتاح المؤتمر الحزب الجمهوري عام 1984م .
كتاب ( آخر أعظم كرة أرضية ) ومؤلفه ( هال لندسي ) :
تقول الكاتبة أن هذا الكتاب ، أصبح الأكثر مبيعا خلال السبعينات ، حيث بيع منه حوالي 18 مليون نسخة ، وفي تعليقها على هذا الكتاب ومؤلفه ، تقول " أن المؤلف يفسّر كل التاريخ ، قائلا أن دولة إسرائيل ، هي الخط التاريخي لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل " .
( ومن هنا يأتي تقديس النصارى الأمريكان لإسرائيل ، فضلا عن اليهود ، ولاحظ أن هذا الكتاب ، قرأه ما لا يقل عن 18 مليون أمريكي ، في بداية صدوره ، أما الآن فربما قد قرأه معظم الشعب الأمريكي ، وخطورة هذا الكتاب تنبع من كون الأفكار والمعتقدات التي أوردها المؤلف ، منسوبة إلى الله ، كما أوضح في كتابه المقدّس لديهم ) .
" ويقول لندسي : أن الجيل الذي وُلد عام 1948م ، سوف يشهد العودة الثانية للمسيح . ولكن قبل هذا الحدث ، علينا أن نخوض حربين ، الأولى ضد يأجوح ومأجوج ( أي الروس ) ، والثانية في هرمجدون . والمأساة ستبدأ هكذا : كل العرب بالتحالف مع السوفييت ( الروس ) ، سوف يُهاجمون إسرائيل " .
( وهذا تحذير من ، وتحريض للغرب النصراني ، لمعاداة العرب المسلمين والروس الشيوعيين )
وتقول الكاتبة بعد مقابلتها للمؤلف : " أن لندسي لا يبدو عليه الحزن ، عندما يُعلن : أن كل مدينة في العالم ، سيتم تدميرها في الحرب النووية الأخيرة ، وتعقّب الكاتبة : تصوّروا أن مُدنا مثل لندن وباريس وطوكيو ، ونيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو وقد أُبيدت " .
ويقول لندسي : " إن القوة الشرقية سوف تُزيل ثلث العالم … عندما تصل الحرب الكبرى إلى هذا المستوى ، بحيث يكون كل شخص تقريبا قد قُتل ، ستحين ساعة اللحظة العظيمة ، فيُنقذ المسيح الإنسانية من الاندثار الكامل ( الفناء ) " .
ويُتابع لندسي : " وفي هذه الساعة سيتحول اليهود ، الذين نجوا من الذبح إلى المسيحية … سيبقى 144 ألف يهودي فقط ، على قيد الحياة بعد معركة هرمجدون " .
( إذن يجب ألا يكترث نصارى الغرب ، بنشوب حرب عالمية نووية ثالثة مدمرة ، ما دامت مجمل ضحايا هذه الحرب ، ستكون من المسلمين واليهود وبقية الوثنيين في الشرق ، غير المؤمنين بألوهية المسيح ، بل عليهم أن يستعجلوا نشوبها ، بالعمل على تسريع المواجهة بين الشرق والغرب ، حتى يعود للأرض مرة ليُنقذ البشرية النصرانية فقط ، من الاندثار الكامل " .
وقفة مع المُبشّر الإنجيلي ( جيري فولويل ) :
بعد عرضه لنظرية هرمجدون مستخدما الأدلة التوراتية والإنجيلية . تقول الكاتبة بعد حضورها للعرض : " رسم فولويل صورة مُرعبة عن نهاية العالم ، ولكنه لم يبدُ حزينا أو حتى مهتمّا . في الواقع أنهى عظته بابتسامه كبيرة ، قائلا : ما أعظم أن نكون مسيحيين ! إن أمامنا مُستقبلا رائعا " .
وفي إحدى تسجيلاته يقول :
" وهكذا ترون أن هرمجدون حقيقة ، إنها حقيقة مُركّبة . ولكن نشكر الله لأنها ستكون نهاية العامة ، لأنه بعد ذلك سيكون المسرح مُعدّا ، لتقديم الملك الرب المسيح ، بقوة وعظمة … إنّ كل المُبشّرين بالكتاب المُقدّس ، يتوقّعون العودة الحتمية للإله … وأنا نفسي أُصدّق ، بأننا جزء من جيل النهاية ، الذي لن يُغادر قبل أن يأتي المسيح " .
" ومنذ 2600 سنة تنبأ النبي العبراني حزقيال ، أن أمة ستقوم إلى الشمال من فلسطين ، قبل وقت قصير من العودة الثانية للمسيح … في الفصلين 38 و 39 من حزقيال ، نقرأ أن اسم هذه الأرض هو روش . ويذكر أيضا اسم مدينتين هما ماشك وتوبال … إن هذه الأسماء تبدو مُشابهة بشكل مُثير ، لموسكو وتيبولسك ، العاصمتين الحاكمتين اليوم في روسيا … وكذلك كتب حزقيال ، أن هذه الأرض ستكون مُعادية لإسرائيل ، وأنه من أجل ذلك سيكون ضدها . وقال أيضا أن روسيا ، سوف تغزوا إسرائيل بمساعدة حُلفاء مُختلفين ، في الأيام الأخيرة … وقد سمّى هؤلاء الحلفاء : إيران ( التي كنا نُسميها فارس ) ، وجنوب إفريقيا أو إثيوبيا ، وشمال إفريقيا أو ليبيا ، وأوروبا الشرقية ( جومر ) ، والقوقاز جنوب روسيا ( توجرمة ) " .
" بالرغم من الآمال الوردية وغير الواقعية تماما ، التي أبدتها حكومتنا ، حول اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ، إلا أن هذه الاتفاقية لن تدوم . إننا نصلي بالفعل من أجل السلام في القدس … إننا نحترم كثيرا رئيسيّ حكومتيّ إسرائيل ومصر … ولكن أنت وأنا نعرف أنه ، لن يكون هناك سلام حقيقي في الشرق الأوسط ، إلى أن يأتي يوم ، يجلس فيه الإله المسيح ، على عرش داود في القدس " .
وفي كتابه ( الحرب النووية والمجيء الثاني … ) ، في فصل الحرب القادمة مع روسيا ، يتنبأ ( فولويل ) بغزو سوفييتي لإسرائيل ... وفي نهاية المعركة سيسقط خمس أسداس الجنود السوفييت ، وبذلك يبدأ أول احتفال للرب . ويجري احتفال آخر بعد معركة هرمجدون … وسيتوقف التهديد الشيوعي إلى الأبد ، وسيستغرق دفن الموتى مدة 7 أشهر .
الرئيس الأمريكي ( ريغان ) كان أحد فرسان هرمجدون النووية :
تقول الكاتبة : " كان ( رونالد ريغان ) واحدا ، من الذين قرءوا كتاب ( آخر أعظم كرة أرضية ) … في وقت مبكر من عام 1986م ، أصبحت ليبيا العدو الأول ( لريغان ) … واستنادا إلى ( جيمس ميلز ) ، الرئيس السابق لمجلس الشيوخ في ولاية كاليفورنيا ، فإن ( ريغان ) كره ليبيا ، لأنه رأى أنها واحدة من أعداء إسرائيل ، الذين ذكرتهم النبوءات ، وبالتالي فإنها عدو الله " .
" وعندما كان ( ريغان ) مرشحا للرئاسة عام 1980م ، كان يُواصل الحديث عن هرمجدون ، ومن أقواله : " إن نهاية العالم قد تكون في متناول أيدينا … إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيشهد هرمجدون " .
" إن معظم المؤمنين ( بالتدبيرية ) ، ينظرون إلى روسيا على أنها شيطانية ، وأنها تُمثّل إمبراطورية الشيطان . ولقد جاهر ( ريغان ) بذلك في 8 / 3 / 1983م ، عندما قال : " إن الاتحاد السوفييتي هو حجر الزاوية في العالم المعاصر " . " إنني أؤمن أن الشيوعية ، فصل حزين وسيئ في التاريخ الإنساني ، الذي يكتب الآن صفحاته الأخيرة " .
وتقول الكاتبة : يقول (جيمس ميلز ) في مقال صحفي : " إن استعمال ( ريغان ) لعبارة إمبراطورية الشيطان … كان إعلانا انطلق من الإيمان الذي أعرب لي عنه ، في تلك الليلة عام 1971م … إن ( ريغان ) كرئيس أظهر بصورة دائمة ، التزامه القيام بواجباته ، تمشيا مع ارادة الله … إن ( ريغان ) كان يشعر بهذا الالتزام خصّيصا ، وهو يعمل على بناء ، القدرة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها …
… صحيح أن حزقيال تنبأ بانتصار إسرائيل وحلفائها ، في المعركة الرهيبة ضد قوى الظلام ، إلا أن المسيحيين المحافظين مثل رئيسنا ، لا يسمح لهم التطرف الروحي ، بأن يأخذوا هذا الانتصار كمُسلّمات . إن تقوية قوى الحقّ لتربح هذا الصراع المهم ، هو في عيون مثل هؤلاء الرجال ، عمل يُحقّق نبوءة الله انسجاما مع إرادته السامية ، وذلك حتى يعود المسيح مرّة ثانية …
… وبالتأكيد فإن توجهه بالنسبة للإنفاق العسكري ، وبرودته اتجاه مُقترحات نزع السلاح النووي ، متفقة مع وجهة نظره هذه ، التي يستمدّها من سفر الرؤيا … إن هرمجدون التي تنبأ بها حزقيال ، لا يُمكن أن تحدث في عالم منزوع السلاح . إن كل من يؤمن بحتمية وقوعها ، لا يُمكن توقع تحقيقه لنزع السلاح . إن ذلك يُناقض مشيئة الله كما وردت على لسانه …
… إن سياسات الرئيس ( ريغان ) الداخلية والمالية ، مُنسجمة مع التفسير اللفظي ، للنبوءات التوراتية والإنجيلية . فلا يوجد أي سبب للغضب من مسألة الدَيْن القومي الأمريكي ، إذا كان الله سيطوي العالم كلّه قريبا " .
وتقول الكاتبة : " وبناء على ذلك ، فإن جميع البرامج المحلية ، التي تتطلب إنفاقا كبيرا ، يمكن بل يجب أن تُعلّق من أجل توفير المال ، لتمويل برامج تطوير الأسلحة النووية ، من أجل إطلاق الحمم المُدمّرة على الشياطين ، أعداء الله وأعداء شعبه ، وأضاف ميلز :
" لقد كان ( ريغان ) على حق عندما اعتقد أن أمامه فرصة أكبر ، لينفق المليارات من الدولارات ، استعدادا لحرب نووية مع يأجوج ومأجوج ، لو كان معظم الشعب الذي أعاد انتخابه ، يؤمن كما أخبرني ، بما يؤمن هو به ، بالنسبة ( لهرمجدون ) والعودة الثانية للمسيح " .
وتقول نقلا عن كتاب ( ساحات المعارك النووية ) : " أن أمريكا تملك في الداخل 14500 رأس نووي ، موزعة على 40 ولاية ، وتملك : 3396 في ألمانيا ، و 1268 في بريطانيا ، و 549 في إيطاليا ، و 489 في تركيا ، و 164 في اليونان ، و 151 في كوريا الجنوبية ، و 81 في هولندا ، و 25 في بلجيكا " .
ونقلا عن صحيفة واشنطن بوست ، تقول : " أن الإدارة الأمريكية ، اقترحت مواصلة البناء العسكري في السنوات الخمس المُقبلة . وأن الإنفاق على مشاريع وزارة الدفاع ، يُشير إلى ارتفاع من 258.4 مليار دولار عام 1986م ، إلى 356.6 مليار عام 1991م " .
الإنجيليون الأصوليون يؤمنون بأكاذيب التوراة أكثر من اليهود أنفسهم :
في لقاء للكاتبة مع محام فلسطيني مسيحي بروتستنتي إنجيلي ، يعمل في القدس ، بعد أن عاد من أمريكا ليعيش في فلسطين ، في معرض ردّه على سؤال ، عن رأيه في الحجّاج الأمريكيين ، الذين يُنظّمهم المُبشّر ( فولويل ) لزيارة أرض المسيح ، قال :
" بالنسبة للإنجيليين الأصوليين مثل ( فولويل ) ، فإن الإيمان بإسرائيل يتقدم على تعاليم المسيح . إن الصهاينة يُفسدون تعاليم المسيح . إن صهيونية ( فولويل ) سياسية لا علاقة لها ، بالقيم أو الأخلاق أو بمواجهة المشاكل الحقيقية . إنه يدعو أتباعه إلى تأييد إسرائيل ، ويطلب من دافع الضرائب الأمريكي ، أن يُقدّم لإسرائيل 5 مليار دولار كل سنة . إذ أنه يؤكد لأتباعه وبما أنهم مؤيدون للصهيونية ، فهم على الطريق الصحيح ، وفي الجانب الرابح دوما …
وفي الواقع فإن مسيحيين مثل ( فولويل ) ، يُوفّرون للإسرائيليين الدافع للتوسع ومصادرة المزيد من الأراضي ، ولاضطهاد مزيد من الشعوب ، لأنهم يدّعون أن الله إلى جانب إسرائيل ، وأن العم سام راغب في التوقيع على الفاتورة …
إن الإسرائيليين ، يعرفون أن مسيحيين جيدين ومؤثرين مثل ( فولويل ) ، يقفون معهم على الدوام ، بغض النظر عما يفعلون أخلاقيا ومعنويا . ومهما بلغوا من القمع ، فإن الإسرائيليين يعرفون أن الصهيونيين المسيحيين الأمريكيين معهم ، ويرغبون في إعطائهم الأسلحة ومليارات الدولارات ، وسيُصوّتون إلى جانبهم في الأمم المتحدّة " .
المُبشر ( فولويل ) والترويج لإسرائيل سياسيا :
في بحث قام به اثنان من الأساتذة الجامعيين عن حياة ( فولويل ) ، يؤكد د. ( غودمان ) أن ( فولويل ) تحوّل من الوعظ الديني ، إلى الوعظ السياسي المؤيد للدولة الصهيونية ، بعد الانتصار العسكري الإسرائيلي في عام 1967م . حيث أن هذا الانتصار المُذهل ، كان له تأثير كبير على العديد من الأمريكيين ، في الوقت الذي كان فيه شعور الهزيمة والخيبة ، يُخيّم على الكثير من الأمريكيين من جرّاء الحرب الفيتنامية ، ومن هؤلاء كان ( فولويل ) الذي نظر إلى الأمر بطريقة مختلفة ، حيث قال : أن الإسرائيليين ، ما كانوا لينتصروا لو لم يكن هناك تدخّل من الله .
ونتيجة لذلك بدأ الإسرائيليون باستخدام ( فولويل ) في السبعينيات ، لتحقيق أغراضهم ومطالبهم ، وتأييد سياساتهم لدي الشعب والساسة الأمريكان ، وفي خطاب له عام 1978م في إسرائيل ، قال : " إن الله يُحب أمريكا ، لأن أمريكا تُحب اليهود " . وفي مناسبات عديدة كان يقول للأمريكيين : " إن قدر الأمة يتوقف على الاتجاه ، الذي يتخذونه من إسرائيل … وإذا لم يُظهر الأمريكيون ، رغبة جازمة في تزويد إسرائيل بالمال والسلاح ، فإن أمريكا ستخسر الكثير " . وقد قامت وسائل الإعلام الصهيونية بإبرازه وتلميع صورته ، ليصبح شخصية سياسية وإعلامية مرموقة على الساحة الأمريكية ، لدرجة أن الرئيس ( ريغان ) رتب له حضور اجتماع مجلس الأمن القومي ( البنتاغون ) ، ليستمع ويُناقش كبار المسؤولين فيه ، حول احتمال نشوب حرب نووية مع روسيا .
يُتابع د. ( غودمان ) : " في عام 1981م ، عندما قصفت إسرائيل المفاعل النووي قرب بغداد ، تخوّف ( بيغن ) من رد فعل سيّء في الولايات المُتحدّة . ومن أجل الحصول على الدعم ، لم يتصل بسيناتور أو كاهن يهودي ، إنما اتصل ( بفولويل ) … وقبل أن يُغلق سماعة الهاتف ، قال ( فولويل ) ( لبيغن ) : " السيد رئيس الوزراء ، أريد أن أهنئك على المهمة ، التي جعلتنا فخورين جدا بإنتاج طائرات ف 16 " .
وقال د. ( برايس ) : " إن أي عمل عسكري قامت أو ستقوم به إسرائيل ، تستطيع أن تعتمد فيه على دعم اليمين المسيحي " .
هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل ، مطلب إلهي منصوص عليه فيه التوراة ، كما يعتقد مسيحيو الغرب ، فضلا عن يهود الشرق والغرب :
أثناء رحلة الحج الثانية للكاتبة ، وفي لقاء مع أحد مستوطني مُستعمرة ( غوش أمونيم ) - مُعقبة على قوله - قالت له : إن بناء هيكل للعبادة شيء ، وتدمير المسجد شيء آخر ، فمن الممكن ، أن يُؤدي ذلك إلى حرب بين إسرائيل والعرب ، فردّ قائلا : " تماما ، هذا ما نُريده أن يحدث ، لأننا سوف نربحها ، ومن ثم سنقوم بطرد العرب من أرض إسرائيل ، وسنُعيد بناء الهيكل ، وننتظر مسيحنا " .
تقول الكاتبة : " لقد زرت قبة الصخرة ، وهي واحدة من أجمل الصروح في العالم – والتي تُقارن بجمال تاج محل – وقد تم بناؤها عام 685م ، بأمر من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، وهو البناء الأجمل في القدس " . وتقول : " على الرغم من أن المسيح ، دعا إلى إقامة المعابد في النفس ، فإن الأصوليين المسيحيين ، يُصرّون على أن الله ، يُريد أكثر من بناء معبد روحي ، إنه يُريد معبدا حقيقيا من الإسمنت والحجارة ، يُقام تماما في الموقع الذي توجد فيه الصروح الإسلامية " .
وتقول الكاتبة : " قال زميل لي في الجولة : " إنني أعتقد أن الإرهابيين اليهود ، سوف ينسفون الأماكن الإسلامية المُقدّسة . وأن ذلك سيتسبّب في إثارة العالم الإسلامي ، ودفعه إلى شنّ حرب مُقدّسة على إسرائيل ، مما يحمل المسيح على التدخل . يعتقد اليهود أن المسيح سيأتي للمرة الأولى ، ونحن كمسيحيين نعلم أن عودته ستكون الثانية ، وأنا واثق من أنه سيكون هناك هيكل يهودي ثالث " .
ويقول ( لندسي ) في كتاب ( آخر أعظم كرة أرضية ) : " لم يبق سوى حدث واحد ، ليكتمل المسرح تماما أمام إسرائيل ، لتقوم بدورها في المشهد العظيم الأخير ، من مأساتها التاريخية ، وهو إعادة بناء الهيكل القديم ، في موقعه القديم . ولا يوجد سوى مكان واحد ، يمكن بناء الهيكل عليه ، استنادا إلى قانون موسى ، في جبل موريا حيث الهيكلان السابقان " .
نشأة المسيحية الصهيونية :
تقول الكاتبة : " أواخر أغسطس 1985م ، سافرت من واشنطن إلى سويسرا ، لحضور المؤتمر المسيحي الصهيوني الأول في بازل ، برعاية السفارة المسيحية العالمية في القدس ، لأتعرّف على خلفية الصهيونية السياسية … في أحد مقررات المؤتمر حثّ المسيحيون إسرائيل ، على ضم الضفة الغربية ، بسكانها المليون فلسطيني … فاعترض يهودي إسرائيلي : بأن ثلث الإسرائيليين ، يُفضلون مقايضة الأراضي المحتلة ، بالسلام مع الفلسطينيين … فردّ عليه مقرر المؤتمر : " إننا لا نهتم بما يُصوّت عليه الإسرائيليون ، وإنما بما يقوله الله . والله أعطى هذه الأرض لليهود " .
وتقول : " كان تقديري أنه من بين 36 ساعة … فإن المسيحيين الذين أشرفوا على المؤتمر ، خصصوا 1% من الوقت لرسالة المسيح وتعاليمه ، وأكثر من 99% من الوقت للسياسة . ولا يُوجد في الأمر ما يُثير الاستغراب ، ذلك أن المشرفين على المؤتمر ، برغم أنهم مسيحيون فهم أولا وقبل كل شيء صهاينة ، وبالتالي فإن اهتمامهم الأول هو الأهداف الصهيونية السياسية " .
وفي بحثها عن أصل الصهيونية السياسية ، الداعية إلى عودة اليهود إلى فلسطين ، تؤكد الكاتبة أن ( ثيودور هرتزل ) لم يكن أصلا صاحب هذه الفكرة ، وإنما كان دُعاتها هم المسيحيون البروتستانت ( ذوي الأغلبية في أمريكا وبريطانيا الآن ) ، قبل ثلاث قرون من المؤتمر الصهيوني الأول . حيث ضمّ لوثر زعيم حركة الإصلاح الكنسي ، في القرن السادس عشر ، توراة اليهود إلى الكتاب المقدّس ، تحت اسم العهد القديم . فأصبح المسيحيون الأوربيون يُبدون اهتماما أكبر باليهود ، وبتغيير الاتجاه السائد المُعادي لهم في أوروبا .
وتقول الكاتبة : " توجه البروتستانت إلى العهد القديم ، ليس فقط لأنه أكثر الكتب شهرة ، ولكن لأنه المرجع الوحيد لمعرفة التاريخ العام . وبذلك قلّصوا تاريخ فلسطين ما قبل المسيحية ، إلى تلك المراحل التي تتضمّن فقط الوجود العبراني فيها . إن أعدادا ضخمة من المسيحيين وُضِعوا في إطار الاعتقاد ، أنه لم يحدث شيء في فلسطين القديمة ، سوى تلك الخرافات غير الموثقة من الروايات التاريخية المدوّنة في العهد القديم " .
وتقول : " في منتصف عام 1600م ، بدأ البروتستانت بكتابة معاهدات ، تُعلن بأن على جميع اليهود ، مُغادرة أوروبا إلى فلسطين . حيث أعلن ( أوليفر كرمويل ) ، بصفته راعي الكومنولث البريطاني الذي أُنشئ حديثا ، أن الوجود اليهودي في فلسطين ، هو الذي سيُمهّد للمجيء الثاني للمسيح " . ومن هناك في بريطانيا ، بدأت بذرة الدولة الصهيونية الحديثة في التخلّق .
وفي خطاب لمندوب إسرائيل في الأمم المتحدّة ( بنيامين نتنياهو ) عام 1985م - الذي أصبح فيما بعد رئيسا لإسرائيل - أمام المسيحيين الصهاينة ، قال : " إن كتابات المسيحيين الصهاينة ، من الإنجليز والأمريكان ، أثّرت بصورة مُباشرة على تفكير قادة تاريخيين ، مثل ( لويد جورج ) و ( آرثر بلفور ) و ( ودرو ويلسون ) ، في مطلع هذا القرن … الذين لعبوا دورا أساسيا ، في إرساء القواعد السياسية والدولية ، لإحياء الدولة اليهودية " .
وتقول : " لم يكن حلم هرتزل روحانيا ، بل كان جغرافيا ، كان حُلما بالأرض والقوة . وعلى ذلك فإن السياسة الصهيونية ضلّلت الكثير من اليهود … وقد ادّعى الصهاينة السياسيون ، أنه لم يكن هناك فلسطينيون ، يعيشون في فلسطين … ويقول ( موش مانوحين ) : أنه انتقل إلى الدولة اليهودية الجديدة ، على أمل أن يجد جنّة روحية ، ولكنّه اكتشف أن الصهاينة " لا يعبدون الله ، ولكنهم يعبدون قوتهم " .
وتقول : " لأن يهود أمريكا – مثل ( آندي غرين ) – يعرفون أنه يمكنهم الاعتماد ، على دعم 40 مليون مسيحي إنجيلي أصولي ، فهم يُصادرون الأرض من الفلسطينيين بقوة السلاح . ويقول غرين الذي انتقل إلى إسرائيل عام 1975م ، ولا يزال يحتفظ بجواز سفره الأمريكي : " ليس للعرب أي حق في الأرض ، إنها أرضنا على الإطلاق ، هكذا يقول الكتاب المقدّس ، إنه أمر لا نقاش فيه . من أجل ذلك ، لا أجد أي مُبرر للتحدّث مع العرب ، حول ادعاءاتهم المنافسة لنا . إن الأقوى هو الذي يحصل على الأرض " .
الحصول على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي ، هو غاية إسرائيل من التحالف مع اليمين المسيحي :
يوضح ( ناتان بيرلمتر ) يهودي أمريكي ، من حركة ( بناي برث ) – منظمة يهودية - في أمريكا ، أسباب تحالف يهود الولايات المتحدة مع الأصوليين المسيحيين ، بقوله : " أن الأصوليين الإنجيليين ، يُفسّرون نصوص الكتاب المُقدّس بالقول : " أن على جميع اليهود ، أن يؤمنوا بالمسيح أو أن يُقتلوا في معركة هرمجدون . ولكنه يقول في الوقت نفسه : " نحن نحتاج إلى كل الأصدقاء لدعم إسرائيل … وعندما يأتي المسيح فسوف نفكر في خياراتنا آنذاك . أما الآن دعونا نُصلّي ونرسل الأسلحة " .
تشير الكاتبة إلى كتاب ( مصير اليهود ) للمؤلفة اليهودية ( فيورليخت ) ، الذي تصفه بالرائع ، حيث تقول فيه الكاتبة اليهودية : " أن أول مساهمة لليهودية كانت القانون الأخلاقي ، وأن عظمة اليهودية ، لم تكن في ملوكها وإنما في أنبيائها . وأن الله لم يأمر اليهود بالموت ، ولكنّه أمرهم بالحياة . وتُدلّل على قولها بنص من التوراة " لقد وضعت أمامكم الحياة والموت … ولذلك عليكم أن تختاروا الحياة " . وتُضيف : مع ذلك فإن الإسرائيليين بوضع مصيرهم بيد الجيوش والأسلحة ، وبتشريفهم الجنرالات أكثر من الأنبياء . لا يختارون الحياة وإنما يختارون الموت ". وتُحذّر ، من أنّ أولئك الذين يجعلون من إسرائيل إلها يُعبد ، يدفعوننا في هذا الاتجاه " .
ـ وتلخص الكاتبة أهداف إسرائيل من التحالف ، مع اليمين المسيحي في الولايات المتحدة :
• الحصول على المال .
• أن يكون الكونغرس مجرد خاتم مطاطي للموافقة على أهدافها السياسية .
• تمكينها من السيطرة الكاملة والمنفردة على القدس .
وتقول على لسان ( إسرائيل شاهاك ) : " إن طبيعة الصهيونية هي البحث الدائم ، عن حامٍ ومعيل . في البداية توجّه الصهاينة السياسيون إلى إنجلترا ، والآن يتوجّهون ويعتمدون كليّا على الولايات المتحدة . وقد أقاموا هذا الحلف مع اليمين المسيحي الجديد ، لكي يُبرّر أي عمل عسكري أو إجرامي ، تقوم به إسرائيل " .
وتقول الكاتبة : " إن للقادة الأصوليين الإنجيليين اليوم ، قوة سياسية ضخمة . إن اليمين المسيحي الجديد ، هو النجم الصاعد في الحزب الجمهوري ، وتحصد إسرائيل مكاسب سياسية جمة ، داخل البيت الأبيض من خلال تحالفها معه " .
وتنقل الكاتبة : إن ( مارفن ) – أحد زملائها في رحلة الحج - كغيره من اليمين المسيحي الجديد ، يشعر بالنشوة لأنه مع الحليف الرابح . وقد نقل إلي مرة المقطع 110 الذي يتحدّث عن يهوه وهو يسحق الرؤوس ، ويملأ الأرض بجثث غير المؤمنين ، والمقطع 137 الذي يُعرب فيه عن الرغبة من الانتقام ، من أطفال بابليين وإلقائهم فوق الصخور . ثم قال ( مارفن ) : وهكذا يتوجب على الإسرائيليين أن يُعاملوا العرب بهذه الطريقة . ورغم أن ( مارفن ) كان معجبا ومطلعا على نصوص التاريخ التوراتي ، إلا أنه كان جاهلا فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي . لأنه يعرف مسبقا ، كل ما يعتقد أن الله يريد منه أن يعرفه . وقال لي : " إن على الأمريكيين أن يتعلموا من الإسرائيليين كيف يُحاربون " . ويشارك ( مارفن ) كذلك ، هؤلاء بالاعتقاد " بأننا نحن المسيحيين نؤخر وصول المسيح ، من خلال عدم مساعدة اليهود ، على مصادرة مزيد من الأرض من الفلسطينيين " .
وتخلُص الكاتبة إلى القول أن عدة ملايين ، من المسيحيين الأمريكيين ، يعتقدون أن القوانين الوضعية ، يجب ألا تُطبق على مصادرة اليهود واسترجاعهم لكل أرض فلسطين . وإذا تسبّب ذلك في حرب عالمية نووية ثالثة ، فإنهم يعتقدون بأنهم تصرّفوا بمشيئة الله " .
وتذكر الكاتبة أن هناك قائمة ، بأسماء 250 منظمة إنجيلية أصولية موالية لإسرائيل ، من مختلف الأحجام والعمق في أمريكا ، ومعظم هذه المنظمات نما خلال السنوات الخمس الأخيرة ، أي منذ عام 1980م .
وتقول الكاتبة في فصل مزج الدين بالسياسة : " أن الإسرائيليون يُطالبون بفرض سيادتهم وحدهم ، على المدينة التي يُقدّسها مليار مسيحي ومليار مسلم ، وحوالي 14 مليون يهودي . وللدفاع عن ادّعائهم هذا ، فإن الإسرائيليين – ومعظمهم لا يؤمن بالله – يقولون : بأن الله أراد للعبرانيون ، أن يأخذوا القدس إلى الأبد . ومن أجل ترويج هذه الرسالة ، توجّه الإسرائيليون إلى ( مايك ايفنز ) اليهودي الأمريكي ، الذي قُدّم في أحد المعابد ، على أنه قسّ تنصّر ليساعد شعبه ، وأنه صديق لجورج بوش ، ويحتل مكانة مرموقة في الحزب الجمهوري ، ومن حديثه في هذا المعبد قوله : " إن الله يريد من الأمريكيين ، نقل سفارتهم من تل أبيب إلى القدس ، لأن القدس هي عاصمة داود . ويحاول الشيطان أن يمنع اليهود ، من أن يكون لليهود حق اختيار عاصمتهم . إذا لم تعترفوا بالقدس ملكية يهودية ، فإننا سندفع ثمن ذلك من حياة أبنائنا وآبائنا . إن الله ، سيُبارك الذين يُباركون إسرائيل ، وسيلعن لاعنيها " .
الخاتمة :
وفي الخاتمة تقول الكاتبة : " فكرت في خيارنا للحياة أو الموت ، طوال السنين العديدة الماضية ، مستمعة إلى ( جيري فولويل ) وغيره من الإنجيليين ، الذين يطلّون علينا عبر الهاتف ، والكتاب المقدّس باليد الأخرى ، ناقلين عن كتاب دانيال من العهد القديم ، وعن كتاب سفر الرؤيا من العهد الجديد ، قائلين : أن الله قد قضى علينا أن نخوض حربا نووية مع روسيا ...
اقتناعا منهم بأن هرمجدون نووية لا مفر منها ، بمقتضى الخطة الإلهية . فإن العديد من الإنجيليين المؤمنين بالتدبيرية ، ألزموا أنفسهم سلوك طريق مع إسرائيل ، يؤدي بشكل مباشر – باعترافهم أنفسهم – إلى محرقة أشدّ وحشية ، وأوسع انتشارا ، من أي مجزرة ، يُمكن أن يتصورها عقل ( أدولف هتلر ) الإجرامي …
لقد وجدت فكرهم الوعظي ، تحريضيا تصادميا ، في حثّهم على الاستعداد لنهاية العالم ، إنهم يدفعونني إلى الاعتقاد ، بأننا قطعنا مسافة طويلة بعيدا عن بداياتنا كبشر . إن معظمنا يتمسك باعتبار حسن الجوار ، كعلاقة رائعة في حياتنا المتحضرة ؛ معاملة الآخرين كما نحب أن يُعاملونا ، وفوق ذلك عاش الكثيرين بهدف أكثر نبلا ؛ وهو مغادرة هذه الدنيا في حاله ، أفضل من تلك التي وجدوها عليها " .
بعد هذا العرض لبعض ما جاء في هذا الكتاب ، نستطيع القول أن الحلف المنعقد بين إسرائيل والولايات المتحدّة ، هو حلف عقائدي عسكري ، تُغذيه النبوءات التوراتية والإنجيلية . لدرجة أن الكثير من أفراد الشعب الأمريكي الضالّ ، يتمنى لو أنه ولد يهوديا ، لينعم بالانتساب إلى شعب الله المختار ، الذي يقاتل الله عنهم في جميع حروبهم ضد الكفرة من المسلمين والشيوعيين . ونحن كمسلمين بتواجدنا على أرض اليهود ، وبمقاومتنا للاحتلال الصهيوني ، نمنع الله من تحقيق إرادته ، بإعطاء أرض فلسطين لليهود . فالشعب الأمريكي ينظر على أن اليهود هم جنود الله ، وأن الفلسطينيون هم إرهابيون وجنود الشيطان ، وأن قلة قليلة من شُرفاء أمريكا ، يعتقدون بعكس ذلك ، من الذين سبروا أغوار الحقيقة ، ودرسوا التاريخ والجغرافيا والواقع ، بعين العدالة والإنصاف ، حتى أن بعضهم طعن في مصداقية كتبهم المُقدّسة ، ولكن كل جهود الشرفاء ، من مواقف ومحاضرات وبرامج ومؤلفات ، ذهبت أدراج الرياح ، لأنهم قلة ولا يملكون ، ما يملكه اليهود وأتباعهم من القوة والمال ، فكانوا كمن يُجدّف بالرمال .
ـ ونستطيع تلخيص العلاقة ما بين إسرائيل وأمريكا ( اليهود والنصارى ) كما يلي :
• أن التحالف بين الدولتين ، فضلا عن كل شيء ، هو حلف ديني عقائدي ، أقوى من أي معاهدة أو اتفاقية مكتوبة على الورق .
• كل من الأمريكان والإسرائيليون ينتظرون المسيح الخاص بهم .
• يتفق الطرفان على أن قيام الدولة اليهودية في فلسطين إشارة لقرب مجيئه .
• ويتفق الطرفان على وجوب سيطرة اليهود ، على فلسطين كاملة ، واتخاذ القدس عاصمة لهم ، ومن ثم يتوجب عليهم إقامة الهيكل مكان المسجد الأقصى ، وأن هذه الأمور ، ما لم تأخذ مجراها على أرض الواقع ، فإنها ستعطل مجيء المسيح بالنسبة للطرفين .
• وأن ظهور المسيح سيكون مسبوقا ، بحرب مُدمرة ستقع بين إسرائيل وأعدائها ، تحصد ما لا يُعدّ ولا يُحصى من أرواح البشر ، وتنتهي بخراب الأرض ، وروّاد المؤامرة اليهودية العالمية ، يبذلون قصارى جهدهم لإشعالها ، لقطف ثمار مخططهم الشيطاني ، بإثارة الفتن وافتعال الأزمات .
• وبناء على ذلك ، تجد أمريكا نفسها ملزمة عقائديا ، بتسليح إسرائيل ما أمكنها ذلك ، وبدعمها في كل مخططاتها داخل فلسطين وخارجها . استعدادا لوقوع هذه الحرب المدمرة ، لضمان انتصار إسرائيل وحلفائها ضد أعداء الله .
هكذا هي المعادلة بكل بساطة ، فساسة الشعب الأمريكي جملة وتفصيلا ، صهاينة أكثر من ساسة إسرائيل أنفسهم ، وما عبادة الأمريكيين ، لإسرائيل إلا لتقرِّبهم إلى الله زلفى ، ولذلك يسعى الأمريكيون قبل الإسرائيليون ، لتلبية متطلبات مجيء المسيح ، وأعجب من العرب عندما يطلبون من صهاينة الغرب ، رفع ظلم صهاينة الشرق .
ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء ، وبدأنا بتتبّع الرؤساء الأمريكيين المتأخرين ، لتبين لنا أن الرؤساء من الحزب الديموقراطي ، كانوا أكثر اعتدالا وأكثر ميلا إلى السلام مع العرب وروسيا ، بغض النظر عن مفهومهم له ، وأقل تجاوبا مع متطلبات الصهيونية اليهودية ، والصهيونية المسيحية المُتطرّفة ، كما هو حال الرئيس ( كارتر ) – الذي انتهت ولايته عام 1980م – حيث أُنجزت في عهده اتفاقية ( كامب ديفيد ) بين مصر وإسرائيل ، والرئيس ( كلينتون ) ، 1992-200م ، الذي أُنجزت في عهده اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل ، وحاول جاهدا صنع ( كامب ديفيد ) أخرى مع الفلسطينيين ، رغم محاولاته الخجولة لإرضاء هؤلاء بقصف مصانع الأدوية السودانية ، وقصف العراق بين حين وأخر .
ولتبين لنا أيضا ، أن الرؤساء من الحزب الجمهوري اليميني المسيحي الإنجيلي التوراتي الأصولي المتطرّف ، كانوا أكثر تطرفا وعدوانية ، وأقل اهتماما بالسلام ، ويتجاوبون مع متطلبات اليهود ، بل يُنفّذونها بحذافيرها . فالرئيس ( ريغان ) 1980-1988م ، شنّ الحرب على ليبيا ، وتم في عصره ضرب المفاعل العراقي ، واجتياح بيروت ، واشتعلت الحرب الإيرانية ، وتم إطالة أمدها ، وانتهت بنهاية ولايته . والرئيس ( بوش الأب ) ، 1988-1992م ، شنّ الحرب على العراق ، وفرض عليه الحصار ، وتم إسقاط الشيوعية وتفكيك الاتحاد السوفييتي ، وأعلن عن النظام العالمي الجديد ، المذكور في بروتوكولات اليهود .
ومؤخرا جاء دور ( بوش الابن ) ، ليُكمل سلسلة جرائم أسلافه من الجمهوريين ، ويُنفذ ما أُعدَّ له هؤلاء من برامج مسبقة ، كان أبالسة اليهود قد خطّوها ، قبل وصوله لسدة الحكم ، كما خطّ أجدادهم أسفار التوراة والإنجيل ، وبروتوكولات الحكماء ، فيما يُسمّى ( بتقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى 2001 ) ، حيث بدأ بتنفيذ ما جاء فيه من أوامر ، فور تسلّمه للسلطة :
1. فضرب بغداد دون سابق إنذار ، وبدأت إدارته بالترويج " للعقوبات الذكية " ، التي طالب بها خبثاء معهد واشنطن .
2. وأظهر عداءه لروسيا والصين .
3. وطلب الرئيس المصري لمعاقبة مصر ، على موقفها المتشدّد مع إسرائيل في قمة القاهرة ، بخفض المساعدات وتأخير إنشاء منطقة التجارة الحرة ، فيما لو أصرّت على ذلك .
4. وصرّح عن رغبته في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس .
5. ودعم إسرائيل في قمعها لانتفاضة الإرهابيين الفلسطينيين ، وبرّر وما زال يُبرّر جرائمها .
6. وظهر هناك من يدعو إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان ، من اللبنانيين المدعومين بالأموال اليهودية تحت غطاء الدين .
7. وقام وزير الخارجية بجولة في دول المنطقة ، لشرح السياسة الجديدة التي جاء بها هذا التقرير ، الذي تمت صياغته بذكاء ودهاء يهودي صرف ، بناء على المخاوف النبوية التوراتية .
تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى لعام 2001م
يُؤكد هذا التقرير أن مصير هذه المنطقة ، مرهون بما جاء من نبوءات في الكتب المقدّسة ، ومرهون أيضا بكيفية تفسيرهم لهذه النبوءات . وإذا اطّلعت على هذا التقرير ، الذي يوضح السياسات ، التي يتوجب على الرئيس الأمريكي نهجها ، للسيطرة على هذه المنطقة واستعباد شعوبها ، ستجد أنها قد رُسمت بدهاء ومكر ، على طريقة دسّ السم في العسل ، بناءً على المخاوف اليهودية ، المنبثقة من النبوءات التوراتية . حيث أن مُجمل بنود هذا التقرير ، جاءت لدرء المخاطر عن الدولة اليهودية فقط لا غير . وفيما يلي سنعرض من فصول هذا التقرير الخمسة ، بعض المقتطفات شديدة التعلق بموضوع هذا الكتاب . وقد نُشر هذا التقرير مترجما على حلقات ، في جريدة العرب اليوم الأردنية ، في النصف الأول من شهر 3/2001م .
تأسس معهد واشنطن عام 1985م ، وهو يعمل كوحدة للبحوث ، تابعة للجنة للعلاقات العامّة الأمريكية الإسرائيلية ، المسماة بِ ( ايباك ) ، وهي المُنظمّة الصهيونية الأولى في الولايات المُتحدة ، التي تُعتبر " خط الدفاع الأول عن إسرائيل " ، ويضم في عضويته مفكرون وسياسيون وخبراء أمريكيون يهودا ومسيحيين ، صهاينة في الفكر والمعتقد . وقد تطوّر هذا المعهد ليصبح مصدر التأثير الأعظم ، في صنع القرارات السياسية الخاصة بالمنطقة ، التي تتخذها الإدارات الأمريكية المتعاقبة . ويصدر هذا التقرير في بداية كل ولاية رئاسية جديدة ، ليكون نورا يهتدي به الرئيس الأمريكي الجديد ، ونجاح هذا الرئيس وفشله لدى سادته اليهود ، يعتمد على مدى التزامه ، ومقدار ما أنجزه من الأهداف الواردة في التقرير ، وهذه المنظّمة على علاقة وثيقة مع الرؤساء والساسة الأمريكان ، وفي العادة ، تقيم مأدبة عشاء على شرف الرئيس الأمريكي ، بين الحين والآخر ، ليُعلن في خطابه الافتتاحي - كما جرت العادة - عن ولائه المطلق لإسرائيل ، وعبوديته لليهود العالميون .
الفصل الأول :
دبلوماسية عربية إسرائيلية - اردع الحرب الإقليمية ، بين إسرائيل والدول العربية ، واستطلع مسالك جديدة .
تقويم دروس تجربة أوسلو ، واستطلاع مسارات بديلة للسلام :
التأكيد على أن الولايات المتحدة حليفة لإسرائيل ، وأنها لا ترتبط معها بأحكام ومعاهدات مكتوبة ، وإنما بروابط أقوى من القيم والمصالح المشتركة . المضي قدما في نقل سفارة الولايات المتحدة إلى الموقع المقرر في القدس الغربية .
تشجيع الجهود الدولية للمساعدة في تخفيف التوتر الإقليمي :
التركيز على الدول الموالية للغرب : تحتاج الولايات المتحدة إلى التواصل مع الزعماء العرب والمسلمين ، ومع شعوبهم ، في السعي إلى إشراكهم ، في حوار صادق وصريح ، حول آراء ومصالح كل منهم . إذ أنّ دور الدول الموالية للغرب في المنطقة مهم جدا ، في وضع الأجندة السياسية الاجتماعية الثقافية للشرق الأوسط ، ويصدق ذلك بشكل خاص على مصر وتركيا ، والعربية السعودية والمغرب والأردن . وقد اتضح ذلك أثناء قمة كامب ديفيد 2000 وبعدها ، عندما أدى غياب التشاور ، مع الدول العربية الرئيسية ، حول قضية القدس خصوصا ، إلى تقليص فرصة قبول عرفات ، بأي من الحلول المختلفة ، التي طُرحت في الاجتماع .
تتحمل مصر من بين جميع الدول ، المسؤولية الأكبر ، بصفتها الدولة العربية الأقوى ، والدولة التي تحمل إجراءاتها الأثر الأكثر أهمية في المنطقة . إذ تُعتبر تصريحات الرئيس المصري حسني مبارك ، ضد أي توسيع للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي ، وضد تحويله إلى حرب عربية إسرائيلية ، جدارا واقيا ، بوجه انتشار المزيد من الراديكالية ( أي التوجه المعادي لإسرائيل والغرب ) .
المثلث الإسرائيلي اللبناني السوري : ينبغي على الإدارة الأمريكية الجديدة ، أن تُعزّز قوة الردع الإسرائيلية ضد احتمالات تعرضها ، لهجمات برية أو صاروخية ، تقوم بها قوات حزب الله ، المدعوم من سوريا وإيران . على الإدارة الأمريكية أن تدعم الحركة الناشئة في لبنان ، والداعية إلى الضغط من أجل المزيد من الحرية في الداخل ، وتخفيف قبضة سوريا المطبقة على الشؤون اللبنانية .
الفصل الثاني :
أسلحة الدمار الشامل - امنع الانتشار ، واردع الاستخدام .
من الممكن أن تشهد السنوات الأربع المقبلة ، تحقق تقديرات الاستخبارات الأمريكية ، بأن إيران سوف تطور نظاما صاروخيا متعدد المراحل ، يُمكّنها من تطوير صاروخ عابر للقارات . ومن الممكن خلال الفترة نفسها أن يُطور العراق أو إيران سلاحا نوويا ، خصوصا في حالة حصولها على الوقود النووي ، بصورة سرية من الاتحاد السوفييتي السابق مثلا . والحصول عليها من قبل جماعات إرهابية بمساعدة بعض الحكومات .
الكثيرون في المنطقة يتهمون الولايات المتحدة بازدواجية المواقف ، فيما يتعلّق بقدرة العراق النووية . فعلى الرغم من القلق الذي تولّده الأسلحة النووية ، من وجهة النظر الداعية إلى عدم الانتشار . فإن هذه الأسلحة توفر لإسرائيل هامشا من الأمن ، يمكنها من المجازفة بعقد السلام مع جارات معينة . في الوقت الذي تطور فيه دول أخرى في المنطقة - ما زالت تهدد بتدمير إسرائيل ( أي العراق ) - الوسائل الكفيلة بتنفيذ تلك التهديدات .
الفصل الثالث :
الإرهاب - اعمل على تقوية الرد على التهديدات الجديدة .
اعزل جهود مكافحة الإرهاب عن ديناميكيات العملية السلمية ، وعزز الرد على التحديات المستمرة :
ينبغي على الولايات المتحدة ، أن تتبع سياسة لا تسامح فيها : ففي الوقت الذي يحق للسلطة الفلسطينية ، أن تختلف مع إسرائيل حول القضايا الدبلوماسية ، فإن العلاقة الأمريكية الفلسطينية ، يجب أن تدفع ثمن التهاون ، الذي تُبديه السلطة الفلسطينية بشأن التزامها بمكافحة الإرهاب .
ينبغي على الولايات المتحدة ، أن تُعزز جهودها الرامية للارتقاء بالتعاون الدولي ، ضد شبكات العنف الإسلامية المُتطرّفة . وينبغي أن تعمل مع دول أوروبا والشرق الأوسط ، لممارسة ضغط جماعي على تلك الدول القليلة ، التي ما زالت تقدم الملاذ للإرهابيين ، أو تغض النظر عنهم ، وهي إيران وباكستان واليمن وأفغانستان .
* وقفة قصيرة مع مقال ، في جريدة الدستور الأردنية الصادرة ، بتاريخ 5 – 7 – 2001م ، نقلا عن رويترز :
تصدير المقال :
في حال هاجم ابن لادن مصالح أمريكية
واشنطن تُهدّد طالبان بانتقام عسكري
واشنطن – رويترز " قال نائب وزير الخارجية الأمريكية ( ريتشارد أرميتاج ) : أن الولايات المتحدّة قد تشنّ انتقاما عسكريا ، على حركة طالبان ، إذا شنّ أسامة بن لادن ، على مصالح أمريكية .
وكان ( أرميتاج ) يُعقّب على تحذير قدّمه إلى طالبان ، سفير الولايات المتحدة لدى باكستان ( ويليام ملام ) ، في اجتماع عُقد في إسلام أباد ، يوم الجمعة الماضي .
وقال مسؤول في طالبان لرويترز ، أن طالبان التي توفر المأوى لابن لادن ، تم إبلاغها بأنها ستتحمل المسؤولية ، عن أي هجمات على مصالح أمريكية … " ، انتهى .
طور الاستخدام الفعّال لأدوات السياسة الأمريكية المتوفرة :
لإخضاع الإرهابيين للإدانة الجنائية ، يتحتم على الولايات المتحدة ، متابعة الالتزام بملاحقة أولئك المجرمين ، حتى وإن واجه الأمر عقبات دبلوماسية . على الحكومة الاتحادية ، العمل على إيقاف المناصرين المحليين المؤيدين للجماعات الإرهابية ، ( المقصود هنا هو الجاليات العربية الداعمة للحركات الجهادية في فلسطين ) .
لقد تقلص عدد الدول الداعمة للإرهاب ، إلى سبع دول . وآخر الدول ، التي رُفع اسمها هي العراق عام 1982م وأعيد عام 1991م ، أما آخر اسم أُضيف للقائمة هو السودان عام 1993م . على الرئيس كجزء من عملية إعادة النظر ، أن يُفكر بتحديد الطرق ، التي تستطيع من خلالها تلك الدول من رفع اسمها من القائمة ( أي وضع متطلبات جديدة لشهادات حسن السيرة والسلوك الأمريكية ) . وخصوصا تلك التي أظهرت اهتماما بذلك مثل ليبيا والسودان وسوريا . بعد ذلك يجب ربط درجة الدعم المقدّم للإرهاب ، بدرجة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة ، وكذلك بمستوى التعامل ، الذي يقوم بين الحكومة المعنية ، وحكومة الولايات المتحدة .
الفصل الرابع :
العراق وإيران - اعمل من أجل التغيير .
إن الموقف من العراق وإيران ، يُعتبر من أهم القضايا السياسية التي تواجه الإدارة الأمريكية الجديدة . فكلٌ من الدولتين يُعتبر لاعبا مُهمّا في الخطرين الرئيسين ، اللذين يتهددان مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ( والمصالح هي وجود إسرائيل فقط ) . واللذين حدّدهما هذا التقرير بزعزعة العملية السلمية – لدرجة الانزلاق نحو الحرب – وبامتلاك أسلحة الدمار الشامل .
في إيران يبدو التغيير يلوح في الأفق ، وأنه سيكون ثمرة للديناميكيات السياسية الداخلية . أما بالنسبة للعراق فإن القصة مختلفة ، ومن الأمور المُحزنة ، كوننا مقتنعين بأن التغيير في العراق يكاد يكون مرتبطا بصورة حتمية بالعنف ، أي بانقلاب أو بانتفاضة داخلية ، … ، ينبغي على الرئيس الأمريكي ، أن يُطور استراتيجية شاملة ، تنطوي على خطوات فعّالة ، تهدف إلى الضغط على صدام حسين في عدة جبهات .
وحتى يحين موعد التغيير في العراق وإيران ، فإن على الولايات المتحدة أن تواجه التحدي لاحتواء الضرر الذي تسببه هاتان الدولتان ، بالإضافة للعقوبات والقيود المفروضة على الصادرات من أجل تقليص الموارد ، التي يمكن أن تُخصّصها الدولتان للتحديث العسكري ونشر الأسلحة ، والحصول على التكنولوجيا اللازمة لذلك .
وضّح التهديد الذي يُمثّله صدام حسين لمصالح الولايات المتحدة :
نعتقد أن من المهم تحديد تلك المصالح الأمريكية الحيوية ، التي يمكن لصدام أن يُهدّدها ، ووضع خطوط حمراء تُشكّل عند تجاوزها ، تحدّيا غير مقبول ، يستدعي ردا عسكريا أمريكيا واسع النطاق .
ما أن يتم الانتهاء من هذه المراجعة ، يتوجب على الرئيس ، أن يطرح مقرراتها على الشعب ، كتهيئة لاحتمال وقوع مواجهة عسكرية ، واسعة النطاق مع صدام ، إذا ما اقتضى الأمر … في حالة العدوان خارج أراضيه ، أو استخدامه لأسلحة الدمار الشامل ، أو حتى نشرها في حالات معينة ، أو عدوانه على الأكراد .
ـ يُقصد بالقوة واسعة النطاق :
أولا ؛ حملات القصف المتواصلة ، ضد الأهداف التي تحمي النظام ،
ثانيا ؛ إذا كانت الانتهاكات العراقية خطيرة بما يكفي ، يعني إرسال قوات أرضية ، بقدرات كافية بمشاركة الحلفاء ، لغرض إحلال التغيير في النظام العراقي ،
ثالثا ؛ في حالة استخدام أسلحة الدمار الشامل ، يتوجب استخدام جميع الوسائل المُتاحة ، ضد نظام صدام حسين ( أي استخدام السلاح النووي ) .
على الولايات المتحدة ، أن تكون مستعدة ، للعمل بالتنسيق مع الحلفاء الرئيسيين ، وبالأخص السعودية والكويت وبريطانيا . وبذل مزيد من الجهد لإقناع تركيا ، بلعب دور أكثر فاعلية ، في الرد على التحدّي الذي يُمثّله صدام حسين .
أحد الخطوط الصفراء التي تجاوزها صدام بالفعل ، هو التوقف عن التعاون مع مفتشي الأسلحة . أظهرت دروس التاريخ الأليمة ، أن صدام لا يسمح بعمليات تفتيش ، تكشف ما تبقى من برامجه ، لإنتاج الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل ، كما أن الأسرة الدولية غير مستعدة ، لتأييد استخدام القوة لإرغام صدام على التعاون .
إلى جانب التفتيش المهني الدقيق الذي يجب أن تصرّ الولايات المتحدة عليه . يوجد عنصر مهم آخر ، هو الدعم الذي يجب أن توفره واشنطن ، لجماعات المعارضة العراقية ، كعنصر إضافي لاحتواء صدام .
ضمن عملها مع المعارضة العراقية ، ينبغي للولايات المتحدة أن تضع رؤية أوضح لعراق ما بعد صدام ، على واشنطن أن توضح ، انه كلما ازداد العراق مسالمة وانفتاحا وديموقراطية ، كلما ازداد دعمها له .
حوّل العقوبات إلى أداةٍ لانفتاح العراق :
نعتقد بأن على الولايات المتحدة ، أن تقوم بمجهود عاجل ، لتركيز العقوبات على نحو أكثر حدّة ، على صدام ونظامه العسكري . من أجل ذلك ينبغي لواشنطن ، أن تأخذ زمام المبادرة في إعادة صياغة العقوبات ، بدلا من أن توافق مرغمة ، على خطوات يفرضها الآخرون .
في الوقت نفسه ، ينبغي للولايات المتحدة التوجه للمنظمات الإنسانية ، لتحسين طرق إيصال المساعدات للشعب العراقي . بدلا من أن تكرّس هذه المنظمات ، الكثير من جهدها لانتقاد السياسة الأمريكية إزاء العراق . وأن تُظهر لهذه المنظمات ، أنها تشاركها همومها الإنسانية ، مؤكدة بأن السبب في معاناة الشعب العراقي هو حكومة العراق الاستبدادية ( أي استخدام النفاق السياسي ) .
ينبغي للقيود التي فُرضت على السفر ، من تلك الدولة ، أن تُعكس بشكل تام . سيكون من الأفضل تشجيع التبادل الفردي ، وسفر العراقيين العاديين ، ومنع سفر المسؤولين العراقيين وأفراد أسرهم ، من الذين يُعيقون تنفيذ قرارات مجلس الأمن ، أو الذين يُشتبه بارتكابهم جرائم حرب ، أو انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان . لقد حصل هذا النوع من " العقوبات الذكية " ، على التأييد في الأمم المتحدة عندما طُبق على يوغسلافيا .
الفصل الخامس :
الاستراتيجية الإقليمية : استثمر في العلاقات الحاسمة .
على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تأخذ زمام المبادرة ، في توسيع التواصل الثقافي والتربوي مع الدول العربية والمسلمة ، لغرض تطوير المعرفة المحلية ، بثقافة ومجتمع وسياسة الولايات المتحدة وتفهُّمها . وإيجاد وسائل لمحاربة الانطباع الخاطئ ، المتفشّي في الشرق الأوسط ، حول معاداة أمريكا للإسلام والمسلمين .
في الطرف الآخر من الطيف ، ينبغي للدبلوماسية الأمريكية ، أن تُبرز العيوب الفاضحة لدول المنطقة ، التي تمارس أقصى حد من انتهاكات حقوق الإنسان ، وبالأخص العراق والسودان وليبيا وسوريا .
تقوية العلاقات الثنائية المهمة :
إسرائيل : أكد على التحالف غير المكتوب ، فهو يعكس عمق ينابيع الدعم والتآخي ، الذي يشعر به الشعب الأمريكي إزاء إسرائيل ، والذي يشمل كافة الأطياف السياسية الأمريكية . ينبغي على أن تأخذ زمام المبادرة ، في الارتقاء بشراكتها لإسرائيل ، إلى مستوى مواجهة التهديدات الاستراتيجية المشتركة … وسط جو التهديدات الجديدة ، ومع اضطراد تقدّم الأسلحة الحديثة . فإن على أن تواجه التحدي السياسي المتمثل في التوضيح لجارات إسرائيل ، بأن أمريكا سوف تعارض أي مجهود ، للتوصل إلى مستوى الندية الاستراتيجية مع إسرائيل .
دول مجلس التعاون الخليجي : تقوية الأمن النفطي والعسكري والاقتصادي ، لضمان استمرار تدفق النفط بأسعار مناسبة . على الولايات المتحدّة تعميق دعمها ، للإصلاحات الاقتصادية في تلك الدول ، بسبب مصلحتها في استقرار الأنظمة الملكية الخليجية .
مصر : لدى مصر قدرة على لعب دور إيجابي ، في تعزيز الاعتدال والاستقرار في المنطقة ، أو لعب دور سلبي في تعقيد وإعاقة مبادرات الولايات المتحدة الإقليمية . ولو حافظت مصر على وضعها المقبول فإن على الولايات المتحدة ، أن تكون مستعدة للمضي قدما ، في مبادراتها الاقتصادية .
الأردن : ادعم السلم مع إسرائيل ، واحذر من العودة إلى احتضان عراق صدام . أما على الجانب العسكري ، فينبغي له المساعدة في عملية التعامل مع الأمن الحدودي ، ومكافحة الإرهاب ، والخطر العراقي المحتمل . أحد الأسباب المبررة لتقديم معونة أمريكية كبيرة هو المسعى الذي يبذله العراق ، لجذب الأردن بتقديم مساعدة نفطية 600-900 مليون دولار . ولإحباط الإغراء العراقي ، بوسع دول الخليج تقديم النفط بشروط ملائمة ، وتوسيع دائرة التجارة ، واستخدام العمالة الأردنية .
تركيا : يُعتبر بقاؤها ، كدولة ديموقراطية علمانية موالية للغرب ، مصلحة حيوية للولايات المتحدة . حيث تلعب تركيا دورا مركزيا في عملية احتواء العراق .
ادعم التعاون ما بين شركاء أمريكا الإقليميين ، ومن ضمنها إسرائيل وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر . إنّ التعاون بين تركيا وإسرائيل ، يُعتبر الأفضل بين جميع حالات التعاون الأمني الإقليمي في المنطقة .
الإطار الاستراتيجي :
لدى الولايات المتحدة مصالح دائمة في الشرق الأوسط ، من بينها ؛ منع وقوع الحرب ، وتسهيل التقدم باتجاه سلام عربي إسرائيلي ، وضمان أمن وسلامة إسرائيل ، وتوطيد الاستقرار والأمن والرفاهية والتنمية ، في تركيا والدول العربية المعتدلة ، والمحافظة على حرية تدفق النفط وبأسعار معقولة . بعد الانتصار في الحرب الباردة ، وحرب الخليج في مطلع التسعينيات ، تمكنت الولايات المتحدة ، من ممارسة الزعامة في مجالين مهمين ، هما ؛ بناء السلام العربي الإسرائيلي ، وتعزيز الأمن في الخليج .
العولمة :
على مدى العقد الأخير ، كان سجل المنطقة مشوشا بالنسبة للعولمة ، فمن جانب ، لم تستطع الحواجز الوطنية القوية ، أن تمنع انتشار وسائل الإعلام الحديثة ، مثل القنوات الفضائية العربية ، التي أنهت – بمصاحبة الإنترنت – سيطرة الدولة على المعلومات ، كما تم الاعتراف ، على مستوى المنطقة باقتصاد السوق ، والانفتاح على التجارة والاستثمار الدوليين ، بصفتها أفضل الطرق لتحقيق التنمية … إلا أن الشرق الأوسط ، يُعتبر خاسرا نسبيا في سباق العولمة ، فحصّته في التجارة العالمية في تدهور مستمر .
بفضل أجهزة الفيديو والمحطّات الفضائية والإنترنت ، وأخيرا وليس آخرا . فمن المحتمل جدا ، أن يرتدي المتظاهرون في رام الله أو طهران ، بنطلونات وأحذية من إنتاج أمريكي .
* بقولهم هذا ، يكشف رواد العولمة ودعاتها ، عن الوجه القذر لها ولغاياتها ، بشقيّها الثقافي والاقتصادي ، فغايات العولمة هي :
أولا : مسخ الهوية العربية والإسلامية بشكل خاص ، والشرقية بشكل عام ، باستهلاك الثقافة الأمريكية ، عن طريق وسائل الإعلام المختلفة .
ثانيا : ومن ثم جعل جميع دول العالم سوقا مفتوحة ، للمنتجات الأمريكية بمختلف أنواعها ، بإجبار الحكومات على رفع القيود ، التي وُضعت لحماية ودعم الصناعات الوطنية .
إذ ليس هناك أي أهمية تُذكر لدى رواد العولمة ، بالنسبة لتظاهرك ضد إسرائيل وأمريكا ، وحرق أعلامها وصور زعمائها ، بما أنك تدعم في نفس الوقت ، اقتصاد الدولتين ، باستهلاك منتجاتهما ، مما يُساهم بزيادة النمو الاقتصادي فيهما ، وأمريكا سيطرت على العالم اقتصاديا ، وبذلك تمكّنت من السيطرة عليه عسكريا .
انهيار تحالف حرب الخليج :
على المستوى الدولي ، ما زالت هيمنة أمريكا الإقليمية على ما كانت عليه ، إلا أن هناك تصاعدا ، في عزم القوى الأخرى وقدرتها ، على التأثير في مجرى الأحداث في الشرق الأوسط ، خصوصا باتجاه إعاقة السياسة الأمريكية في المنطقة . ويبرز في هذا المجال ثلاثة لاعبين مهمين :
روسيا : أصبحت روسيا أكثر قومية خلال العقد الماضي ، وازدادت شكوكها فيما يتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة … لكنها أصبحت من جديد ، لاعبا مُثيرا للمشاكل … دأبت روسيا على تقويض جهود الأمم المتحدة ، الرامية إلى السيطرة على التسلح وفرض العقوبات ، حتى أن الرئيس الروسي مؤخرا ، أثنى بنفسه على التعاون التام بين موسكو وبغداد . لم تُبدِ روسيا تعاونا يُذكر ، مع مساعي الولايات المتحدة المدعومة بدولارات المساعدات ، للحيلولة دون انتشار أسلحة الدمار الشامل ، وتكنولوجيا الصواريخ ، من روسيا إلى الشرق الأوسط وخصوصا إلى إيران .
الصين : فالصين ، تمتلك القدرة على تغيير ميزان القوى الإقليمية ، بتزويد دول في المنطقة ، بتكنولوجيا الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل . في الوقت الذي تستطيع الصين فيه ، أن تصبح قوة إيجابية بالنسبة لنمو اقتصاد العولمة ، إذا ما واصلت فتح أسواقها ، وخصخصة اقتصادها .
أوروبا : على سبيل المثال لعبت الدول الأوروبية ، دورا مهما في تسهيل الدبلوماسية الهادئة ، بين إسرائيل والفلسطينيين . وفي تأمين التمويل السخي للسلطة الفلسطينية بعد عام 1993م . وفي فرض مناطق حظر الطيران ، شمال وجنوب العراق . إن مما يُؤسف له ، أن فرنسا قد أصبحت العقبة الكبرى ، في طريق تحقيق التنسيق الأمريكي الأوروبي ، حول الكثير من قضايا الشرق الأوسط ، خصوصا تلك المتعلقة بالعملية السلمية ، والسياسة المُتبعة إزاء العراق .
على خلفية هذا الإطار الاستراتيجي ، نعتقد بأن الشرق الأوسط ، مرشح لأن يكون منطقة مضطربة ، خلال فترة ولاية الرئيس الأمريكي الجديد . سيتغذى بعض ذلك الاضطراب ، على مشاعر عدم الرضا والرغبة في تحقيق الوحدة ، والأمور غير المنجزة في النزاع العربي الإسرائيلي . كما أن بعضا منه ، سوف يتولد نتيجة التغييرات البركانية التي تنتظر إيران . وسوف ينتج بعضه الآخر عن ردود الفعل المترتبة ، على عودة انبعاث صدام حسين .
يحتاج الرئيس الأمريكي الجديد وكبار مساعديه ، لإدراك أن الشرق الأوسط يدخل القرن الواحد والعشرين ، بقيادة زعماء جدد بلا خبرة ، يتولون الزعامة من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي ، باقتصاديات راكدة وبأسلحة مرعبة عالية التقنية ، لها القدرة على نقل النزاعات ، إلى شواطئ أمريكا . إن لجنة الدراسة الرئيسية ، في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط الأدنى ، قد وضعت هذا التقرير ، من أجل تقديم النصح للرئيس الأمريكي الجديد ، حول الطرق الكفيلة بإدارة هذه اللحظة العاصفة ، على نحو يحمي مصالح الولايات المتحدة وحلفائها … انتهى الاقتباس .
بنود هذا التقرير اليهودي المقدّم للرئيس الأمريكي واضحة ، وربما لا تحتاج لتعليق ، فالمخاوف والأهداف التوراتية واضحة ، خلف ما يدّعي اليهود ، بأنه مصالح للولايات المتحدّة ، تقضي بتحجيم وتدمير ثلاثة قوى ، ذات الخطر الأكبر على مستقبل الدولة اليهودية في المنطقة ، حسبما أوضحته التفسيرات الجديدة للنبوءات التوراتية ، وهي روسيا ( يأجوج ومأجوج ) ، والعراق وإيران ( مادي وفارس وبابل وأشور ) ، كافة الدول ذات التوجه الإسلامي ، التي يسمونها بالراعية للإرهاب ( خوفا من إحياء الخلافة الإسلامية ) .
والسؤال المطروح بعد الاطلاع على هذا التقرير : لماذا يشغل العراق المساحة الأكبر ، في مفردات صحيفة برتوكولات حكماء صهيون الجديدة ، المسمّاة بتقرير معهد واشنطن ؟!
ونختم هذا الفصل ، بقول لظفر الإسلام خان ، صاحب كتاب ( تعاليم التلمود ) : " وقد ساعدت كراهية بريطانيا العمياء ، وغدرها بالعرب والمسلمين ، ووجود النزعة الصليبية الخاطئة ، لدى البلدان الأوربية وأمريكا ، على نجاح المخططات الصهيونية ، وغزو البلدان العربية في الحرب العالمية الأولى ، فنرى القائد الفرنسي ( غورو ) الذي فتح دمشق يقول ، وقد وضع قدمه على قبر صلاح الدين : " ها نحن قد عُدنا يا صلاح الدين ! " ، والجنرال الإنجليزي ( اللنبي ) عند دخوله القدس ، يقول أمام كنيسة القيامة : " اليوم ، انتهت الحروب الصليبية " .
قال تعالى
( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا ، الْيَهُودَ ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82 المائدة )

الكتب المقدّسة تأمر اليهود بتدمير أصحاب البعث
احتل العراق مساحة شاسعة في التقرير السابق ، لأن التوراة تُخبر اليهود صراحة ، بأن العراقيون هم أصحاب البعث الثاني . وتوصيهم وتأمرهم كذلك ، بتدمير العراق ، بعد عودتهم من الشتات لفلسطين في المرة القادمة ، لإقامة دولتهم الثانية ، وتُحرّضهم وتحثّهم بألّا يدّخروا جهدا ، من أجل إعادته إلى العصر الحجري ، حتى لا يتمكّن أهل بابل ، من الانبعاث عليهم مرة أخرى ، عندما يأذن الله لهم بذلك .
بعض مقتطفات من النصوص التوراتية ، التي تحصُر البعث بالعراقيين :
موسى :
سفر التثنية " 28: 49 ويجلب الرب عليكم أمة من بعيد ، من أقصى الأرض ، فتنقضّ عليكم كالنسر ، 50: أمّة [ جافية الوجه ] يثير منظرها الرعب ، لا تهاب الشيخ ولا ترأف بالطفل ( أولي بأس شديد ) ، 51: فتستولي على نتاج بهائمكم ، وتلتهم غلات أرضكم حتى تفنوا ، ولا تُبقِ لك قمحا ولا خمرا ولا زيتا ، … حتى تفنيك ، 52: وتحاصركم في جميع مدنكم ، حتى تتهدم أسواركم الشامخة الحصينة ، التي وثقتم بمناعتها ، … "
31: 29: لأنني واثق أنكم بعد موتي ، تفسدون وتضلون عن الطريق الذي أوصيتكم بها ، فيصيبكم الشرّ في آخر الأيام ( المرة الثانية تكون في آخر الأيام ) ، لأنكم تقترفون الشر أمام الرب ، حتى تثيروا غيظه بما تجنيه أيديكم … " .
32: 19: فرأى الرب ذلك ورذلهم ، إذ أثار أبناؤه وبناته غيظه ، 20: وقال : سأحجب وجهي عنهم فأرى ماذا سيكون مصيرهم ؟ إنهم جيل متقلب وأولادُ خونة ، 21: … ، لذلك سأثير غيرتهم بشعب متوحش ( أولي بأس شديد ) ، وأغيظهم بأمة حمقاء [ أمة لا تفهمون لغتها ] .
إشعياء :
4: 26: فيرفع راية لأمم بعيدة ، ويصفر لمن في أطراف الأرض ، فيقبلون مُسرعين .
10: 3: فماذا تصنعون في يوم العقاب ، عندما تقبل الكارثة من بعيد !
" 14: 24-27: لقد أقسم الرب القدير ، قائلا : " حقاّ ما عزمت عليه لا بدّ أن يتمّ ، … : أن أُحطّم أشور في أرضي ، وأطأه على جبالي ، فيُلقي عنهم نيره ، ويزول عن كاهلهم حمله ، لأن الرب القدير قضى ، فمن يُبطل قضاءه ؟ " .
" 14: 29: لا تفرحي يا كلّ فلسطين ( إسرائيل ) ، لأن القضيب الذي ضربك قد انكسر . فانه من أصل تلك الأفعى يخرج أُفعوان ، وذريّته تكون ثعبانا سامّا طيّارا … ولول أيّها الباب ، ونوحي أيّتها المدينة ، ذوبي خوفا يا فلسطين قاطبة ، لأن جيشا مُدرّبا قد زحف نحوك من الشمال … " .
46: 11: أدعو من المشرق الطائر الجارح ، ومن الأرض البعيدة برجل مشورتي ، قد نطقت بقضائي ، ولا بد أن أُجريه .
ارميا :
25: 9: فها أنا أُجنّد جميع قبائل الشمال ، بقيادة نبوخذ نصر عبدي* ، وآتي بها إلى هذه الأرض ، فيجتاحونها ويهلكون جميع سكّانها ، مع سائر الأمم المحيطة بها ، وأجعلهم مثار دهشة وصفير ، وخرائب أبدية .
* ( عبدي ) جاءت صفة لنبوخذ نصر في التوراة .
10: 22: اسمعوا ، ها أخبار تتواتر عن جيش عظيم ، مقبل من الشمال ، ليحوّل مدن يهوذا ، إلى خرائب ومأوى لبنات آوى .
6: 22: انظروا ، ها شعبٌ زاحف من الشمال ، وأمّة عظيمة تهبّ من أقاصي الأرض ، … ، لمحاربتك يا أورشليم .
حزقيال :
21: 19: وأوحى إليّ الربّ بكلمته قائلا : أمّا أنت يا ابن آدم ، فخطّط طريقين لزحف ملك بابل . من أرض واحدة تخرج الطريقان ، وفي ترجمة أخرى [ وأنت يا ابن آدم ، عيّن لنفسك طريقين ، لمجيء سيف ملك بابل ، من أرض واحدة تخرج الاثنتان ]
23: 22-23: وآتي بهم عليك من كل ناحية ، أبناء البابليين ، وسائر الكلدانيين ، ومعهم جميع أبناء أشور .
ـ يعلم اليهود علم اليقين ، أن المبعوثين عليهم في المرة الثانية ، سيخرجون من أرض بابل وأشور ، فالكلدانيون بابليين وآشوريون هم سكان العراق القدماء . وبابل مدينة عراقية ، تقع في وسط العراق إلى الجنوب من بغداد ، وأشور تقع في شماله . ورغم معرفتهم هذه فهم مستمرّون في غيهم وطغيانهم ، ذلك لأنهم لم يؤمنوا بالله ولا بأنبيائه سابقا ولاحقا ، فمعرفتهم به سبحانه جاءت من خلال آراء كهنتهم وأحبارهم . فهم يأخذون من التوراة ما يوافق أهوائهم ، ويتركون ما سواه . أما ما يؤمنون به حقا فهو المال والقوة . وبما أنهم يملكون القوة والمال ، وبما أن الله قد كشف لهم عن مُخططاته ، بالنسبة لحتمية القضاء على وجودهم في فلسطين ، فالحل لديهم ليس التوبة والرجوع إلى الله ( الذي لا يقيمون له وزناً ، نتيجة افتراءات زنادقة التلمود عليه ، سبحانه وتعالى عمّا يصفون ) ، وإنما بمخالفة مُخطّطات الله وإبطالها ، معتمدين على ما ألّفه الكهنة من نبوءات خاطئة عن الملك الموعود . وذلك بكل بساطة ، من خلال تنفيذ مخطّطات الكهنة والأحبار القديمة الجديدة ، التي وُضعت كحلّ لمعضلتهم المستعصية مع الله ، وهي إبادة الكلدانيين ، ومحو بابل الجديدة عن الوجود ، وتحويلها إلى صحراء قاحلة ، لا تسكنها إلا الثعالب ، وما كان تصريح أحد كلابهم ( بوش الأب ) ، عندما قال : ( بأنه سيُعيد العراق إلى العصر الحجري ) ، إلا من خلفية توراتية حاقدة .
نبوءة عن دمار بابل في سفر إشعياء
" 13: 1-8: رؤيا إشعياء بن آموص بشأن بابل : " انصبوا راية فوق جبل أجرد ، اصرخوا فيهم لوحوا بأيديكم ، ليدخلوا أبواب [ العتاة ] … لأن الرب القدير يستعرض جنود القتال . يقبلون من أرض [ بعيدة ] من أقصى السماوات ، هم جنود الرب وأسلحة سخطه لتدمير الأرض كلها . [ ولولوا ] ، فإن يوم الرب بات وشيكا ، قادما من عند الرب مُحمّلا بالدمار . لذلك ترتخي كل يد ، ويذوب قلب كل إنسان . ينتابهم الفزع ، وتأخذهم أوجاع ، يتلوون كوالدة تُقاسي من الآم المخاض …
" 13: 9-16: ها هو يوم الرب قادم ، مفعما بالقسوة والسخط والغضب الشديد ، ليجعل الأرض خرابا ويبيد منها الخطاة … والشمس تظلم عند بزوغها ( كسوف ) ، والقمر لا يلمع بضوئه ( خسوف ) . وأعاقب العالم على شرّه والمنافقين على آثامهم ، وأضع حدّا لصلف المُتغطرسين وأُذلّ كبرياء العتاة … وأُزلزل السماوات فتتزعزع الأرض في موضعها ، من غضب الرب القدير في يوم احتدام سخطه . وتولّي جيوش بابل ( عبارة جيوش بابل ، غير موجودة في الترجمة الأخرى ) حتى يُنهكها التعب ، عائدين إلى أرضهم كأنهم غزال مُطارد أو غنم لا راعي لها . كل من يُؤسر يُطعن ، وكل من يُقبض عليه يُصرع بالسيف ، ويُمزّق أطفالهم على مرأى منهم ، وتُنهب بيوتهم وتُغتصب نسائهم " .
" 13: 17-22: ها أنا أُثير عليهم الماديين ( الإيرانيين ) ، الذين لا يكترثون للفضة ولا يُسرّون بالذهب ، [ فتحطم ] قسيّهم الفتيان ، ولا يرحمون الأولاد أو الرضع … أما بابل مجد الممالك وبهاء وفخر الكلدانيين ، فتُصبح كسدوم وعمورة اللتين قلبهما الله . لا يُسكن فيها ، ولا تعمر من جيل إلى جيل ، ولا ينصب فيها بدوي خيمته ، ولا يُربض فيها راع قُطعانه . إنما تأوي إليها وحوش القفر وتعجّ البوم خرائبها ، وتلجأ إليها بنات النعام ، وتتواثب فيها [ معز الوحش ] ، وتعوي الضّباع بين أبراجها ، وبنات آوى في قصورها الفخمة . إن وقت عقابها بات وشيكا ، وأيامها لن تطول " .
" 14: 1 ولكنّ الرب [ سيرحم ] ذريّة يعقوب ، ويصطفي شعب إسرائيل ثانية ، وُيحلّهم في أرضهم ، فينضم الغرباء إليهم ويلحقون ببيت يعقوب . وتمُدّ شعوب الأرض إليهم يد العون ، ويصيرون عبيدا لبني إسرائيل ، في أرض الرب ، ويتسلّطون على آسريهم وظالميهم . في ذلك اليوم يُريحكم الرب ، من عنائكم وشقائكم وعبوديتكم القاسية " .
" 14: 4-23: فتسخرون من ملك بابل قائلين : " كيف استكان الظالم وكيف خمدت غضبته المُتعجرفة ؟ قد حطّم الرب عصا المنافق وصولجان المُتسلطين … حتى شجر السرو وأرز لبنان عمّها الفرح ، فقالت : " منذ أن انكسرت شوكتك ، لم يصعد إلينا قاطع حطب " … والذين يرونك ، يحملقون فيك ويتساءلون : " أهذا هو الإنسان الذي زعزع الأرض وهزّ الممالك ، الذي حوّل المسكونة إلى مثل القفر ، وقلب مُدنها ، ولم يُطلق أسراه ليرجعوا إلى بيوتهم ؟ " … أما أنت فقد طُرحت بعيدا عن قبرك ، كغصن مكسور … لأنك خرّبت أرضك ، وذبحت شعبك ، فذريّة فاعلي الإثم ، يبيد ذكرها إلى الأبد . أعدّوا مذبحة لأبنائه جزاء إثم آبائهم ، لئلا يقوموا ويرثوا الأرض فيملئوا وجه البسيطة مُدناً . يقول الرب القدير : " إني أهبّ ضدهم ، وأمحو من بابل ، اسماً وبقيةً ونسلاً وذريةً ، وأجعلها ميراثاً للقنافذ ، ومستنقعاتٍ للمياه ، وأكنسها بمكنسة الدمار " .
ـ دعوة للشماتة والسخرية من بابل بعد سقوطها . ودعوة لإعداد مذبحة لأبنائها ؛ أولا : للانتقام منهم لما فعله آبائهم سابقا ، وثانيا : لمنع الأبناء من تكرار فعل الأباء لاحقا ، وتلك هي مُبرّراتهم لتدمير العراق .
" 14: 29: لا تفرحي يا كلّ فلسطين ( إسرائيل ) ، لأن القضيب الذي ضربك قد انكسر . فانه من أصل تلك الأفعى يخرج أُفعوان ، وذريّته تكون ثعبانا سامّا طيّارا … ولول أيّها الباب ، ونوحي أيّتها المدينة ، ذوبي خوفا يا فلسطين قاطبة ، لأن جيشا مُدرّبا قد زحف نحوك من الشمال … " .
ـ وهذا النص يُحذر اليهود من الفرح ، بانكسار قضيب بابل ( أي بانكسار العراق في بادئ الأمر ) ، لأنه في النهاية سينهض من جديد ، ليُنجز ما قضاه الله عليهم . فالأُفعوان لا محالة خارج ، من أصل تلك الأفعى ، طال الزمان أو قصر ، وسينفث سمّه في أجسادهم عند مجيء الموعد ، وذريته ستكون أشد بأسا وأشد تنكيلا .
نبوءة عن دمار بابل من سفر ارميا
جاء هذا النص ، تحت ( مُسمى النبوءة التي قضى بها الرب ) ، والحقيقة أنه وثيقة للثأر وتسديد للحساب القديم لمملكة بابل ، كتبه كهنتهم وأحبارهم ، بعد أن سامهم أهل بابل في المرة الأولى ، أشكالا وألوانا من الذل والهوان والعذاب ، ولم يستطع أولئك الكهنة ، تقبّل فكرة أن إلههم - الذي أرادوه حسب أهوائهم ، فجعلوه كالعجينة بين أيديهم ، يُشكّلونها كما شاءوا - يتخلى عنهم ويسمح لأولئك البابليّون الوثنيون ، بالقضاء على حبيبته أورشليم ، وأبناؤه وأحباؤه وشعب الله المُختار . فكان وقع الصدمة شديد عليهم ، حيث أتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا ، وكان غاية في البشاعة ، حتى أنّهم شبّهوه في توراتهم ، بعذاب قوم لوط ، مما أشعل نيران الحقد والكراهية اتجاه البابليين ، التي ما زالت مشتعلة في قلوبهم إلى الآن ، بعد أن توارثوها ، جيلا بعد جيل .
حفظة التوراة من الأحبار والكهنة ، هم أنفسهم من كان سببا ، في دمار دولتهم الأولى ، بفسادهم وإفسادهم ، وحثهم الناس على الفساد والإفساد ، من حكّام ومُترفين وعامة ، وهم الذين كذبوا وحاربوا أنبياء الله والصالحين من الناس ، وتآمروا عليهم وأمروا بقتلهم ، لمّا كانوا يأتونهم من عند الله بما يُخالف أهواءهم . وعندما وقع ما لم يكن في حُسبانهم ، أنكروا ذلك وأنكروا أنه جاء في كُتبهم ، وأنكروا أنه جاء من عند الله ، وأنكروا أنه عقابا لهم على إفسادهم ( … ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) … ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14 الحشر ) . فخروج البابليين كان حسدا من عند أنفسهم ، ورغبة منهم للاستيلاء على كنوزهم ، لذلك كان لا بد لهم من الانتقام منهم ، عندما تُردّ لهم الكرّة مرة أخرى ، فخطّوا بأقلامهم ما ستقرأه لاحقا .
أخبر سبحانه بأنه سيكون لليهود ، كرّة على أولئك العباد ( الكلدانيين ) ، وذلك بهزيمتهم عسكريا في حروبهم معها ، وقد تحصّل ذلك في كافة حروبها مع العرب ، ومن ضمنها العراق ، في بدايات نشوء الدولة اليهودية ، ونسب سبحانه ردّ الكرة إلى نفسه ، ليُذكّرهم ويُؤكدّ لهم أنّ ما تمّ لهم ذلك ، إلا بإذنه ومشيئته ، منّاً وكرماً ، وعقابا للعرب على نكوصهم عن دينهم ، وتخليهم عن حمل رسالتهم ، فما من مصيبة تقع في الناس ، إلا من كسب أيديهم ، كما أخبر سبحانه في غير موضع من كتابه العزيز ، بالإضافة إلى ما أوردناه سابقا من حكم إلهية ، لعودة اليهود إلى فلسطين .
أمّا أن الله قد أمرهم ، بتدمير العراق وإبادة أهله ، وتحويل العراق إلى صحراء قاحلة ، تسكنها الثعالب ، فحاشا لله ، أن يأمر أو يُحرّض الناس على الإفساد في الأرض ، وهو الذي سيمحو ذكرهم عن فلسطين ، على أيدي العراقيين أنفسهم ، لعظم ما أفسدوه في أرضه ، ولأجل الإفساد ذاته ، ولأجل سفك دماء الأبرياء الذي هو أعظم الإفساد في الأرض . إذ أنهم فور امتلاكهم للقوة والسلطة ، أسرفوا في القتل والتنكيل ، أيّما إسراف ، في الأرض على عمومها ، فأصابعهم ملوثة بدماء ضحايا كافة الحروب على مرّ العصور . ففي مملكتهم الأولى أوقعوا القتل والنهب والنفي في أبناء جلدتهم ، وفي دولتهم الثانية كرّروا فعلتهم في شعب فلسطين .
ولا يغب عن البال أن هذه النص التحريضي ، بما يحفل به من مبالغة وتهويل ، وتكرار وتطويل ، كُتب بعد السبي البابلي ، قبل 2500 عام تقريبا ، كدعوة للانتقام من بابل القديمة ، عند عودتهم من السبي والشتات إلى فلسطين ، وإن كانت بابل قد وقعت في أيدي الفرس قديما كما جاء في التوراة ، فمملكة فارس تقع إلى الشرق من بابل وأشور ، والنبوءة تقول أن من سيُدمّرها جمع من الملوك يجتمعون عليها من الشمال . حتى جاءت دولتهم الحالية ، وأخذ يهود هذا العصر ، بكل ما لديهم من طاقات وإمكانيات ووسائل ، على عاتقهم تنفيذ هذا البرنامج ، الذي وضعه لهم أربابهم من الأحبار والكهنة ( الحكماء ) . ولو أنك أمعنت النظر في الواقع ، وما مرّ بالعراق من أحداث ، خلال عشرين سنة ماضية ، تجد أن مرجعية كل تلك الأحداث ، موجودة في هذا النص التوراتي وبالتفصيل .
ـ وفي ما يلي النص الكامل لوثيقة الثأر ، والدعوة لتسديد الحساب القديم لبابل الجديدة ، كما جاء في الإصحاح ( 50 – 51 ) من سفر ارميا ، بما فيها من تكرار وتطويل :
التحريض الإعلامي :
" النبوءة التي قضى بها الرب ، على بابل وعلى بلاد الكلدانيين ، على لسان ارميا النبي : أخبِروا في الشعوب وأسمِعوا وارفعوا راية ، أسمِعوا لا تخفوا ، قولوا : قد تم الاستيلاء على بابل ، ولحق ببيل العار وتحطّم مردوخ ( أسماء لأصنام بابل ) ، خربت أصنامها وانسحقت أوثانها ، لأن أمة من الشمال ، قد زحفت عليها ، لتجعل أرضها مهجورة ، شرد منها الناس والبهائم جميعا " .
التنفيذ مرتبط بعودتهم إلى فلسطين :
" وفي تلك الأيام ، يقول الرب ، يتوافد بنو إسرائيل وبنو يهوذا معا ، يبكون في سيرهم ويلتمسون الرب إلههم ، يسألون عن الطريق صهيون ويتوجّهون إليها قائلين : هلم ننضمّ إلى الرب ، بعهد أبدي لا يُنسى ، إنّ شعبي كغنم ضالّة قد أضلّهم رعاتهم ، وشرّدوهم على الجبال ، فتاهوا ما بين الجبل والتل ، ونسوا مربضهم ، كل من وجدهم افترسهم ، وقال أعدائهم : لا ذنب علينا لأنهم ، هم الذين أخطأوا في حقّ الرب ، الذي هو ملاذهم الحقّ ، ورجاء آبائهم "
دعوة لخروج الغرباء من بابل :
" اهربوا من وسط بابل ، واخرجوا من ديار الكلدانيين ، وكونوا كالتيوس أمام قطيع الغنم ، ( الطلب من جميع الغربيين مُغادرة العراق قبل القصف ) فها أنا أُثير وأجلب على بابل ، حشود أُمم عظيمة ( 30 دولة ) ، من أرض الشمال ، فيتألّبون عليها ، ويستولون عليها من الشمال ، وتكون سهامهم كجبّار متمرّس لا يرجع فارغا ( من الصيد ) ، فتصبح أرض الكلدانيين غنيمة ، وكل من يسلبها يُتخم ( عوائد النفط ) ، يقول الرب . لأنكم تبتهجون وتطفرون غبطة يا ناهبي شعبي ، وتمرحون كعِجلةٍ فوق العشب وتصهلون كالخيل ، فإنّ أمّكم قد لحقها الخزي الشديد ، وانتابها الخجل ، ها هي تُضحي أقلّ الشعوب ، وأرضها تصير قفرا جافا وصحراء ، وتظلّ بأسرها مهجورة وخربة ، كل من يمرُّ ببابل ، يُصيبه الذعر ويصفر دهشة ، لما ابتليت به من نكبات " .
تحريض على تدمير بابل :
" اصطفّوا على بابل من كل ناحية ، يا جميع موتري الأقواس ، ارموا السهام ولا تبقوا سهما واحدا ، لأنها قد أخطأت في حقّ الرب ( لأنها أنزلت بهم العقاب الإلهي في المرة الأولى ) ، أطلقوا هتاف الحرب عليها من كل جانب ( طبل وزمر الإعلام الغربي قبل بدء الحرب ) ، فقد استسلمت ( لقرارات مجلس الأمن ) وانهارت أسسها وتقوضت أسوارها ( البنية التحتية ) ، لأن هذا هو انتقام الرب ( بل هو انتقامهم ) ، فاثأروا منها ( تحريض ) ، وعاملوها بمثل ما عاملتكم ، استأصلوا الزّارع من بابل ، والحاصد بالمنجل في يوم الحصاد ، إذ يرجع كل واحد إلى قومه ، ويهرب إلى أرضه فرارا من سيف العاتي " .
دوافع الانتقام :
" إسرائيل قطيع غنم مشتّت ، طردته الأسود ، كان ملك أشور أولّ من افترسه ، ونبوخذ نصر آخِر من هشّم عظامه ( كان هذا واقع حال الكهنة ، عند كتابة هذه الوثيقة ، موضحين الدوافع هذا التحريض ) ، لذلك هذا ما يُعلنه الرب القدير إله إسرائيل : ها أنا أُعاقب ملك بابل وأرضه ، كما عاقبت ملك أشور من قبل ، وأردّ إسرائيل إلى مرتعه ، فيرعى في الكرمل وباشان ، وتشبع نفسه في جبل أفرايم وجلعاد . وفي ذلك الزمان والأوان ( المستقبل ) ، يقول الرب ( وما هو بقوله ) : يُلتمس إثم إسرائيل فلا يوجد ، وخطيئة يهوذا فلا تكون ، لأني أعفو عمن أبقيته منهما ( في المرة الثانية بعد السبي البابلي ) " .
تحريض مستمر:
" ازحف على أرض ميراثايم ( الجبّار المتمرّد ، أي ملك بابل ) ، وعلى المقيمين في فقود ( أرض العقاب ، بابل ) خَرِّب ودمِّر وراءهم ( أثناء فرارهم ) ، يقول الرب ، وافعل حسب كل ما آمرك به . قد عَلَتْ جلبة القتال في الأرض ( على مرآى من العالم في بث حيّ ومُباشر ) ، صوت تحطيم عظيم ( دوي القنابل ) ، كيف تكسرّت وتحطّمت بابل ، مطرقة الأرض كلها ؟ قد نصبتُ الشرك فوقعتِ فيه يا بابل ( تورطت في الحرب نتيجة مؤامرة ) ، من غير أن تشعري ، قد وُجدّتِ ( أُخذتِ ) وقُبضَ عليك ، لأنّك خاصمت الربّ ، قد فتح الرب ( أمريكا التي يعبدون ) مخزن سلاحه ، وأخرج آلات سخطه ( التعبير هنا أكثر دقة وبمصطلحات حديثة ) ، لأنه ما برح للسيد الرب القدير ، عمل يُنجزه في ديار الكلدانيين ( حربين مدمّرتين وحصار وما زال في جعبتهم أكثر ، لاحقا ) ، ازحفوا عليها من أقاصي الأرض ، وافتحوا أهراءها ، وكوّموها أعراما واقضوا عليها قاطبة ، ولا تتركوا منها بقية ، ( نهب ثرواتها وخيراتها ) ، اذبحوا جميع ثيرانها ، أحضروها للذبح ، ويل لهم لأن يوم موعد عقابهم قد حان " .
استخدام وسائل الإعلام في الطبل والزمر ( تكرار ) :
" اسمعوا ها جلبة الفارّين الناجين ، من ديار بابل ليذيعوا في صهيون ، أنباء انتقام الرب إلهنا والثأر لهيكله ، استدعوا إلى بابل رماة السهام ، جميع موتري القسي (مُذخّري السلاح ) ، عسكروا حولها فلا يُفلت منها أحد ( الحصار ) ، جازوها بمُقتضى أعمالها ، واصنعوا بها كما صنعت بكم ، لأنها بغت على الرب قدّوس إسرائيل ، لذلك يُصرع شبّانها في ساحاتها ، ويبيد في ذلك اليوم جميع جنودها ، يقول الرب . ها أنا أُقاومكِ أيتها المتغطرسة ، يقول الرب القدير ، لأن يوم إدانتك ، وتنفيذ العقاب فيك قد حان ، فيتعثّر المُتغطرس ويكبو ، ولا يجد من يُنهضه ، وأُضرم نارا في مُدنه فتلتهم ما حوله " .
دوافع الانتقام ( تكرار ) :
" وهذا ما يعلنه الرب القدير : قد وقع الظلم على شعب إسرائيل ( عقابهم من قبل بابل كان ظلماً لهم ) ، وعلى شعب يهوذا ، وجميع الذين سبوهم وتشبّثوا بهم ولم يطلقوهم ، غير أن فاديهم قوي ، الرب القدير اسمه ، وهو حتما يُدافع عن قضيتهم ، لكي يُشيع راحة في الأرض ، ويُقلق أهل بابل . ها سيف على الكلدانيين ، يقول الرب وعلى أهل بابل ، وعلى أشرافها وعلى حكامها " .
طبيعة العقاب اليهودي لبابل :
" ها سيف على عرّافيها فيصبحون حمقى ، وها سيف على مُحاربيها فيمتلئون رعبا . ها سيف على خيلها وعلى مركباتها ، وعلى فِرق مُرتزقتها فيصيرون كالنساء ، ها سيف على كنوزها فتُنهب ، ها الحَرّ على مياهها فيُصيبها الجفاف ( بسبب ضربة نووية قادمة ) لأنها أرض أصنام ، وقد أُولع أهلها بالأوثان . لذلك يسكنها وحش القفر مع بنات آوى ، وتأوي إليها رعال النعام ، وتظلّ مهجورة إلى الأبد . غير آهلة بالسكان إلى مدى الدهر . وكما قلب الله سدوم وعمورة وما جاورهما ، هكذا لن يسكن فيها أحد ، أو يقيم فيها إنسان ( وهذا ما يصبون إليه ، ولن يهدأ لهم بال حتى يحققوه ) " .
العدوان الثلاثيني لتدمير بابل وإسقاط نظام الحكم فيها :
" ها شعب مُقبل من الشمال ، أمّةٌ عظيمةٌ ولفيفٌ من الملوك ( العدوان الثلاثيني ) ، قد هبّوا من أقاصي الأرض ، يمسكون بالقسيّ ويتقلّدون بالرماح ، قُساة لا يعرفون الرحمة ، جلبتهم كهدير البحر ، يمتطون الخيل وقد اصطفوا كرجل واحد ، لمحاربتك يا بنت بابل ( بابل الجديدة هي بنت بابل القديمة ، أي العراق ) ، قد بلغ خبرهم ملك بابل ، فاسترخت يده وانتابته الضيقة ، ووجع امرأة في مخاضها . انظر ، ها هو ينقضّ عليها ، كما ينقضّ أسد من أجمات نهر الأردن ، هكذا وفي لحظة أطردهم منها ، وأُولي عليها من أختاره ( قلب نظام الحكم ، وإسقاط الرئيس ، وتولية من يرضون عنه ) . لأنه من هو نظيري ؟ ومن يُحاكمني ؟ وأي راع يقوى على مواجهتي ؟ " ( من منطلق العنجهية والقوة العمياء ) .
قصف بابل بالقنابل التوراتية :
" لذلك اسمعوا ما خطّطه الربّ ضدّ بابل ( بل ما خطّطه ودبّره عميان القلب والبصيرة ، من كهنتهم وأحبارهم الحاقدين ) ، وما دبّره ضد ديار الكلدانيين ، ها صغارهم يُجرّون جرّا ، ويُخرّب مساكنهم عليهم . من دوي أصداء سُقوط ( القنابل التوراتية على ) بابل ترجف الأرض ، ويتردّد صراخها بين الأمم " .
" وهذا ما يُعلنه الرب ( أربابهم ) : ها أنا أُثير على بابل ، وعلى المُقيمين في ديار الكلدانيين ريحا مُهلكة ، وأبعث إلى بابل مُذرّين يُذرّونها ، ويجعلون أرضها قفرا ، ويُهاجمونها من كل جانب في يوم بليّتها . ليوتر ( يُذخّر ) الرامي قوسه وليتدجّج بسلاحه ( لتلقي طائراتهم كل حمولتها فوق بابل ) ، لا تعفوا عن شُبّانها ، بل أبيدوا كل جيشها إبادة كاملة ، يتساقط القتلى في أرض الكلدانيين ، والجرحى في شوارعها ( من المدنيين طبعا ) ، لأن إسرائيل ويهوذا لم يُهملهما الربّ القدير ، وإن تكن أرضهما تفيضُ بالأثم ضدّ قدّوس إسرائيل ( ربهم معهم دائما حتى لو وصل إفسادهم عنان السماء ) " .
دعوة لخروج الغرباء من بابل ( تكرار ) :
" اهربوا من وسط بابل ، ولينجُ كل واحد بحياته ، لا تبيدوا من جراء إثمها ( دعوة للجاليات الغربية لمغادرة العراق ) ، لأن هذا هو وقت انتقام الرب ( الوقت الذي حدده جورج بوش ) ، وموعد مُجازاتها ( تصفية الحساب القديم قبل 2500 عام تقريبا ) ، كانت بابل كأس ذهب في يد الله ( الثروة والقوة ) ، فسكرت الأرض قاطبة ، تجرّعت الأمم من خمرها ، لذلك جُنّت الشعوب . فجأة سقطت بابل وتحطّمت ، فولولوا عليها ، خذوا بلسما لجرحها لعلها تبرأ . قُمنا بمداواة بابل ( حرب الخليج الأولى ، وضرب المفاعل النووي ) ، ولكن لم ينجع فيها علاج ( إذ قامت بالتهديد بحرق نصفها حال اعتدائها على أي بلد عربي ) . اهجروها وليمضِ كل واحد منا إلى أرضه ، لأن قضاءها قد بلغ عنان السماء ، وتصاعد حتى ارتفع إلى الغيوم ( تهديدها لدولة الأفاعي مرارا وتكرارا ) " .
تحريض الإيرانيين على تدمير بابل :
" قد أظهر الرب برّنا ، فتعالوا لنُذيع في صهيون ، ما صنعه الرب إلهنا . سنّوا السهام وتقلّدوا التروس ، لأن الرب قد أثار روح ملوك الماديين ( الإيرانيين ) ، إذ وطّد العزم على إهلاك بابل ، لأن هذا هو انتقام الرب ، والثأر لهيكله . انصبوا راية على أسوار بابل ، شدّدوا الحراسة ، أقيموا الأرصاد ( الجواسيس والعملاء ) أعدوا الكمائن ( المؤامرات ) ، لأن الرب قد خطّط وأنجز ما قضى به على أهل بابل ، أيتها الساكنة إلى جوار المياه الغزيرة ، ذات الكنوز الوفيرة ، إن نهايتك قد أزفت ، وحان موعد اقتلاعك ، قد أقسم الرب القدير بذاته ، قائلا : لأملأنّك أُناسا كالغوغاء فتعلوا جلبتهم عليك " .
بقدرة الرب القدير سيتم تدمير بابل :
" هو الذي صنع الأرض بقدرته ، وأسّس الدنيا بحكمته ، ومدّ السماوات بفطنته ، ما إن ينطق بصوته ، حتى تتجمع غمار المياه في السماوات ، وتصعد السحب من أقاصي الأرض ، ويجعل للمطر بروقا ، ويُطلق الريح من خزائنه ، كل امرئٍ خامل وعديم المعرفة ، وكل صائغ خزيَ من تمثاله ، لأن صنمه المسبوك كاذب ولا حياة فيه ، جميع الأصنام باطلة وصنعة ضلال ، وفي زمن عقابها تبيد . أما نصيب يعقوب فليس مثل هذه الأوثان ، بل جابل كل الأشياء . وشعب إسرائيل ميراثه ، واسمه الرب القدير ، أنت فأس معركتي وآلة حربي ، بك أُمزّق الأمم إربا وأُحطّم ممالك ، بك أجعل الفرس وفارسها أشلاء ، وأهشّم المركبة وراكبها ، بك أُحطّم الرجل والمرأة ، والشيخ والفتى والشاب والعذراء ، بك أسحق الراعي وقطيعه ، والحارث وفدّانه والحكّام والولاة " .
خطيئة بابل في حق صهيون :
" سأُجازي بابل وسائر الكلدانيين على شرّهم ، الذي ارتكبوه في حق صهيون ، على مرأى منكم ، يقول الرب . ها أنا أنقلب عليك أيها الجبل المخرّب ، أنت تُفسد كل الأرض ، لذلك أمدّ يدي عليك ، وأدحرجك من بين الصخور ، وأجعلك جبلا محترقا ، فلا يُقطع منك حجر لزاوية ، ولا حجر يُوضع لأساس ، بل تكون خرابا أبديا ، يقول الرب " .
تحريض الأمم والممالك على تدمير بابل ( تكرار ) :
" انصبوا رايةً في الأرض ، انفخوا في البوق بين الأمم ( وسائل الإعلام الغربية ) ، أثيروا عليها الأممَ لقتالها ، وألّبوا عليها ممالكَ أراراط ومنّي وأشكناز ( تركيا وما حولها ) ، أقيموا عليها قائداً ، اجعلوا الخيل تزحف عليها ، كجحافلِ الجنادبِ الشرسة . أثيروا عليها الأممَ وملوكَ الماديين ( الإيرانيين ) ، وكل حكّامِهم وولاتهم وسائر الديار التي يحكمونها ( إمبراطورية فارس القديمة ) . الأرضُ ترتجف وتقشعرّ ، لأن قضاء الرب على بابل يتمّ ، ليجعل أرض بابل خرابا وقفرا " .
أهل بابل بيدر ، أزف موعد حصاده في 16 – 1 – 1991م :
" قد أحجم مُحاربو بابل الجبابرة عن القتال ، واعتصموا في معاقلهم ، خارت شجاعتهم وصاروا كالنساء ، احترقت مساكن بابل وتحطّمت مزاليجها ، يركض عدّاء لملاقاة عدّاء آخر ، ويُسرع مُخبر للقاء مُخبر ، ليُبلغ ملك بابل أن مدينته ، قد تم الاستيلاء عليها ، من كل جانب ، قد سقطت المعابر ، وأُحرقت أجمات القصب بالنار ، واعترى المحاربين الذعر ، لأن هذا ما يُعلنه الرب القدير إله إسرائيل : أنّ أهل بابل كالبيدر ، وقد حان أوان درس حنطته ، وبعد قليل يأزف موعد حصادهم " .
دوافع الانتقام ( تكرار ) :
" يقول المسبيون : " قد افترسنا نبوخذ نصر ملك بابل ، وسحقنا وجعلنا إناءً فارغا ، ابتلعنا كتنّين ، وملأ جوفه من أطايبنا ، ثم لفظنا من فمه " . يقول أهل أورشليم : " ليحُلّ ببابل ما أصابنا ، وما أصاب لحومنا من ظلم " ، وتقول أورشليم : " دمي على أهل أرض الكلدانيين " ( مطالبة بالثأر مستقبلا من الأجيال القادمة ) .
الكيفية التي تم بها إشعال حرب الخليج الثانية :
" لذلك هذا ما يُعلنه الرب : ها أنا أُدافع عن دعواك وانتقم لك ، فأجفف بحر بابل وينابيعها ، فتصير بابل ركاما ، ومأوى لبنات آوى ، ومثار دهشة وصفير وأرضا موحشة ( سيتحصّل لهم ذلك في حال ضرب العراق نوويا ، وهو ما يُفكّرون به حاليا ) ، إنهم يزأرون كالأسود ، ويُزمجرون كالأشبال ، ( أي العراقيون ، وهذا ما يُغيظ تلك الفئران ، التي ترتعد فرائسها ، وتصطك أسنانها هلعا وجزعا ، عند سماعها للتهديدات العراقية ) ، عند شبعهم ، أُعدّ لهم مأدبة ( دولة الكويت ، وحكامها باستجابتهم لأبالسة المكر والدهاء جعلوا منها مأدبة ) ، وأُسكرهم حتى تأخذهم نشوة ( الإغراء والمديح لحكام العراق ، باستجابتهم للفريق الثاني من الأبالسة ) ، فيناموا نوما أبديا لا يقظة منه ، يقول الرب . وأُحضرهم ( العراقيين ) كالحملان للذبح ، وكالكباش والتيوس " .
ـ وكلا الفريقين وبقية الدول العربية ، بعلم ومن غير علم ، وقعوا في الفخ الذي نُصب لهم ، وكلهم ملومين بلا استثناء ، ومن يضع اللوم على فريق دون الآخر ، فقد جانبه الصواب ، فكل عربي كان له دور في المؤامرة ، ونفذّه على أكمل وجه ، وكلٌ أخذ نصيبه في تأجيج نار الفتنة . وفي المحصلة نُهبت ثروات الأمة ، واستخدمت لإشباع بعضا من الرغبة اليهودية في الانتقام من بابل ، ولديهم مزيد ، فتوراتهم تأمرهم بألّا يتركوا العراق ، حتى يعود إلى " العصر الحجري " ، كما صرح الرئيس الأمريكي آنذاك ، وأقصى أمانيّهم ، هي اختفاء أي مظهر من مظاهر الحياة في العراق ، خوفا من تكرار كابوس السبي البابلي ، الذي ما زال يؤرق أجفانهم ، ويقضّ مضاجعهم ، ما دام هناك عراق قوي ، يُهدّد وجودهم ، وقادر على الوصول إليهم .
المصير المرعب الذي كان اليهود يتمنونه لبابل بعد حرب الخليج وما زالوا :
" كيف استُوليَ على بابل ! كيف سقطت فخر كل الأرض ! كيف صارت بابل مثار دهشة بين الأمم ! قد طغى البحر على بابل ، فغمرها بأمواجه الهائجة ، وأصبحت مُدنها موحشة ، وأرض قفر وصحراء ، أرض لا يأوي إليها أحد ، ولا يجتاز بها إنسان ، وأعاقبُ الصنم بيل في بابل ، وأستخرج من فمه ما ابتلعه ، ( نهب ثروات العراق تعويضا عن كنوز الهيكل ) ، فتكفّ الأمم من التوافد إليه ، وينهدم أيضا سور بابل " .
ـ لا بد لهم ، من ضرب العراق بالنووي ، عاجلا أم آجلا ، حتى يتمكنوا من تحقيق هذا الحلم التوراتي ، فالأسلحة التقليدية لم تُجدي نفعا ، والرعب المرَضِيّ اليهودي من اسم بابل وأشور ، كما هو واضح من هذه النصوص ، ليس له علاج إلا محو هذا البلد بأهله ، عن الوجود وإلى الأبد ، وهذا ما يُصرّحون به ، في هذه النصوص ، ومن معرفتك بطبيعة العلاج الذي يصفونه لأنفسهم ، تستطيع التعرف على خطورة الحالة المرضيّة المستعصية ، التي يُعانون منها ، وخطورة ما قد يُقدمون عليه مستقبلا في حق العراق .
دعوة أخرى لخروج الغرباء من بابل ( تكرار ) :
" اخرجوا من وسطها يا شعبي (لذلك لم يبدأ العدوان إلا بعد خروج رعايا الدول المعتدية ، والنية كانت تدمير العراق عن بكرة أبيه ، لو أُتيح لهم ذلك ) ، ولينجُ كل واحد بحياته ، هربا من احتدام غضب الرب ، لا تخرّ قلوبكم ولا تفزعوا ، مما يشيع في الديار من أنباء ، إذ تروج شائعة في هذه السنة ، وأُخرى في السنة التالية ، ويسود العنف الأرض ، ويقوم مُتسلّط على مُتسلّط . لذلك ها أيام مُقبلة ، أُعاقب فيها أصنام بابل ، ويلحق العار بأرضها كلها ، ويتساقط قتلاها في وسطها ، عندئذ تتغنى بسقوط بابل ، السماوات والأرض وكل ما فيها ، لأن المُدمّرين يتقاطرون عليها من الشمال ، يقول الرب " .
المستهدف هو شعب بابل :
" كما صرعت بابل قتلى إسرائيل ، هكذا يُصرع قتلى بابل في كل الأرض ( السن بالسن والعين بالعين ) ، يا أيّها الناجون من السيف ، اهربوا لا تقفوا ، اذكروا الرب في مكانكم البعيد ، ولا تبرح أورشليم من خواطركم . قد لحقنا الخزيَ لأننا استمعنا للإهانة ، فكسا الخجل وجوهنا ( إساءة الوجه ) ، إذ انتهك الغرباء ( أي البابليون ) مقادس هيكل الرب ( بعدما حوّله الكهنة إلى بورصة ، للتبادلات التجارية الربويّة ، حسبما ذكر أنبياؤهم ) " .
" لذلك ها أيام مُقبلة ، يقول الرب ، أُنفّذ فيها قضائي على أصنام بابل ، ويئنّ جرحاها في كل ديارها ، وحتى لو ارتفعت بابل فبلغت عنان السماء ، وحتى لو حصّنت معاقلها الشامخة ، فإنّ المُدمّرين ينقضون عليها من عندي ، يقول الرب " .
المصير المرعب الذي كان اليهود يتمنونه لبابل بعد حرب الخليج وما زالوا ( تكرار ) :
" ها صوت صراخ يتردّد في بابل ، صوت جلبة دمار عظيم ، من أرض الكلدانيين ، لأن الرب قد خرّب بابل ، وأخرس جلبتها العظيمة ، إذ طغت عليها جحافل أعدائها ، كمياه عجّاجة ، وعلا ضجيج أصواتهم ، لأن المُدمّر قد انقض على بابل ، وأسرَ مُحاربيها ، وتكسرت كل قسيّها ( أسلحتها ) ، لأن الرب إله مُجازاة ، وهو حتما يُحاسبها ، إني أُسكرُ رؤساءها وحكماءها ومحاربيها ، فينامون نوما أبديا لا يقظة منه ، … ، وهذا ما يُعلنه الرب القدير : إن سور بابل العريض ، يُقوّض ويُسوّى بالأرض ، وبوّاباتها العالية تحترق بالنار ، ويذهب تعب الشعوب باطلا ، ويكون مصير جهد الأمم للنار " .
" وكان ارميا قد دوّن في كتاب واحد ، جميع الكوارث التي ستُبتلى بها بابل ، أي جميع النبوءات المدوّنة عن بابل ، ( وأرسله ارميا إلى بابل وقال لحامله ) : " حالما تصل إلى بابل ، اعمل على تلاوة جميع هذه النبوءات ، وقل : أيها الرب ، قد قضيت على هذا الموضع بالانقراض ، فلا يسكن فيه أحد من الناس والبهائم ، بل يُصبح خرابا أبديا " ، ومتى فرغت من تلاوة هذا الكتاب ، اربط به حجرا واطرحه في وسط الفرات ، وقل : " كذلك تغرق بابل ، ولا تطفو بعد ، لما أُوقعه عليها من عقاب ، فيعيا كل أهلها " .
ـ هذه الوثيقة المرعبة التي خطّها مؤلفو التوراة ، على أنها عقوبة الله لبابل ، ما هي إلا العقوبة التي تنتظر إسرائيل وأمريكا مستقبلا ، ولكنهم أرادوها لبابل ، ونفذّوا فصولها في العراق ، فصلا تلو الآخر ، وهم يسعون الآن من وراء الكواليس لتنفيذ بقية فصولها .
صفة العقاب الإلهي لأمريكا :
سبب العقاب الإلهي هو استعلائها وإضلالها لشعوب الأرض ، وما أوقعته من ظلم بهم . ودمارها سيأتي من الشمال . من خلال تحالف عدة دول ، وبضربات نووية كثيفة ومفاجئة . تتسبب بدمار عظيم وحرائق وجفاف ، ومن ثم طوفان عظيم يجتاح أراضيها ، ليتركها قفرا أجرد لا يصلح للسكن أبد الدهر . وجيوشها التي كانت قد خرجت منها ، سيتم ذبحها كالحملان والتيوس .
نبوءة عن سقوط بابل من سفر الرؤيا ليوحنا
قلنا في السابق أن إنجيل يوحنا ورؤياه ، لا بد أن تكون أسفار توراتية ، وكان من المفروض أن تكون مُلحقة بالتوراة ، ولكنّها أُسقطت في وقت مُتأخر ، بعد أن تمّ التلاعب فيها من قبل اليهود ، فتلقفها النصارى وضمّوها إلى الإنجيل ، أثناء جمعه وتحريفه ونسخه ، وليس أدل على ذلك - بالإضافة لما تقدّم وأشرنا إليه - من تكرار نصوص الوثيقة السابقة من سفر ارميا في التوراة ، بنفس الأفكار والعبارات تقريبا ، ولكن بدرجة أقل من المبالغة والتهويل والتطويل ، في سفر الرؤيا الملحق بأناجيل النصارى .
" 18: 1- : بعد هذا رأيت ملاكا آخر ، نازلا من السماء ، … ، وصاح بأعلى صوته : " سقطت بابل ، سقطت بابل العظمى ، وصارت وكرا للشياطين ، ومأوى لكل روح نجس ، … ، ثم سمعت صوتا آخر ، يُنادي من السماء : " اخرجوا منها يا شعبي ، لئلا تشتركوا في خطاياها ، فتصابوا ببلاياها ، فقد تراكمت خطاياها حتى بلغت عنان السماء ، وتذكّر الله ما ارتكبته من آثام . افعلوا بها كما فعلت بكم ، وضاعفوا لها جزاء ما اقترفت ، … . ستنقضّ عليها البلايا في يوم واحد ، من موت وحزن وجوع ، وستحترق بالنار فإن الله الذي يُدينها ، هو ربٌّ قدير " .
" 18: 9-10: وسيبكي عليها ملوك الأرض ، الذين زنوا وترفّهوا معها ، وسينوحون وهم ينظرون إلى دخان حريقها ، فيقفون على بُعد منها ، خوفا من عذابها ، وهم يصرخون : الويل ، الويل ، أيتها المدينة العظمى ، بابل القوية ! في ساعة واحدة حل بك العقاب ! " .
" 18: 12-17: وسيبكي تُجار الأرض ويحزنون عليها ، … ، هؤلاء التجار الذين اغتنوا من التجارة معها ، يقفون على بعد منها ، خوفا من عذابها ، يبكون عليها وينتحبون ، قائلين : الويل ، الويل ، على المدينة العظمى ، … ، وقد زال هذا كله في ساعة واحدة ! " .
" 18: 18-19: ويقف قادة السفن وركّابها وملّاحوها على بعد منها ، ينظرون إلى دُخان حريقها ، أية مدينة مثل هذه المدينة العظمى ؟! ويذرون التراب على رؤوسهم ، وهم يصرخون باكين منتحبين : الويل ، الويل ، على المدينة العظمى ، التي اغتنى أصحاب سفن البحر جميعا بفضل ثروتها ! ها هي في ساعة واحدة قد زالت ! " .
" 18: 20: اشمتي بها أيتها السماء ! واشمتوا بها أيها القدّيسون والرسل والأنبياء ، فقد أصدر الله حُكمه عليها بعد أن أصدرت أحكامها عليكم " .
" 18: 21-24: وتناول ملاك قوي ، حجرا كأنّه حجر طاحونة عظيم ، وألقاه في البحر ، قائلا : " هكذا تُدفع وتُطرح بابل الدينة العُظمى ، فتختفي إلى الأبد ! لن يُسمع فيك عزف موسيقى بعد ، … ، ولن تقوم فيك صناعة بعد الآن ، ولن يُسمع فيك صوت رحى ، ولن يُضيء فيك نور مصباح … فقد كان تُجّارك سادة الأرض ، وبسحرك ضلّلت جميع أمم الأرض . وفيها وُجدت دماء أنبياء وقدّيسين وجميع الذين قُتلوا على الأرض " .
" 19: 1-2: وبعد هذا سمعت صوتا عاليا ، … يقول : " هلّلويا ! الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للربّ إلهنا ! فإن أحكامه حق وعدل ، لأنّه عاقب الزانية الكبرى ، التي أفسدت الأرض ، وانتقم لدم عبيده منها " .
ـ الحقيقة أن هذه النبوءة ، تتحدث عن دولة عظمى في العصر الحديث ، تُضاهي عظمة بابل القديمة وقوتها ، وهذه النصوص في الواقع ، تصف حال أمريكا بقوتها الاقتصادية والعسكرية ، وما أحدثته في هذا العصر من فساد وإفساد ، وسفك للدماء في مشارق الأرض ومغاربها ، فهي تحكم الكرة الأرضية بأسرها من خلال ، ونصّبت نفسها كإله يُعبد ويُقدّس ، فهي تحدّد في تقارير وزارة خارجيّتها ، من أصلح ومن أفسد ، ومن حافظ على الحقوق ومن هضمها ، ومن أرهب ومن لم يرهب . وعلى قائمة مقاطعاتها الاقتصادية حوالي 46 دولة ، فهي المُنعِم والمُكرِم والمُتفضّل على خلق الله ، والكلُّ يخطب ودّ ورضا هذه الآلهة الجديدة ، وهي تسعى الآن لعولمة اقتصادها وثقافتها ، وفرضها على شعوب تارة بالترهيب وتارة بالترغيب ، وأما كلمة بابل في هذه النص إما أن تكون أُضيفت عن قصد من قبل الكهنة ، بسبب الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام من بابل ، وإما أن تكون قد استخدمت لترمز إلى الدولة العُظمى في هذا العصر . ولو حذفت كلمة بابل ووضعت كلمة أمريكا ، لوجدت أن النص سيُصبح أكثر صدقا وتطابقا مع الواقع .
ولكن أغلب المفسّرين الجدد من النصارى بوجه خاص ، كما تشير الكاتبة الأمريكية في الفصل السابق ، يأخذون بالتفسير اللفظي للمسميات ، التي جاءت في النصوص التوراتية والإنجيلية ، ويقدّمون شروحاتهم وتفسيراتهم ، لنصارى الغرب من ساسة وعامة ، على نحو مغاير لما تُخبر عنه النصوص حقيقة ، فبابل القديمة أينما جاءت في النصوص ، تعني بالنسبة لهم بابل الجديدة أي العراق ، بالرغم من أن النصوص تصف دولة عظمى ، هي أقرب إلى أمريكا منها إلى العراق ، وتوحي بأن لفظ بابل استخدام كاستعارة لفظية .
أما اليهود فهم يعلمون حقيقة ما تُخبر عنه النصوص ، وبأن الدمار القادم والذي تُخبر عنه النصوص ، سيكون لإسرائيل وأمريكا وحلفائهما ، ولكنهم يستغلون الفهم الخاطئ والمضطرب للنصارى ، لخدمة أغراضهم ومخططاتهم الشيطانية ، ولحماية دولتهم من الأخطار المحدّقة بها . فهم متّفقون على أن هذه النبوءات تتحدث عن تدمير العراق ، وبما أنها جاءت تحريضية بصيغة الأمر ، فقد اتّحدوا لتنفيذ ما قضى به الرب على بابل ، ولن تستكين لهم حال أو تلين لهم عزيمة ، حتى يتحقق ما جاء في هذه النصوص ، بجعل العراق أرضا قفرا صحراء قاحلة خاوية على عروشها ، لذلك هم لا يكترثون بالشرعية الدولية ولا بالقانون الدولي ، إذ لا يمتثل لهما إلا الضعفاء والأغبياء ، فالقوانين الإلهية بشأن العراق ، هي ما ينصاعون إليه ويلتزمون بتطبيقه ، فالحرب على العراق حرب مُقدّسة ، لأنهم موقنون تماما : بأنّ بقاء العراق يعني حتمية زوال إسرائيل … وأنّ بقاء إسرائيل يعني حتمية زوال العراق …
وما داموا يمتلكون مقدّرات الكاوبوي الأمريكي البريطاني ، المُشترى بالرشوة والشهوة والرعب ، والمأخوذ بجنون القوة . فلن يُثنيهم عن عزمهم ، إلا أن يُبادوا قبل أن يُبيدوا الحرث والنسل . وبالتالي فإن بقاء العراق ، يتحتّم عليه محو إسرائيل ، من قلب الوطن العربي ، وسحق تلك الفئران ، المتلفّعة بريش النسر الأمريكي الأقرع .
وإن لم تكن الحرب العراقية الإيرانية من صنع أيديهم ، فهم ساهموا فيها بشكل أو بآخر ، فإيران تأتي في الدرجة الثانية في العداء التوراتي لإسرائيل ، وكلنا سمع بفضيحة ( إيران غيت ) في الثمانينيات ، التي كان بطلها الرئيس الأمريكي ( ريغان ) حيث كانوا يُؤيدون العراق علنا ، ويُزوّدون إيران - التي كانت تنظر إلى أمريكا على أنها الشيطان الأكبر - بالأسلحة سرا ، لإطالة أمد هذه الحرب ، ولإبقاء العراق وإيران منشغلين فيها .
والسبب الأهم لإشعالها ، هو الرعب الذي دب في قلوبهم من المارد العراقي ، الذي أعاد إلى أذهانهم النبوءات التوراتية ، وأيقظ في مخيلتهم شبح نبوخذ نصر ، وكابوس السبي البابلي ، ليقض مضاجعهم فلم ترقأ لهم عين ، ولم يغمض لهم جفن ، والذي بدأ يستيقظ من غفوته بامتلاكه المفاعل النووي . وسيكون بعد سنوات قليلة ، قاب قوسين أو أدنى من إنتاج القنابل النووية . وما أن انشغل العراق في الحرب ، وأصبح ظهره مكشوفا ، حتى انسلت خفافيشهم ، تحت جنح الظلام ، لتصبّ حممها التوراتية الحاقدة ، على ذلك المفاعل ، في سنين صباه الأولى ، لتُبيده عن بكرة أبيه .
وبعد أن خرج العراق من تلك الحرب ، محتفظا بقوته وجبروته ، ومع أول تصريح وتهديد له ، " بحرق نصف إسرائيل ، حال اعتدائها على أي قطر عربي " ، على لسان الرئيس العراقي ، جهارا نهارا في مؤتمر قمة بغداد ، عام 1989م ، أقامت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة - التي تمتلك معظمها تلك الأفاعي - الدنيا ولم تقعدها ، حتى استطاعت زجّه وتوريطه ، في الدخول إلى الكويت ، بالتآمر والتواطؤ وبمكرهم ودهائهم المعهودين ، ومن ثم حرضّت عليه من بأقطارها ، بحجة رفع الظلم عن دولة الكويت ، وتأمين منابع النفط ، التي سيسطر عليها العراقيون . وكما خطّوا بأقلامهم سيناريو الحرب العالمية الثانية ، أعادوا نفس السيناريو ، في حرب الخليج ، من ألفه إلى يائه .
فها قد تحرّرت الكويت ، وتأمّنت منابع النفط ، فلماذا هذا الحصار الظالم على أطفال العراق ؟! يدّعون أن العراق يهدد جيرانه ، فانظر من يدّعي ! وانظر إلى جيرانه ! وما علاقة المدّعي بالجيران ؟! المدّعون هم ( مادلين أُلبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية ، ووليام كوهين وزير الدفاع الأمريكي ، وساندي بيرغر مسؤول الأمن القومي الأمريكي ، وهلم جرا … ) وكلهم يهود . فما عليك إلا استبدال كلمة الأمريكي في مناصبهم ومسؤولياتهم ، بكلمة الإسرائيلي ، لتعرف من هم الجيران الذين سيهددهم وجود عراق قوي .
أما الحصار ، فقد وُجد ليبقى ، وغايته منع المارد العراقي من الصحوة . واستمرّ الحصار ليبقى المارد محصورا في القمقم ، وعندما تمّ لهم ذلك ، عمدوا إلى تقليم مخالبه واقتلاع أنيابه ، فمنظرها يُرعب تلك الفئران المسكينة ، ويجعل فرائصها ترتعد هلعا وجزعا . واستمرّ الحصار لمنع أطفال العراق ، من الوصول إلى مرحلة الرجولة ، كي لا يكونوا مستقبلا أفراد جيش ، يُسطّر على أجساد تلك الفئران أساطير البطولة ، فهم وحسب رؤاهم التوراتية ، يعرفون ويعلمون أن دولتهم ستزول ، وسيكون فيهم القتل والنهب والنفي ، وأن المرشح الأول والوحيد للقضاء عليهم هو غريمهم الأزلي ، وأن دولتهم سيعيش فيها ، لا أكثر من جيل واحد . لذلك بما أنهم موقنون تماما ، بأن زوال دولتهم أمر حتمي ، كان لا بد لهم من أن يعملوا بكل طاقاتهم ، من أجل حماية هذا المسخ الخداج ، الذي حملت به عروس المدائن غصبا واغتصابا ، من مرتزقة الغرب المأجورين ، في غفلة من الزمان .
لذلك … فالحصار لن يُرفع … ما دامت تلك الفئران … في القدس ترتع
الأفعوان العراقي في سفر إشعياء
خطورة هذا الأفعوان المرعب ، تتمثل في ما يحمله في أحشائه من سموم مُميتة ، كان أسلافهم قد تجرّعوها من قبل ، ووصفوا تأثيرها المؤلم على امتداد التوراة الشاسع ، فشغلت حيّزا كبيرا من فكرهم ووجدانهم ، فمجرّد التفكير بتكرار ذلك المصير المرعب ، الذي حلّ بأسلافهم ، من جرّاء تلك الأفعى التي أنجبت هذا الأفعوان ، يُصيبهم بحالة من الذعر والهلع ، لذلك كان وسيكون لهم ، محاولات عديدة للتخلّص من خطر هذا الأفعوان على وجودهم :
• المُحاولة الأولى : هي الحرب الإيرانية العراقية ، لأصابته بالشلل وقد أُصيب ، فتسنّى لهم ضرب مفاعله النووي ، واجتياح بيروت ، وترحيل منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان .
• المُحاولة الثانية : هي الحرب الأمريكية العراقية ، لتغيير رأس هذا الأفعوان ، وزرع رأس جديد له ، وتقطيع أوصاله وتفريق شملها ، وتوزيع دمه على جميع القبائل التي اجتمعت عليه ، ولم يُكتب لها النجاح .
• المُحاولة الثالثة : هي الحصار الأممي ولجان التفتيش ، لنزع الأنياب التي تنفث السمّ ، بتدمير أسلحة الدمار الشامل ، وحرمانه من امتلاك أسلحة جديدة ، فاقتلعوا الأنياب واستخرجوا السمّ ، ولكن الأنياب نبتت من جديد ، والسم يتجدّد ولا ينقطع .
• المُحاولة الرابعة : هي الحرب الأمريكية الشاملة ، مع احتمالية توجيه ضربات نووية محدودة إن أمكن ، لقطع الرأس والأوصال معا ، حيث لم يعُد هناك أهمية لتوزيع دمه على القبائل . وستصبح احتمالية الضربات النووية ، قائمة وحتمية فور امتلاك أمريكا ، للدرع المُضاد للصواريخ المُحمّلة بالرؤوس النووية ، وهذه الحرب قائمة بلا أدنى شك ، إن لم يقع ، ما لم يكن في حُسبان أمريكا وإسرائيل ، فهم يُخطّطون لها ويستعجلونها ، ويطلبون من الرئيس الأمريكي ، تهيئة الشعب الأمريكي لتقبّلها ، وسيعملون جهدهم لإشعالها في أقرب فرصة ممكنة ، ظنا من الذين لا يعقلون ولا يفقهون ، بأنهم قادرين على منع رب العزة ، من إنجاز وعده فيهم ، بإبادة العراقيين وتقسيم العراق وإسقاط قيادته .


[ نهاية الجزء الثاني ]

الجزء الثالث
الفصل الأول :
وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة
الفصل الثاني :
وليتبروا ما علوا تتبيرا
الفصل الثالث :
وجعلنا لمهلكهم موعدا
الفصل الرابع :
فإنما يسّرناه بلسانك لعلّهم يتذكّرون
الفصل الخامس :
فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين
الفصل السادس :
بل هم في شك يلعبون
الفصل السابع :
ثم تولوا عنه وقالوا مُعلّم مجنون
الفصل الثامن :
يوم نبطش البطشة الكبرى
الفصل التاسع :
الطوفان الأخير وطوق النجاة


وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة
تبين لنا من خلال هذه القراءة الجديدة ، في تاريخ بني إسرائيل ، في القرآن والسنّة والتوراة والتلمود ، أن البابليّون هم أصحاب البعث الأول ، وبناءً على ذلك ، يكون العراقيون حصرا ، بلا أدنى شك ، هم أصحاب البعث الثاني . وسيتبين لنا في هذا الفصل ، من خلال قراءة جديدة للواقع ، بأن اليهود على علم بهذا البعث وأصحابه ، وظنّا منهم بأنهم قادرون على مخالفة أمر الله ، بمنع تحقق البعث الثاني ، خططوا ونفّذوا وما زالوا يخططون ، لدرء خطر هذا البعث الموعودين به ، بإبادة أصحابه بشتى الوسائل والسبل ، لقناعتهم بأن بقاء دولتهم ، يتحتم عليه محو العراق وشعبه عن خريطة العالم .
حقيقة ما يُضمره الغرب للعراق :
دأبت أمريكا ومن سار في ركبها ، على إعلان عدائها لقيادة العراق الحالية ، والرغبة في إسقاطها ، وجعلت من بقاء القيادة العراقية ، على سدة الحكم في بغداد ، وسابقتها في غزو الكويت ، مثالا لعدوانية هذه الحكومة وخطورتها على جيرانها ، وذريعة لإدامة الحصار ، لتجريد العراق من مقومات وجوده . ليصل العالم والشعب العراقي إلى قناعة ، بأن المستهدف حقيقة من وراء الإصرار الأمريكي ، على إبقاء الحصار مفروضا على العراق ، هي القيادة العراقية الحالية ، بتوجهاتها العدوانية ضد جيرانها ، مما يُهدد أمن منطقة الخليج الحيوية للعالم ، وبإسقاط هذه القيادة ، ستنعم منطقة الخليج بالأمن مجدّدا ، حسب الرؤى الأمريكية .
ومع أن أمريكا لا تبدي أدنى اهتمام بمصير الشعب العراقي ، بل على العكس من ذلك ، كان وما زال بعض مسؤوليها من اليهود ، يُبدون سعادة عارمة ، بلا خجل أو مواربة ، بوقوع المزيد من الضحايا في العراق ، حيث الغالبية العظمى من الأطفال ، الذين سقطوا ، من جراء نقص الأدوية والغذاء ، حين تصرح وزيرة الخارجية الأمريكية ( أولبرايت ) ، في حوار صحفي في محطة (CBS ) : بأن تسبّب أمريكا بموت نصف مليون طفل عراقي " أمر يستحق العناء " ، إلا أن العالم أجمع ، والشعب العربي وحتى الشعب العراقي ، لم يبحث عن دوافع ، هذا العداء الأمريكي للعراق .
" إشعياء : 13: 16: كل من يُؤسر يُطعن ، وكل من يُقبض عليه يُصرع بالسيف ، ويُمزّق أطفالهم على مرأى منهم ، وتُنهب بيوتهم وتُغتصب نسائهم " .
" إشعياء : 14: 20-23: فذريّة فاعلي الإثم ، يبيد ذكرها إلى الأبد . أعدّوا مذبحة لأبنائه جزاء إثم آبائهم ، لئلا يقوموا ويرثوا الأرض فيملئوا وجه البسيطة مُدناً . يقول الرب القدير : " إني أهبّ ضدهم ، وأمحو من بابل ، اسماً وبقيةً ونسلاً وذريةً ، وأجعلها ميراثاً للقنافذ ، ومستنقعاتٍ للمياه ، وأكنسها بمكنسة الدمار " .
" وهذا ما يُعلنه الرب : ها أنا أُثير على بابل ، وعلى المُقيمين في ديار الكلدانيين ريحا مُهلكة ، وأبعث إلى بابل مُذرّين يُذرّونها ، ويجعلون أرضها قفرا ، ويُهاجمونها من كل جانب في يوم بليّتها . ليوتر ( يُذخّر ) الرامي قوسه وليتدجّج بسلاحه ، لا تعفوا عن شُبّانها ، بل أبيدوا كل جيشها إبادة كاملة ، يتساقط القتلى في أرض الكلدانيين ، والجرحى في شوارعها ( من المدنيين طبعا ) " .
وباستجابة ( أولبرايت ) ، وكافة الجوقة اليهودية ، في الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، لأوامر الرب القدير ، الواردة في التوراة ، استطاع بنوا إسرائيل ، من ردّ الصاع صاعين لأهل بابل ، وهكذا يكون العراقيون حصرا ، من رُدّت لبني إسرائيل الكرة عليهم ، إذ أنهم أنزلوا بالعراقيين أضعاف أضعاف ، ما أنزله البابليون بهم في المرة الأولى .
ولو عدنا إلى كامل النصوص التوراتية ، ونظرنا إلى ما يجري حقيقة على أرض الواقع ، لتبين لنا أن المستهدف الحقيقي ، هو العراق لأنه أرض البعث ، والشعب العراقي لأنه يحمل صفة أهل البعث ، والقيادة العراقية لإرسالها البعوث في كل الحروب العربية الإسرائيلية ، وعدم قبولها وتوقيعها على اتفاقيات الهدنة ، ولإعلانها المتجدّد عن نية البعث ، بمناسبة وبدون مناسبة ، في السنوات الأخيرة ، منذ انتهاء حرب الخليج الأولى ، ورفضها لمعاهدات السلام والتطبيع ، ولإصرارها على مقولة ، فلسطين عربية من البحر إلى النهر ، والدعوة إلى تحرير فلسطين بالقوة .
وفي حال استطاع الغرب اليهودي إسقاط القيادة العراقية ، فسيكون البديل ، كما هي العادة ، قيادة موالية للغرب ، ومعادية للشعب العراقي وللأمة العربية ، المتخمة أصلا بالأعداء من أبناء جلدتنا ، لتزيد الأمة ذلا وهوانا أضعافا مضاعفة ، أما مصير العراق بين يدي هكذا قيادة ، فسيكون بلا شك كما يتمنّى يهود الغرب والشرق ويشتهون ، ليتحقّق لهم ، ما لم يحلموا بتحقيقه ، بجيوشهم المدجّجة بالأسلحة المتطورة . وانظر إلى حال ألمانيا بعد الحرب ، وانظر إلى حال الاتحاد السوفييتي ، العدو الثاني للوجود اليهودي في فلسطين ، كما تُخبر التوراة ، عندما استطاعوا إيصال الخونة – من شعبه – إلى سدة الحكم ، وما فعلوه به . لنقول بأن مهمة القيادة المستقبلية للعراق ، فيما لو أُسقطت القيادة الحالية ، هي :
• تفكيك العراق وتقسيمه إلى دويلات صغيرة ، كردية وسنية وشيعية ، في الشمال والوسط والجنوب .
• إثارة الحروب والفتن بين هذه الدويلات ، لإشغالها عن المهمة الأساسية ، التي أُنيطت بأصحاب البعث .
• تدمير الاقتصاد وإفقار الشعب العراقي ، ليركض لاهثا وراء قروض صندوق النقد الدولي .
• حظر امتلاك وتصنيع الأسلحة .
• تقديم فروض الطاعة والولاء ليهود الغرب والشرق ، وإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل ، ومباركة عملية السلام .
فالمعضلة الأساسية لدى الغرب ، المملوك من قبل اليهود ، هي وجود عراق قوي وقادر ، فكما صدقت نبوءات التوراة ، في عودتهم من الشتات إلى فلسطين . فهم يخشون أيضا ، صدق النبوءات الأخرى ، فيما تصفه في نصوص عديدة ، من عقاب حتمي ، غاية في البشاعة ، سينزل بهم بعد العودة إليها ، من قبل أصحاب البعث الأول ، بالرغم مما أُضيف إليها من نصوص قليلة مضللة ، لا تُسمن ولا تغني من جوع ، تُخبر عن ملكهم الأبدي ، تبعث في تخبّطها وعدم منطقيتها ، في نفوسهم القلق ، أكثر مما تبعث على الطمأنينة . ليجد اليهود أنفسهم ملزمون ، بتسخير كل إمكانياتهم ، دون كلل أم ملل ، لدفع قادة الغرب إلى القضاء المبرم على العراق ، كما هي عادتهم دائما وأبدا ، يدفعون الآخرين لخوض حروبهم نيابة عنهم ، مذ طلبوا من موسى وربه الذهاب للقتال عنهم ، وحتى حربهم الأخيرة على العراق ، التي خاضتها ومازالت تخوضها ، أمريكا وبريطانيا في العلن ، وفرنسا المنافقة في الخفاء ، والحرب الوحيدة ، التي كسبها اليهود منفردين في مواجهة جيش ، هي عند دخولهم فلسطين مع طالوت في المرة الأولى ، وكان ذلك بتأييد من الله للقلة المؤمنة ، وبشجاعة نبي الله داود عليه السلام ، فالمسألة لديهم مسألة حياة أو موت ، وبقاء العراق ، يعني تبخر أحلام الشعب اليهودي بسيادة العالم من القدس .
ومما يؤذي الأذان اليهودية هو سماعها ، لتصريحات هذه القيادة المتكررة ، بضرورة تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، وطرد اليهود منها ، مما يقضّ مضطجعهم في فلسطين ، ويُعيد إلى أذهانهم تلك الذكريات الأليمة للبعث الأول ، التي أشبعتها أسفار التوراة وصفا وتفصيلا ، لتتراءى لهم ، صورة نبوخذ نصر وهتلر وصلاح الدين ، دفعة واحدة ، في شخص الرئيس العراقي .
الخيارات القائمة أمام اليهود ، لدرء الخطر العراقي :
1. العمل على بقاء الحصار على ما هو عليه ، ما أمكنهم ذلك ، ومنع أي محاولة لتفكيكه أو إضعافه . والاستمرار في نهب ثروات العراق ، وحرمانه من تطوير أسلحته وتجديدها .
2. محاولة إسقاط القيادة العراقية ، عن طريق إحداث فتن وثورات داخلية ، أو عن طريق مواجهة عسكرية واسعة النطاق ، بعد خلق المبررات لها ، باستفزاز جديد للعراق للقيام بعمل عدواني داخلي ، ضد الأكراد في الشمال أو الشيعة في الجنوب ، أو القيام بعمل عدواني خارجي ، ضد إحدى دول الجوار .
3. ضرب العراق نوويا كخيار أخير ، وهذا الاحتمال غير قائم حاليا ، حيث أنه مرفوض عالميا ، فمثل هذا الأمر ، سيؤلب العالم بأسره ضد أمريكا ومؤيديها . ولكن هذا الاحتمال سيقوى ، في حال فشلت الخيارات السابقة ، وخاصة عند امتلاك أمريكا للدرع المضاد للصورايخ البالستية .
ـ والسؤال الآن : هل من الممكن أن يكون هناك ضربة نووية للعراق ؟
جاء في سفر الرؤيا ما نصه : " وسكب الملاك السادس ، كأسه على نهر الفرات الكبير فجفّ ماؤه ، ليصير ممرا لملوك القادمين من الشرق " .
أما في السنة النبوية فقد جاء ما نصه : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا " . رواه البخاري ، وأخرجه مسلم والترمذي ، وأبو داود وابن ماجه وأحمد . وفي نص آخر من رواية مسلم : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ " ، يحسر أي ينكشف عن .
يُخبر النص في سفر الرؤيا ، أن شيئا ما سيسكب على نهر الفرات فيجف ماؤه ، ويُخبر الحديث الصحيح ، عن انحسار الفرات عن كنز من ذهب ، قبل قيام الساعة ، وانحسار الفرات يعني ذهاب ماءه ، فهل سيكون جفافه نتيجة ، لما تنتجه الأسلحة النووية ، من حرارة شديدة عند انفجارها .
وبالإضافة إلى ما ورد من مخططات ، لتدمير العراق والإطاحة بقيادته ، كما جاءت في تقرير واشنطن السابق ، يقول الصحفي فتحي خطاب من القاهرة ، في مقال له في جريدة العرب اليوم الأردنية ( لم أنتبه لتوثيق تاريخ صدورها ، ولكنه على الأرجح كان في بداية شهر 3 /2001 ) :
" حذّر خبراء عسكريون من مُخطط عسكري أمريكي إسرائيلي ، يستهدف فرض السيطرة المُطلقة على المنطقة ، وتطبيق ما يُعرف في ( البنتاغون ) بخطة إعادة دمج المنطقة عسكريا وأمنيا … وأن توجّه ( شارون ) لاستحداث وزارة تعنى بتطوير الأسلحة النووية ، وأسلحة الدمار الشامل ، واستحداث وزارة للشؤون الاستخباراتية ، في سابقة هي الأولى من نوعها ، يأتي في إطار ما تفرضه ضرورات نظام الحماية الأمنية الجديد … وكشف الخبراء العسكريون في مصر ، عن الترتيبات الأمريكية لإنشاء أكبر شبكة صاروخية في منطقة الخليج العربي ، تتمتع بمدى قتالي واسع ، يشمل العراق وإيران ودولا أخرى ، بالإضافة إلى مناطق شمال إفريقيا والبحر الأحمر . لضمان أمن منطقة الخليج ، وملاحقة الطائرات المُغيرة ، والتدمير السريع لأية أهداف مُعادية .
وأكد الخبراء أن وزير الخارجية الأمريكي ( كولن باول ) ، حصل على موافقة دول خليجية … على إنشاء الشبكة ، التي سيتم تزويدها بأحدث أجهزة الاتصالات الحديثة والإنذار المبكّر ، التي ستكون لها القدرة على التعامل السريع ، مع العمليات الطارئة ، وقادرة على منع إصابة الشبكة ، بأي خلل أثناء العمليات العسكرية . وسوف تتحمل دول الخليج النصيب الأكبر ، من تكلفة مشروع هذه الشبكة الصاروخية ، وأن هناك مشاورات واتصالات عسكرية ، للترتيب لإنشاء هذه الشبكة ، ولإعداد التفصيلات الفنية المتعلّقة بها … وحذّر الخبراء من المُخطط العسكري الإسرائيلي ، لضرب العراق بالقنابل النيترونية ، والتي سيتم إطلاقها على منطقة غرب العراق ، وفق إعلان ( شارون ) . التي تعتبر نقلة نوعية في التسلح بالمنطقة …
وأوضح العالم الفيزيائي الدكتور طارق النمر ، بقوله : " أن القنابل النيوترونية النووية ، هي قنابل إشعاعية ، ذات أحجام مختلفة ، منها أسطوانات إبرية في حجم القلم ، وتستطيع قتل جميع الكائنات الحية ، في مساحة قطرها مُحدّد سلفا ، وتأثير كل قنبلة منها يتحدد حسب حجمها ، بحيث يتم زراعتها داخل الأراضي العراقية ، وفي الوقت المحدد ، سيتم تفجير هذه القنابل بواسطة أشعة الليزر … وأن إسرائيل مهتمة بتجربة أسلحتها الجديدة على أرض العراق ، بعدما نفذت عدة تجارب أسفل مياه خليج العقبة … ولا أستبعد أن تعمل أمريكا وبريطانيا ، على زرع قنابل نيوترونية في مناطق من العراق ، بحيث تبقى بغداد تحت التهديد الدائم ، بتدمير حقول القنابل النيوترونية بواسطة أشعة الليزر ، في نطاق العقوبات الذكية " .
ما لفت انتباهي في هذا التقرير الصحفي ، هو انسجامه مع المخاوف اليهودية التوراتية ، حيث يُسمّي الدول والمناطق التي تضم الدول المعادية لإسرائيل توراتيا ، ومنها إيران والعراق ، وليبيا في شمال إفريقيا ، والسودان وإثيوبيا بمحاذاة البحر الأحمر ، واللتان كانتا قديما دولة واحدة ، ويُشير أيضا إلى ضرورة ضرب العراق ، حسب ما تدعو وتُحرّض عليه النصوص التوراتية . ولفت انتباهي أيضا التركيز على منطقة غرب العراق ، التي من المتوقع ، أن يتواجد فيها الجيش العراقي ، قبل تحرّكه لغزو لإسرائيل .
وفي تقرير آخر من واشنطن ، للصفحي محمد دلبح ، نُشر في جريدة الدستور الأردنية ( التاريخ غير موّثق ) ، يقول فيه :
" تبحث وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) ، إنتاج قنابل نووية من نوع جديد ، قادرة على اختراق مراكز القيادة ، والتحصينات التي يستخدمها الزعماء والقادة . ونقلت صحيفة ( واشنطن بوست ) عن مصادر في الحكومة الأمريكية والكونغرس قولها : أن الهدف من إنتاج هذه القنابل ، هو تجنّب ما تُسمّ‍يه الحكومة الأمريكية الأضرار الجانبية ، التي تُحدثها الأسلحة التدميرية بأنواعها . ويقول المدافعون عن هذا النوع من القنابل النووية الصغيرة – مقارنة بغيرها – أنها قد تعمل على قيام الولايات المتحدة ، بتخفيض مخزونها الحالي من القنابل النووية ، دون أن تتعرّض مفاهيمها الأمنية لأخطار أو تعديلات . ونسبت الصحيفة إلى مستشاريّ وزير الدفاع الأمريكي ( دونالد رامسفيلد ) قوله : أن الأسلحة النووية الأمريكية الحالية ، لن تردع الرئيس العراقي صدام حسين ، لأنه يعلم بأن الرئيس الأمريكي ، لن يقوم بإلقاء قنبلة نووية – بقوة مائة كيلو طن - على بغداد ، ليُدمّر المدينة بأكملها ، ويقضي على سُكّانها ، بهدف القضاء على أسلحة الدمار الشامل … ومن ناحية أخرى ، يعتزم اتحاد العلماء الأمريكيين ، إصدار تقرير هذا الأسبوع يقول فيه " أن إضافة هذا النوع من القنابل النووية ، إلى المخزون النووي في العالم ، سيجعل استخدام هذا النوع من السلاح أكثر احتمالا " .
أستطيع القول بأن التفكير الأمريكي الإسرائيلي العسكري على المدى القريب ، بعد المعارضة والإدانة العالمية لضربهم بغداد مؤخرا ، سيكون محصورا في الردع وليس في الهجوم ، لعدم وجود ذريعة للهجوم مقبولة دوليا ، ( كذريعة القضاء على أسلحة الدمار الشامل العراقية ) ، منتظرين فبركة مؤامرة جديدة ، أو تحرّك عراقي خاطئ ، وأعتقد أنهم سيُحاولون استفزازه في المستقبل القريب ، بشتى الوسائل والسبل ، ليعلنوا عليه حربهم الشاملة . أما على المدى البعيد – إن لم يُعطهم العراق الذريعة لشنّ تلك الحرب – أستطيع القول ، أنهم وفور امتلاكهم للدرع النووي – الذي سيكون جاهزا بعد خمس سنوات حسب تقديرهم – والذي سيُوفر لهم الحماية من أي ردود فعل نووية ، سيشنّون حربهم المُقدّسة على العراق ، وسيقومون بضربه بوابل من القنابل النووية ، حتى يغدو صحراء قاحلة خاوية على عروشها . لكي يتخلص يهود العالم ، من هذا الرعب التوراتي المُسلّط على رقابهم ، لينتظروا بسلام ملكهم الذي سيظهر في القدس ، والذي سيعيشون معه أحلامهم الوردية إلى الأبد ، ومن المحتمل جدا أن تكون الضربة النووية للعراق ، كرد فعل أمريكي على الدخول العراقي لفلسطين ، لتبدأ بذلك الحرب العالمية الثالثة .
الموقف العالمي إزاء العراق :
كانت غاية الغرب في السنوات الأخيرة وما زالت ، هي تدمير العراق تحقيقا لرغبات اليهود في حماية إسرائيل . وما كان للغرب أن يُحقّق هذا الهدف ، بالخروج على الأعراف والمواثيق الدولية ، بأي شكل من الأشكال ، كالقيام بعدوان مباشر ومكشوف على العراق ، وما كان لأمريكا بعظمتها ، أن تقوم منفردة بعمل عدواني ضد العراق ، لأنها في هذه الحالة ستجابه العالم بأسره . وبما أن مآرب اليهود ، من خلال إشعال حرب الخليج الأولى ، لم تتحقّق . بل على العكس من ذلك تماما ، خرج العراق من هذه الحرب محتفظا بقوته ، وقامت قيادته بتهديد إسرائيل جهارا نهارا ، بحرق نصف إسرائيل حال اعتدائها على أي بلد عربي ، فكانت هذه القيادة " كمن حكّ لليهود على جرب " .
آنذاك قامت الدنيا ولم تقعد ، طبل وزمر في الشرق والغرب ، لتأكيد عدوانية العراق ونازيته ، فحرق اليهود هو فعل هتلريّ نازيّ ، وكان ذلك لتهيئة الرأي الغربي والعالمي ، لاستقبال هتلر جديد يسعى لحرق اليهود . وفي الخفاء كانت تُطبخ مؤامرة جديدة ، تمخّضت عن غزو العراق للكويت ، وبذلك استطاعت أمريكا ، أن تُوجد مبرّرا قانونيا لتدمير العراق ، فغزو العراق للكويت ، كان مخالفا للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية ، وبذلك استطاعوا إضفاء الشرعية على عدوانيتهم ، لتحقيق مآربهم الحقيقية تحت غطاء الشرعية الدولية ، وبدلا من أن تواجه أمريكا المعتدية العالم بأسره ، أصبحت الضحية العراقية تواجه العالم ، بعد أن أصبحت معتدية ، كما حصل مع ألمانيا ، بنفس السيناريو ما قبل الحرب العالمية الثانية ، وبكل حيثياته ، والسبب هو عداء قيادة البلدين لأسياد العالم ، وبذلك أُجبرت دول العالم المختلفة ، على اتخاذ موقف معادي للعراق ، حتى من قبل حلفاءه التقليديين ، في ذلك الوقت .
أما في الوقت الحالي ، فقد بدأت دول العالم مؤخرا ، تصحو من أكاذيب الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، لتبرير ما تنتهجه من سياسات إزاء العراق ، فكل المبرّرات السابقة لم تعد موجودة ، وأصبحت الأعمال الأمريكية العدوانية ، تُجابه بالمعارضة الشديدة من قبل أغلب دول العالم . وحتى قرارات الشرعية الدولية ، تميل كثير من الدول ومنها روسيا والصين ، إلى التغاضي عن البحث ، في مسألة التزام العراق بها من عدمه ، ومنها مسألة فرق التفتيش عن الأسلحة . بل تعمد هذه الدول أحيانا ، إلى خرق هذه القرارات سرا ، حتى وصل الأمر بمجلس الدوما الروسي ، إلى المطالبة بالتصويت ، على عملية رفع الحصار عن العراق من جانب واحد . أما الأكثر تمسكا بقرارات الشرعية الدولية ، فهم الذين يذرفون دموع التماسيح ، على الشعب العراقي ، بدعوى أنهم حريصون على مصلحة هذا الشعب ، وأن قيادة هذا الشعب ليست حريصة عليه ، بما أنها عصت وتمرّدت على قرارات الشرعية الدولية ، التي جعلوا من يعصيها ، بمنزلة من عصى الله ، إن لم تكن أعظم .
وأما دعوى الأمريكان ، بأن العراق يُشكل تهديدا للمصالح الأمريكية ، في منطقة الشرق الأوسط ، وأهم هذه المصالح ، هي تدفق النفط بأسعار معقولة ، واستمرارية فتح الأسواق الخليجية للبضائع الأمريكية ، فهي دعوى باطلة ، فهذان الأمران هما تحصيل حاصل ، منذ اغتيال الزعيم العربي الوحيد ، الذي عارض الإله الأمريكي بقطع النفط ، ليشلّ بذلك العالم الغربي بأسره . وأما التذرّع بعدوانية العراق على جيرانه بغزوه للكويت ، فهو محض افتراء ، لأن من أجبر العراق على غزو الكويت ، هم الأمريكان بعلم ، وحلفائهم الكويتيون بغير علم ، وبتخطيط وتدبير وتشجيع من الأمريكان أنفسهم لكلا الطرفين ، وبمساعدة من العرب أنفسهم . لنخلص إلى القول أن العداء الأمريكي للعراق ، أصبح غير مبرّر ، في نظر شعوب العالم كافة ، حتى من قبل الشعب الأمريكي نفسه ، الذي أصبح يُحرج قادته ، بتفنيد كافة الحجج والذرائع ، التي يُبرّرون فيها مواقفهم المتناقضة من العراق وإسرائيل .
ولنخلص إلى القول ، أولا ؛ بأن الموقف العالمي إزاء الصراع الأمريكي العراقي ، أصبح مختلفا بل مغايرا لما كان عليه في السابق ، فهناك بعض الدول العظمى وحتى الصغرى منها ، باتت تتخذ موقفا مناهضا لأمريكا ولإسرائيل ، ومتعاطفا مع العراق وفلسطين ، وخير مثال على ذلك موقف كولومبيا في مجلس الأمن المؤيد ، لإرسال قوة حماية دولية للفلسطينيين ، مبدية عدم اكتراثها بمقاطعات أمريكا الاقتصادية ، وموقفي كل من روسيا والصين . وثانيا ؛ بأن الموقف الأمريكي المعادي للعراق ، عند عدم عزوه للمخاوف التوراتية اليهودية ، يُصبح أمرا لا يُمكن فهمه من قبل الآخرين .
الموقف العربي من العراق :
دأبت أمريكا على دفع الأمور ، باتجاه جعل الرأي العالمي والعربي والعراقي ، يعتقد بأن السبب في معاناة الشعب العراقي ، هو القيادة العراقية بتوجهاتها العدوانية ، حتى بات كثير من العرب ، يعتقدون بأن هذه القيادة هي السبب الحقيقي ، فيما وصل إليه العرب من ذل وهوان وفرقة ، وضياع لثرواتهم النفطية ، فضلا عما كانوا عليه في السابق . بل مضى الكثير منهم إلى أبعد من ذلك ، فاتهموا هذه القيادة بالتآمر والتواطؤ مع الغرب نفسه ، ضد العرب وضد الشعب العراقي ، ليصبح إسقاط القيادة العراقية مطلبا عالميا وعربيا وعراقيا ، وليبقى رفع المعاناة عن الشعب العراقي مرتبطا ، بإسقاط القيادة العراقية الحالية . وهذا مما جعل البعض يذهب إلى القول أيضا ، أن الغرب مستفيد من وجود القيادة العراقية على رأس السلطة ، لذلك لا يرغب بإسقاطها ، وأن الرئيس العراقي متآمر ومتواطئ مع أمريكا ، للإضرار بشعبه وأمته ، وحتى ضربه لإسرائيل كان فقط ، لذر الرماد في العيون . ولو أن أمريكا لم تكن مستفيدة من وجوده ، لعملت على إزاحته ، تأليها من أولئك لأمريكا بغير علم ، وكأنّها القادر على كل شيء .
وكما أخطأ الشريف حسين بوضع ثقته في الإنكليز ، في الحرب العالمية الأولى ، وساهم بتنفيذ مخططات اليهود ، من حيث لا يدري ، أخطأت القيادة العراقية مرتين ، عندما وثقت بأمريكا وبعض مواليها من العرب ، المتآمرين في ظهر الغيب ، فانطلى عليها معسول الكلام ، فسيق العراق كما يُساق الفهد إلى قفص الصياد ، فدخل حربين مدمرتين ، كان الهدف منهما تحطيم قدراته . وعلى ما يبدو أن هذه القيادة استيقظت من غفوتها ، فور دخولها للكويت ، وانكشاف الوجه الحقيقي لأمريكا ، ولكن بعد فوات الأوان ، فانسحبت من حرب الخليج الثانية ، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ولكن المتآمرون على العراق من عرب وعجم ، لم يُعطوها الفرصة لالتقاط أنفاسها ، فتوالت قرارات مجلس الأمن تباعا ، وكان الحصار الذي لم يكن في الحسبان ، وكانت لجان التفتيش ، وكانت التعويضات ، فحُصر المارد العراقي ، في قمقم قرارات مجلس الأمن الدولي ، ريثما يجد المتآمرون عليه طريقة للإجهاز عليه تماما .
كان مقتل القيادة العراقية الأول ، الذي استغله المتآمرون خير استغلال ، هي ما يتمتع به العراقيون إجمالا ، من صفات العزة والأنفة وامتلاكهم للقوة ، وعدم قبولهم للذل والهوان ، والتطاول عليهم من قبل الآخرين . فعندما أُغري الكويتيون بالتطاول على العراق ، كانت الحرب الانتقامية . وكان المقتل الثاني وما زال ، هو أن العراقيين رجال حرب ، وليسوا برجال مكر وكذب ومراء . لذلك كان من السهولة بما كان ، أن تنطلي عليهم دسائس المكرة الفجرة من الغرب والشرق . وأما رجم القيادة العراقية بالخيانة والتواطؤ مع الغرب ، من بعض المحبطين العرب ، فذلك أولا : لجهلهم بما يدور في مطابخ الغرب والشرق ، ضد هذه الأمة بشكل عام ، وضد العراق بشكل خاص ، وثانيا : لخيبة أملهم فيما عقدوه من آمال ، على القيادة العراقية ، لرفع حالة الذل والهوان المزمنة التي يُعانون منها ، وخاصة بعد أن توقفت الصواريخ العراقية ، التي كانت تضيء سماء العروبة ، لتدك معاقل الصهاينة ، قبل أن تتحقّق أحلام الشعب العربي في العزة والكرامة .
دوافع ومبررات العراق لمحو إسرائيل عن الوجود :
1. التخلّص من الشعور بعقدة الذنب ، حيث أن أفعال القيادة العراقية ، أضرّت حقيقة بالشعب العراقي والأمة العربية ، حتى لو كانت عن غير قصد .
2. تبيض الصفحة ونفي تهمة الخيانة والتواطؤ ، حيث أن القيادة العراقية ، أصبحت متهمة من قبل الآخرين .
3. ضرورة التعويض عما لحق الشعب العراقي والأمة العربية ، من ذل وهوان نتيجة الانكسار العراقي .
4. إثبات القدرة العراقية على النهوض بالأمة العربية ، وقيادتها لما تصبو إليه من منازل العز والكرامة ، والتي طالما كانت تتحدث عنها فيما مضى ، ولكنها لم تفلح لغاية الآن ، مما شكّك في مصداقية القيادة العراقية ، في تصديها لهموم الأمة العربية ، كما تدّعي .
5. إثبات صدق تبني القيادة العراقية ، لمقولة " عاشت فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر " ، والتي تُعتبر من أولويات الحزب الحاكم .
6. الخروج من الوضع المأساوي والمُهين ، الذي نجم عن الحصار الأبدي ، المفروض على العراق منذ أحد عشر عاما .
7. قطع الطريق على المخططات اليهودية الأمريكية لتدمير العراق ، التي أصبح العراقيون يعونها تماما .
8. الانتقام من التطاول الإسرائيلي الجبان ، بضرب المفاعل النووي العراقي ، أثناء انشغاله في الحرب مع إيران .
9. الانتقام من التطاول الأمريكي ، بتكنولوجيته الجبانة ، أثناء وما بعد حرب الخليج الثانية .
10. إظهار عدم مقدرة أمريكا ، على حماية مسخها الخداج في المنطقة ، في أي مواجهة عسكرية حقيقية .
11. سلبية مواقف القيادات العربية غير المبرّرة من العراق ، ويأس القيادة العراقية وقنوطها من هذه القيادات ، خاصة بعد مؤتمري القمة الأخيرين .
12. تعلّق آمال الشعب الفلسطيني اليائس ، بصحوة المارد العراقي المحاصر ، وخروجه من الإقامة الجبرية في القمقم . وهذا ما يُظهره الفلسطينيون أثناء مسيراتهم ، من خلال رفع صور الرئيس العراقي ، والأعلام العراقية .
13. حاجة الشعوب العربية إلى بطل حقيقي يعيد لها أمجادها ، في زمن عزّت فيه البطولة ، إلا من بطولات ، على نمط بطولات الدون كيشوت ، في معاركه مع طواحين الهواء ، التي ما فتئت تتغنى بها وبأبطالها شاشات التلفزة العربية ، ليلا ونهارا .
14. العراق ، غريق لن يخشى البلل ، وعلى ما يبدو ، أنه سيعمل على مبدأ " أنا والطوفان من بعدي " ، وإن لم يكسب ، فلا شيء يخسره .
15. الاستفزاز أو العدوان الأمريكي القادم ، بناءً على التحريض اليهودي ، كما ورد في تقرير واشنطن ، بإثارة مسألة المفتشين ، مع نهاية شهر 11/2001م ، أو بإثارة فتنة جديدة ، تدفع العراق للقيام بعمل عدواني ، داخل أو خارج أراضيه .
النص القرآني يتحدّث عن نزاع بين طرفين ، ولا اعتبار لأي طرف آخر :
يتحدّث النص القرآني عن نزاع بين طرفين ، في سورة الإسراء ، تربط ما بينهما علاقة ثأرية متأصلة في النفس اليهودية ، منذ آلاف السنين ، ولا يضع في حسبانه أي طرف آخر ، مهما عظُم شأنه أو صغُر ، وكأنه لا يوجد على الكرة الأرضية ، سوى اليهود وأولئك العباد . وهذا ما نجده في الآية السادسة والخمسين من سورة الإسراء ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ، وَلَا تَحْوِيلًا (56) ، ولفظ ( الضُّرّ ) ورد في القرآن ، (29) مرة فقط ، وبمعنى واحد هو الأذى أو العذاب في الحياة الدنيا ، والمعنى الإجمالي للآية ، بأن الله سبحانه وتعالى ، يُخاطب أُناسا أثناء نزول العذاب بهم متحديا إيّاهم ، بدعوة من اتّكلوا عليهم من دونه ، لرفع عذاب الله عنهم . ووعد الآخرة هو وعد إلهي لليهود بالعذاب – وليس للمسلمين بالنصر - سيقع لا محالة ، ولن يملك أحد من الجن والأنس ، رفعه أو حتى تحويله عنهم ، ولكن كيف ؟ ، والذين نهاهم الله في نفس السورة ، عن اتخاذ وكلاء من دونه ، هم بنوا إسرائيل أنفسهم .
لنتفق أولا على أن تحقق هذا الوعد ، بغزو العراق لإسرائيل ، يعتمد أساسا على انفراد العراق بإسرائيل ، ويمكن لهذا الأمر أن يتحقّق في حالتين :
الاحتمال الأول : أن يكون هذا الغزو مسبوقا ، بدمار جميع القوى العسكرية التي يمتلكها الغرب وإسرائيل ، كنتيجة لتدخل بشري بقيام حرب نووية عالمية ، بين الغرب والشرق ، أو كنتيجة لتدخل إلهي ، بإحداث كوارث طبيعية هائلة في الغرب ، شبيهة بأحداث يوم القيامة .
الاحتمال الثاني : أن يكون هذا الغزو ضمن معطيات الواقع الحالي ، مع بقاء جميع القوى العسكرية التي يمتلكها الغرب وإسرائيل . باستخدام العراق لتقنيات وخطط عسكرية بسيطة ، تحمل في طياتها منطق عسكري جديد ، لم تألفه الشعوب ولا تتوقعه ضمن المعطيات الحالية ، يكون من شأنه أثناء الغزو ، إلغاء أو تهميش القدرات العسكرية الإسرائيلية والغربية كليا .
والاحتمال الأول ضعيف جدا ، حيث أنه يتطلب أن تقوم القوى الغربية ، بفعل عدواني يُهدّد الاستقرار العالمي ، مما يُجبر القوى الشرقية المتمثلة بروسيا والصين مثلا ، على الرد بشكل عنيف ومدمّر ، لإعادة الأمور إلى نصابها . وضمن المنظور القريب لا يوجد من الأسباب ، ما يدفع القوى الغربية للقيام بمثل هذا الفعل العدواني . أما الفعل الإلهي بتدمير القوى الغربية ، فهو أمر مستبعد كليا ، لأن الأحاديث النبوية ، فيما يُخص الفترة الزمنية التي يظهر فيها المهدي ، تُشير إلى فناء التكنولوجيا العسكرية وغير العسكرية بمجملها ، سواء ما يمتلكه الشرق أو ما يمتلكه الغرب ، ولا تُشير إلى فناء جميع الدول والشعوب ، التي تمتلك هذه التكنولوجيا ، فكيف فنيت التكنولوجيا بكليتها ، ولم تفنى الشعوب … ؟!
وهذا مما يؤكد أمرين ، أولا : بقاء بعض الدول وفناء البعض الآخر ، وثانيا : فناء جميع الأسلحة المتطورة وعلى رأسها الأسلحة النووية من كلا الطرفين . فالدمار القادم للحضارة الغربية برمتها ، سيتحصّل لا محالة ، وعلى ما يبدو ، من جرّاء حرب عالمية نووية مدمرة ، تستنفذ فيها كافة الأسلحة المتطورة من على وجه البسيطة ، مع بقاء بعض الشعوب المنتصرة ، بعد أن تكون ألقت ما في جعبتها من أسلحة ، على خصومها المنكسرة ، وبذلك يغدو من الممكن قيام الخلافة الإسلامية ، في ظل غياب تلك القوى ، ليحكم الكون بأسره ، إذ لا بد للنصر من أسباب ومسببات مادية ، فضلا عن العقائد الروحية .
أما الاحتمال الثاني فهو الأقوى ، إذ أن المؤشرات على الساحة العالمية والمحلية ، تؤكد على أن العراق ، لن يستطيع الصمود حتى وقت متأخر جدا ، فصبر القيادة العراقية بدأ ينفذ ، والتحركات السياسية المتعددة للخلاص من الحصار ، على المستوى الإقليمي والدولي باتت غير مجدية ، ورغم كل ذلك ، لا يبدو أن هناك ضوء في آخر النفق ، والضغوط والتهديدات الأمريكية في تزايد مستمر ، فلا بد لها من القيام بعمل ما لتحريك الأمور ، أو قلبها رأسا على عقب . وكذلك الأمر بالنسبة للشعب الفلسطيني في فلسطين ، إذا ما استمر الحال ، على ما هو عليه من الخذلان العربي والعالمي ، فهو أقرب إلى الانهيار منه إلى الاستمرار ، وستكون النتيجة مأساوية على المدى البعيد ، وعلى عكس ما يتوقعه الناس منهم ، فللإنسان طاقة محدودة على الصبر ، وسيبدأ الفلسطينيون مجدّدا بالانسياب إلى الخارج شيئا فشيئا .
معطيات الواقع الحالي تؤكد حتمية نفاذ هذا الوعد في وقت قريب :
وسرّ قابلية نفاذ هذا الوعد في الوقت الراهن ، يكمن أولا : في القيادة الحالية للعراق ، التي إن زالت لن تتكرّر ، فهي التي تملك إرادة الغزو ، بعدما تولدت لديها نتيجة عملية مخاض عسيرة ، تمثلت بما لحق بالعراق ، من ظلم وإجحاف وإذلال في السنوات الأخيرة ، على عهد هذه القيادة ، وهي المُطالبَة بإزالة هذا الظلم والهوان ، والثأر ممن تسبّب فيه ، وبعث أولئك العباد المشار إليهم في النص القرآني أساسا ، وكما وضحّنا سابقا ، قائم على علاقة ثأرية بينهم وبين اليهود ، غايته الانتقام ليس إلا .
ويكمن ثانيا : في القيادة الحالية لإسرائيل ، بقيادة أكثر اليهود إجراما ووحشية ، ودورها في ازدياد حدّة ودموية الانتفاضة الجديدة ، التي ساهمت وستساهم ، في استمرارية انغماس يهود إسرائيل في شأنهم الداخلي ، وإهمالهم وعدم التفاتهم لمن يتربّص بهم الدوائر من الخارج ، مما يعطي فرصة أكبر لنجاح الغزو العراقي .
ويكمن ثالثا : في حالة المجتمع الإسرائيلي الراهنة ، وخاصة بعد اختياره لقيادة هي الأكثر دموية بين سابقاتها ، وبأغلبية ساحقة مما يُشير إلى أن الشعب بكليته ، أصبح أيضا شعبا دمويا فاسدا ومفسدا ، وعندما تصبح الأمة بأسرها تملك هذه الصفة ، وحسب السنن الإلهية ، نجد أن هلاكها بات وشيكا جدا . وإذا علمنا أن السفاح ( شارون ) يحمل على عاتقه ، تنفيذ مجمل أحلام اليهود التوراتية ، الواردة في الفصول السابقة ، قبل نهاية ولايته ، وعلى رأسها هدم المسجد الأقصى ، نستطيع القول بأن هلاك هذه الأمة ، لن يتجاوز الأربع سنوات على أبعد الاحتمالات .
ويكمن رابعا : في القيادة الحالية الأمريكية غير المتزنة ، التي أعلنت عدائيتها غير المبررة للعراق ، وقامت بضربه فور تسلمها للسلطة ، دون سابق إنذار ، بالرغم من سياساته التصالحية ، وتجاوبه الكامل مع قرارات الشرعية الدولية ، وانتهاجه لأسلوب الحوار مع مجلس الأمن _ وكل ذلك لم ولن يُجدي نفعا ، إذ أن المطلوب من العراق ، هو عبادة إسرائيل التي يعبدون ، وتقديم فروض الطاعة والولاء للسامريّون الجدد في الغرب المتصهين _ والتي أظهرت أيضا في المقابل تغاضيا وصمتا ، على ما تقترفه القيادة الإسرائيلية ، بشكل غير مسبوق ، مما أثار حفيظة حتى المنافقين من حلفاء أمريكا ، فتعاقبت التنديدات والانتقادات لهذا التصرف الأهوج ، من قبل المُهرّج الأمريكي بوش .
هذا ، فضلا عما أثارته القيادة الأمريكية من استياء عالمي ودولي ، لسياستها المعادية لدول الشرق الأقصى والأدنى من روسيا شمالا وحتى اليمن جنوبا ، ومن الصين شرقا وحتى ليبيا غربا ، ولحلفائها الغربيين من الدول غير المنحازة لسياساتها ، وللبشرية جمعاء بعدم توقيعها على اتفاقية الحد من الانبعاث الحراري ، حتى انعكس ذلك ، على مشاركة أمريكا ، في اللجان المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة ، فأُسقطت من لجنتي حقوق الإنسان ومكافحة المخدرات ، خلال فترة قصيرة ، مما يعكس السخط الدولي على أمريكا وسياساتها .
فضلا عن ذلك ، يأتي مشروع الدرع المضاد للصواريخ المثير للجدل ، والذي تروّج له أمريكا على أنه مشروع دفاعي بحت ، تسعى لامتلاكه ، متذرّعة بمخاوف غير منطقية ، من هجوم نووي ، ربما تقوم به إحدى الدول المارقة ، كإيران وكوريا الشمالية ، أو جماعات إرهابية ، من الممكن أن تحصل يوما ما على السلاح النووي ، لضمان تأييد حلفائها لهذا المشروع ، الذين أبدوا حوله الكثير من التحفظات ، لعدم قناعتهم بالمسوغات الأمريكية لهذا المشروع . والذي يُجابه أيضا بمعارضة شديدة من قبل روسيا والصين ، كون هذا المشروع سيلغي قوة الردع النووية ، لأي دولة تمتلك السلاح النووي . فالسلاح النووي في الأصل هو قوة ردع كفيلة ، بمنع أي دولة مارقة أو غير مارقة ، من مجرد التفكير بضرب أمريكا نوويا ، ليتبين لنا أن دوافع أمريكا المعلنة لامتلاك هذا الدرع ، غير مبررة وغير منطقية .
أما دوافعها غير المعلنة لامتلاك هذا الدرع ، فهي نابعة من المخاوف التوراتية والإنجيلية ، فيما يتعلّق بالمواجهة المقبلة بين الشرق والغرب ، والتي تناولناها في فصل سابق ، ومحركاتها الرئيسية هي العراق وروسيا والمهدي . وبامتلاك أمريكا لهذا الدرع ، تتحول صواريخها النووية إلى أسلحة هجومية ، قادرة على ضرب أي جماعة ، أو دولة نوويا أو غير نووية من المذكورة آنفا ، في حالة قيامها بتهديد المصالح أو أمن أمريكا وحلفائها ، دون أن تكترث بأي هجوم نووي مضاد ، حتى من قبل روسيا والصين ، وبذلك تستطيع أمريكا ، فرض إرادتها على أي دولة بالقوة إن لم تمتثل لسياساتها طواعية ، ضاربة بهيئة الأمم ومجالسها وقراراتها ومواثيقها عُرض الحائط .
ولو بحثت عمن يسعى بحماس لترويج فكرة هذا الدرع ، في الإدارة الأمريكية ومجلسي الشيوخ والنواب ، لوجدت أنهم في معظمهم ، من اليهود ومن المتصهينين النصارى من عبدة إسرائيل ، المسكونين بالمخاوف التوراتية والإنجيلية . وأن الهدف المنشود من إقامة هذا الدرع ، هو تمكين النبوءات التوراتية المستقبلية التي توافق أهوائهم وأمانيهم من التحقق ، وتعطيل جميع النبوءات التي تخالفها ، وبذلك تصبح قابلية نفاذ هذا الوعد ، بالشكل الذي نتحدث عنه شبه معدومة بل مستحيلة ، ففور شعور أمريكا بأي بوادر تحركات عراقي باتجاه إسرائيل ، لن تتردد الإدارة الأمريكية التوراتية ، في أن تجعل أرض العراق صعيدا جرزا ، دون خوف أو وجل ، وليصبح اسم العراق نسيا منسيا . هذا إن لم تستبق الأمور كما هي العادة ، بضرب العراق والخلاص من أمره ، حتى قبل أن يُفكر بالتحرك ، فور امتلاكها لهذا الدرع ، بعد خمس سنوات من البدء في تنفيذه ، حسب تقديراتها ، ليصبح أمر نفاذ هذا الوعد ، بعد هذه المدة الزمنية ضربا من الخيال . فلا بد من تحقق هذا الوعد قبل مضي هذه المدة .
وقد يقول قائل أن أمريكا لا تخشى أحدا ، ولو أرادت بالعراق السوء لفعلت ، ونقول بأن هذا القول غير صحيح ، فلتدمير القدرة العسكرية التقليدية وأسلحة الدمار الشامل العراقية ، احتاجت أمريكا أولا : مبررا وهو غزو الكويت ، وثانيا : لإجماع أممي لاستصدار قرار باستخدام القوة ، وثالثا : لمشاركة 30 دولة لتنفيذ الهجوم ، لتوزيع دمه على القبائل ، ومن ثم فُتح المجال لإجراءاتها العدائية المستمرة اتجاه العراق . فلو كانت قادرة ، فما الداعي لما قامت به من خطوات سبقت الضرب الفعلي للعراق ! ونقول بأن أمريكا ، لن تجرؤ على ضرب العراق نوويا ، بداعي الخوف على مصالحها أو أمنها ، في ظل امتلاك نفس السلاح ، من قبل دول مناهضة لها ولسياساتها كروسيا والصين ، لأنها بالمقابل ، ستعطي لهما مبررا لضربها نوويا دون سابق إنذار ، في حال قيام أمريكا بتهديد مصالحهما وأمنهما . فالمخاوف الأمريكية من أسلحة الدمار الشامل تأتي من العراق ، وكما نعلم فإن العراق كان على علاقة طيبة مع أمريكا ، قبل حرب الخليج الثانية ، ولم يُهدّد يوما لا أمن الولايات المتحدة ولا مصالحها ، وحتى بعد احتلاله للكويت ، لم يكن ذلك ليُغيّر من طبيعة تلك العلاقة ، والذين هدّد العراق أمنهم قبل جرّه لغزو الكويت وما زال ، وتستطيع صواريخه الكيماوية والبيولوجية أن تصلهم ، هم يهود إسرائيل ، وهو ما كان قد أيقظ المخاوف التوراتية لأسياد أمريكا من اليهود ، فكان ما كان ، ووقع ما لم يكن في الحسبان .
الأجواء الآن مغايرة تماما ، للأجواء التي قامت في ظلها الدولة اليهودية :
منذ أكثر من مائتي سنة ، قام اليهود بوضع مخطط طويل الأمد ، جمعوا فيه ، ما بين مطامع أرباب المال اليهود في السيطرة الاقتصادية ، وأحلام الحاخامات التوراتية في فلسطين . وكان الهدف النهائي للعمل الجماعي اليهودي ، وما زال ، هو السيادة الكاملة على كوكب الأرض ، من خلال حكم ملكي ديكتاتوري ، يتخذ من القدس عاصمة له ، لتحقيق مطلب الطرفين معا . نظريا وبإغفال القدرة الإلهية ، التي لا يؤمن اليهود بوجودها ، فإن مخططهم الإفسادي قابل للتحقق على أرض الواقع . أما عمليا ، وبإدخال القدرة الإلهية ، يُصبح أمر تحقق مخططهم هذا ، ضربا من الخيال .
وقد تمكن اليهود من خلال هذا المخطط ، من تحقيق السيطرة الاقتصادية ، على العالم الغربي ، بامتلاك الصناعة المصرفية ، وشراء الاستثمارات بكافة أشكالها ، وأهمها الصناعات العسكرية والإعلامية . مما مكّنهم من السيطرة على مجمل سياسيات تلك الدول الداخلية والخارجية ، ومن ثم تم تسخيرها ، لخدمة أهداف المخطط اليهودي آنف الذكر .
ولو أمعنت النظر في ظروف المنطقة ، التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية ، لوجدت أنها تتقاطع كليا مع المخططات اليهودية ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ، في ظل موقف السلطان عبد الحميد ، الرافض حتى لإقامة اليهود فيها كأفراد ، حتى استيئست رسل اليهود من الأمر . ولو أمعنت النظر في نتائج الحربين ، ستجد أنها خدمت المخطط اليهودي بشكل ملفت للنظر ، حيث تمخضت الحرب الأولى عن انهيار الدولة العثمانية ، ومن ثم إصدار وعد بلفور ، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، ومن ثم فتح باب الهجرة اليهودية . ومن ثم قامت الحرب الثانية ، فتمخّض عنها إنشاء الأمم المتحدة من خمس دول حليفة ومنتصرة ، وفي تلك الأجواء تم استصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين ، من خلال دعم غربي أمريكي بريطاني فرنسي ، وعدم معارضة شرقية روسية صينية ، حيث كان لكل دولة ، من تلك الدول والمأخوذة بنشوة الانتصار ، أطماع لنيل جزء من الكعكة العالمية بعد الحرب ، وكان أحد المطالب الغربية ، هو تقديم فلسطين لليهود على طبق من ذهب . وفي المقابل ، ستجد أن نتائج هذه الحرب ، كانت مأساوية على مجمل الدول ، التي شاركت فيها ، حتى المنتصرة منها ، بما أنها تكبّلت بالديون اليهودية إلى ما لا نهاية ، والمستفيد الوحيد دائما وأبدا ، هم تجّار الحروب من سادات اليهود ، أثرياء وحاخامات ، ممن يحكمون العالم الغربي في الخفاء .
ـ لنخلص إلى أن قيام إسرائيل واستمرارها ، اعتمد على عدة أمور :
1. تمكين بريطانيا من السيطرة على فلسطين ، لاستصدار وعد بلفور ، الذي لم يكن كافيا لتحقيق الحلم اليهودي ، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين . ومن ثم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، لتمكين بريطانيا من تنفيذ الوعد ، بفتح أبواب الهجرة ، وخلق واقع جديد ، يسمح لليهود بإقامة الدولة .
2. التضليل الإعلامي المستمر للرأي العالمي ، بترويج مقولة " أرض بلا شعب ، وشعب بلا أرض " . بالإضافة إلى التضخيم الإعلامي لمسألة الاضطهاد الأممي لليهود ، وخاصة ترويج حكاية ضحايا المحرقة النازية الستة ملايين . لكسب تعاطف وتأييد الرأي العالمي الغربي . ومن ثم استغلال الحلفاء الخمسة المنتصرين ، والمؤسسين للأمم المتحدة ، لاستصدار قرار أممي بتقسيم فلسطين ، تمخض عنه قيام دولة إسرائيل . بطلب وتأييد من الدول الغربية ، وقبول من الدول الشرقية ، حيث كانت حسبة المصالح للدول الخمسة الكبرى آنذاك ، تسير في مركب واحد ، بينما كانت الدول العربية بأسرها ، مملوكة من قبل الغرب .
3. الرعاية الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأمريكية والأوربية المستمرة لإسرائيل ، في حالتي السلم والحرب .
ـ والسؤال الآن هل الظروف ، التي أوجدت دولة إسرائيل ، وحافظت على بقائها واستمراريتها ، ما زالت قائمة ؟
1. فور خروج الجيش البريطاني ، وفور الإعلان عن قيام الدولة اليهودية ، استطاعت الجيوش العربية قهر الجيش الإسرائيلي ، والوصول إلى مشارف تل أبيب ، ولولا استجابة العرب للأوامر الأمريكية بوقف القتال ، لما استطاع الغرب من إمداد إسرائيل بالعدة والعتاد ، مما مكّنها لاحقا من الانتصار ، ولما كان هناك ما يُسمى بدولة إسرائيل ، ولكن قدّر الله وما شاء فعل .
2. بعد الانفتاح الإعلامي ، وعالمية وسائل الاتصال ، وتعدّد مصادر المعلومات ، أُتيح للرأي العالمي ، وخاصة المناهض لأمريكا وسياساتها ، رؤية الجانب الآخر من الصورة ، الذي عملت وسائل الإعلام الغربية على التعتيم عليه ، فيما مضى ، فبات الكل يعلم ، أن فلسطين لم تكن يوما من الأيام ، أرضا بلا شعب ، بل فيها شعب ، لا مثيل له بين الشعوب ، له إرادة تفل الحديد ، ويستحق التقدير والاحترام . وبات الكل يعلم ، أن الشعب الذي كان يتباكى من الاضطهاد النازي له ، تبين أنه أكثر نازية ووحشية من النازيين أنفسهم ، فتبدّل التعاطف معه إلى سخطٍ عليه ، واستياءٍ وخجلٍ عالميّ من أفعاله ، ولولا الفيتو الأمريكي والدعم البريطاني والفرنسي والتخاذل العربي ، المسلّط على رقاب الفلسطينيين ، والُمحبِط حتى لأنصار القضية الفلسطينية ، من الشعوب غير العربية ، لما استمرت هذه الدولة النازية الجديدة في الوجود .
3. لو تتبعنا كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، لوجدنا أن إسرائيل لم تكن قادرة ، بأي حال من الأحوال ، على مجابهة الجيوش العربية ، بل لم تكن قادرة على حماية نفسها ، لولا الدعم العسكري الأمريكي البريطاني الفرنسي ، المعلن والخفي بالسلاح والأفراد ، من خلال الجسور الجوية التي كانت توصل هذا الدعم . فالمواجهة في كل الحروب ، لم تكن بين العرب وإسرائيل ، وإنما كانت بين العرب والغرب . ولوجدنا أن مجمل نوايا القيادات العربية ، كانت معروفة باليوم والساعة ، وأن تحركات الجيوش العربية وإمداداتها ، كانت معلنة ومكشوفة وبطيئة ، وغير منسقة لتعدد القيادات ، ولوجدنا أن عامل الوقت كان حاسما في مجمل تلك الحروب ، مما كان يُمكّن إسرائيل من الاستعداد ، وطلب النصرة من الغرب .
كانت هذه قراءتنا للواقع . أما معطيات الواقع المنظور ، كما يقرأها عامة الناس ، والتي لا توحي باقتراب تحقّق وعد الآخرة ، بإساءة وجوه الصهاينة ، والدخول العراقي لفلسطين . سنحاول تصحيح هذه القراءة ما أمكن ، من خلال رسم صورة ، للدخول القادم من خلال صور ومشاهد ، من القرآن والتاريخ والواقع ، لتقريب صفة هذا الدخول لذهن القارئ ، وذلك أولا : لتأكيد مصداقية ما جاء به كتاب الله ، من أمر هذا الوعد قبل تحقّقه ، وعلى النحو الذي أراده رب العزة ، لا كما أرادته أهواء البشر ، وثانيا : بيان مدى قابلية تحقّق هذا البعث ، في زمن قريب جدا ، وضمن معطيات الواقع الحالي ، الذي قد يراه الناس مخالفا ، لما نذهب إليه جملة وتفصيلا .
من صور الدخول في القرآن :
نطرح فيما يلي بعضا من صور الدخول ، مما ورد ذكره في القرآن الكريم :
• ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا حِطَّةٌ ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58 البقرة )
كان هذا وصف لكيفية الدخول ، التي أُمر بها بنو إسرائيل على قرية مدين شبه الخاوية ، بعد هلاك أغلبية أهلها بالعذاب ، وتركهم لأرضهم ومساكنهم وممتلكاتهم من الزروع والمواشي ، وهذا ما يُشير إليه قوله تعالى ( فكلوا منها حيث شئتم رغدا ) ، أي أن ما فيها من خيرات وأنعام ، أصبح في متناول أيديهم بمجرد الدخول ، وهذه العبارة قيلت لآدم وزوجه عند أمرهم بدخول الجنة ، وكان هذا من لطف الله بهم ومنّه وكرمه عليهم ، ولذلك طُلب منهم عند دخول باب القرية ، التعبير بالقول والهيئة ، عن شكرهم وطاعتهم لله على هذه النعمة ، التي كانوا قد طلبوها سابقا ، وتحصّلوا عليها دون جهد أو عناء ، إذ لم يُجابهوا بأية ممانعة أو مقاومة ، بل على العكس ، قوبلوا بالترحيب ، من قبل شعيب والقلة المؤمنة ممن بقي من قومه ، لمصاهرة موسى عليه السلام لهم ، وإقامته عندهم فيما مضى ، والله أعلم .
• ( قَالَ رَجُلَانِ ، مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ (23 المائدة )
كان هذا وصف لكيفية الدخول ، الذي أُمر به بنو إسرائيل ، لدخول الأرض المقدّسة المأهولة بالسكان ، في محاولة من رجلين مؤمنين عالمين بواقع الحال ، لتشجيعهم وطمأنتهم ، لعلهم يرجعون عن موقفهم الرافض ، لدخولها وطرد سكانها الوثنيون ، والاستيطان فيها بدلا منهم ، حيث يؤكد لهما الرجلان ، بأنهم لن يتعرضوا للأذى عند الدخول ، وفي حال كانت هناك مواجهة ، فلن يُكلّفهم ذلك سوى كسر الباب ، بقتل الحراس المتواجدين عليه ومباغتة أهلها في الداخل . وعلى ما يبدو أن موسى عليه السلام ، قبل أن يأمر بني إسرائيل بالدخول ، كان قد بعث هذين الرجلين ، للتجسس على أهل المدينة المقدّسة ، فوجدا أن أهلها على غير استعداد للحرب ، وأنهم لا يملكون جيشا ، ولم يكونوا جبارين حقيقة ، كما ادعى بنوا إسرائيل لاحقا ، وأنهم لا يملكون سوى بضعة حرّاس ، على باب المدينة فقط . وعندما أمر موسى قومه بالدخول ، رفضوا مُتذرعين بجبروت أهلها تقاعسا وخذلانا وجبنا ، فعقّب هذين الرجلين على قول موسى ، بقولهم ذلك تفنيدا لادّعائهم ، وتوضيحا لحقيقة الأمر ، كما رأوها بأُمّ أعينهم ، ومع ذلك أصرّ بنو إسرائيل على موقفهم ، بقلة إيمانهم وفسقهم وجبنهم . ودخول كهذا يحتاج للمباغتة كعنصر أساسي ، لمنع الخصم من الاستعداد والجاهزية للقتال ، مما يُقلّل أو يمنع الخسائر في المواجهات المكشوفة ، ويدفع الخصم إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع ، ومن ثم الرحيل عن الأرض .
• ( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ ، إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34 النمل )
وكان هذا وصفا لكيفية دخول الملوك ، على القرى المتمرّدة والمتطاولة ، على أمرهم ومكانتهم ، على لسان ملكة سبأ ، تحذيرا لقومها من عصيان أمر الملك سليمان عليه السلام ، وهذا الدخول هو الأسوأ على الإطلاق . وانظر في قول سليمان عليه السلام ، عندما تمرّدوا على أمره ، ولم يأتوه مسلمين كما طلب ، حيث قال ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37 النمل ) ، فعصيان أمر الملوك ، ذوي القوة والعزة والأنفة والتطاول عليهم ، بأي شكل من الأشكال ، يُحمل على أنه تحقير وتقليل من شأنهم ، ويُعتبر إهانة لا يستطيعون غفرانها . والرد عليها عادة ما يكون ، كما هو ظاهر في رد سليمان عليهم ، بإرسال جيش لا قبل للخصم به ، لا من حيث العدد ولا من حيث العدة ، ونتيجة فعلهم ، هي كما وصفته ملكة سبأ في الآية الأولى ، وما أكدّ عليه سليمان في الآية الثانية أعلاه .
وغاية هذا الدخول في العادة ، تكون للانتقام ورد الاعتبار ، باستباحة الأرض والمال والعرض ، بتخريب الممتلكات والقتل والتنكيل في العامة ، وأسر علية القوم وإذلالهم ، ومن ثم قتلهم والتنكيل بهم ، وسبي نسائهم وأطفالهم ، وتسخيرهم للعمل كجواري وخدام في القصور إمعانا في إذلالهم . ودخول كهذا عادة ما تُعلن فيه الرغبة في الانتقام ، ويتم فيه تهديد الخصم مسبقا ، لإذلاله وإدخال الرعب في قلبه ، مما يكون أدعى لانهياره ، وسرعة تداعيه عند المواجهة ، في حال تجرّأ على ذلك .
• ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ، مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ، وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27 الفتح )
هذه هي المرة الأخرى ، والوحيدة في القرآن ، التي يرتبط فيها ذكر الدخول بالمسجد ، وهو دخول المسجد الحرام في مكة ، ولو أمعنت النظر في نص الآية ، ستجد أنها تصف المسلمين أثناء تأدية العمرة ، وقد جاء في كتب التفسير ، أن هذه الرؤيا قد تحقّقت ، فيما سُمّي لاحقا بعمرة القضاء ، في العام التالي لصلح الحديبية ، فأنزلت هذه الآية تصديقا للرؤيا ووعدا بالفتح . وأما الدخول العسكري لمكة والمسجد الحرام ، فسُمّي في القرآن فتحا وليس دخولا . والمعروف أن المسلمين عندما خرجوا لغزو مكة ، كانوا قد أعدوا عدة الحرب . وقد روى الإمام مسلم عن جابر : " أن رسول الله دخل مكة ، وعليه عمامة سوداء ، من غير إحرام " ، وقال ابن كثير في تفسيره للآية (24) من نفس السورة ، والتي سيرد نصها في الحديث عن فتح مكة ، أن الرسول عليه الصلاة والسلام : " لم يسق عام الفتح هديا ، وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم " .
المقصود بدخول المسجد :
الدخول القادم للمسجد الأقصى ، لن يكون لتخريبه كما وقع في المرة الأولى ، ولن يكون بقصد الزيارة فقط ، لأداء عبادة من العبادات ، كما هو الحال عند دخول المسجد الحرام ، الموصوف في الآية أعلاه . فالمقصود بقوله تعالى ( وليدخلوا المسجد ) هو الدخول إلى الأرض المباركة ، التي تحوي هذا المسجد ، أي فلسطين ككل والسيطرة عليها . وذِكر المسجد ، الذي هو بمثابة القلب من الجسد ، بالنسبة للأرض المباركة والمقدّسة ، جاء للإشارة وللتأكيد على أن نفاذ الوعد بشكل كامل ، سيتحصل أخيرا بدخول القدس ، بعد إزالة العلو اليهودي من فلسطين ، وإنهاء الوجود اليهودي فيها ، الذي يفيده تقدّم ذكر الإساءة عن ذِكر الدخول .
ولو تمعنّت في قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ (7) ، ستجد أن الغاية من البعث في الأصل ، هي إساءة وجوه اليهود ، وستتحصّل هذه الإساءة ، من جرّاء ما وقع فيهم ، من قتل وتنكيل وسبي وفرار . ومن ثم جاء ذكر المسجد ، ليكون دخول القدس واستعادتها ، نتيجة تأتّى من جرّاء ما وقع في اليهود من إساءة . والأنكى والأكثر إيلاما لليهود ، هو أن تُتّخذ القدس عاصمة لدولة عربية كبرى ، لتصبح أحلام يهود الشرق والغرب المتعلقة بها هباءً منثورا ، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق . وبالتالي يكون مجيء لفظ الدخول في هذه الحالة ، تأكيدا لتحرير فلسطين واستعادة المسجد والاستيلاء عليه من قبل المبعوثين ، وأن البعث لم يقتصر على إساءة الوجوه فقط . والتشبيه هنا كان لصفة الدخول ، منذ اجتيازهم لحدود الأرض المقدّسة ، بما تخلله من قتل وتنكيل وأسر وإذلال ، حتى وصولهم إلى قلب مدينة القدس ، ليتأكد لنا زوال علوهم منها بشكل كامل قهرا وقسرا ، بالضبط كما حصل في المرة الأولى ، عند دخول البابليين بقيادة نبوخذ نصّر .
وعلى ما يبدو أن الدخول القادم ، سيجمع بين صفتي الدخول الثاني والثالث ، المشار إليهما أعلاه ، لأن غاية الدخول القادم ، تجمع ما بين غايتيهما ، وهما أولا : طرد اليهود وإعادة الأرض لأصحابها الأصليين ، وثانيا : إشباع الرغبة العراقية في الانتقام من اليهود وإذلالهم .
ومن جانب آخر ، نجد أن قوله تعالى ( ليسوءوا … وليدخلوا … كما دخلوه … ) يصف ما سيجري على أرض فلسطين لحظة الوصول إليها ، وحتى استعادة كامل أرضها . والذي سيجري حقيقة على أرض الواقع ، حسب الوصف القرآني ، ليس بمعركة ، وإنما غزو من قبل أمة لا تعرف الرحمة ، لأمة ضعيفة وجبانة مستباحة الأرض والمال والعرض . ولو أنك فكّرت بهذا الحدث نظريا ،كما جاء به النص القرآني ، وحاولت مطابقته مع معطيات الواقع الحالي ، ستجد بأنه عملية تحققه ضرب من الخيال ، ضمن الظروف الراهنة ، التي تؤكد رجحان كفة موازين القوى العالمية ، لصالح اليهود وحلفائهم الغربيين .
صور من الواقع :
ـ حال إسرائيل في المنطقة ، كحال ثري يملك منزلا ، في منطقة معزولة عن المدينة ، يحتوي على كمٍّ هائلٍ من الكنوز والمقتنيات الثمينة ، ويقتني عتاد جيش كامل من الأسلحة ، من مسدسات وأسلحة رشاشة وقنابل يدوية وصواريخ ، لحماية هذه الممتلكات من هجمات اللصوص .
فلو أن مجموعة كبيرة من اللصوص ، لا تملك سوى السلاح الأبيض ، فكّرت بالسطو على مثل هذا المنزل ، ، فهل ستنجح ؟!
للإجابة فكّر مليا بالحالات التالية :
• إذا وقع السطو ، وشعر صاحب المنزل باللصوص ، وهم خارج الأسوار ، سيكون بمقدوره الاتصال برجال الأمن ، ومشاغلتهم بما لديه من الأسلحة متنوعة وفتاكة ، حتى يتمكن من الحصول على المساعدة ، هذا إن لم يكن قد فرق شملهم ، وأبادهم عن بكرة أبيهم ، قبل وصول المساعدة ، وستكون إمكانية صدهم في هذه الحالة كبيرة جدا .
• إذا وقع السطو ، ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص ، إلا بعد دخولهم إلى المنزل والانتشار في أرجاءه ، فهو خاسر لا محالة ، ولكن أمامه عدة خيارات ، أولا : الاتصال بالمساعدة التي لن تصل في الوقت المناسب ، وسيكون ضررها أكثر من نفعها ، في حال أحس اللصوص بذلك ، فقد يُصبح قتله أمرا محتما ، وكذلك الحال فيما لو حوصر اللصوص ، من قبل رجال الأمن ، داخل المنزل المُتخم بالأسلحة ، ثانيا : المواجهة المسلحة ، فيما لو لم يتمكن من الاتصال ، والنتيجة مع كثرتهم ، محسومة لصالحهم ، بقتله ونهب محتويات المنزل ، وثالثا : الفرار أو الاختفاء ، والتسليم بالأمر الواقع ، لتنهب محتويات المنزل .
• إذا وقع السطو ، ولم يشعر صاحب المنزل باللصوص ، إلا وسكين أحدهم تضغط على حنجرته ، منبهين إياه من النوم . هنا ستكون النتيجة محسومة ، فنهب المنزل أصبح تحصيل حاصل ، وأما أمر نجاته من عدمها ، فمرهون بأيدي اللصوص .
ولغزو إسرائيل ، يتطلب الأمر تجنّب الحالة الأولى ، وهي ما جرت عليه العادة ، في كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، والعمل على ما أمكن على تحقيق الحالة الثالثة ، أو الحالة الثانية على الأقل ، بهجوم كبير وشامل ومباغت وسريع ، تكفله وحدة القيادة من خلال العمل المنسقّ والمحافظة على السرية التامة ، مما يحرم إسرائيل من الاستعداد ، ويلغي جميع قدراتها الدفاعية والهجومية ، ويحرمها حتى من القدرة على طلب المساعدة كذلك . ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة ، يتطلّب عدة عوامل :
أولا : إعداد جيش كبير العدد ، يفوق تعداد الجيش الإسرائيلي أضعافا مضاعفة ، يتم تدريبه على كافة الأساليب القتالية الحديثة ، ويكون لإفراده القدرة على تحمل الجهد والجوع والعطش ، والقدرة على البقاء والاستمرارية في أقسى الظروف ، تملؤهم رغبة جامحة بالانتقام ، ويُسيّرهم حقد جارف .
ثانيا : المحافظة على السرية التامة ، منذ لحظة الانطلاق حتى الوصول ، لتوفير عنصر المباغتة .
ثالثا : سرعة الوصول ، باستخدام كافة الوسائل والتقنيات العصرية المتاحة .
رابعا : شمولية الهجوم ، من خلال تعدد الجبهات .
خامسا : سرعة الانتشار .
ـ ولو نظرنا إلى واقع إسرائيل ، ستجد أنها أشبه بالطفل الخداج ، الذي يعيش في بيئة مصطنعة ، ويحتاج فيها إلى من يٌقدّم له الحماية والرعاية والعناية المستمرة والحثيثة ، والإمداد بالغذاء والهواء في الظروف الطبيعية ، وإلى العلاج المكثف في الأزمات الصحية بسبب نقص المناعة ، وعدم القدرة على المقاومة .
ومشكلة إسرائيل ، أن حاضنتها تقع في بيئة معادية ، وهي عرضة لأن يُفتك بها ، في أي لحظة ، وأن أمريكا القائمة على رعايتها والعناية بها ، تبعد عنها آلاف الأميال . وتحتاج إلى وقت ليس بالقصير ، لتقديم العون لها ، كلما ألمّ بها عارض مفاجئ ، وغالبا ما كانت أمريكا تلجأ إلى الحيلة والمماطلة ، في كل مرّة لكسب الوقت ، كي تؤمن لها العلاج المناسب ، وتنقذها من الهلاك .
وللتخلص من هذا المسخ ، يتطلب الأمر ، المباغتة بالهجوم وسرعة الإنجاز وعدم التأخير ، أثناء عملية القتل ، والاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد ، لحرمان القائمة على الرعاية ، من كسب الوقت ، الذي تحتاجه لتعطيل عملية قتل المسخ ، ومن ثم لتقوم بإنعاشه ، كما جرت العادة في كافة الحروب العربية الإسرائيلية . ولنخلص إلى القول بأن نجاح هذه المهمة ، يعتمد على ثلاثة عوامل :
أولا : المباغتة بالهجوم .
وثانيا : سرعة الإنجاز .
وثالثا : الاستمرارية حتى مفارقة الروح الجسد ، إذ ليس بإمكان أمريكا أن تحيي الموتى ، ولو فكّرت بذلك فلن تجد من يُؤيّدها .
صور من التاريخ الإسلامي :
في السنة السادسة للهجرة ، كان الرسول عليه الصلاة السلام ، وألف وأربعمائة رجل من المسلمين ، قد أحرموا بالعمرة متوجهين إلى مكة ، فعلم مشركي قريش بذلك ، فخرجوا بخيلهم ، لصدّهم عن دخول المسجد الحرام . فسلك عليه الصلاة والسلام طريقا ، غير التي كان عليها ، حتى وصل إلى الحديبية ، بركت الناقة على غير عادتها ، فعلم عليه الصلاة والسلام ، أنها لن تعدو مكانها ، وبأن العمرة لم تُكتب لهم ذلك العام ، فأقام ومن معه فيها . فكان فيها الصلح الذي كان من بنوده ، حرمان المسلمين من أداء العمرة في ذلك العام ، على أن يعودوا لأدائها في العام المقبل ، فشُقّ ذلك على المسلمين ، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي أراد قتالهم والدخول قسرا ، ولم تهدأ سَوْرة غضبه ، إلا بعض أن أُنزلت آيات سورة الفتح ، مُبيّنة الحكمة الإلهية ، التي غفل عنها بعض من أيّد قتال أهل مكة ، من الصحابة رضوان الله عليهم .
قال تعالى ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ، لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ، أَنْ تَطَئُوهُمْ ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ، لَوْ تَزَيَّلُوا ، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25 الفتح ) ، فبالرغم من توافر الرغبة الإلهية في تعذيب الكفار ، وتوافر التأييد الإلهي للمسلمين في مواجهاتهم للمشركين ، وأسر المسلمين لمن خرج لصدّهم عن المسجد من مشركي قريش ، مُنع المسلمين من الدخول لمكة قسرا ، لئلا يُلحقوا الأذى بالمؤمنين ، غير المعلومين من أهل مكة ، وأنه لو كان هؤلاء ظاهرين ومعلومين ، لسُمح للمسلمين بقتال المشركين ، ودخول مكة قسرا .
قلنا في فصل سابق أن صفة دخول المسجد الأقصى ، في المرة الثانية مشابهة لصفة دخوله في المرة الأولى ، والدخول الأول كما علمنا ، كان من قبل البابليين . ولكن ما نود أن نؤكد عليه هنا ، أن ظروف الدخول الأول مختلفة ، عن ظروف الدخول الثاني ، فالدخول الأول ، وقع على كفرة اليهود وفسقتهم ، بعد أن قاموا بإخراج المؤمنين المستضعفين من ديارهم ، وإبعادهم إلى خارج حدود المملكة . وما نراه أمامنا على أرض الواقع في فلسطين ككل ، هو تداخل المدن الفلسطينية بالمدن اليهودية والمستوطنات ، واختلاط السكان من عرب ويهود ، في بعض المدن وخاصة في مدينة القدس . وهذا الواقع مشابه إلى حد ما ، ظروف مكة قبل الفتح ، حيث اختلاط المؤمنين سرّا بالكفار . وهذا مما ينفي ، والله أعلم ، استخدام القوة بشكل مفرط ، أثناء الدخول العراقي لفلسطين ، ومما ينفي وقوع مواجهة شاملة ، في حرب معلنة ومكشوفة ، ولنتعرف على الفكر العسكري ، لرسول الله عليه الصلاة والسلام ، في كيفية التعامل مع هذا الواقع ، وكيفية التدبير الإلهي في تنفيذ وعده ، سنعرض بعض الملامح من فتح مكة .
لما كان صلح الحديبية ، دخل بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وكانت الهدنة . فاغتنمها جماعة من بني بكر ، في السنة الثامنة للهجرة ، فأصابوا من خزاعة ثأرا قديما لهم ، وكانت قريش قد رفدت بني بكر بالسلاح والرجال . فخرج نفر من خزاعة ، حتى قدموا على رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فأخبروه بما أصيب منهم ، ومظاهرة قريش لبني بكر عليهم ، فوعدوا بالنصر ، ثم انصرفوا راجعين . فخرج أبو سفيان حتى قدم المدينة ، ليطلب الشفاعة ، ويشدّ في العقد ، ويزيد في المدة ، فرجع خائبا .
في تلك الأثناء ، أُمر المسلمون بالجهاد ، وأُخفيت جهة الخروج عن الناس في بادئ الأمر ، كما أُخفي موعد الخروج ، ثم إن رسول الله أخبر الناس ، قبيل خروجه بفترة قصيرة ، أنه سائر إلى مكة ، وأمرهم بالجدّ والتهيؤ ، وقال : " اللهم خُذ العيون والأخبار عن قريش ، حتى نبغتها في بلادها " . وكلنا يعلم قصة حاطب بن أبي بلتعه ، عندما حاول إعلام قريش بما كان من أمر المسلمين ، فكشف الله أمره عن طريق الوحي . وشاء الله ، فعُمّيت الأخبار عن قريش ، ونزل جيش الفتح بالقرب من مكة .
كان العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام ، قد أعلن إسلامه عند مقدم جيش المسلمين لغزو مكة ، ومما قاله حين نزل رسول الله مرّ الظهران : " واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة ، قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر " . فخرج العباس رضي الله عنه ، ليبحث عن رجل من قريش ، ليطلب لها الأمان ، من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، خوفا من أن يُهلكها جيش المسلمين ، القادم للانتقام منها لنقض العهد ، فوجد صاحبه أبي سفيان ، فاستجلبه ليطلب الأمان . ولولا ما أُعطي أبو سفيان ، من الأمان لأهل مكة ، وإطلاق سراحه صباحا ، ليُخبرهم قبل دخول جيش المسلمين ، لهلكت قريش .
كانت قريش – بعد أن نقضت العهد – تتوقع خروج الرسول عليه الصلاة والسلام عليها ، ولكنّ معرفتها لوقت خروجه على وجه الدقة ، لم تكن متحصّلة ، لذلك لم تقم بالاستعداد للمواجهة ، وكانت تعتمد على خبر يأتيها من عمليات التجسس ، التي دأبت على القيام بها ، منذ نقضها للعهد ، للبدء في الاستعداد . ولكن ذلك الخبر لم يأت ، بمشيئة الله ، حتى كان صباح يوم الفتح ، على لسان أبي سفيان ، الذي كان قد أسلم ، داعيا أهل مكة إلى الاستسلام ، لا داعيا إياهم إلى النفير .
مقومات وظروف فتح مكة :
كان مُحرّك الخروج على قريش ، هو الرغبة في الانتقام منها لنقضها العهد ، والثأر لبني خزاعة ، بالإضافة لدوافع أخرى ، أما رسول الله عليه السلام ، فكان أرحم بأهل قريش من أنفسهم .
1. توافر الوعد الإلهي لرسوله وللمؤمنين بالفتح .
2. إحاطة عملية الخروج بالسرية التامة ، لتوفير عنصر المباغتة ، مما حرم قريش من الاستعداد للمواجهة ، سواء بإعداد العدد والعدة ، أو بالاستعانة بما حولها من القبائل ، ممن كانوا على عداء مع المسلمين . مع العلم بأن المسافة ما بين المدينة ومكة ، تزيد على 400 كم ، وأن وسائل الانتقال كانت بدائية وبطيئة جدا ، ومع ذلك تمكّن المسلمون ، من الوصول ومباغتة أهل مكة ، من خلال الأخذ بالأسباب ، ومن ثم الاعتماد على التأييد الإلهي .
3. تأمين الكثرة ، لدب الرعب في قلوب المشركين ، وإجبارهم على الاستسلام لانعدام القدرة على المواجهة ، ولسحق أي مقاومة محتملة ، مهما كان حجمها ، حيث بلغ تعداد الجيش قرابة عشرة آلاف رجل ، وهو نفس العدد الذي استطاعت قريش ، وحلفائها من القبائل ، جمعه في غزوة الخندق ، وهو ما حُرمت قريش من فعله عند فتح مكة .
4. علم المسلمين التام ، بجغرافية مكة ومحيطها ، مما أفاد المسلمين قبل وأثناء الدخول .
5. والأهم من كل ما تقدّم ، هو التأييد والتمكين والتدبير الإلهي ، من البداية إلى النهاية ، لإنجاز ذلك الوعد .
ـ والآن لو طرحنا التساؤل التالي ، أليس من الممكن أن تتوفر ذات المقومات للعراقيين ، ليُنجز الله وعده لبني إسرائيل ؟!
1. توافر نفس المُحرّك للخروج ، وتوافر دوافع ومبررات أخرى طرحناها أعلاه .
2. توافر الوعد الإلهي بعقاب بني إسرائيل على أيدي العراقيين ، حتى لو لم يُذكروا بالاسم في النص القرآني .
3. توافر وحدة القيادة ، وقدرتها في هذه الحالة ، على إخفاء أمر الخروج ، من حيث توقيته وكيفيّته ، مما يضمن عنصر المباغتة .
4. القرب المكاني ، وتوافر آليات النقل الحديثة ، مما يضمن سرعة الوصول .
5. توافر الكثرة والاستعداد والتدريب المكثف ، فهذا هو ما يُشاهده القاصي والداني ، على شاشة التلفزيون العراقي مؤخرا . ولا يأخذ هذا الأمر على محمل الجدّ ، إلا يهود أمريكا وإسرائيل من المؤمنين بالنبوءات التوراتية ، لدرجة أن ( شارون ) سافر مؤخرا لأمريكا فقط ، لبحث أمر جيش الأقصى الذي يُعدّه الرئيس العراقي ، حيث وعدَه الأمريكان بالتكفل بأمره ، وطلبوا منه الاهتمام بالشأن الداخلي ، والعمل على تهدئة الأمور ظاهريا . ومربط الفرس ، أن العالم لا يُعير أدنى اهتمام للاستعدادات العراقية الجارية حاليا على قدم وساق ، وحتى أمريكا نفسها على ما يبدو تقلل من شأن هذا الجيش ، ولا تتوقع أن يقوم العراق بغزو إسرائيل برا .
6. توافر التجربة والخبرة الميدانية للقيادات العسكرية العراقية ، بمشاركتها في كافة الحروب العربية الإسرائيلية ، والحرب الإيرانية ، ودخولها المفاجئ للكويت .
7. توافر التأييد والتمكين الإلهي ، بتذليل السبل أمام العراقيين ، والتي من شأنها تحقيق هذا الوعد ، بالكيفية التي جاءت بها النصوص القرآنية .
صفة جيش البعث في التوراة :
ـ سفر يوئيل : " 1: 1: هذا ما أوحى به الرب إلى يوئيل بن فثوئيل : اسمعوا هذا أيّها الشيوخ ، وأصغوا يا جميع أهل الأرض ، …
1: 15: يا له من يوم رهيب ، لأن يوم الرب قريب ، حاملا معه الدمار من عند القدير ، … اصحوا أيها السكارى ، وابكوا يا جميع مدمني الخمر … فإن أمةً قوية قد زحفت على أرضي ، أُمة قوية لا تُحصى لكثرتها ، لها أسنان ليث وأنياب لبؤة ، …
2: 2: هو يوم ظلمة وتجهّم ، يوم غيوم مُكفهرّة وقتام دامس ، فيه تزحف أمة قوية وعظيمة ، كما يزحف الظلام على الجبال ، أمّة لم يكن لها شبيه في سالف الزمان ، تلتهم النار ما أمامها ، ويُحرق اللهيب ما خلفها ، الأرض أمامها جنة عدن ، وخلفها صحراء موحشة ، يثبون على رؤوس الجبال ، في جلبة كجلبة المركبات ، كفرقعة لهيب نار يلتهم القشّ ، وكجيش عات مُصطفّ للقتال . تنتاب الرعدة منهم كل الشعوب ، وتشحب كل الوجوه ، يندفعون كالجبابرة وكرجال الحرب ، … ، ينسلّون بين الأسلحة من غير أن يتوقفوا ، ينقضّون على المدينة ، ويتواثبون فوق الأسوار ، يتسلّقون البيوت ، ويتسلّلون من الكوى كاللصوص ، ترتعد الأرض أمامهم وترجف السماء ، … ، يجهر الرب بصوته في مُقدّمة جيشه ، لأن جُنده لا يُحصى لهم عدد ، ومن يُنفّذ أمره يكون مُقتدرا ، لأن يوم الرب عظيم ومخيف ، فمن يحتمله ؟! " .
ـ سفر حبقوق : " 1: 3: أينما تلفّت أشهد أمامي جورا واغتصابا ، ويثور حولي خصام ونزاع ، لذلك بطلت الشريعة ( تعطلّت ) وباد العدل ، لأن الأشرار يُحاصرون الصدّيق ، فيصدر الحكم مُنحرفا عن الحقّ .
" 1: 5: تأمّلوا الأمم وأبصروا ، تعجّبوا وتحيّروا ، لأني مُقبل على إنجاز أعمال ، في عهدكم ، إذا أُخبرتم بها لا تصدّقونها . فها أنا أُثير الكلدانيين ، هذه الأمة الحانقة المُندفعة ، الزاحفة في رحاب الأرض ، لتستولي على مساكن ليست لها ، أمّة مُخيفة مُرعبة ، تستمدّ حُكمها وعظمتها من ذاتها . خيولها أسرع من النمور ، وأكثر ضراوة من ذئاب المساء ، فرسانها يندفعون بكبرياء ، قادمين من أماكن بعيدة ، مُتسابقين كالنسر المُسرع ، للانقضاض على فريسته ، يُقبلون جميعهم ليعيثوا فسادا ، ويطغى الرعب منهم على قلوب الناس قبل وصولهم ، فيجمعون أسرى كالرمل . يهزءون بالملوك ويعبثون بالحكام ، ويسخرون من الحصون ، يجعلون حولها تلالا من التراب ، ويستولون عليها . ثم يجتاحون كالريح ويرحلون ، فقوة هؤلاء الرجال هي إلههم " .
" 2: 3 لأن الرؤيا لا تتحقّق إلا في ميعادها ، وتسرع إلى نهايتها ، إنها لا تكذب ، وإن توانت فانتظرها ، لأنها لا بدّ أن تتحقّق ، ولن تتأخر طويلا " .
اليهودي وصفة الجبن الملازمة له عبر العصور :
كلنا يعلم أن وجود إسرائيل وبقائها ، لا يعتمد في الدرجة الأولى على مقوّماتها الذاتية ، مهما بلغت قوتها العسكرية من عدة وعتاد ، فحصنهم المنيع هو أمريكا بقوتها وعظمتها ، والحصن الآخر هو الطوق الأمني من معاهدات السلام والأحلاف العسكرية ، التي سعوا جاهدين للتوقيع عليها مع دول الجوار . وهذين الحصنين هما ما يتكل عليه اليهود ، كضمانة لاستمرار وجودهم ، وشعورهم نسبيا بالأمان ، الذي يُمكّنهم من البدء ، في تنفيذ مشاريعهم التوراتية على أرض فلسطين .
أما اليهود في الحقيقة ، فليس لديهم عقيدة أو مبدأ ، ليبذلوا أرواحهم في سبيل الدفاع عنها ، كما هي الحال عند غيرهم من شعوب الأرض . لذلك تجدهم أشدّ الناس حرصا على الحياة ، فلا يُقاتلون إلا مجبرين ، وفي قرى محصنة أو من وراء جدر ، فعادة الخروج للقتال ليست من شأنهم ، أما الخروج للقتل وسفك دماء غير المقاتلين ، فهذا أكثر ما يستطيعون القيام به ، وعلى تخوّف من إصابتهم ، من قبل خصمهم الأعزل ، وهذا ما نشاهده على أرض الواقع هذه الأيام .
أما في حال المواجهة المعلنة المكشوفة ، فأول ما يُفكّر به الجندي الإسرائيلي المدجّج بالسلاح ، هو البحث عن ملجأ يتحصّن خلفه ، هذا إن تجرأ على القتال . وإن لم يجرؤ ، فأول ما يُفكّر به ، هو أن يولي الأدبار مطلقا لساقيه العنان ، هاربا إلى حيث لا يدري . فكيف إذا لم يكن هناك مواجهة ، بل غزو مفاجئ ، أتخيّل هذا الجندي وفور سماعه ، بأمر خروج أحفاد نبوخذ نصر ، من بابل وقبل اجتيازهم للحدود العراقية ، باتجاه إسرائيل ، وقد تسمّر في مكانه ، وتجمّد الدم في عروقه ، وشلّت أطرافه ، فلم يقو على حمل سلاحه . وخلاصة القول أن دولتهم محكوم عليها بالفناء ، منذ لحظة قيامها ، وهم يعلمون ذلك علم اليقين ، وأن الجندي الإسرائيلي ، مهزوم بالرعب من قبل أن تبدأ المعركة .
الكيفية المتوقعة لهذا الدخول :
على ما يبدو ، وبعد هذه القراءة المطوّلة ، أنه لن تكون هناك معركة معلنة ومكشوفة وطويلة الأمد ، تستخدم فيها الآليات الحربية ، من مدافع ودبابات وصواريخ وطائرات . وإنما غزو سريع ومباغت ، لجيش عرمرم ، بعدد هائل من الجند ، مُدرّبين على سرعة الانتقال والانتشار ، ومزودين بأسلحة خفيفة ، هم أشبه – كما تصورهم التوراة – باللصوص في خفة حركتهم وانسيابهم وتسلّلهم ، وبالنسور بسرعة انقضاضها ، وبالأسود في قوتها وجبروتها وبطشها . وقد لا يخلو الأمر ، من مواجهات ولكنها ستكون محدودة وقصيرة ، ربما لا تتعدى كسر الباب ، بمعنى أن العقبة الوحيدة التي ربما تواجه المهاجمين ، لا تعدو عن كونها ، مقاومة بسيطة على الحدود .
وكون هذا الهجوم مباغتا ، يُفهم من تحذير الإنجيل لليهود ، بأن من سمع بمحاصرة أورشليم بالجيوش ، إذا كان في الحقل ، فلا يرجع إلى المدينة ، وإذا كان على سقف المنزل ، فلا ينزل إلى أسفل ، ليجلب متاعا أو ما شابه ، أي أن هناك من سيسمع بهذا الغزو بعد خروجه إلى الحقل ، وأن هناك من سيسمع بالغزو ، بعد صعوده إلى سطح منزله ، والخروج من المدينة إلى الحقل والعودة ، ربما لا يتجاوز سويعات معدودة ، وأما الصعود إلى سطح المنزل والنزول عنه ، فربما لا يتجاوز دقائق معدودة . فالفارق الزمني قصير جدا ، ما بين الحالتين ، فالذي خرج إلى الحقل ، لم يكن يعلم بالغزو قبل خروجه ، والذي صعد إلى سطح المنزل ، لم يكن قد سمع بالغزو قبل صعوده .
ومن المرجح أن يكون هذا الغزو ليلا ، وأكثر الليالي طولا ، هي ليالي الشتاء – وهي تقع في منتصف الفترة الزمنية التي حدّدناها - وهي الأنسب لمباغتة العدو ، في حال كانت الأحوال الجوية سيئة ، لتشويشها على الاتصالات ، ولتعطيلها القدرات الجوية للخصم ، ومن المرجح أن يبدأ الهجوم ليل الجمعة ، لينتهي يوم السبت قبل الظهيرة ، استغلالا لانقطاع أغلب اليهود عن العمل ، بحجة التزامهم بشريعة حرمة السبت ، التي ما ألزم الله بها ، إلا أصحاب تلك القرية . ولذلك توعدهم الإنجيل بالويل والثبور ، في حال كان هربهم في شتاء أو سبت ، وسينجم عن هذا الغزو ، تفريغ كامل لليهود من فلسطين ، سواء بالقتل أو الفرار . وسيطرة كاملة ، على مساحة فلسطين كلها ، وبالتالي فرض واقع جديد ، يُعيد الأمور إلى نقطة الصفر ، أي ما قبل قيام إسرائيل بخمسين عاما ، أيام خلو فلسطين من اليهود ، والله أعلم .
ردود الفعل العالمية المتوقعة :
هذا الحدث ، السريع والمباغت ، المرعب والعجيب ، عندما يقع ، سيُصاب العالم بأسره بالذهول والشلل ، ربما لشهر أو لعدة أشهر ، وأول ما يُجابه به سماع خبره ، هو عدم التصديق ، وسيحتاج الغرب اليهودي الحليف لإسرائيل ، إلى وقت طويل ليفيق من هول الصدمة ، وليجد الغرب نفسه عاجزا ، عن القيام بأي رد فعل سريع ومؤثر للمساعدة ، فلا إسرائيل ولا يهود . أما من هم في الصف المناهض لإسرائيل وأمريكا من الشرق ، فسيصابون بنفس الشعور ، ولكن شعور لا يخلو من الشماتة باليهود إجمالا ، وبأمريكا بشكل خاص . أما اليهود إجمالا ، ويهود أمريكا بشكل خاص ، فسيصابون بخيبة أمل كبيرة ، وهم يرون أحلاهم التوراتية ، تتحول إلى سراب .
وبعد امتصاص الصدمة الأولى ، ستبدأ المواقف العالمية من هذا الحدث في التبلور ، لتجد أمريكا نفسها عندما تبدأ بالتحرك ، لإعادة إحياء الدولة اليهودية ، بدفع من سادتها اليهود المتربعين على عروشها ، أنها تغني منفردة خارج السرب العالمي ، الذي أضحى مؤيدا ومعجبا بما قدّمه العراقيون ، من حل سحري لتلك المشكلة المستعصية ، التي أرّقت جفون العالم طوال قرن من الزمان .
فالعرب من وجهة النظر العالمية ، التي باتت مطّلعة على أدق تفاصيل القضية الفلسطينية ، قد استعادوا أرضهم وحقوقهم ، وإسرائيل بما قدّمته من أعمال وحشية وهمجية ، خلال سنين عمرها ، ضد أرض فلسطين وشعبها ، وعدم استجابتها لقرارات الجهة التي أوجدتها ، لا تستحق الوجود والبقاء . فالحق هو عودة فلسطين إلى أهلها العرب ، والباطل هو وجود إسرائيل على أرض العرب ، فإذا جاء الحق وزهق الباطل ، فليس هناك مشكلة بالنسبة لمجمل دول العالم ، التي لا تقع تحت الانتداب الأمريكي اليهودي المعاصر ، فالمشكلة وُجدت بإقامة إسرائيل ، في قلب الوطن العربي ، وزالت هذه المشكلة بزوالها .
الوعد والموعد والواقع :
وبالعودة إلى الوراء قليلا ، نجد أن المسلمون استاءوا كثيرا ، عندما مُنعوا من أداء العمرة ، بصحبة رسول الله عليه الصلاة السلام ، في السنة السادسة للهجرة ، وما زاد في قهرهم هو ذلك الصلح ، الذي منع دماء المشركين منهم ، وأبقى المسجد الحرام في أيديهم ، لمدة عشر سنوات قادمة ، فعقّب سبحانه وتعالى على ذلك قائلا ( فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا … ) ، والذي كان يعلمه رب العزة مسبقا ، هو أنهم سيؤدون العمرة في العام التالي ، وأن هذا الصلح ، الذي استاءوا من عقده مع مشركي قريش ، وأضفى عليهم شعورا باليأس والإحباط ، سيكون هو نفسه ، سببا ومبررا لفتح مكة ، عند نقضه من قبل قريش بعد سنتين من إبرامه ، فعقّب بقوله ( … فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27 الفتح ) .
حتى أكثر المسلمين إيمانا ويقينا وتفاؤلا ، لم يكن يتصور ، لحظة منعهم من أداء العمرة وإبرام الصلح ، بأن فتح مكة سيكون بعد سنتين فقط ، من تاريخ تلك اللحظة ، وبتلك الصورة الاحتفالية والمشرّفة ، لتكون تأدية فريضتي الحج والعمرة ، متاحة لهم في أي وقت شاءوا .
وبالنظر لواقع المسلمين في غزوة الأحزاب ، وهم قلة ، وقريش وقبائل الجزيرة بمشركيها ويهودها ، يتربصون بهم ريب المنون ، من الداخل والخارج ، هل كان ممن المكن أن يتصور أن هذه الحال ، ستنقلب رأسا على عقب ، بعد ثلاث سنوات ، فيغزو المسلمين مكة بعشرة آلاف مقاتل ؟
وبالرغم من اختلاف طبيعة الوعود الإلهية ، من حيث الثواب والعقاب ، إلا أننا نتحدّث هنا عن الوعد بحد ذاته ، لنقول بأن الوعد الإلهي ، لا يحدّه زمان ولا مكان ولا واقع ، ولا ننسى بأن وعد الآخرة ، هو وعد بعقاب اليهود في المقام الأول .
قال تعالى ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ، وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى ، لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53 العنكبوت ) ، وقال ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ ، لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ، مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَاعْتَبِرُوا يَأُولِي الْأَبْصَارِ (2 الحشر )

وليتبروا ما علوا تتبيرا
قلنا في نهاية تفسيرنا لعبارة ( وليتبروا ما علوا تتبيرا ) : أن كل ما علا بنو إسرائيل عليه أو به أو فيه ، سيصله الدمار لا محالة ، لعموم لفظ العلو ، حتى علوهم في الغرب ، إذ أن الذي أبقى علوهم قائما ومستمرا في فلسطين ، هو علوهم في الغرب . ولذلك يصبح دمار الدول الغربية أمر محتما ، ليزول علو بني إسرائيل فيها أيضا بشكل نهائي ، وبذلك تنتفي تماما قدرتهم على العلو مرة أخرى ، إذ أن هذا العلو ، هو علوهم الأخير في الأرض .
ويؤكد سبحانه أن السبب ، في زوال هذا العلو ، هم اليهود أنفسهم ، حيث أن الله ، كان قد اشترط عليهم الإحسان لإدامة هذا العلو ، وحذرهم من زواله إن هم أساءوا ، وجاء هذا الشرط مباشرة ، قبل إخباره عن وعد الآخرة في الآية السابعة ، فاليهود حكموا على أنفسهم بالهلاك ، وعلى علوهم بالزوال :
أولا : وذلك لأنهم لم يُحسنوا ، بل على العكس ، من ذلك أساءوا ، ولم يألوا في ذلك جهدا ، بالإفساد في الأرض ، ضاربين بالتحذير الإلهي عرض الحائط .
ثانيا : والأنكى من ذلك أنهم ، بأنهم قاموا بتوجيه رسالة أخرى لرب العزة ، ومؤداها يقول : بأننا سنفعل ما يحلو لنا ، وسنفسد في الأرض ، وسنمنعك من بعث عبادك الأشداء ، الذين تُهدّدنا بهم ، لأننا سنُبيدهم عن بكرة أبيهم ، قبل أن تُفكر في بعثهم ، مظهرين إصرارا عز نظيره في تحدّيهم لرب العزة ، بأن ينزل بهم ما وعدهم ، متّكلين على من هم دونه ، لحمايتهم ووقايتهم من أمر الله ، منكرين ربوبية الله وألوهيته ، وقدرته على تصريف أمور الكون ، وكذلك حقيقة البعث بعد الموت ، وهذه الأمور هي ما تتناوله سورة الإسراء ، على امتدادها ، من وجوه متعددة ، وبذلك تكون عداوتهم للعراق ، وعدوانهم عليه ، ورغبتهم في تدميره وإبادة أهله سببا ، في خروج أهل العراق عليهم ، انتقاما ودفعا لما يُحيق بهم من أخطار ، في حال استمر تواجد الدولة اليهودية على أرض فلسطين ، ليخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المسلمين .
ثالثا : هي حرب الله عليهم ، لا حرب أحد ، ذلك بأنهم تحدوا الله ، وأعلنوا حربهم عليه ، وعلى كل من يؤمن به ، ربا وإلها واحدا أوحدا ، خاب وخسر الذين من دونه ، وأن رب العزة قبِل التحدّي ، وأعلن حربه عليهم ، وهذا ما تستشعره من خلال مجمل آيات سورة الإسراء ، ولكن لم يتبقّى إلا أن تحين ساعة الصفر ، ليروا من الله ما لم يكونوا يحتسبون .
وفي الأصل كما أوضحنا سابقا ، أن علوهم غير المسبوق في الغرب ، هو الذي أوجد علوهم في فلسطين لاحقا ، وإذا كانت النتيجة ، أي علوهم في فلسطين ، تستحق الزوال ، فالأولى أن يُزال المتسبّب فيها ، أي علوهم في الغرب ، حتى تنتفي فرصة ظهور تلك النتيجة ( أي العلو اليهودي ) مرة أخرى ، فكما أن زوال دولة إسرائيل أمر حتمي ، فزوال أمريكا أمر أكثر حتمية .
فاليهود لهم من حيث المكان إفسادين :
أولا : في فلسطين ، إفساد بسفك الدماء ، وإخراج الناس من ديارها ، والاستيلاء على ممتلكاتهم ، وإتلاف الأخضر واليابس ، ومنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه ، والسعي في خرابها … إلى آخره .
وثانيا : في أمريكا والدول الغربية ، إفساد بنشر العقائد المادية الإلحادية ، وإشاعة الرذيلة والانحلال الخلقي والأخلاقي ، في شتى مناحي الحياة ، بالإضافة إلى تفريق الناس وتصنيفهم واستضعاف طوائف منهم ، وسومهم سوء العذاب ، لدرجة حرقهم وإبادتهم ، بالأسلحة التقليدية والنووية ، وعلى قاعدة الجزاء من جنس العمل ، لا شك لدي من أن كبرى المدن الأمريكية ، ستُضرب من السماء بصواريخ نووية ، أو بشهب من السماء ، مسببة دمارا كالدمار ، الذي أحدثته قنابلها المدن اليابانية ، ولكن على مدى أوسع بكثير .
زوال العلو اليهودي في أمريكا ، لن يتوانى كثيرا ، عن زوال العلو اليهودي في فلسطين :
قال تعالى ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ ـ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ـ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ، … (112 آل عمران ) ، الذلة هي الضعة والانخفاض ، وهي نقيض العزة والعلو ، وأين ما ثقفوا ، أينما وجدوا ، في الأرض على امتداد رقعتها ، وخلاصة ما تقوله هذه الآية ، أن الشعب اليهودي كأمة وأفراد ، سيمرّ بخمسة مراحل ، هي ذات المراحل التي أشرنا إليها ، في نهاية الجزء الأول ، وهي على التوالي : ذل ، علو ، ذل ، علو ، ذل . ومن ذلك نفهم أن صفة العلو ، وهي المرحلة الرابعة ، ستزول عنهم في شتى بقاع الأرض ، سواء في إسرائيل أو في أمريكا ، أو فيما سواها من دول العالم ، ليدخل الشعب اليهودي بأسره ، في المرحلة التي تليها ، ولتعود إليه صفة الذل التي هي القاعدة ، أينما وجد أيضا ، وعلى مستوى الأفراد والجماعات ، حيث كان العلو استثناءً لمرتين فقط . ولن يتحصّل ذلك إلا بزوال كل الدول ، التي يوجد بها علو يهودي ظاهر ، وفي مقدّمتها أمريكا .
ولو أننا نظرنا إلى أمريكا كدولة ، وما تقوم به حاليا ، نظرة مُتفحصّة وشاملة ، سنجد أنها فاقت فرعون ، في علوه واستعلائه وفساده وإفساده ، باحتضانها للعقائد اليهودية الشيطانية ، والسهر على تطبيقها وترويجها ، في الأرض على عمومها ، بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى .
والعقاب الإلهي الموعود به بنو إسرائيل ، كان للإفساد الناجم عن العلو ، وعلوهم الآن يتمثل في مكانين تحديدا ، هما فلسطين وأمريكا ، وفضلا عن ذلك ، فإن أمريكا المتعالية على شعوب الأرض ، وبصرف النظر عن كونها مكانا للعلو اليهودي ، ستكون هدفا مؤكدا لانسكاب الغضب الإلهي عليها ، بما يفوق الغضب الإلهي على إسرائيل ، وذلك لأن أمريكا ، تجمع ما بين علوين وإفسادين ، هما : العلو والإفساد اليهودي ، والعلو والإفساد الذاتي لها ، ليتأكد لنا أنها أولى من إسرائيل بالعقاب ، وبما هو أشد بأسا وأشد تنكيلا ، وهذا بإذن الله ، ما سنشهده في السنوات القليلة القادمة ، وما ذلك على الله بعزيز .
وقد يستغرب ويستنكر كثير ، من أمة الإسلام ، والأصح من المؤمنين بالإله ( أمريكا ) ، مجرد التفكير بأن أمريكا ستزول ، وكأنهم لا يقرءون قوله تعالى ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ ، فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ، إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44 فاطر ) . وقوله ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ، كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الْأَرْضِ ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21 غافر )
ما بعد الغزو العراقي لإسرائيل :
بعد امتصاص يهود أمريكا والغرب للصدمة ، من جرّاء الكارثة التي حلّت ببني جلدتهم في فلسطين ، ستبدأ الماكينة اليهودية في الغرب ، في بذل أقصى طاقاتها ، وعمل ما بوسعها لإعادة عقارب الساعة ، قبل فوات الأوان ، من خلال الدبلوماسية في مجلس الأمن ، لشن حرب دولية تحت غطاء الشرعية الدولية ، لتحرير إسرائيل من العرب ، كما كان الأمر عند مطالبتهم بتحرير الكويت ، وستُفاجأ هذه الماكينة اليهودية ، ببرود وجمود شديدين ، لم يسبق لها أن واجهتهما ، من قبل معظم دول العالم ، لتُثبت عدم نجاعتها هذه المرة ، وستجد مشاريع القرارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية ، فيما لو طُرحت ، معارضة شديدة من قبل روسيا والصين ، حتى لو تطلّب الأمر استخدام حق النقض من قبلهما ، خوفا من الدخول في مواجهة ، لا تُحمد عقباها مع العالم ، بين الغرب المسيحي والشرق المسلم .
وسيأخذ الأمر قرابة السنتين بين مدّ وجزر ، حتى يستطيع اليهود تحريض أمريكا ، وبعض دول الغرب من حلف الناتو ، وحملها على تحريك أساطيلها ، باتجاه شواطئ البحر المتوسط ، لشنّ حرب مصيرية على العرب ، ضاربة بمجلس الأمن وغطاءه الشرعي - بعد اليأس من الحصول عليه - عُرض الحائط .
وعلى الجانب الآخر ، سيضطر العرب والمسلمون ، لتوحيد صفوفهم كرها من البعض ، وطواعية من البعض الآخر ، والانضواء تحت لواء واحد ، للدفاع عن الأقصى بعد عودته إلى حظيرة الإسلام ، وسيبدأ التقارب العربي الروسي الصيني ، على ما يبدو في التشكل ، إلى ما يُشبه الحلف العسكري ، وربما يكون باتفاقيات مكتوبة .
الحرب العالمية الثالثة ، والسيناريو المحتمل :
بوجود القيادة الحالية غير المتزنة لأمريكا ، وبتأييد من صهاينة الحزب الجمهوري ، سيتمكن اليهود أخيرا من جرّ أمريكا ، للدخول في مواجهة غير محسوبة ، مع العالمين العربي والإسلامي ، بدفع من العقائد الدينية المشوّهة ، فيما يخص وجود اليهود في فلسطين ، وعودة المسيح الثانية للنصارى والأولى لليهود ، بالإضافة إلى الرغبة في الانتقام للمكانة الأمريكية ، التي مُرّغت في التراب أمام العالم أجمع ، بزوال مسخها الخداج بطرفة عين ، دون أن يُعير العرب عظمة أمريكا وجبروتها أدنى انتباه .
في ظرف سنتين من استعادة العرب لفلسطين ، ستُعلن أمريكا ، حربها اليهودية الصليبية المقدّسة على العرب والمسلمين ، مما يُثير حالة من عدم الاستقرار في سائر أرجاء العالم ، وستبدأ المواقف العالمية من هذا الإعلان شيئا فشيئا ، بالتباين والتمايز ، بشكل لم يسبق له مثيل ، لينقسم إلى العالم معسكرين شرقي وغربي . يقف إلى جانب العرب معظم الدول المناهضة لأمريكا في الشرق وفي مقدمتها روسيا ، ويقف إلى جانب أمريكا دول حلف الناتو وملحقاته .
وعندما تبدأ أمريكا بحشد قواتها وأساطيلها في البحر الأبيض ، وتبوء كل المحاولات والتحذيرات والتهديدات العالمية ، لثني أمريكا عن عزمها بالفشل ، وتصبح المواجهة أمر لا مفر منه ، ستتطور المواقف الدولية فجأة ، وتتحول إلى أحلاف عسكرية ، بحيث تضطر وتنجرّ الكثير من الدول ، للمشاركة الفعلية في الحرب الدائرة ، وعلى ما يبدو أن أمريكا نتيجة لذلك ، ستفقد زمام السيطرة مبكرا ، وربما تلجأ إلى استخدام السلاح النووي ، في وقت ما بضرب بعض العواصم العربية ، كبغداد والقاهرة على سبيل المثال ، وربما يكون ذلك قبل الحرب البرية ، ظنا منها أن ذلك ، سيحسم المعركة لصالحها ، في وقت مبكر .
ولكن ما لن يكون في حساب أمريكا ، هو ردّ الفعل الروسي والصيني العنيف ، على استخدام أمريكا لهذا السلاح ، لتبدأ الصواريخ النووية الروسية وربما الصينية ، تنهال على أمريكا تباعا ، دون سابق إنذار ، لتبيدها عن بكرة أبيها ، هذا إن لم يُسقط عليها رب العزة ، كسفا من السماء . ومن ثم تبدأ الحروب البينية ، بين دول العالم المختلفة المتخاصمة ، فيختلط الحابل بالنابل ، لتشمل هذه الحرب معظم بقاع العالم . ولدخول الأسلحة النووية دائرة الصراع ، ستكون هذه الحرب سريعة وقصيرة وحاسمة ، ولكن حجم الدمار فيها سيكون هائلا جدا ، وستنتهي بالمواجهة البرية البحرية على سواحل فلسطين ، بين الغرب والشرق ، بانتصار العرب والروس نصرا مؤزرا ، بإذن الله .
تحالف الروس والعرب ونصرهم على عدو مشترك :
عَنْ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ ، فَقَالَ : " اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ ؛ مَوْتِي ، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ ، حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً ، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ) رواه البخاري ، وأخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد .
جاء في شرح هذا الحديث في فتح الباري : " قوله هدنة ، هي الصلح على ترك القتال بعد التحرك فيه ، قوله بني الأصفر ، هم الروم ، قوله غاية أي راية " .
يخبر هذا الحديث عن هدنة تكون بين المسلمين والروم ، والهدنة كما جاء في الشرح ، هي صلح على إيقاف القتال قبل اشتعال فتيله أو في بداياته ، ومن ثم يغدر الروم فيغزون ديار المسلمين ، بجيش قوامه ما يُقارب المليون جندي .
أما الهدنة وما يسبقها ، فيوضحه الحديث التالي :
عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، قَالَ : مَالَ مَكْحُولٌ وَابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا ، إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، وَمِلْتُ مَعَهُمْ ، فَحَدَّثَنَا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ الْهُدْنَةِ ، قَالَ : قَالَ جُبَيْرٌ : انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ذِي مِخْبَرٍ ، رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْنَاهُ ، فَسَأَلَهُ جُبَيْرٌ عَنْ الْهُدْنَةِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا ، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ ، فَتُنْصَرُونَ ، وَتَغْنَمُونَ ، وَتَسْلَمُونَ ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ ، حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ ، فَيَقُولُ : غَلَبَ الصَّلِيبُ ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَدُقُّهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ، تَغْدِرُ الرُّومُ ، وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ " ، رواه أبو داود ، وصحّحه الألباني وأخرجه ابن ماجه وأحمد والحاكم والبيهقي .
وتكملة للحديث ، في رواية أخرى بسند آخر لابن ماجه " فَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ ، فَيَأْتُونَ حِينَئِذٍ ، تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةٍ ، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا " .
جاء في شرح هذا الحديث في ( عون المعبود ) : " الروم جيل معروف ، في بلاد واسعة تضاف إليهم ، فيقال بلاد الروم ، ومشارق بلادهم وشمالهم الترك والروس والخزر ، وجنوبهم الشام والإسكندرية ، ومغاربهم البحر والأندلس ، وكانت الرقة والشامات كلها ، تعد في حدودهم أيام الأكاسرة ، وكانت أنطاكية دار ملكهم ، إلى أن نفاهم المسلمون إلى أقصى بلادهم انتهى ... فسأله جبير عن الهدنة ، أي الهدنة التي تكون بين المسلمين وبين الروم ، آمنا أي ذا أمن ، فتغزون أنتم ، أي فتقاتلون أيها المسلمون ، وهم أي الروم المصالحون معكم ، عدوا من ورائكم أي من خلفكم ، وقال السندي في حاشية ابن ماجه ، أي عدوا آخرين بالمشاركة والاجتماع ، بسبب الصلح الذي بينكم وبينهم ، فتُنصرون بصيغة المجهول ، وتغنمون بصيغة المعلوم أي الأموال ، وتسلمون من السلامة ، أي تسلمون من القتل والجرح في القتال ، ثم ترجعون أي من عدوكم ، حتى تنزلوا ، أي أنتم وأهل الروم بمرج ، أي الموضع الذي ترعى فيه الدواب قاله السندي ، وفي النهاية أرض واسعة ذات نبات كثيرة ، ذي تلول بضم التاء جمع تل ، وهو موضع مرتفع ، قاله القاري ، وقال السندي : كل ما اجتمع على الأرض ، من تراب أو رمل انتهى . فيقول أي الرجل منهم ، غلب الصليب أي دين النصارى ، فيدقّه ، أي فيكسر المسلم الصليب ، تغدر الروم أي تنقض العهد ، وتجمع أي رجالهم ويجتمعون للملحمة أي للحرب " .
هذا الحديث يُخبر بأن هناك صلحا آمنا ، أي لا قتال فيه ، سيكون بين المسلمين والنصارى ، لمدة من الزمن ، ثم يُقاتلون جنبا إلى جنب عدوا مشتركا ، فينتصرون بلا خسائر ، وبعد النصر يقع الخلاف بين المنتصرَيْن ، بسبب إدعاء أحد النصارى ، أن النصر كان للصليب دون الإسلام ، فيقتتل الطرفان ، ومن ثم يُفض الاشتباك ، وتعلن الهدنة ، ومن ثم يعود النصارى إلى ديارهم مضمرين الغدر ، ليعودوا في قادم في الأيام ، في جيش عرمرم ، لغزو المسلمين في زمن المهدي .
الروم قديما وحديثا :
نعلم أن الإمبراطورية الرومانية القديمة ، كانت قد انقسمت إلى قسمين شرقي وغربي ، واتُّخذت القسطنطينية عاصمة للجزء الشرقي ، وروما عاصمة للجزء الغربي ، وذلك قبل ظهور الإسلام بحوالي مائتي سنة ، وبقيت القسطنطينية عاصمة ، لمملكة الروم الشرقية منذ ذلك الوقت ، حتى تم فتحها ، على يد محمد الفاتح ، سابع السلاطين العثمانيين ، وبذلك اختفت مملكة الروم الشرقية إلى الأبد ، وأما سكان تركيا الحاليين فمعظهم من الأتراك المتأسلمون ، الذين يعودون في أصولهم إلى غرب الصين ، مع بقاء نسبة قليلة من النصارى فيها ، ذوي الأصول الرومية ، أما النسبة الأكبر من الروم ، فقد هاجرت وانتشرت ، فيما حولها من بلدان أوروبا الشرقية .
ولنذكر هنا أن المسلمين ، حاصروا القسطنطينية إحدى عشرة مرة ، ولم يتمكنوا من فتحها ، إلا بعد أن بدأت شمس العثمانيون الترك ، بالظهور فيما يُسمى بآسيا الصغرى ، بعد ضعف الدولة السلجوقية وانحلالها عام 1300م تقريبا ، فبدأت دولتهم بالاتساع غربا ، على حساب مملكة الروم الشرقية ، شيئا فشيئا ، حتى اقتصرت مملكة الروم الشرقية ، على القسطنطينية وضواحيها ، عندما تسلّم محمد الفاتح لمقاليد الحكم ، الذي لم يتوانى عن فتحها سنة 1453م . ومن ثم استمرت فتوحات العثمانيين ، حتى شملت معظم بلدان منطقة البلقان ، في أوروبا الشرقية .
والمتتبع للتاريخ الحديث ، سيجد أن روسيا القيصرية بعد بزوغ شمسها ، أصبحت الوريث الأكبر ، لمملكة الروم الشرقية بعد زوالها ، حيث كانت وما زالت في القرون الأخيرة ، تحاول تنصيب نفسها كراعية وحامية ، لمصالح نصارى الشرق ذوي المذهب الأرثوذكسي ، وأخذت على عاتقها ، بعد أن اشتد عودها ، مهمة استعادة القسطنطينية من الأتراك ، ومن ثم إعادتها كعاصمة دينية للكنيسة الأرثوذكسية ، كما كانت في السابق ، وهو ما تحاول الاستئثار به حاليا ، الكنيسة اليونانية الموالية للغرب . وفيما يلي بعض البنود التي جاءت في وصية بطرس الأكبر ، المؤسس الحقيقي للملكة الروسية ، في أواخر القرن السابع عشر ، من كتاب ( تاريخ الدولة العثمانية ) لفريد بك المحامي :
" البند التاسع : ينبغي التقرب بقدر الإمكان ، من استنبول والهند ، وحيث انه من القضايا المسلمة ، أن من يحكم على استنبول ، يمكنه حقيقة أن يحكم على الدنيا بأسرها ، …
البند الحادي عشر : … ، وحينما نستولي على استنبول ، علينا أن نسلط دول أوروبا القديمة ، على دولة النمسا حربا ، أو نُسكن حسدها ومراقبتها لنا ، بإعطائها حصة صغيرة من الأماكن ، التي نكون قد أخذناها من قبل ، وبعدها ، نسعى إلى نزع هذه الحصة منها .
البند الثاني عشر : ينبغي أن نستميل لجهتنا جميع المسيحيين ، الذين هم من مذهب الروم ، المنكرين لرياسة البابا الروحية ، والمنتشرين في بلاد المجر والممالك العثمانية ، ونجعلهم أن يتخذوا دولة روسيا مرجعا ومعينا لهم ، ومن اللازم قبل كل شيء ، إحداث رياسة مذهبية ، حتى نتمكن من إجراء نوع من السلطة الدينية عليهم … " .
المذاهب النصرانية :
كل النصارى بلا استثناء أعداء للإسلام والمسلمين ، ولكن بالنظر إلى الطوائف الثلاثة الكبرى ، المهيمنة على العالم المسيحي ، نجد أن معتنقي المذهب البروتستانتي ، والذي تُمثّله أمريكا وبريطانيا وهولندا ، هم الأشدّ عدواة وكراهية للمسلمين والعرب بشكل خاص ، والمعروفين بميلهم وتأييدهم لليهود . ويليهم في ذلك معتنقي المذهب الكاثوليكي ، والذي تُمثّله فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وباقي الدول الغربية ، وأقلّهم عدواة وكراهية هم معتنقي المذهب الأرثوذكسي ، والذي تُمثّله روسيا ودول أوروبا الشرقية .
والمتتبع للتاريخ القديم والحديث ، سيجد أن الطوائف المسيحية الثلاثة على خلاف دائم ، وأن العداوة والبغضاء ، مستفحلة وذات جذور عميقة ، فنصارى الشرق الأرثوذكس ، لم ينسوا ولم يغفروا ، لنصارى الغرب من الكاثوليك ، ما أوقعوه بهم من مذابح في حملات الغرب الصليبية ، ولم يقبلوا مؤخرا اعتذار البابا عنها . والعداوة والبغضاء مستفحلة ، حتى بين الكاثوليك والبروتستنت من جهة أخرى ، كما هو الحال في أيرلندا الشمالية ، وهذا ما أخبر عنه سبحانه وتعالى في قوله ( وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ، أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14 المائدة ) ، وهذه العداوة والبغضاء لا انقطاع لها ، مستمرة إلى يوم القيامة ، وهذا ما أكدّه التاريخ الأوروبي القديم والحديث .
والمتتبع للتاريخ الإسلامي والعربي ، سيجد أن ما تُخبر عنه هذا الأحاديث النبوية أعلاه ، من شأن مصالحة المسلمين أو العرب للنصارى ، والتحالف معهم ضد عدو مشترك ، وتحصّلهم معا على النصر والغنيمة والسلامة ، ومن ثم الاختلاف ، وإضمار الغدر ، وعودة الروم لمقاتلة المسلمين ، لم يكن قد تحصّل قديما أو حديثا . وبما أن الدنيا تعدّ سنواتها الأخيرة ، وأشراط الساعة الكبرى باتت على الأبواب ، فلا شك أن هذه الحرب ، التي سيخوضها المسلمين والنصارى جنبا إلى جنبا ، ضد عدوهم المشترك ، للمرة الأولى والأخيرة ، ستقع في وقت قريب . والأحاديث النبوية ، تُخبر أن هناك ثلاثة أطراف ؛ المسلمون ، والروم ، وعدو مشترك للمسلمين والروم .
وبما أن هذا الحدث سيقع ضمن معطيات الواقع الحالي ، ومن خلال قراءة الواقع ، في ضوء ما أخبرت عنه الأحاديث ، سنجد أن الروم ما زالوا ينقسمون إلى قسمين :
• نصارى الشرق من معتنقي المذهب الأرثوذكسي ، وهم المُقيمون إجمالا في أوروبا الشرقية ، أو دول حلف وارسو القديم ، الذي كانت فيه الزعامة ، وما زالت للدولة الروسية .
• نصارى الغرب من معتنقي المذهب البروتستانتي والمذهب الكاثوليكي ، وهم المقيمون إجمالا في أمريكا وأوروبا الغربية ، أو دول حلف الناتو بزعامة أمريكا .
وكلا الفريقين يُكنّ عداوة مذهبية ، قل نظيرها ، للفريق الآخر . ولو نظرنا إلى الواقع الحالي ، لوجدنا أن أمريكا وبريطانيا وفرنسا ، هي الدول الأشدّ عداءً للعرب والمسلمين ، منذ حروبهم الصليبية الأولى ، التي كانت تقودها فرنسا بصفتها الراعية للمذهب الكاثوليكي ، منضويا تحت لوائها كل من ألمانيا وإيطاليا وإنكلترا ، وحتى حروبهم الاستعمارية في العصر الحديث بقيادة أمريكا ، وما موالاة هذه الدول لبعض الدول العربية إلا مداهنة ، من قبيل الحرص على مصالحها فقط ، بل هي أكثر مقتا واحتقارا وامتهانا ، لتلك الدول نفسها من غيرها . ولوجدنا أيضا أن الروس ، ونصارى الشرق إجمالا ، ممن يعتنقون المذهب الأرثوذكسي ، هم الأقلّ عداءً للعرب والمسلمين من مجموع المذاهب النصرانية .
لنخلص إلى القول ، بأن الفريق الذي سيكون حليفنا في المعركة القادمة هم الروس ، ضد عدونا وعدوهم المشترك ، أمريكا ومن شايعها من دول حلف الناتو . وأن هذا التحالف بين الروس والعرب ، سيحصل بدافع المصالح أولا ، وعلى قاعدة عدو عدوي صديقي ثانيا ، وليس حبا بالعرب أو بالمسلمين ، ولكن لتعارض مصالحهم مع مصالح الأمريكان ، ولكراهية الروس المذهبية لأمريكا واليهود .
هذه الحرب الأبشع في تاريخ البشرية ، أجد أحداثها ونتائجها موصوفة في كثير من الآيات ، في مطالع سور كثيرة من سور القرآن ، والتي يعتقد معظم الناس ، أنها تُخبر عن أحداث يوم القيامة ، ومنها اشتعال البحار ، واضطراب السماء ، وزلزلة الجبال وانهيار بعضها ، وحتى الأسلحة المستخدمة في الحروب الحديثة ، كان سبحانه قد أخبر عنها ، أيضا في مطالع السور ، فالطارق هو الصاروخ ، والعاديات هي الدبابات ، وربما نفرد لهذا الأمر بحثا خاصا ، إن شاء الله ، في وقت لاحق ، وسيكون متوافرا على نفس موقع الكتاب ، هذا إن أسعفنا الوقت ، وكان في العمر بقية .
النتائج المتوقعة للحرب العالمية الثالثة :
1. تدمير عدد كبير من المدن الكبرى ، وخاصة في أمريكا ومن شايعها من الدول في الشرق والغرب .
2. ارتفاع هائل ومفاجئ ، في درجة حرارة الأرض نتيجة التفجيرات النووية ، ذوبان الكتل الجليدية القريبة من القطب الشمالي للكرة الأرضية ، وتبخر مياه المحيطات والبحار ، وعودتها على شكل أمطار غزيرة ، مما يتسبب في طوفان كبير ، أشبه ما يكون بطوفان نوح عليه السلام ، وبالتالي اختفاء بعض البلدان والجزر غرقا .
3. اختفاء معالم الحضارة الغربية ومظاهرها ، من خلال الموت البطيء للتكنولوجيا المتبقية ، لعدم القدرة على تجديدها ، بكسر حلقة أو أكثر من حلقات سلسلة إنتاجها ، ( نفط _ كهرباء _ تقنية _ كهرباء _ نفط ) .
4. عودة منطقة الشرق الأوسط كبؤرة للنشاط والصراع العالمي ، كما كانت في العصور القديمة .
5. عودة عصور الجاهلية الأولى ، في أبشع صورها ، بما فيها من ظلم وجور وفساد وإفساد ، والله أعلم .
قال تعالى
( وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)
( الكهف )

وجعلنا لمهلكهم موعدا
كان جلّ اهتمامي في البداية محصورا ، لإثبات نظرية زوال دولة إسرائيل قبل ظهور المهدي ، ومن ثم معرفة هؤلاء العباد ، الذين سيكونون سببا في زوالها ، والكيفية التي ستزول بها ، ولم أكن قد فكّرت في بحث مسألة معرفة موعد زوالها ، إلا بعد أن اطّلعت على كتاب ( زوال إسرائيل عام 2022م ) للكاتب بسام جرار ، والذي كان قد بحث هذا الأمر من قبل . وجدت أن الكاتب توغل في حسابات كثيرة ومعقّدة ، كانت أحيانا عصيّة على الفهم والمتابعة ، وأنّ محاولته لتحديد موعد زوال إسرائيل ، من خلال تلك الحسابات غير مقنعة . ولكنّ طرحه لفكرة استخراج الموعد ، من سورة الإسراء ، أمر لفت انتباهي ، وأوجد لدي الدافع للبحث في أمر العدد والحساب ، لاستخراج موعد زوال الدولة اليهودية .
مسألة العدّ في القرآن :
أغلب رجال الدين إلا من رحم ربي ، يُنفّرون من مسألة العدّ في القرآن ، ومنهم من يُنكر ذلك جملة وتفصيلا ، وربما يذهب البعض إلى اتهام من يبحث في هذا الأمر ، بالسحر والشعوذة والتنجيم . بالرغم من ذلك فإن هذا النوع من الإعجاز ، الذي يُظهر ما يكتنفه القرآن ، من توافق وترابط عددي لغوي ، بدأ مؤخرا يفرض نفسه بشكل ظاهر ، وصدرت فيه بعض الكتب والمؤلفات حديثا .
ولنأخذ هذا المثال البسيط ، قال تعالى ( وَأَمَّا1 الْجِدَارُ2 فَكَانَ3 لِغُلَامَيْنِ4 يَتِيمَيْنِ5 فِي6 الْمَدِينَةِ7 وَكَانَ8 تَحْتَهُ9 كَنْزٌ10 لَهُمَا11 وَكَانَ12 أَبُوهُمَا13 صَالِحًا14 فَأَرَادَ15 رَبُّكَ16 أَنْ17 يَبْلُغَا18 … (82 الكهف ) ، في هذا المثال البسيط ، نجد أن كلمة ( يبلغا ) حملت العدد ( 18 ) ، ومن المعروف أن سن البلوغ المتعارف عليه قانونيا ، أو ما يُسمّونه بسنّ الرشد هو 18 سنة . وهناك الكثير من الأمثلة ، مما يوحي بعلاقات وارتباطات عددية ، بسيطة ومعقّدة ، بين ألفاظ وآيات وسور القرآن الكريم .
ويتذرّع البعض في معرض إنكاره واستنكاره ، لمسألة العدّ في القرآن ، بعدم وجود ، خبر صريح وصحيح ، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، أتى من قريب أو بعيد على ذكر هذه المسألة ، ولكن في المقابل ، هل يوجد خبر أو حتى أثر ، يُنكر وجود الإعجاز العددي في القرآن ، أو ينهى عن البحث في أمر إثباته وبيانه ، وهل وضع رسول الله عليه الصلاة والسلام ، تفسيرا للقرآن أو كتابا بيّن فيها أوجه الإعجاز كلها ، فلم يترك المجال لباحث أو مجتهد ؟! وهل نجعل من استغلال أشخاص أو طوائف ، للأعداد الواردة في القرآن ، بشكل غير سوي ، عقبة في طريق بحث هذه المسألة .
وأما الفترة الزمنية التي سينفذ فيها وعد الآخرة ، والتي سنكشف عنها في هذا الفصل ، فنحن لم نقم بتحديدها ، فهي محددة أصلا من قبله سبحانه وتعالى ، في سورة الإسراء ، وكل ما قمنا به ، هو الكشف عن هذه الفترة الزمنية ، وقراءتها بشكل صحيح ودقيق . وبما أن القرآن جاء بكل هذه التفاصيل ، من حيث ماهية العباد وكيفية الدخول وموعده ، وبالرغم من كونه حدثا مستقبليا ، فإن حيثيات هذا الوعد ، لم تعد بوجودها في القرآن غيبا على الإطلاق ، وقراءة وفهم ما هو معلوم ، إذا اعترى الإنسان قصور في القراءة أو الفهم ، لا يٌقال عنه كشفا للغيب ، إلا إذا كان ذلك من قبيل تعزية الإنسان لنفسه ، فذلك شأن آخر .
ورد في القرآن والسنة ، الكثير من النبوءات المستقبلية ، وفيما يلي سنطرح مثالا ، ربما يجعل هذا الفصل قابلا للهضم والفهم ، فلنأخذ على سبيل المثال ، النبوءة المستقبلية ، بانتصار الروم على الفرس ، في سورة الروم ، حيث قال تعالى ( غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ، يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ ، لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)
1. جاء النص القرآني ، بفعل ماض مبني للمجهول ، فأظهر المغلوب ولم يظهر الغالب .
2. وأضاف نبأ جديدا ، وهو غلبة الروم مستقبلا ، لمن غلبهم في الماضي .
3. وحدّد فترة زمنية لتحقّق ذلك ببضع سنين .
4. وأفاد بأن المؤمنين سيفرحون عند تحقّق هذا الأمر .
5. وأكدّ على أنه وعد من الله ، وأن الله لا يُخلف وعده .
6. وعقّب بقوله ( ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ) ، مما يكون من أمر الله .
7. وأما ما يعلمه الناس ، فهو ظاهر الحياة الدنيا ، أي الواقع الذي يستشعرونه بحواسهم فقط .
8. أما أمر الغيبيات ، التي أخبر عنها سبحانه في كتابه ، ومنها الحياة الآخرة فهم عنها غافلون .
فلو قلنا بأن هذه النبوءة تقول : بأن الروم سيهزمون الفرس في فترة زمنية ، تتراوح ما بين [ 3 – 9 ] سنوات ، سيقول من لم يعلم بظروف هذه النبوءة ، ولم يعلم التاريخ ، ولم يعلم أن البضع في لغة العرب يساوي ( 3 – 9 ) ، أن هذا النص غير مكتوب في القرآن ، فكيف عرفت أن الذين سيُهزمون هم الفرس ؟ وأن ذلك سيتم في فترة ، لا تقل عن 3 سنوات ، ولا تزيد عن 9 سنوات ؟
نلاحظ أن هذه النبوءة كانت واضحة بالنسبة للمسلمين ، من حيث من سيغلب من ، ولكن زمن التحقّق جاء فضفاضا ، إذ لم يشأ سبحانه مع علمه ، الكشف عن الزمن بشكل دقيق ، ولكنه أعطى فترة زمنية على مدى 6 سنوات تقريبا ، ليترك المجال لجريان الأسباب والمسبّبات ، التي من شأنها أن تترجم النبوءة على أرض الواقع ، دون تعطيل من البشر ، من جرّاء العلم المسبق بحيثياتها .
ولو تمعنّا في التعقيب الأخير في الآية (7) ، الذي جاء فيها على مجمل ، ما أخبر عنه سبحانه في الآيات السابقة لها ، ستجد أن هناك حكمة إلهية ، من الإخبار عن شأن هذا الحدث المستقبلي . ألا وهي زفّ البشرى للمؤمنين ، بحتمية النصر مستقبلا ، فكما تحقّقت هذه النبوءة وهذا الوعد ، على أرض الواقع ، فسيُنجز الله كل ما وعد به في كتابه الكريم ، ليزداد المؤمنون إيمانا ويقينا ، بصدق كل ما حواه هذا الكتاب ، من شأن الدنيا والآخرة ، ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، وصدق من أنزله ، وصدق وأمانة من أُرسل به ، هدى ورحمة للعالمين .
وتراوحت غايات الإخبار عن أنباء المستقبل ، ما بين البشارة والنذارة ، وأهم الأنباء المستقبلية ، التي يريد رب العزة أن يتيقن منها الناس ، هي اليوم الآخر ، بما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب ، وهذه الحقيقة تكاد لا تخلو أي من سور القرآن ، من ذكرها والتذكير بها ، إذ أن مؤدى إنكار اليوم الآخر ، حتى ولو قُرن مع الإيمان بالله ، هو عبث وعبثية ، ليُصبح إحسان الإنسان ، مرتبط بما يتحصّل عليه من مكاسب دنيوية فقط ، وبذلك يفسد الناس وتفسد الأرض ، فيحل بهم الهلاك ، ولذلك عقّب سبحانه ، بعد الإخبار عن هذه النبوءة بقوله ( … وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7 الروم ) .
وقد جاءت أخبار النبوءات المستقبلية في القرآن والسنّة مسبقا ، لتتحقّق في أزمان يكون المؤمنين فيها ، بأمس الحاجة لما يقوي إيمانهم ، ويُثبّتهم على دينهم ، ويشدّ من أزرهم ، في مواجهة أهل الكفر والفسوق والعصيان ، كما هو الحال مع النبوءة السابقة . وجاءت أيضا لتتحقّق في أزمان يكاد فيها الإيمان ، أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، لتُعيد له الحياة في قلوب أصحابه ، ولينفضوا ما علق بأرواحهم ، وما أغشى أبصارهم وبصائرهم ، من رماد هذه الدنيا ، التي أوشكت على الفناء . فإذا ما عاصر الناس ، تحقّق نبوءة على أرض الواقع ، مما أخبر به القرآن ، أثبت هذا القرآن للناس ، بشكل قاطع وملموس محسوس ، بأنه من لدن حكيم عليم ، عالم للغيب والشهادة ، وأن لا بد للناس من المثول بين يديه ، فالموت ليس نهاية المطاف ، بل هو بداية رحلة لا نهاية لها ، من الشقاء أو من السعادة .
سورة الكهف :
كنت قد قرأت فيما سبق ، بعضا من كتب الإعجاز العددي في القرآن ، ومن ضمنها كتاب بسام جرار بعنوان ( إعجاز الرقم 19 ) ، حيث قال بسام جرار فيه : (( كنت أقرأ سورة الكهف ، فخطر ببالي أن أحصي الكلمات ، من بداية قصة الكهف ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ ) ، وعندما وصلت إلى الآية (25) : ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ) ، وإذا بالكلمة ، التي تأتي بعد هذه العبارة مباشرة ، هي الكلمة رقم (309) ، ونحن نعلم أنهم لبثوا في كهفهم (309) سنوات ، كما نص القرآن الكريم )) . كان هذا نقلا حرفيا ، لما جاء في الكتاب ، وكان هذا الكتاب ، سابقا لكتاب ( زوال إسرائيل ) بعدة سنوات .
عندما قرأت هذه المعلومة ، أحببت أن أتأكد من صحتها ، فقمت بإجراء نفس عملية الإحصاء آنذاك ، فتبيّن لي صحة الخبر . ظننت في بادئ الأمر ، أن المقصود هو إظهار التوافق العددي اللغوي ، ما بين عدد السنين التي لبثها هؤلاء الفتية في الكهف ، وعدد كلمات القصة التي تروي خبرهم ، وهو بحدّ ذاته شيء جميل وعجيب . ولكن عندما رغبت في البحث ، في مسألة زوال إسرائيل فيما بعد ، حيث لم أقتنع بحسابات بسام جرار ، أصبح لهذا المثال المطروح في سورة الكهف ، معنىً أخرا .
تصفّحت سورة الإسراء مرارا وتكرارا ، ولفت انتباهي أن موضوع السورة بشكل عام ، هم بني إسرائيل أنفسهم ، " وبني إسرائيل " هو الاسم التوقيفي للسورة ، كما ورد في جميع الأحاديث والروايات ، التي جاءت على ذكرها ، وأما ما تُركّز عليه السورة بشكل خاص ، هو قصة المرتين ، وما فيهما من إفساد وعلو ووعد كل منهما ، والملاحظ أن القصة لها بداية ولها نهاية . قمت بالمقارنة بين القصتين ، وفي مخيلتي تساؤل مفاده ، أليس من الممكن أن يكون سبحانه ، قد طرح هذا المثال الموجود في سورة الكهف ، لكي نقوم بتطبيقه في سورة الإسراء ، لاستخراج موعد هلاك بني إسرائيل في المرة الثانية .
وجعلنا لمهلكهم موعدا :
تُركّز سورة الإسراء بشكل كبير ، على ذكر وعد الآخرة ، وهو وعد بهلاك بني إسرائيل وزوال دولتهم ، وهذا الوعد له موعد ، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الكهف ، التي تلي سورة الإسراء مباشرة ( … ، بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) … ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ ، … (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ، وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) ، هذا التكرار لكلمة موعد ، والتأكيد على أن هناك موعد ، أمر ملفت للنظر . حاولت في البداية إيجاد أوجه الشبه بين السورتين ، ومن ثم عُدّت إلى سورة الكهف ، وقمت بدارسة وتحليل المثال المطروح فيها ، فوجدت نفسي أمام درس إلهي ، في رياضات من نوع آخر . خرجت منه بعدة قواعد رياضية ، فتملكني شعور آنذاك ، أن هذا المثال ، إنما وُضع ليكون بمثابة مفتاح ، للكشف عن موعد هلاك بني إسرائيل ، في سورة الإسراء .
قصة أصحاب الكهف :
بعد إطلاعي على قصة أصحاب الكهف ، من خلال كتاب ( أهل الكهف ) ، لإحدى دور النشر الأردنية – لا أذكر اسم المؤلف - الذي يؤكد فيه المؤلف ، أن الكهف المعني ، هو الكهف الموجود ، بالقرب من مدينة مادبا الأردنية ، وأن أحداث القصة ، وقعت بعد وفاة عيسى عليه السلام ، وقبل بعث محمد عليه الصلاة والسلام ، حيث كانت الإمبراطورية الرومانية الوثنية آنذاك ، مسيطرة على المنطقة ، وأن القضية التي كانت مطروحة آنذاك ، هي مسألة البعث بعد الموت ، التي كان ينكرها الوثنيّون الرومانيون ، واليهود الخاضعين لسيطرتهم كذلك .
والحكمة من جرّاء تنويمهم ، ومن ثم بعثهم ، ومن ثم العثور عليهم من قبل أهل المدينة ، كانت لإثبات البعث بعد الموت ، لدى أُناس ذلك العصر ، من وثنيون ويهود ، وهذا ما يُخبر عنه سبحانه وتعالى صراحة ، في قوله ( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ، إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ … (21) أي أن الله أعثر أُناس تلك المدينة المجاورة للكهف ، لكي يعلم أولئك الناس ، بـ ( أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ _ بالبعث بعد الموت _ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ) . ومجيء قصة أصحاب الكهف في القرآن ، لم يكن في الأصل ، لطرح التساؤلات عن عددهم وعن مدة لبثهم ، فهذا أمر لا طائل منه ولا فائدة فيه ، فهو سبحانه ينهى عن ذلك بقوله ( فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرَاً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدَاً (22 الكهف ) ، وقد قرّر سبحانه عددهم ، بقوله ( وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ( 22 الكهف ) ، إذ استثنى هذه العبارة من قوله ( رجما بالغيب ) ، واقتصرها على الأقوال السابقة فقط . وأما مدة لبثهم فقد قرّرها في قوله ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) ، وقوله ( قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ، لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (26 الكهف ) ، تأكيد على أن ما أخبر عنه ، من مدة لبثهم هو الحق ، فهو أعلم بغيب الماضي والمستقبل ، كما أكدّ على إخباره عن عدّتهم فيما سبق .
لا يُمكن إحصاء عدد السنين :
نخلص من ذلك ، إلى أن المسألة المراد التركيز عليها ، هي شيء آخر غير إحصاء عددهم أو مدة لبثهم ، هي إشارات لدرس رائع في الرياضيات الإلهية ، ولتوضيح هذا الدرس ، سنبدأ مع بداية القصة ، حيث لخّص سبحانه القصة كاملة في أربع آيات ، في قوله ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) ، هذا الملخّص يقول : أن أصحاب الكهف فتية ، لجئوا إلى الكهف ، وطلبوا من ربهم أن يرحمهم ، وأن يُهيئ لهم سبيلا للنجاة من قومهم ، فأسلمهم سبحانه للنوم في الكهف ، عددا من السنين ، ثم بعثهم ، ثم علّل أمر نومهم ثم بعثهم ، بأنه يريد أن يعلم ، من أحصى ممن لم يُحصِ مدة لبثهم في الكهف ، من عدد السنين .
وتعليل النوم والبعث حقيقة ، كنا قد أوضحناه سابقا ، ولكن الملفت للنظر هنا هو تعليل البعث ، في بداية على غير الوجه الحقيقي له ، بقوله تعالى ( لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) ، إذ لا يُعقل أن يكون المقصد الحقيقي ، هو معرفة من أحصى مدة البث ممن لم يُحصِها . وفي الواقع ، فإن الأمد ( أي الفترة الزمنية ) لا يُحصى إحصاءً ، وإنما يتحصّل بالحساب . ولو فكّرت في معنى الإحصاء رياضيا ، لوجدت أن هذا الذي جاء في الآيتين ، غير منطقي من الناحية الرياضية العملية ، فعملية الإحصاء والعدّ لا يمكن القيام بها ، إلا إذا كان المراد إحصاءه أو عدّه ، ماثل أمامك عيانا ، كأن تحصي مجموعة من الأشياء . أما أن تحصي شيئا ، لا تلمسه بيديك أو تراه بعينيك ، فهذا أمر مستحيل . وأما بالنسبة للسنين ، فلا يُمكن بأي حال من الأحوال إحصائها أيضا ، لأنها ليست أشياء قابلة للعدّ ، وإنما تتحصل معرفتها بالحساب ، فهي نتيجة لجمع عدد من الشهور ، والشهور نتيجة لعدد من الأيام ، وعلى سبيل المثال ، إذا أردت معرفة عمر شخص ما ، أو عمر أُمّة ما ، فما ستقوم به هو عملية طرح للتواريخ ، لتحصيل عدد السنين ، التي تُمثّل عمر ذلك الشخص ، أو عمر تلك الأمة .
الإحصاء لمدة اللبث :
وبالتالي نستطيع القول بأن هذا التركيب اللغوي ، جاء ليلفت انتباهنا إلى ما جاء في هذه القصة ، من إعجاز عددي لغوي ، ولإحصاء أشياء ماثلة أمام أعيننا ، ألا وهي كلمات القصة ، التي توافق عدد السنين ، التي لبثها أصحاب الكهف في كهفهم ، والتي إن قمت بإحصاءها ، ستكون في الحقيقة قمت بعدّ مدة اللبث بالسنين ، لأن عدد الكلمات يوافق عدد السنين ، ويقول سبحانه تعقيبا على هذا الإعجاز ، فيما يلي القصة من آيات ( لَهُ غَيْبُ الْسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، أي ما كشفه من شأن هؤلاء الفتية من غيب الماضي ، ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ (26) وكأنه حثّ على إمعان النظر ، فيما بين يديك من إعجاز ، وكشفه والإخبار عنه ، ويؤكد سبحانه من خلال هذا التوافق العددي أن ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه ( 27 الكهف ) ، كما أكدّ أيضا في سورتي الأنعام ويونس بقوله ( وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ (34) ، ( لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ (64) ليتبين لك أن لا تبديل لمواقع الكلمات فيه ، ولا زيادة فيه ولا نقص ، وهذا ما تثبته هذه السورة ، وسورة الإسراء أيضا ، مصداقا لقوله تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الْذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9 الحجر ) ، وقوله ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82 النساء ) .
يقول سبحانه ( أحصى لما لبثوا أمدا ) ، نتبين من ذلك ، أن المراد هو إجراء عملية إحصاء أو عدّ ، وأن المراد إحصاؤه _ حسب ظاهر النص القرآني - هو مدة اللبث ، وبما أن إحصاء مدة اللبث مُتعذّر ، فالإحصاء سيكون لأشياء تُمثّل هذه المدّة ، ألا وهي الكلمات الماثلة أمامنا ، والتي تُشكل أحداث القصة ، لنستطيع من خلال إحصائها ، معرفة عدد سنين مدة اللبث ، وكأنه سبحانه أراد أن يُعلمنا درسا رياضيا ، نستطيع من خلال القواعد التي سنستنبطها منه ، من استخراج عدد السنين لمدة لبث أُناس ، قد سبق ذكرهم في السورة التي سبقت سورة الكهف ، وهذا يعني أن مدة لبثهم لها نهاية بهلاكهم ، والمشار إليها بوعد الآخرة .
طريقة العدّ في سورة الكهف :
( أَمْ1 حَسِبْتَ2 أَنَّ3 أَصْحَابَ4 الْكَهْفِ5 … … وَلَبِثُوا306 فِـي307 كَهْفِـهِمْ308 ( ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا )309(25)
تبدأ القصة من الآية (9) ، بعبارة ( أم حسبت ) وتنتهي في الآية (25) ، بعبارة ( ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ) . نلاحظ أن كلمة ( كهفهم ) تحمل العدد ( 308 ) ، وأن العدد الذي يلي العدد (308) ، هو (309) ، وبدلا من أن ينتهي العدّ عند الكلمة ، التي تلي كلمة ( كهفهم ) مباشرة ، بقولنا : ثلاثمائة وتسعة ، جاء سبحانه بعبارة ، تحكي العدد نفسه بالكلمات ، ( ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ) ، لتحمل العبارة كاملة ، العدد ( 309 ) .
وقوله سبحانه ( ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ) ، وعدم قوله ( تسع وثلاثمائة ) ، جاءت ليُعلّمنا قاعدة حسابية ، لحساب الفرق بين السنين الشمسية والسنين القمرية ، بإضافة 3 سنوات لكل 100 شمسية ، لنحصل على ما يُعادلها بالقمرية ، حيث أن كل (100) سنة شمسية ، تعادل (103) سنوات قمرية تقريبا . ومفاد هذه العبارة أنهم لبثوا (300) سنة شمسية ، و (309) سنة قمرية ، والأهم من ذلك أن عدد الكلمات جاء متفقا ، مع مدة لبثهم بالسنين القمرية ، أي أن كل كلمة مثّلت سنة قمرية لا شمسية . وبناء على ذلك ، وعند استخدام هذه الطريقة ، في سورة الإسراء سنتعامل ، مع السنين القمرية .
قواعد الإحصاء في سورة الكهف :
1. الإحصاء للكلمات ، إذ لا يُمكن إحصاء السنين .
2. الكلمة لغة ، هي التي تتكون من حرفين فما فوق .
3. بداية العدّ كانت من بداية قصة .
4. قصة أصحاب الكهف سبقتها مقدمة ، تكوّنت من 8 آيات . وعملية العدّ لم تشملها .
5. أن بعض الآيات التي وردت ضمن القصة ، دخلت كلماتها في العدّ ، مع أن علاقتها بالقصة ليست ظاهرة ، كالآيات ( 23 ، 24 ) .
6. أن نهاية العدّ كان بانتهاء القصة .
7. أن عدد الكلمات ، توافق مع عدد السنين ، التي لبثوها في الكهف ، إذ أن كل كلمة تمثل سنة .
8. أن كل كلمة ، تمثّل سنة قمرية ، ذلك لأن نتيجة العدّ كانت 309 كلمات ، قد توافقت مع مدة لبثهم بالسنين القمرية .
قابلية هذا المثال للتطبيق على سورة الإسراء :
قال تعالى ( فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) لو أمعنت النظر فيما تحته ، لوجدت أن الظاهر يقول ، أن بعثهم كان لأن الله سبحانه وتعالى ، أراد أن يعلم أي الحزبين أحصى ! أحصى ماذا ؟ أحصى مدة ما لبثوا في الكهف من عدد السنين . أي أن المراد من الإحصاء هو معرفة عدد السنين . في المقابل نجد في الآية (12) من سورة الإسراء عبارة تقول ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) ، للإشارة إلى أن السورة ، تحمل بين ثناياها معرفة لعدد سنين ، تتحصل بالعدّ والحساب ، تخصّ أُناس سبق ذكرهم فيما ورد من آيات ، سبقت هذه العبارة .
وللفت الانتباه إلى أن الإحصاء متعلق بمدة اللبث ، تكرّر ذِكر مشتقات هذه الكلمة (6) مرات في سورة الكهف ، وهي ( لَبِثُوا ، لَبِثْتُمْ ، لَبِثْنَا ، لَبِثْتُمْ ، وَلَبِثُوا ، لَبِثُوا ) في الآيات ( 12،19،25،26 ) . وفي المقابل نجد أن مشتقات هذه الكلمة ، تكرّرت مرتين في سورة الإسراء ، في قوله سبحانه ( وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وقوله ( وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) ، يُقال أن المقصودين في هاتين الآيتين هم مشركي قريش حصرا ، وهذا القول غير صريح . ولو أنك تتبعت النص منذ البداية ، لوجدت أن القول الأول قيل لمنكري البعث ، وعلى رأس القائمة في إنكار البعث هم اليهود .
ولو أنك تتبعت النص من قوله تعالى ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ … وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ ، لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ، وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) ، لوجدت أن القول الثاني قيل في اليهود حصرا ، حيث تؤكد معظم الروايات أن هذه الآيات مدنية ، ولو تمعنّت في قوله تعالى ( وإن كادوا ليفتنونك ) وتساءلت عمن له القدرة ، على فتنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، أهم أهل الكتاب أم عبدة الأصنام ! ولو تمعنّت في قوله تعالى ( وإن كادوا ليستفزّونك من الأرض ليُخرجوك منها ) وتساءلت عمن حاولوا استفزاز الرسول عليه الصلاة والسلام ، لإخراجه ولم يُكتب لهم النجاح ! لو قلت أنهم اليهود ، عندما أرادوا منه أن يخرج معهم ، من أرض الجزيرة ككل إلى الأرض المقدّسة ، ليُعيد لهم ملكهم المنقرض ، لكان ذلك أقرب إلى العقل والمنطق ، وهناك روايات تؤكد ذلك . ولو قلت أنهم مشركي قريش ، فقد جانبت الصواب ، لأنهم قد استفزّوه بالفعل ، وأخرجوه من بلدته حقيقة .
أوجه التشابه :
أولا : ذكر أحد مشتقات لفظ اللبث في السورتين ، وهو لفظ يأتي أينما ورد في القرآن ، للإشارة إلى مدة زمنية ، ( قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ (259 البقرة ) ، ( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42 يوسف ) ، ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ (40 طه ) ، ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103 طه ) ( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112 المؤمنون ) ، ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا (14 العنكبوت ) .
ثانيا : ذكر لفظ يُشير إلى الإحصاء أو العدّ في السورتين ، ( سِنِينَ عَدَدًا … أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ) في الكهف ، ( وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) في الإسراء ، بإضافة لفظ الحساب .
سورة الإسراء :
ما سنقوم بإحصائه هو الكلمات ، في قصة المرتين ووعديهما ، والتركيز في المجمل - كما سبق وأشرنا في فصل التفسير - كان على المرة الثانية ووعدها . وهذه الكلمات التي سنقوم بعدّها أو بإحصائها ، تمثل مدة لُبث اليهود بالسنين القمرية .
جاء في بداية سورة الإسراء ، مقدّمة تمهيدية مكونة من ثلاث آيات ، ومن ثم تبدأ رواية القصة من الآية ( 4 ) ، بقوله تعالى ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) ، وتنتهي في الآية ( 104 ) ، بقوله تعالى ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) . وإذا قمت بإحصاء الكلمات من عبارة ( وَقَضَيْنَا1 إِلَى2 بَنِي3 إسْرائِيلَ4… (4) ، حتى تصل إلى عبارة ( جِئْـنَا بِكـُمْ لَفِيفًا (104) ، ستجد أن كلمة ( لفيفا ) تحمل العدد 1422 ، وهو عدد كلمات القصة .
( ملاحظة : لو قمت بعدّ كلمات السورة ، من خلال العدّ التسلسلي العادي ، ستخطئ مرارا وتكرارا ، فالأصوب والأسهل هو استخدام الحساب التراكمي ، بحيث تعدّ كلمات كل آية بشكل منفرد ، ومن ثم تقوم بجمع كل عشر مع بعضها ، ومن ثم تقوم بجمع الناتج الكلي . وإن كنت تملك جهاز حاسوب ، ستكون عملية غاية في السهولة ، فما عليك إلا أن تنقل نص سورة الإسراء ، من أحد برامج القرآن ، كما هو مرسوم بالمصحف ، واستثناء أرقام الآيات ، أو إلصاقها بالكلمة التي تسبقها ، ومن ثم تظليل نقطة البداية حتى نقطة النهاية ، ومن ثم طلب أمر ( عدد الكلمات ) من قائمة ( أدوات ) ، لتظهر لك النتيجة على الفور ) .
* نص سورة الإسراء والكهف ، موجود على برنامج ( وورد ) ، ضمن حزمة الكتاب ، المعدّة للتنزيل من الموقع .
هذا العدد الذي تحصّلنا عليه ، هو عدد من السنين القمرية ، التي تُشير إلى نهاية مدة لبث بني إسرائيل ، في الأرض المذكورة بداية السورة ، أي أن نهاية هذا اللبث ، ستكون بعد 1422 سنة قمرية ، ومن هنا تكون نقطة النهاية معلومة ، بينما نقطة البداية مجهولة .
فهل ستكون نقطة البداية هي حادثة الإسراء والمعراج ، أم هو وقت نزول سورة الإسراء ، أم حادثة الهجرة النبوية نفسها ، التي اتّخذت اصطلاحا كنقطة بداية للتقويم الهجري ؟!
حيث ورد في كتاب ( الكامل في التاريخ ) للشيباني ، ما نصه : " والصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أمر بوضع التاريخ ، وسبب ذلك أن أبا موسى الأشعري ، كتب إلى عمر ، أنه يأتينا منك ، كتب ليس لها تاريخ ، فجمع عمر الناس للمشورة ، فقال بعضهم : أَرِّخ بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : بمهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : بل نؤرخ بمهاجرة رسول الله ، فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل ، قاله الشعبي " .
اختبار العدد 1422 :
أخر أيام السنة الهجرية 1422 ، هو 29 - ذو الحجّة ، وذو الحجّة هو الشهر الثاني عشر من السنة الهجرية . وقامت دولة إسرائيل بتاريخ 15 / 5 / 1948م ، ويقابل هذا التاريخ بالهجري 6 / رجب / 1367 هـ ، ورجب هو الشهر السابع من السنة الهجرية . ولحساب أطول مدة ممكنة ، لبقاء دولة إسرائيل على قيد الحياة ، سنقوم بطرح التاريخ الثاني من الأول :
29 / 12 / 1422 هـ - 6 / 7 / 1367 هـ = 23 يوم ، و5 أشهر و55 سنة قمرية
أي ستكون نهاية الدولة اليهودية في بحر السنة ( السادسة والخمسين ) من عمرها .
اختبار العدد ( 56 ) :
• لو فرضنا أن بداية القصة ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ … (4) تُمثّل بداية قيام دولة إسرائيل ، فما هي العبارة التي تُشير إلى نهايتها ، ونفاذ وعد الآخرة فيها ؟ بلا شك ستكون الإجابة هي عبارة ( … وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ … (7) ، إذ أن ما جاء بعدها هي عبارات للتعقيب فقط . وإذا قمت بإحصاء الكلمات من عبارة ( وَقَضَيْنَا1 إِلَى2 بَنِي3 إسْرائِيلَ4… (4) ، حتى تصل إلى عبارة ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ … (7) ستجد أن كلمة ( المسجد ) تحمل العدد ( 56 ) ، وهو نفس العدد الذي تحصّلنا عليه في الحسبة السابقة .
• يُعاد ذِكر بني إسرائيل مرة أخرى ، في نهاية السورة ، في قوله تعالى ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ … (101) ، وينتهي ذكرهم بالأمر الآخر الذي سيتحقّق بمجيء وعد الآخرة ، وهو مجيئهم من الشتات ، في قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) . وإذا قمت بإحصاء الكلمات من عبارة ( وَلَقَدْ1 آتَيْنَا2 مُوسى3 … (101) حتى تصل إلى عبارة ( … جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) ، ستجد أن كلمة ( لفيفا ) أيضا ، تحمل العدد ( 56 ) .
اختبار العدد 56 من خلال العدّ والحساب :
والآن نعود إلى قوله تعالى ( وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) ، وقوله ( وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) ، حيث ذُكر لفظ اللبث . وكما قلنا فيما سبق ، أن المقصود باللبث ، في العبارتين هو لبث اليهود . وهذا اللبث منذ بداية دولتهم وحتى نهايتها ، تبين لنا أنه لا يتجاوز 56 سنة ، وهو موصوف بالقليل :
• إذا قمت بإحصاء 56 كلمة ، من حيث الكلمة التي تلي كلمة قليلا مباشرة ، في قوله تعالى ( وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ1 لِعِبَادِي2 … (53) وتوقفت عند الكلمة التي تحمل العدد (56) ، ستجد أنك توقفت في نهاية العبارة ( فلا يملكون كشف الضرّ عنكم ) ، في الآية ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ54 الضُّرِّ55 عَنكُمْ56 ، وَلَا تَحْوِيلًا (56) ، والذين سيقع بهم الضُرّ أي الأذى والعذاب الدنيوي ، عند مجيء وعد الآخرة هم اليهود . ولو نظرت إلى نهاية الآية ، التي تسبق هذه الآية مباشرة ، ستجد قوله تعالى ( وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) وداود عليه السلام هو مؤسّس مملكتهم الأولى ، وكأن ذكره جاء للإشارة إليهم . ولو قرأت نص الآية كاملا ، ستجد المخاطبين ، كانوا قد اتّخذوا أولياء ووكلاء من دون الله ، ويؤكد سبحانه أن هؤلاء الأولياء والوكلاء ، لا يملكون إزالة الأذى أو تحويله عنهم ، حال وقوعه بهم .
ولو كنت دقيق الملاحظة ، ستكتشف أن الآية التي توقف العدّ فيها عند العدد 56 ، على عبارة ( فلا يملكون كشف الضرّ عنكم ) ، هي الآية التي تحمل العدد ( 56 ) أيضا ، وهذه الآية تقع في منتصف السورة تماماً . إذ لو أنك قمت بقسمة عدد آيات السورة (111) على (2) ستحصل على ( 55.5 ) ، وهي تقريبا نفس الحسبة التي خرجنا بها سابقا ، لتُشير إلى أن زوال دولتهم ، سيكون في بحر السنة السادسة والخمسين من عمر دولتهم . وأن عمر دولتهم ، لن يتجاوز خمس وخمسون سنة قمرية ونصف .
• وإذا قمت بإحصاء 56 كلمة ، من حيث الكلمة التي تلي كلمة قليلا مباشرة ، في قوله تعالى ( وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ1 مَنْ2 قَدْ3 أَرْسَلْنَا4 … (77) ، وتوقفت عند الكلمة التي تحمل العدد (56) ، ستجد أنك توقفت في نهاية العبارة ( جاء الحقّ وزهق الباطل ) ، في الآية ( وَقُلْ جَاءَ53 الْحَقُّ54 وَزَهَقَ55 الْبَاطِلُ56 ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) ، ومجيء الحقّ هو مجيء الوعد ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98 الكهف ) ، وزَهقِ الباطل هو بلا شك نفاذ الوعد ، بزوال دولة الإفساد وهلاك أهلها .
التأريخ لقيام دولة إسرائيل :
( … فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ : … ( 7 ) … وَقُلْنَا … لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ … فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ : جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) .
تكرار ذكر بني إسرائيل في بداية السورة ونهايتها ، هو أمر ملفت للنظر ، وتكرار ذكر وعد الآخرة في بدايتها ونهايتها كذلك ، هو أمر آخر ملفت للنظر أيضا ، وأثناء محاولاتي المتكرّرة للربط العددي ، بين عبارتي ( فإذا جاء وعد الآخرة ) في الآية ( 7 ) والآية ( 104 ) .
قمت بعدّ الكلمات من قوله تعالى ( فَإِذَا1 جَاءَ2 وَعْدُ3 الْآخِرَةِ4 … (7) في بداية السورة ، إلى ما قبل عبارة ( فإذا جاء وعد الآخرة (104) في نهاية السورة ، وتوقفت عند عبارة ( اسكنوا الأرض ) ، في قوله ( وَقُلْنَا … لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا1366 الْأَرْضَ1367 … (104) . فوجدت أنني قد توقفت على العدد (1367) ، وهذا العدد ، هو موعد قيام دولة إسرائيل بالتقويم الهجري ، وهو موعد استيلائهم الفعلي على أرض فلسطين ، وبدء استيطانهم فيها ، وتجمّعهم من شتى بقاع الأرض .
وكأن واقع الحال ، يُخبر بأنه في عام 1367 هـ ، سيأذن الله لهم بالسكن في الأرض المقدّسة واستيطانها ، وإقامة علوهم الثاني والأخير فيها .
مجموع كلمات السورة يحمل في ثناياه العددين 56 و1422 :
عدد كلمات القصة من بدايتها حتى نهايتها هو (1422) كلمة .
عدد كلمات المقدمة بدءا من قوله تعالى ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى … (1) إلى قوله تعالى ( … كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) ، هو (42) كلمة .
عدد كلمات الخاتمة ، بدءا من قوله تعالى ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ … (105) إلى قوله تعالى ( … وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111) هو (92) كلمة .
وبجمع النواتج الثلاثة ، نحصل على عدد كلمات السورة كاملة :
42 + 1422 + 92 = 1556 كلمة
والآن تمعّن في العدد الكلي لكلمات السورة ، فما الذي يقوله هذا العدد ؟ لو فصلت خانتيّ الآحاد والعشرات ، عن خانتيّ المئات والألوف ، ستحصل على العددين (56) و (15) ، والعدد الأول معلوم ، والعدد الثاني يُعبّر عن القرن الخامس عشر الهجري ، الذي نعيشه الآن . والذي تقع فيه السنة 1422 .
كما أن مجموع أرقام هذا العدد ، يُمثّل ترتيب سورة الإسراء في القرآن : 6 + 5 + 5 + 1 = 17
والملفت للنظر أيضا أن عدد كلمات عبارة ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) هو ثمانية كلمات ، وأن عدد كلمات عبارة ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ) هو سبعة كلمات .
حاصل ضرب العددين هو : 8 × 7 = 56
وحاصل جمع العددين هو : 8 + 7 = 15
ومجموع الناتجين ، هو : 56 + 15 = 71 ، وهذا العدد سنوضح أمره فيما يلي .
تحديد الفترة الزمنية :
تبين لنا مما تقدم ، أن نهاية دولة إسرائيل بإذن الله ، ستكون في بحر سنة 1422هـ ، وستكون أيضا في بحر السنة السادسة والخمسين من عمرها ، لنستنتج من ذلك أن الفترة الزمنية ، المتوقع فيها نهاية إسرائيل ، ستكون محصورة في الفترة التي يتقاطع فيها الموعدان ، ما بين ، أول يوم في السنة السادسة والخمسين من عمرها ، وآخر يوم في سنة 1422 هـ .
أول يوم في عمر دولة إسرائيل ، أي تاريخ إعلان قيامها ، كان بتاريخ 15 / 5 / 1948م ، ويُقابله 6 / 7 / 1367 هـ ، سنضيف إلى هذا التاريخ (55) سنة قمرية .
( 6 / 7 / 1367 هـ ) + ( 0 / 0 / 55 سنة قمرية ) = 6 / 7 / 1422
فيكون يوم الأحد 6 / رجب / 1422 هـ ، هو أول يوم في السنة السادسة والخمسين من عمرها ، وهذا اليوم تقريبا يقع في منتصف سنة (1422) هـ ، وهو أول يوم من الأيام ، التي يُتوقع فيها ، نهاية دولة إسرائيل .
ويقابله بالتقويم الميلادي 23 / 9 / 2001م
وبما أن يوم الأربعاء 29 / 12 / 1422 هـ ، هو آخر يوم في السنة الهجرية 1422 ، فهو آخر يوم من الأيام ، التي يُتوقع فيها ، نهاية دولة إسرائيل .
ويقابله بالتقويم الميلادي 13 / 3 / 2002م
إذاً ، من المتوقع أن تكون نهاية دولة إسرائيل :
في النصف الثاني من السنة الهجرية 1422 ، في الفترة الواقعة ما بين :
[ 6 / رجب / 1422 هـ - 29 / ذو الحجة / 1422 هـ ]
وفي الربع الأخير من السنة الميلادية 2001 ، والربع الأول من السنة الميلادية 2002 ، في الفترة الواقعة ما بين :
[ 23 / 9 / 2001م - 13 / 3 / 2002م ]
الموعد المتوقع لنهاية الولايات المتحدّة الأمريكية :
قال تعالى ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ، قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ، كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58 الإسراء )
إذا كانت الآية ( 56 ) ، تتحدث عن نهاية دولة إسرائيل ، فالآية ( 58 ) تتحدث عن قرى - ظالمة بلا شك - سيتم إهلاكها ، أو إنزال العذاب الشديد بها ، قبل يوم القيامة ، ولم يبق الكثير من الوقت ، فدُول هذا العصر ، هي القرى الأخيرة قبل يوم القيامة ، وتكاد لا تجد فيها قرية غير ظالمة ، وأكثر القرى المعاصرة ظلما هي أمريكا .
وإذا كان رقم الآية ( 56 ) ، يُعبّر عن موعد هلاك إسرائيل ، فمن المحتمل أن رقم الآية ( 58 ) يُشير إلى موعد هلاك أمريكا ، أي بعد زوال إسرائيل بسنتين قمريتين ، في السنة الثامنة والخمسون ، من قيام دولة إسرائيل ، وهي تُقابل ، سنة 1424 هـ تقريبا .
لقد بدأ يوم القيامة ، بقيام دولة إسرائيل ، بل منذ علا اليهود في الأرض ، والناس في غفلة من أمرهم :
إن لم تُصدّق ذلك ، فتفكّر معي ، بتأنٍ وتروّي ، وتوقف عند كل مقطع ، وكل عبارة ، في قوله تعالى ( إِذْ قَالَ اللَّهُ ، يَعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ، وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ، فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ، فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55 آل عمران ) .
يقول سبحانه وتعالى ، في معرض خطابه لعيسى عليه السلام ، ( وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، والذين كفروا بعيسى وطهّره الله من أقوالهم وأفعالهم ، هم اليهود ، ( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ) والذين اتبعوه هم النصارى إجمالا ، بغض النظر عن صحة معتقدهم وصدق التزامهم بتعاليمه ، ( فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) والفوقية تعني العلو والاستعلاء ، والذين كفروا هم اليهود ، ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) واليوم في الميقات السماوي ، يساوي ألف سنة بالميقات الأرضي ، وهذا اليوم ، هو الذي سيقوم الناس فيه من قبورهم ، ولا ندري فيما كانت الناس ، ستقوم في أوله ، أم في وسطه ، أم في آخره .
ومفاد الآية أعلاه ، أن الفوقية ستكون للنصارى على اليهود ، إلى يوم القيامة ، بمعنى أن فوقية النصارى على اليهود ، لها منتهى ، وقد حدّدته هذه الآية بمجيء يوم القيامة ، وأن تحوّل هذه الحالة إلى العكس تماما ، أي أصبحت الفوقية لليهود على النصارى ، فهي إيذان ببدء يوم القيامة بالميقات السماوي .
ولو تتبعنا التاريخ اليهودي ، لوجدنا أن الاضطهاد النصراني لليهود ، بدأ منذ اعتناق الرومان للنصرانية ، واتخاذها كدين رسمي للإمبراطورية الرومانية ، واستمر حتى بدايات القرن الماضي ، وزال كلية بعد الحرب العالمية الثانية ، وبعد قيام الدولة اليهودية في فلسطين ، حيث انقلب الحال ، فأصبحت الفوقية لليهود على النصارى ، وبدأ عصر الاضطهاد اليهودي للنصارى وغيرهم ، فرئيس الولايات المتحدة بعظمته ، لا يملك من أمره ، إلا السمع والطاعة لأسياده اليهود .
الموعد المتوقع لعودة عيسى عليه السلام ، والقضاء على الدجال وأتباعه اليهود :
عندما قمنا بعدّ الكلمات ، من عبارة ( وَقَضَيْنَا1 إِلَى2 بَنِي3 إسْرائِيلَ4… (4) ، حتى تصل إلى عبارة ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ … (7) وجدنا أن كلمة ( المسجد ) تحمل العدد ( 56 ) ، وهي السنة التي ستكون فيها نهاية إسرائيل . فلنكمل العدّ حتى نصل لعبارة ( … وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) ، التي تُخبر عن عودتهم للإفساد ، وعودة الله عليهم بالعقاب ، على يد عيسى عليه السلام ، ومن معه من المؤمنين ، ستجد أن كلمة ( عدنا ) تحمل العدد ( 71 ) ، وهي تُمثّل السنة الواحدة والسبعون ، من قيام دولتهم ، وهي تقابل سنة 1437 هـ تقريبا .
ومجموع العدد ( 71 ) ، ومقلوبه ( 17 ) الذي يُمثل ترتيب السورة هو : 71 + 17 = 88
والناتج ( 88 ) هو رقم الآية ، التي تحدى سبحانه فيها الجن والإنس ، على أن يأتوا بمثل هذا القرآن .
الموعد المتوقع لظهور المهدي :
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( ثُمَّ يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ ، … ، يَعِيشُ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيَاً ، يَعْنِي حِجَجَاً ) رواه الحاكم وصحّحه الألباني ، وأخرجه الترمذي ( … إِنْ قُصِرَ فَسَبْعٌ وَإِلَّا فَتِسْعٌ ) ، وأحمد ( … يَمْلِكُ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا … ) و ( … خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا ) ، وأبو داود ( … يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ ) ، وابن ماجه ( إِنْ قُصِرَ فَسَبْعٌ وَإِلَّا فَتِسْعٌ … ) كلّهم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
ومن المرجّح لدي أن خروج المهدي ، سيكون قبل خروج الدجال ، وستنتهي خلافته ، بنزول عيسى عليه السلام وتسليمها له ، ومتوسط مدة خلافته ، إذا أخذنا بعين الاعتبار ، اختلاف الروايات ، هو سبع سنوات ، فإن صحّ هذا التقدير ، نستطيع حساب موعد خروجه بطرح ( 7 ) سنوات ، من الموعد المتوقع لنزول عيسى عليه السلام ( 1437 ) :
1437 – 7 = 1430
الموعد المتوقع لخروجه هو عام 1430 هـ ، بتقديم سنتين أو تأخير سنتين ، والله أعلم .
المواعيد المتوقعة للأحداث الكبرى :

الحدث هجري ميلادي
نهاية إسرائيل 1422 2001 – 2002
نهاية الولايات المتحدّة الأمريكية 1424 2003 – 2004
خروج المهدي 1430 2009 – 2010
خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام 1437 2016 - 2017

قال تعالى
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ، عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ ، لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)
( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ ، فِي هَذَا الْقُرْءَانِ ، مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ، فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)
( الإسراء )

فإنما يسّرناه بلسانك لعلّهم يتذكّرون
تبدأ سورة الدخان بتعظيم شأن القرآن الكريم ، وتعظيم شأن الليلة التي أُنزل فيها ، وتركّز السورة ، على الإنذار دون البشرى ، حيث قال سبحانه في إرسال محمد عليه الصلاة والسلام ( يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45 الأحزاب ) . ويؤكد سبحانه أنه أرسله ، منذرا للبشر من قبل أن يحل بهم العقاب ، رحمة منه بعباده . والعقاب الذي تأتي على خبره الآيات وتحذّر منه ، هو البطشة الكبرى ، التي لم تُحدّد ماهيتها هنا ، ونذير هذه البطشة ، الذي سيسبقها بقليل ، هو الدخان ، فليرتقبه الناس ، فإن ظهر وعاينوه فليعتبروا ، وليحذروا ، وليعودوا عما هم عليهم من الشك والتشكيك في أمر ربهم ، واللعب في أمر دينهم ، والطعن في رسولهم الكريم ، الذي بُعث إليهم بشيرا ونذيرا ، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا ، فليرتقبوا البطشة الكبرى . وقد ظهر الدخان الموصوف في هذه السورة ، في عاصمة أحد الأقطار العربية ، فاقرأ معنا هذا الفصل والفصول التي تليه ، لتعرف كيف فُسّرت هذه النبوءة على أرض الواقع ، ولتعرف من هم الموعودين بالبطشة الكبرى قريبا ، بعد إصرارهم على ما هم عليه ، من الكفر والفسوق والعصيان ، بالرغم من غشيان الدخان لهم ، بنفس الصفة ، التي أخبرت عنها الآيات .
تعريف بسورة الدخان :
" مكية ، كما روي عن ابن عباس ، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم ، ووجه مناسبتها لما قبلها أنه عز وجل ، ختم ما قبلها ( الزخرف ) بالوعيد والتهديد ، وافتتح هذه بشيء من الإنذار الشديد ، وذكر سبحانه هنا ، كقول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ( في نهاية سورة الزخرف ) ، وهنا نظيره ، فيما حكى عن أخيه موسى عليهم الصلاة والسلام ، بقوله تعالى فدعا ربه ، أن هؤلاء قوم مجرمون ، وورد بفضلها أخبار " ، الألوسي .
أقوال بعض المفسّرين في آيات سورة الدخان :
( حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (6)
" يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم ، أنه أنزله في ليلة مباركة ، وهي ليلة القدر ، أمر حكيم ، أي محكم لا يُبدّل ولا يُغيّر ، ولهذا قال جل جلاله ، ( أمرا من عندنا ) ، أي جميع ما يكون ويُقدّره الله تعالى وما يوحيه ، فبأمره وإذنه وعلمه ، ( إنا كنا مرسلين ) أي إلى الناس رسولا يتلوا عليهم آيات الله مبينات " ، ابن كثير .
( رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)
" أي إن كنتم من أهل الإيقان ، علمتم كونه سبحانه رب السماوات والأرض ، لأنه من أظهر اليقينيات دليلا ، وفي هذا الشرك تنزيل إيقانهم ، منزلة عدمه ، لظهور خلافه عليهم ، وهو مراد من قال : إنه من باب تنزيل العالم منزلة الجاهل ، لعدم جريه على موجب العلم ، قيل : ولا يصح أن يقال : إنهم نزلوا منزلة الشاكين ، لما كان قوله سبحانه بعد : بل هم في شك ، ولا أدري بأسا في أن يقال : إنهم نزلوا أولا كذلك ، ثم سجّل عليهم بالشك ، لأنهم وأن أقرّوا بأنه عز وجل ، رب السماوات والأرض ، لم ينفكّوا عن الشكّ لإلحادهم في صفاته ، وإشراكهم به تعالى شأنه " ، الألوسي .
( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)
" بل هؤلاء المشركون ، ( في شك يلعبون ) أي قد جاءهم الحق اليقين ، وهم يشكّون فيه ، ويمترون ولا يصدقون به ، ثم قال عز وجل متوعدا لهم ومهدّدا ، ( فارتقب يوم تأتي السماء ) " ، ابن كثير .
" ( بل هم في شك يلعبون ) أي ليسوا على يقين ، فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار ، في قولهم إن الله خالقهم ، وإنما يقولونه لتقليد آبائهم ، من غير علم ، فهم في شكّ ، وإن توهموا أنهم مؤمنون ، فهم يلعبون في دينهم ، وقيل يلعبون ، يضيفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء والاستهزاء ، ويقال أعرض عن المواعظ لاعب ، وهو كالصبي الذي يلعب ، فيفعل ما لا يدري عاقبته " القرطبي .
" لا يقولون ما يقولون ، مما هو مطابق لنفي الأمر عن جدر وإذعان ، بل يقولونه مخلوطا بهزء ولعب ، وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم ، والالتفات عن خطابهم ، لفرط عنادهم وعدم التفاتهم ، والفاء في قوله تعالى : فارتقب لترتيب الارتقاب ، أو الأمر به على ما قبلها ، فإن كونهم في شك يلعبون ، مما يوجب ذلك ، أي فانتظر لهم ، يوم تأتي السماء بدخان مبين " ، الألوسي .
( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)
" ارتقب معناه انتظر ، يا محمد بهؤلاء الكفار ، يوم تأتي السماء بدخان مبين ، قاله قتادة . وقيل معناه احفظ قولهم هذا ، لتشهد عليهم " ، القرطبي .
" يعني تعالى ذكره بقوله ( فارتقب ) ، فانتظر ، يا محمد بهؤلاء المشركين من قومك ، الذين ( هم في شك يلعبون ) ، ( يغشى الناس ) يقول يغشى أبصارهم ، من الجهد الذي يصيبهم ، ( هذا عذاب أليم ) يعني أنهم يقولون ، مما نالهم من ذلك الكرب والجهد ، هذا عذاب أليم ) " الطبري .
أقوال المفسّرين في الدخان :
تفسير ابن مسعود : عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : " بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ ، فَقَالَ : يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ ، فَفَزِعْنَا . فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ مُتَّكِئًا ، فَغَضِبَ ، فَجَلَسَ ، فَقَالَ : مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ ، فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ ، أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ) وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا ، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا ، فَادْعُ اللَّهَ ( فَقَرَأَ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - إِلَى قَوْلِهِ - عَائِدُونَ ) أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الْآخِرَةِ ، إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ) يَوْمَ بَدْرٍ وَ ( لِزَامًا ) يَوْمَ بَدْرٍ ( الم غُلِبَتْ الرُّومُ ) إِلَى ( سَيَغْلِبُونَ ) وَالرُّومُ قَدْ مَضَى " . رواه البخاري وأخرجه مسلم والترمذي وأحمد .
رواية لابن مسعود : عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ : " مَضَى خَمْسٌ الدُّخَانُ وَالرُّومُ وَالْقَمَرُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ " . رواه البخاري وأخرجه مسلم والترمذي وأحمد .
حديث حذيفة : عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ، قَالَ : اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ ، فَقَالَ : ( مَا تَذَاكَرُونَ ؟ ) قَالُوا : نَذْكُرُ السَّاعَةَ ، قَالَ : ( إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ ، وَالدَّجَّالَ ، وَالدَّابَّةَ ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ ) رواه مسلم وأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد .
قال ابن كثير " وقد وافق ابن مسعود ، رضي الله عنه ، على تفسير الآية بهذا ، وأن الدخان مضى ، جماعة من السلف ، كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي ، والضحاك وعطية العوفي وهو اختيار ابن جرير . وروى ابن جرير ، عن ربعي بن حراش قال سمعت حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه ، يقول ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول الآيات الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ، ونار تخرج من قعر عدن أبين ، تسوق الناس إلى المحشر ، تقيل معهم إذا قالوا ، والدخان ، قال : حذيفة رضي الله عنه يا رسول الله : وما الدخان ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ، يغشى الناس هذا عذاب أليم ) يملأ ما بين المشرق والمغرب ، يمكث أربعين يوما وليلة ، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة ، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران ، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره ) ، قال ابن جرير لو صحّ هذا الحديث لكان فاصلا ، وإنما لم أشهد له بالصحة .
وقال ابن جرير أيضا : عن أبي مالك الأشعري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ربكم أنذركم ثلاثا ؛ الدخان ، يأخذ المؤمن كالزكمة ، ويأخذ الكافر ، فينفخ حتى يخرج من كل مسمع منه ، والثانية الدابة ، والثالثة الدجال ) ورواه الطبراني ، عن هاشم بن مرثد عن محمد بن إسماعيل بن عياش به ، وهذا إسناد جيد .
وروى ابن جرير : عن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ، ذات يوم ، فقال : ما نمت الليلة حتى أصبحت ! قلت : لِمَ ؟ قال : قالوا طلع الكوكب ذو الذنب ، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق ، فما نمت حتى أصبحت ) وهكذا رواه ابن أبي حاتم فذكره وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، حبر الأمة وترجمان القرآن ، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ، رضي الله عنهم ، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما ، التي أوردوها ، مما فيه مقنع ، ودلالة ظاهرة ، على أن الدخان ، من الآيات المنتظرة ، مع أنه ظاهر القرآن ، قال الله تبارك وتعالى ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) أي بيّنٌ واضحٌ ، يراه كل أحد ، وعلى ما فسّر به ابن مسعود ، رضي الله عنه ، إنما هو خيال ، رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد ، وهكذا قوله تعالى ( يغشى الناس ) ، أي يتغشاهم ويعميهم ، ولو كان أمرا خياليا ، يخصّ أهل مكة المشركين ، لما قيل فيه يغشى الناس ، وقوله تعالى ( هذا عذاب أليم ) ، أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا " .
وقال القرطبي : " وفي الدخان أقوال ثلاثة ؛ الأول : أنه من أشراط الساعة ، لم يجئ بعد ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما ، يملأ ما بين السماء والأرض ، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام ، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم ، فيثقب مسامعهم ، ويضيق أنفاسهم ، وهو من آثار جهنم يوم القيامة ، وممن قال إن الدخان لم يأت بعد ، علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن أبي ملكية وغيرهم ؛ والثاني : أن الدخان ، هو ما أصاب قريشا من الجوع ، بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا ، قاله ابن مسعود ؛ والثالث : إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة ، قاله عبد الرحمن الأعرج " .
وقال الألوسي : " أي يوم تأتي بجدب ومجاعة ، فإن الجائع جدا ، يرَ بينه وبين السماء ، كهيئة الدخان ، وقد فسّر أبو عبيدة الدخان به ، والمراد باليوم مطلق الزمان ، أي ارتقب وعد الله ذلك اليوم ، وبالسماء جهة العلو ، وإسناد الإتيان بذلك إليهما ، من قبيل الإسناد إلى السبب ، لأنه يحصل بعدم إمطاره ، وتفسير الدخان بما فسرناه به ، مروي عن قتادة وأبي العالية والنخعي ، والضحاك ومجاهد ومقاتل ، وهو اختيار الفرّاء والزجّاج ، وقد روي بطرق كثيرة عن ابن مسعود رضي الله تعالى ، وظاهره ، يدلّك ما في تاريخ ابن كثير ، على أن القصة ، كانت بمكة ، فالآية مكية ، وفي بعض الروايات ، أن قصة أبي سفيان ، كانت بعد الهجرة ، فلعلها وقعت مرتين ، وقد تقدّم ما يتعلق بذلك في سورة المؤمنين ، وقال علي كرّم الله تعالى وجهه ، وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري ، وزيد بن علي والحسن ، أنه دخان يأتي من السماء ، قبل يوم القيامة ، يدخل في أسماع الكفرة ، حتى يكون رأس الواحد ، كالرأس الحنيذ ، ويعتري المؤمن كهيئة الزكام ، فالدخان على ظاهره ، والمعنى فارتقب يوم ظهور الدخان .
وحمل ما في الآية ، على ما يعم الدخانين ، لا يخفى حاله . هذا والأظهر ، حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولى ، لأنه أنسب بالسياق ، لما أنه في كفار قريش ، وبيان سوء حالهم . ( يغشى الناس ) أي يحيط بهم ، والمراد بهم كفار قريش ، ومن جعل الدخان ، ما هو من أشراط الساعة ، حمل ( الناس ) ، على من أدركه ذلك الوقت ، ومن جعل ذلك يوم القيامة ، حمل الناس على العموم ، والجملة ( يغشى الناس ) صفة أخرى للدخان ، وقوله تعالى هذا عذاب أليم ، وقيل : يجوز أن يكون هذا عذاب أليم ، إخبارا منه عز وجل ، تهويلا للأمر ، كما قال سبحانه وتعالى ، في قصة الذبيح ، إن هذا لهو البلاء المبين " .
( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)
" أي يقول الكافرون ، إذا عاينوا عذاب الله وعقابه ، سائلين رفعه وكشفه عنهم ، ( ربنا اكشف عنا العذاب ) " ابن كثير .
" وقوله ( ربنا اكشف عنا العذاب ) يعني أن الكافرين الذين يصيبهم ذلك الجهد ، يضّرعون إلى ربهم ، بمسألتهم إياه كشف ذلك الجهد " ، الطبري .
" كما صرح به غير واحد من المفسرين ، وعدُ منهم بالأيمان ، إن كشفَ جلّ وعلا عنهم العذاب ، فكأنهم قالوا : ربنا إن كشفت عنا العذاب آمنا ، لكن عدلوا عنه " ، الألوسي .
( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)
" يقول كيف لهم بالتذكر ، وقد أرسلنا إليهم رسولا ، بين الرسالة والنذارة ، ومع هذا تولّوا عنه ، وما وافقوه بل كذّبوه ، وقالوا مُعلَّم مجنون " ابن كثير .
" قال ابن عباس : أي يتعظون ، والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر ، بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم ، وتكذيبهم إياه ، ( وقالوا مُعلَّم مجنون ) أي علّمه بشر ، أو علّمه الكهنة والشياطين ، ثم هو مجنون وليس برسول " ، القرطبي .
" يقول تعالى ذِكره ، من أي وجه لهؤلاء المشركين التذكّر ، من بعد نزول البلاء بهم ، وقد تولوا عن رسولنا ، حين جاءهم مدبرين عنه ، لا يتذكرون بما يتلى عليهم من كتابنا ، ولا يتعظون بما يعظهم به من حُججنا ، ويقولون إنما هو مجنون عُلّم هذا الكلام " الطبري .
" ( أنى لهم الذكرى ) نفي صدقهم في الوعد ، وأن غرضهم إنما هو كشف العذاب والخلاص ، أي كيف يتذكرون ، أو من أين يتذكرون بذلك ، ويفون بما وعدوه من الأيمان ، عند كشف العذاب عنهم ، وقد جاءهم رسول مبين ، أي والحال ، أنهم شاهدوا من دواعي التذكر وموجبات الاتعاظ ، ما هو أعظم من ذلك في إيجابهم ، حيث جاءهم رسول عظيم الشأن ، ظاهر أمر رسالته بالآيات والمعجزات ، التي تخز لها صم الجبال ، أو مظهرا لهم مناهج الحق ، ( ثم تولوا عنه ) أي عن ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولم يقل ومجنون بالعطف لأن المقصود تعديد قبائحهم " ، الألوسي .
( إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)
" والاحتمال الثاني أن يكون المراد ، إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا ، بعد انعقاد أسبابه ، ووصوله إليكم ، وأنتم مستمرون ، فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال ، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم " ابن كثير .
" ( إنا كاشفوا العذاب ) يعني الضرّ النازل بهم ، يقول تعالى ذكره ، إنكم أيها المشركون ، إن كشفت عنكم العذاب النازل بكم ، والضرّ الحالّ بكم ، ثم عدّتم في كفركم ونقضتم عهدكم ، الذي عاهدتم ربكم ، انتقمت منكم ، يوم أبطش بكم ، بطشتي الكبرى ، في عاجل الدنيا ، فأهلككم " ، الطبري .
" إنا كاشفوا العذاب قليلا ، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا ، أي في زمان قليل ، ليعلم أنهم لا يفون بقولهم ، بل يعودون إلى الكفر ، بعد كشفه ، قاله ابن مسعود . ومن قال ، إن الدخان منتظر ، قال ، أشار بهذا إلى ما يكون ، من الفرجة بين آية وآية ، من آيات قيام الساعة ، ثم من قضى عليه بالكفر ، يستمر على كفره . ومن قال هذا في القيامة ، قال أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتهم إلى الكفر ، وقيل ، معنى إنكم عائدون إلينا ، أي مبعوثون بعد الموت " ، القرطبي .
" وقيل : المعنى وارتقب الدخان ، وارتقب يوم نبطش ، فحذف واو العطف ، كما تقول : اتق النار ، اتق العذاب ، والبطشة الكبرى في قول ابن مسعود ، يوم بدر ، وهو قول ابن عباس ، وأبي بن كعب ، ومجاهد والضحاك ، وقيل : عذاب جهنم يوم القيامة ، قاله الحسن وعكرمة وابن عباس أيضا ، واختاره الزجاج " ، القرطبي .
" أي إن كشفنا عنكم العذاب ، كشفا قليلا ، أو زمانا قليلا عدتم ، والمراد على ما قيل ، عائدون إلى الكفر ، وأنت تعلم أن عودهم إليه ، يقتضي إيمانهم ، وقد مر أنهم لم يؤمنوا ، وإنما وعدوا الإيمان ، فإما أن يكون وعْدُهم مُنزلا ، مَنزلة إيمانهم ، أو المراد عائدون إلى الثبات ، على الكفر أو على الإقرار والتصريح به . ( يوم نبطش ) يوم نسلّط القتل عليهم ونوسع الأخذ منهم ، وفي القاموس ، بطش به ، أخذه بالعنف والسطوة ، كأبطشه ، والبطش ، الأخذ الشديد في كل شيء " ، الألوسي .
" فسر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه ، بيوم بدر ، وهذا قول جماعة ، ممن وافق ابن مسعود رضي الله عنه ، على تفسيره الدخان بما تقدم ، وروي أيضا ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، من رواية العوفي عنه ، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه ، وهو محتمل . والظاهر أن ذلك يوم القيامة ، وإن كان يوم بدر يوم بطشة . وروى ابن جرير عن عكرمة ، قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( قال ابن مسعود رضي الله عنه ، البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول هي يوم القيامة ) ، وهذا إسناد صحيح عنه ، وبه يقول الحسن البصري وعكرمة ، في أصحّ الروايتين عنه ، والله أعلم " ، ابن كثير .
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)
" يقول تعالى ، ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين ، قوم فرعون ، وهم قبط مصر ، وجاءهم رسول كريم ، يعني موسى كليمه ، عليه الصلاة والسلام " ، ابن كثير .
" ( رسول كريم ) أي مُكرم معظّم عند الله عز وجل ، أو عند المؤمنين ، أو عنده تعالى وعندهم ، أو كريم في نفسه متصف بالخصال الحميدة والصفات الجليلة حسبا ونسبا ، وقال الراغب : الكرم إذا وصف به الإنسان ، فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة ، التي تظهر منه ، ولا يقال هو كريم ، حتى يظهر ذلك منه " ، الألوسي .
" ( وإني عذت بربي وربكم ) أي التجأت إليه تعالى ، وتوكلت عليه جل شأنه ( أن ترجمون ) ، من أن ترجموني ، أن تؤذوني ضربا أو شتما ، أو أن تقتلوني ، وروي هذا عن قتادة وجماعة ، قيل : لما قال : أن لا تعلوا على الله ، توعّدوه بالقتل ، فقال ذلك ، وفي البحر أن هذا ، كان قبل أن يخبره عز وجل بعجزهم عن رجمه بقوله ، ( وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ) ، فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي ، ولا تتعرضوا لي بسوء ، فليس ذلك جزاء ، من يدعوكم إلى ما فيه فلاحكم ، فدعا ربه بعد أن أصرّوا على تكذيبه عليه السلام ، ( أن هؤلاء قوم مجرمون ) " ، الألوسي .
" وفيه اختصار كأنه قيل : أن هؤلاء مجرمون ، تناهى أمرهم في الكفر ، وأنت أعلم بهم ، فافعل بهم ما يستحقونه ، قيل : كان دعاؤه عليه السلام ، اللهم عجّل لهم ما يستحقون بإجرامهم ، وقيل : قوله ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ، إلى قوله ، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ، وإنما ذكر الله سبحانه السبب ، الذي استوجبوا به الهلاك ، ليُعلم منه دعاؤه والإجابة معا ، وإن دعاءه على يأس من أيمانهم ، وهذا من بليغ اختصارات الكتاب المعجز " ، الألوسي .
( … وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) … كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)
" يقول تعالى ذكره ، كم ترك فرعون وقومه من القبط ، بعد مهلكهم ، وتغريق الله إياهم ، من بساتين وأشجار وعيون ومقام كريم ، يقول وموضع كانوا يقومونه شريف كريم . وقوله ( كذلك وأورثناها قوما آخرين ) يقول تعالى ذكره ، وأورثنا جناتهم وعيونهم وزروعهم ومقاماتهم ، وما كانوا فيه من النعمة قوما آخرين ، وقيل عُنيَ بالقوم الآخرين بنو إسرائيل " ، الطبري .
" ( كذلك وأورثناها قوما آخرين ) وهم بنو إسرائيل ، كما تقدم ، وقوله سبحانه وتعالى ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) أي لم تكن لهم أعمال صالحة ، تصعد في أبواب السماء ، فتبكي على فقدهم ، ولا لهم في الأرض ، بقاع عبدوا الله تعالى فيها ، فقدتهم ، فلهذا استحقوا أن لا يُنظروا ، ولا يُؤخروا ، لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم " ، ابن كثير .
" قال الزجاج : أي الأمر كذلك ، فيوقف على كذلك ، وقيل : إن الكاف في موضع نصب ، على تقدير نفعل فعلا كذلك ، بمن نريد إهلاكه ، وقال الكلبي : كذلك أفعل بمن عصاني ، وقيل : كذلك كان أمرهم ، فأهلكوا ، وأورثناها قوما آخرين ، يعني بني إسرائيل ، ملّكهم الله تعالى أرض مصر ، بعد أن كانوا فيها مستعبدين ، فصاروا لها وارثين لوصول ذلك إليهم ، كوصول الميراث ونظيره ، وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ، الآية " ، القرطبي .
( … وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَءَاتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) …
" يعني ما كانت القبط ، تفعل بهم بأمر فرعون ، من قتل الأبناء ، واستخدام النساء ، واستعبادهم إياهم ، وتكلفهم الأعمال الشاقة ، وقيل : أي أنجيناهم من العذاب ، ومن فرعون ، إنه كان عاليا من المسرفين ، ولقد اخترناهم يعني بني إسرائيل " ، القرطبي .
" واختلف أهل التأويل ، في ذلك البلاء ، فقال بعضهم ابتلاهم بنعَمِه عندهم ، وقال آخرون ، بل ابتلاهم بالرخاء والشدة ، وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال إن الله أخبر ، أنه آتى بني إسرائيل من الآيات ، ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم ، وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء ، ويكون بالشدة ، ولم يضع لنا دليلا ، من خبر ولا عقل ، أنه عنى بعض ذلك دون بعض ، وقد كان الله اختبرهم ، بالمعنيين كليهما جميعا " ، الطبري .
( … إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ ، أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، أَهْلَكْنَاهُمْ ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) …
" ( إن هؤلاء ) ، كفار قريش ، لأن الكلام فيهم ، وذكر قصة فرعون وقومه ، استطرادي للدلالة على أنهم مثلهم ، في الإصرار على الضلالة ، والإنذار على مثل ما حلّ بهم ، وفي اسم الإشارة (هؤلاء ) تحقير لهم ( ليقولون ) : ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) أي ما العاقبة ونهاية الأمر ، إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الأولى ، ( وما نحن بمنشرين ) أي بمبعوثين بعدها " ، الألوسي .
" ( إن هؤلاء ليقولون ، إن هي إلا موتتنا الأولى ، وما نحن بمنشرين ، فأتوا بآبآئنا ، إن كنتم صادقين ) ، يقول تعالى ذكره ، مخبرا عن قيل مشركي قريش ، لنبي الله صلى الله عليه وسلم ، إن هؤلاء المشركين من قومك ، يا محمد ، ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ، التي نموتها ، وهي الموتة الأولى ، وما نحن بمنشرين بعد مماتنا ، ولا بمبعوثين ، تكذيبا منهم بالبعث والثواب والعقاب " ، الطبري .
" ( أهم خير أم قوم تبع ، والذين من قبلهم أهلكناهم ، إنهم كانوا مجرمين ) ، يقول تعالى ذكره ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، أهؤلاء المشركون يا محمد من قومك خير ، أم قوم تبع يعني تبعا الحميري ، وكانت عائشة تقول : لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا . وقوله ( والذين من قبلهم ) ، من الأمم الكافرة بربها ، يقول فليس هؤلاء بخير من أولئك ، فنصفح عنهم ولا نهلكهم ، وهم بالله كافرون ، كما كان الذين أهلكناهم ، من الأمم من قبلهم كفارا ، وقوله ( إنهم كانوا مجرمين ) ، إنما أهلكناهم لإجرامهم وكفرهم بربهم " ، الطبري .
" عن عائشة قالت : كان تبع رجلا صالحا ، ألا ترى أن الله تعالى ذم قومه ولم يذمه " ، الألوسي .
" ( أهم خير أم قوم تبع ) هذا استفهام إنكار ، أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب ، إذ ليسوا خيرا من قوم تبع ، والأمم المهلكة ، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء " ، القرطبي .
" ( والذين من قبلهم ) أي قبل قوم تبع كعاد وثمود ، أو قبل قريش فهو تعميم ، بعد تخصيص ، ( أهلكناهم ) ، استئناف لبيان عاقبة أمرهم هدّد به كفار قريش ، ( إنهم كانوا مجرمين ) ، تعليل لإهلاكهم ، أي أهلكناهم ، بسبب كونهم مجرمين ، فليحذر كفار قريشا " ، الألوسي .
( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
" أي أنزلناه سهلا واضحا بينا جليا ، بلسانك الذي هو أفصح اللغات ، وأجلاها وأحلاها وأعلاها ، ( لعلهم يتذكرون ) أي يتفهّمون ويعلمون ، ثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان ، من الناس ، من كَفرَ وخالفَ وعاندَ ، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، مسليا له وواعدا له بالنصر ، ومتوعدا لمن كذّبه بالعطب والهلاك ، ( فارتقب ) أي انتظر ، ( إنهم مرتقبون ) أي فسيعلمون لمن ستكون النصرة ، والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة " ابن كثير .
" ( فإنما يسرناه بلسانك ، لعلهم يتذكرون ، فارتقب إنهم مرتقبون ) يقول تعالى ذكره ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنما سهّلنا قراءة هذا القرآن ، الذي أنزلناه إليك بلسانك ، ليتذكر هؤلاء المشركون ، الذين أرسلناك إليهم ، بعِبرِه وحُججه ، ويتعظوا بعظاته ، ويتفكروا في آياته ، إذا أنت تتلوه عليهم ، فيُنيبوا إلى طاعة ربهم ، ويذعنوا للحق عندما تبينهموه . وقوله ( فارتقب إنهم مرتقبون ) يقول تعالى ذكره ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فانتظر أنت يا محمد الفتح من ربك ، والنصر على هؤلاء المشركين بالله ، من قومك من قريش ، إنهم منتظرون ، عند أنفسهم قهرك وغلبتك ، بصدهم عما أتيتهم به من الحق ، من أراد قبوله واتباعك عليه " ، الطبري .
" ( فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ) أي كي يفهموه ، ويتذكروا به ويعملوا بموجبه ، ( فارتقب ) ، أي وأن لم يتذكروا بما يحلّ بهم ، وهو تعميم بعد تخصيص ، بقوله تعالى ( فارتقب يوم تأتي السماء …حتى قوله … إنهم مرتقبون ) وقيل : معناه مرتقبون ما يحل بهم تهكما ، وفي الآية من الوعد له ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، ما لا يخفى " ، الألوسي .
سورة الدخان تُنذر قوما من أمة الإسلام كفروا بعد إيمانهم
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)
هذا الوصف لم يكن بحال من الأحوال ، لمشركي قريش ، فهؤلاء كذّبوا وكفروا بما جاء به ، محمد عليه الصلاة والسلام ، جملة وتفصيلا . والشكّ في المعتقد عادة ، يتأتّى بعد الإيمان ، بوحي من شياطين الإنس والجنّ والهوى ، مما يدفع الإنسان في النهاية إلى الكفر . وأما اللعب ، جاء بمعنى الإعراض عما ينفع والاستهزاء به ، والانشغال بما لا ينفع ، بل وبما يضرّ ، وهي صفة يمتاز بها الصبية والأولاد الصغار ، لصغر عقولهم ، وقلة مداركهم ، وضيق أفقهم ، وعدم مقدرتهم ، على أخذ العبرة والعظة .
أما هؤلاء القوم من أمة محمد ، فهم في شك من أمر الله ، والشك هو انعدام اليقين ، بمعنى أنهم غير موقنين ، مما أخبر عنه في كتابه المبين ، الذي جاء به الرسول المبين ، بلسان عربي مبين ، من أمور الغيب ، وعلى رأسها انعدام اليقين بربوبية وألوهية الله ووحدانيته وإنكار البعث ، أي الشك بملكية الله للسماوات والأرض وما بينهما ، وقدرته على تصريف الأمور ، والشك بأمر البعث بعد الموت . لذلك فهم لا يتورعون ، عن اتخاذ دينهم هزوا ولعبا ، إذ لا بعث ولا حساب ولا عقاب يردعهم .
قال تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ، لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57 المائدة ) ، فالذين يوالون الذين اتخذوا دين الله هزوا ولعبا ، من اليهود والنصارى والكفار إجمالا ، وهم يُظهرون الإيمان ليسوا بمؤمنين ، فما بالك بمن يتخذ دين الإسلام ، هزوا ولعبا ويحاربه ، وهو ينتسب إليه .
وقال تعالى ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70 الأنعام ) ، وقال ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51 الأعراف ) .
فهؤلاء القوم يتصفون بأمرين :
الأول : أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر .
الثاني : أن شغلهم الشاغل هو الحياة الدنيا ، وأنهم يتخذون أمور دينهم ، مادة للهزء والسخرية واللهو .
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)
نلاحظ أن المفسرين اختلفوا على ثلاثة مواقف ، فمنهم من وافق تفسير ابن مسعود ، ومنهم من وافق تفسير ابن عباس ، ومنهم من أخذ بالاحتمالين . وكلٌّ منهم أكمل تفسير السورة ، على ما ارتأى من صوابية اعتقاده ، بالنسبة لهذا الدخان . وأما من حيث زمن الوقوع ، فالاحتمال الأول ، يقول بأن الدخان والبطشة ، قد مضيا في مشركي قريش ، والاحتمال الثاني يقول بأنه قبل يوم القيامة ، والاحتمال الثالث يقول بأنه من أحداث يوم القيامة ، وللفصل في هذه الأقوال والمواقف ، سنستنبط صفات هذا الدخان من الآيات نفسها ، وصفات هؤلاء القوم وأفعالهم ، في نهاية الفصل ، بمعزل عن الروايات والتفسيرات السابقة ، فظاهر الآيات الكريمة ، يدل على أن ما ورد في الآيات ، هو نبأ دخان سيظهر في المستقبل ، والأقدر على بيان أمره ، هو من يعاصر ظهوره ، بعد اكتمال معالمه ، كما هي العادة ، في فهم وتفسير النبوءات المستقبلية .
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)
وهذا هو دعاء المعُرضين عن ذكر الله ، كما هي العادة ، من المسرفين والمشركين والكفار ، من الناس إجمالا ، كلما مسّتهم الضراء والبأساء ، سواء من أمة الإسلام أو من غيرها ، كما في قوله تعالى ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12 يونس ) .
ولاحظ ضمير المخاطب ( كم ) ، والذي يعود على المخاطبين بالقرآن ، في قوله تعالى ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ، فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54 النحل ) ، وقوله ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67 الإسراء ) .
والأقرب والأظهر ، بالنظر في دعواهم تلك ، وإقرارهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم من الإيمان ، عند غشيان الدخان لهم ، أن يكون هؤلاء من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فسقوا عن دينهم مع كونهم مسلمين ، نفاقا على الأغلب ، وشركهم في الله جاء بعد الإيمان به . أما قريش فلم يكن هذا حالهم ، وما كان ليصدر منها هذا الدعاء ، فمنهم من أسلم ، ومنهم أصرّ على كفره ، أما النفاق فلم يعرفوه ، ولم يكن لهم فيه مصلحة ، ومن المعروف أن النفاق ، يظهر عندما قويت شوكة الإسلام وسطوته ، وهو ما حصل في المدينة المنورة ، وسورة الدخان مكية ، وحال هؤلاء ، كحال من قال فيهم سبحانه ، في مطلع سورة البقرة :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : ءَامَنَّا بِاللَّهِ ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ ، وَالَّذِينَ ءَامَنُوا ، وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16 البقرة ) .
حيث قال سبحانه ( ومن الناس ) ، ولم يحصر هذا السلوك بطائفة من الناس ، أو بزمن معين ، وهذا السلوك بدأ بالظهور ، بعدما قويت شوكة الإسلام في المدينة المنورة ، واستمر على مرّ العصور ، حتى يومنا هذا .
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)
من أين لهؤلاء القوم الذكرى ؟! أي التوبة والإنابة إلى الله ، وقد سبق منهم الإعراض ، عما جاء به الرسول الكريم ، الذي لا يُشكّك في كرم أخلاقه ، أو حسبه أو نسبه أو لسانه العربي ، محمد عليه الصلاة والسلام ، بعد مجيئه والإيمان به ، والانتساب إلى دينه . وفضلا عن سبق الإعراض عن رسالته ، بعد احتضانها لمدة من الزمن ، تولّوا عنه وأعرضوا عما جاء به ، واتهموه بالتعلّم من الكهّان والشياطين ، بحوادث ميتافيزيقية ، وأضافوا إليه صفة الجنون ، إمعانا منهم ، في الإجرام والافتراء والاستهزاء ، فإن سلم من الكهانة ، لم يسلم من الجنون . فيردّ عليهم ربهم قولهم هذا ، بقوله لرسوله ( فَذَكِّرْ ، فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29 الطور ) ، ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4 القلم ) ، ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40 الحاقة )
وسُتفاجأ أخي المسلم ، أن المقصود بهذا القول ليسوا مشركي قريش ، بل مشركي ومنافقي هذا العصر من أمة الإسلام ، وأنهم قالوا هذا القول وأكثر ، في رسول الله عليه الصلاة والسلام ، تحت رعاية ودعم حكومي مادي ومعنوي ، وأن هذا الافتراء ذاته ، هو الذي أخبر عنه سبحانه ، وهو من أكبر الأسباب الموجبة لعقابهم .
إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)
ويُخبر سبحانه بأنه سيرفع العذاب عنهم قليلا ، بعد انعقاد أسبابه ، بكشف الدخان ، بعد نيلهم قسطا من أذاه ، نزولا عند رغبتهم السابقة ، وإقرارهم بالإيمان عند غشيانه لهم ، فالدخان مجرد تحذير ، ولفت انتباه لهم ، بأن الله هو رب السموات والأرض ، وبأنه قادر على إماتتهم وإهلاكهم ، كما أمات آبائهم ، ولئلا تكن لهم حجّة ، بأنه لم يعطهم الفرصة للتوبة والإنابة ،. ومن ثم يٌقرّر سبحانه بأنهم سيعودون ، لما كانوا عليه ، من الشك واللعب ، وسيضيفون إليها التولي والإعراض والعصيان والاتهام لرسوله الكريم ، ليستوجبوا عن جدارة واستحقاق ، أن يبطش بهم رب العزة بطشته الكبرى .
قال تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم (61 التوبة ) ، وقال ( الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57 الأحزاب ) .
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)
أما بطش رب العزة ، فهذا وصفه ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12 البروج ) . ونستطيع تصوّر طبيعة هذه البطشة ، من قوله تعالى في سورة القمر ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا ءَالَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40 القمر ) ، وتماروا بالنُذر ، أي كذّبوا إنذارات لوط عليه الصلاة والسلام ، وتحذيراته لهم ، وأكثروا الجدال والاستهزاء بها ومنها ، فبطش بهم ربهم ، وما وقع من قوم لوط ، هو ما وقع من هؤلاء ، بعد أن جاءهم هذا رسولهم الكريم ، نذيرا من غضب الله ، فغشيهم الدخان ، وستبغتهم البطشة الكبرى ، وهم ما زالوا يُمارون ويتمارون ، في شكٍ يلعبون ، من أمر هذا الرسول المبين ، وأمر هذا الكتاب المبين ، وأمر هذا الدخان المبين .
ـ وما نزل بقوم لوط نستخلصه من الآيات التالية :
( … إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ، جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا ، حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83 هود ) .
كان ذلك في الصباح الباكر ، حيث رُفعت قرية لوط عليه الصلاة والسلام بمن فيها ، إلى السماء ، وتقول بعض الروايات أن الملائكة في السماء الأولى سمعت نباح كلابهم ، ومن ثم قُلبت ، ورُميت من ذلك الارتفاع الشاهق إلى الأرض ، فأحدثت ذلك الجرف الجغرافي ، الممتد من على طول نهر الأردن ووادي عربة ، ومن ثم أُمطرت بالحجارة ، التي لا تزال ظاهرة ، إلى يومنا هذا ، بانغراسها في الطين المتحجّر ، في تلك المنطقة على سواحل البحر الميت ، وفي سفوح الجبال حوله . وخلاصة القول ، أن البطشة تعني خراب الديار وهلاك أهلها ، بغض النظر عن الوسيلة ، مشهد يحمل في ثناياه أبشع صور للانتقام الإلهي ، حين يوغل الناس بإصرار في الإجرام ، بحق الله وحق رسله الكرام ، دون وازع أو رادع ، ضاربين بإنذارات ربهم عُرض الحائط ، مستحقّين بذلك غضبا إلهيا عارما ، سيسكبه على رؤوسهم عاجلا أم آجلا .
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ … فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)
ومفاد الآيات أعلاه ، هو أن حال هؤلاء القوم ، مع محمد الكريم الأمين المبين ، عليه الصلاة والسلام ، كحال فرعون وقومه مع موسى الكريم الأمين المبين ، عليه الصلاة والسلام ، وذلك نفيا لما قاله هؤلاء عنهما ، سواء من فرعون وقومه ، أو ممن أشرك وكفر من أمة محمد . ومن تشبيه الحال بالحال ، نستطيع التعرف على موقف هؤلاء القوم من محمد ، من خلال معرفة موقف فرعون وقومه بين موسى ، الذي ورد بالتفصيل في القرآن الكريم ، حيث أن الآيات ، التي تصف موقف فرعون وقومه من موسى ورسالته ، تكاد تبين ما تحويه سورة الدخان ، من مقاصد إلهية ، تكتنفها الآيات الكريمة .
حال فرعون وقومه مع موسى :
ـ دعا موسى عليه الصلاة والسلام فرعون وقومه ، إلى تقوى الله ، فجادلوه واستهزءوا به ، وبما جاء به ، وأنكروا ربوبية الله ، واتهمه فرعون بالجنون ، وهدّده بالسجن ، إن اتّخذ إلها غيره ، فأراه موسى آيات ربه الكبرى ، فاتهمه بالسحر ، وببلوغه مرتبة عالية في علمه ، ليصبح كبيرا السحرة ، ونفّذ تهديده فيمن اتبعه وآمن به من السحرة .
( وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) … فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) … قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) … قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) … ( الشعراء ) .
ولهذا تشابهت لغة الخطاب وتشابهت الحجة في قول الرسولين الكريمين :
موسى : ( قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) … قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26 الشعراء )
محمد : ( … رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) … رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8 الدخان )
ـ فأنذرهم الله بعذابات ، من المألوفة للناس ، كالقحط والجوع ، مشعرا إياهم بقدرته على أخذهم ، لعلهم يرجعون ، ولكنهم ردّوا هذه الابتلاءات ، إلى " الوشّ النحس " ( باللهجة المصرية ) ، لموسى ومن معه ، ولم ينسبوها إلى الله . وأصرّوا على كفرهم ، فأرسل عليهم ما لم يألفوه ، كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين . ولكنهم لما وقع بهم العذاب وعاينوه ، وعدوا موسى بالإيمان ، في حال كُشف عنهم . ورُفع العذاب عنهم لأجل مسمى ، هم بالغوه ، وفور شعورهم بالرخاء ، نكثوا عهدهم وعادوا لما سبق ، فانتقم الله منهم ، لتكذيبهم لآيات الله وغفلتهم عنها .
( وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ، قَالُوا لَنَا هَذِهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ، يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ، أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ ءَايَةٍ ، لِتَسْحَرَنَا بِهَا ، فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ، ءَايَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، فَاسْتَكْبَرُوا ، وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ، قَالُوا : يَمُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ ، إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ، فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ، بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ، مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ، وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137 الأعراف ) .
ـ فما آمن لموسى ، سوى فئة قليلة من مجموع بني إسرائيل ، وتبعهم فرعون إلى البحر ، وعندما أدركه الغرق ، ندم الإله فرعون ، فخان قومه ، وأعلن توبته وإيمانه بإله آخر ، هو الإله ، الذي آمنت به بنوا إسرائيل ، حسب قوله .
( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) … فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ، عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ، أَنْ يَفْتِنَهُمْ ، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) … وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ، قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90 يونس ) .
ـ وأما عامة المصريين ، فقد اتبعوا إلههم وربهم الأعلى فرعون ، بعد أن استخفّ عقولهم فأطاعوه ، وأضلّهم عن السبيل ، فكانوا قوما فاسقين كإلههم ، ومن الغريب أن صفة خفة العقل ، صفة متوارثة لغاية الآن في عامة الشعب المصري ، إلا من رحم ربي ، كما ورث أهل العراق صفة البأس الشديد من أجدادهم البابليين .
( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ، فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا ، لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38 القصص ) . ( فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى (24 النازعات ) . ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54 الزخرف ) . ( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79 طه ) .
ـ أما علية القوم ، حاشية السوء فكان رأيهم أنهم هم المصلحون ، وأن موسى ومن معه من المؤمنين بالله ، هم المُفسدون في الأرض ، وكذلك رأي فراعنة هذا العصر ، في المصلحين من الناس ، بمعنى أنهم سيدفعون الناس إلى عبادة الله ، فيتركوا عبادة آلهة فرعون ، مما يجعلهم يستنكفوا عن طاعته ، فتُقوض بذلك أركان ملكه ، مما يؤول به إلى الزوال ، فتفسد الأرض ، لذلك يجب التخلص من شرورهم ، بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وقهرهم ، وقتل الرأس المحرّكة للفتنة .
( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127 الأعراف ) . ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ، وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)
ـ وأما مؤمن آل فرعون ، كان له رأي آخر ، إذ قال لقومه ، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ؟!
( يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ، … قَالَ فِرْعَوْنُ : مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29 غافر ) . وعلى هذا ، فليحذر فراعنة أمة الإسلام الجدد ، الذين يهدون الناس إلى سبيل الرشاد الخاص بهم ، من بأس الله !!
ـ وجاء نصر الله لرسوله الكريم ، فأنجاه من مكر فرعون وملئه ، وأنزل بهم ما استجلبوه على أنفسهم ، من عذاب الدنيا والآخرة .
( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46 غافر )
ـ وأخيرا ، تهديد وتحذير شديد اللهجة ، لمن كفر بالنذير محمد ، من ملاقاة نفس المصير ، فليس هناك استثناء لأحد ، حتى ولو انتسب لأمته وادعى الإسلام ، فملة الكفر عند رب العزة واحدة ، ومصيرها واحد ، إذ لا خيرية في الكفر .
( وَلَقَدْ جَاءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43 القمر ) . ( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا ، شَاهِدًا عَلَيْكُمْ ، كَمَا ، أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ، فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16 المزمل ) .
وقد جانب الصواب من ظنّ ، بأن الذين ورثوا أرض مصر ، هم بني إسرائيل ، فتاريخ مصر القديم والحديث ، لا يدل على ذلك ، وكذلك تاريخ بني إسرائيل ، في القرآن والسنة والتوراة والتلمود ، كما بينّاه سابقا ، وأما المقصودين بوراثتها ها هنا ، هم أهل مصر ، من أبناء من بقي ، من قوم فرعون وعبيده ، الذين لم يُهلك منهم في اليم غرقا ، سوى من تبع بني إسرائيل ، أثناء خروجهم من مصر ، أما الأرض التي ورثها بنو إسرائيل ، بعد خروجهم من مصر ، فهي الأرض المقدّسة والمباركة أي فلسطين .
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ … وَءَاتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)
ويُذكّر سبحانه بإنجائه بني إسرائيل ، من فرعون وقومه ، وبما آتى نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام ، من معجزات بيّنات ، في مصر وأثناء خروجهم منها ، شاهدوها بأم أعينهم ، ويذكّر سبحانه بأنه وبالرغم من تفضيلهم ، وابتلائهم بالسرّاء والضرّاء ، فما كان من أكثرهم إلا الكفر والفسوق والعصيان ، وإيذاء نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام ، فأنزل بهم وعليهم ربهم العذاب تلو العذاب ، مما فصلناه في فصل سابق . وكما حاول فرعون إيذاء موسى ومن منعه من المؤمنين ، كذلك فعل بنو إسرائيل أنفسهم ، بموسى بعد النجاة ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ : يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ؟! وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، فَلَمَّا زَاغُوا ، أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5 الصف ) ، ومجمل من تقدّم ذكرهم في سورة الدخان ، يقول فيهم سبحانه :
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ : إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى … أَهْلَكْنَاهُمْ ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)
يُقرّر سبحانه وتعالى بأن ( هَؤُلَاءِ ) أي أصحاب الدخان ، يُنكرون البعث والنشور ، كما يُقرّر سبحانه وتعالى ، أنهم ليسوا بخير من قوم تبع ، والذين من قبلهم ، حيث أهلكهم الله بإجرامهم . ومن المفهوم ضمنا ، بأن في هذا وعيد ، لمن يُجرمون في حق الله ورسله وكتبه ، وينكرون البعث . حيث أنهم لو آمنوا ، بحقيقة رجعتهم إلى الله في اليوم الآخر لتقديم الحساب ، ونيل ما ترتب على أقوالهم وأفعالهم تلك ، من ثواب وعقاب ، وتحصّل لديهم اليقين بذلك ، لما تجرّأوا على الإجرام ، كما أجرم الذين من قبلهم . فهم في شك يلعبون ، ومصيرهم الهلاك لا محالة ، وانظر قوله تعالى موضحا حقيقة حالهم ، وهو أعلم بما يعتمل في صدورهم ، وحقيقة موقفه منهم ، ومن أمثالهم ماضيا ومستقبلا :
قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، إِلَّا مَقْتًا ، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ ، إِلَّا خَسَارًا (39) … وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ، لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ، لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ، مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ ، فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ، إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ ، بِمَا كَسَبُوا ، مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45 فاطر ) .
وقال ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ ، لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85 غافر ) .
- إذن لا أحد ممن أجرم في حق الله ، بمفازة من العذاب ، وما تركِهم في طغيانهم يعمهون ، إلا لحين مجيء أجلهم المُعلوم سلفا ، وتأخير العذاب عنهم ، ما كان لعجز ، أو لقصر ذات يد . إذ أنهم كلما أمعنوا في الكفر ، كلما ازدادوا مقتا وغضبا وخسارة ، وكلما اقترب إليهم أجلهم ، وهم لا يشعرون ، ولن يقبل إيمانهم ، عند معاينة العذاب ، بعد أن حق القول عليهم ، وصدر الحكم بكفرهم ، ونفذ قضاء الله فيهم .
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
أي أن الله سبحانه سهّل هذا القرآن ، بلسان عربي مبين ، وجعله قابلا للفهم والهضم ، لمن أراد فهمه ، رغبة في الذكرى والتذكّر ، ومن لم يُرد الذكرى منه ، وارتاده لأمر ما غير ذلك ، حُجب عنه الفهم ، ووجده طلاسم ورموز لا يفقه منها شيئا ، فكذّب وجادل وكفر ، ونسب إلى كتاب الله ، ما ليس فيه ، وأعرض عن اتباعه ، ونهى عن العمل به ، وحاربه بشتى الوسائل والسبل :
قال تعالى ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) … وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ، وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ، حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ ، يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ، وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ، وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ، فَقَالُوا : يَلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ ، مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29 الأنعام ) .
( فارتقب ) خاص برسوله عليه الصلاة والسلام ، وفيه وعد بنصرته ونصرة أتباعه ، بإهلاك خصومه ، وعام لمن يُخاطبهم القرآن ، ( إنهم مرتقبون ) أي مرتقبين هلاكهم ، غير مصدّقين ، مستهزئين غير عابئين ، بما وعدهم الله من أمر البطشة الكبرى ، وفيه تهكّم من الله بهم وتحقيرا لشأنهم . وقوله ( فارتقب ) يفيد أن ذلك سيقع مستقبلا ، وفيه حثّ على الترقّب والانتظار ، كقوله ( فارتقب يوم تأتي السماء ) لمعاينة الحدث الأول ، ( أي الدخان ) الذي بيّن رب العزة خبره ، وبيّن ما سيكون قولهم عند نزوله بهم ، وما سيكون موقفهم بعد كشفه عنهم ، ومن ثم ( فارتقب ) في آخر السورة ، لمعاينة الحدث الثاني ( أي البطشة الكبرى ) ، لتعلم وليعلم المؤمنون ، بأن ما أخبر عنه هذا القرآن الكريم المبين هو الحق ، وأن من أنزله هو الحق ، وأن ما يُنكره هؤلاء بكفرهم ، هو الحق فلا يُضيرك ويُضير المؤمنين به ، كفرهم وفسوقهم وعصيانهم ، فلن تأسف عليهم السماء ولا الأرض ، كما لم تأسف على من أهلكناهم من قبل ، قال تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ، لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105المائدة ) .
صفات الدخان :
1. بيّن واضح لا لُبس فيه ، لا يختلف عليه اثنان ، وهو المعروف المألوف بين الناس ، وهو الذي ينجم عن عملية الحرق في العادة ، ذو طبيعة غازية ، ولون أسود ، ورائحة كريهة نفّاثة مؤذية ، بدلالة قوله تعالى ( بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) .
2. هو من الأمور المنتظرة والمرتقبة ، قادم لا محالة في يوم من الأيام ، بدلالة تنكير كلمة ( يَوْمَ ) .
3. مصدره من السماء ، لا الأرض ، بدلالة قوله تعالى ( تَأْتِي السَّمَاءُ ) ، أي أن السماء ستأتي به ، وبذلك ستكون الغازات المؤلفة لهذا الدخان ، غير تلك الغازات ، التي تؤلف الدخان الناجم ، عن الحرائق على الأرض .
4. ظهوره مفاجئ ومباغت ، وغير مسبوق بما يُنبئ عن قدومه ، لكي يتعذر على الناس ، إيجاد تبريرات وأسباب مادية ومنطقية لظهوره ، ليؤكد سبحانه ، بأن مصدره هو السماء ، وأنه عذاب من عنده ، وأنه نذير سوء ، وأن هناك ما هو أفظع منه وأقسى ، ألا وهو البطشة الكبرى ، بدلالة قوله تعالى ( فَارْتَقِبْ ) ، وهو خطاب بلفظ المفرد خاص برسول الله عليه السلام ، ومراد به العموم ، ممن يسوءهم ما يسوء الله ورسوله ، أي فارتقبوه لتعرفوه إذا ظهر ، وليرتقبه المعنيين به ليحذروا ، ما يكون من أمر الله بعده .
5. إحاطته بالناس من كل الجوانب . بمعنى أنه ينزل من السماء ، ويمكث قريبا من الأرض ، ملازما للناس ، يملأ عليهم معايشهم ومساكنهم ، بدلالة قوله تعالى ( يَغْشَى النَّاسَ ) ، والناس هنا ، هم الذين سيُظهرون الشك واللعب في أمر دينهم ، دون غيرهم ، لأن الآيات السابقة لها حدّدت حقيقة معتقدهم ( في شك ) ووصفت فعلهم ( يلعبون ) . وفي العادة فإن الدخان ، يتصاعد إلى أعلى بعيدا عن الناس ومساكنهم ، ومن ثم ينتشر في السماء ويختفي تدريجيا ، ومن ثم تمتزج ذراته مع ذرات الماء والغبار ، وتترسب وتعود إلى سطح الأرض ، خلال سويعات قليلة . ولكن هذا مخالف لكل ما سبق ، يهبط من أعلى إلى أسفل ، ويبقى ملازما للأرض وللناس ، ولا ينتشر ولا يترسب ، حتى تتحصّل الغاية من إرساله ، بتعذيب أولئك القوم .
6. يُصاب الناس منه بالأذى والضرر ، وعادة ما يُحدث الدخان ضررا ، في الأنف والعين والحنجرة ، وقد يتسبّب بحالات اختناق نتيجة نقص الأوكسجين ، في أسوأ الأحوال ، من جراء غشيانه وإحاطته بهم ، ولكن دون الموت والهلاك ، بدلالة قوله تعالى ( هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ، وهذا تقرير من رب العزة بأنه عذاب ، لمن قد يُشكّك في ذلك ، أي أن المقصود بإنزاله ، تعذيب من ينزل بهم ، وليس موتهم ، لأمور اقترفوها ، توضّحها الآيات فيما يليها .
7. هذا الدخان حدث عارض ، وغشيانه للناس مؤقت ، وانكشاف هذا الدخان ، سيكون بأمر من الله ، لقوله ( إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا ) ، إذ أن الهدف منه هو الإنذار فقط ، بالرغم من انعقاد الأسباب الموجبة للعذاب ، ولكن يلزم الإصرار من قبل القوم ، على ما هم فيه من العتو والكبر ، قبل نزول البطشة الكبرى بهم ، وهذا رحمة من الله ، حتى بمن يؤذيه ، ويؤذي رُسله من عباده .
حقيقة معتقد هؤلاء القوم وصفة أقوالهم وأفعالهم :
1. انعدام اليقين بالله ، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وكل ما أخبرت عنه الكتب السماوية ، ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ) .
2. الإعراض عن آيات الله ، والاستهزاء بها ، واتخاذها هزوا ولعبا ، كمادة للتسلية والفكاهة والتندر ( يَلْعَبُونَ ) .
3. النفاق حتى مع الله ، فحقيقة أفعالهم ، تتنافى مع ما يُظهرونه ، من إيمان أو انتساب للإسلام ، فقولهم هو ( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ) ، وشهادة رب العزة تُكذّب قولهم ( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى ) .
4. الكفر بعد الإيمان ، بالإعراض عن هدي رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، ( ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ) .
5. الطعن في خلقه الكريم ، واتهامه بالجنون أي المس ، وبالتعلّم من البشر والكهان والسحرة ، ( وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) .
6. محاربة الله وإيذاء رسوله وأوليائه من الناس ، من تضييق وتعذيب وقتل ، ومحاربة الإسلام ، والطعن في تعاليمه ، وإضلال الناس وإبعادهم عن الحقيقة ، وهدي الناس بغير هدي محمد ، عليه الصلاة والسلام ، واتهام المُصلحين من الناس ، بالمفسدين في الأرض ، خشية أن يُبدّل هؤلاء المصلحون دينهم الجديد الذي يدينون ، بإحياء الدين الإسلامي من جديد ، ، وهذه هي أقوال وأفعال فرعون وقومه ، ومستفادة من تشبيه حال هؤلاء القوم ، بحال فرعون وقومه ، وكذلك بحال بني إسرائيل .
7. إنكار البعث والنشور وما يليه من حساب ، وثواب وعقاب ، ( إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ : إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ) .
8. ماديّون منشغلون ومتفانون في الحياة الدنيا ، فهم من عُبّاد الدنيا ومظاهرها الخادعة ، لا يؤمنون إلا بما هو محسوس ، من الدلائل الدافعة للشك والموجبة لليقين ، لطلبهم الدليل المادي بقولهم ( فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ، للتأكد من حقيقة القدرة على البعث ، وما هم بموقنين ، فعقولهم قاصرة عن فهم الدلائل العقلية ، المطروحة في القرآن ، والتي لا تتحصّل إلا بالتفكّر والتدبّر .
9. مجرمون ومصرّون على إجرامهم ، فلا وازع ولا رادع ، يثنيهم عن غيهم وطغيانهم ، ولا تعنيهم التحذيرات والنذر ، ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) .
ظهور هذا الدخان بصفته الموضحة أعلاه ، لم يتحصّل في حياته عليه الصلاة والسلام ، حيث لو عاينه في حياته لأخبر عنه ، أو أخبر عنه أصحابه ، ولورد خبره في كتب السيرة والتاريخ ، وليس من المنطقي أن يكون من أحداث يوم القيامة ، أو من أشراطها الكبرى ، فصفته وصفة هؤلاء القوم ، والغاية من غشيانه لهم ، كما تُبينها الآيات ، لا تتفق مع كونها أحد أشراط الساعة الكبرى ، والتي سيُعاينها مجمل البشر ، بينما هذا الدخان ، خاص بأناس من أمة الإسلام ، وسبب غشيانه لهم ، هو أنهم كفروا بعد أن كانوا مسلمين ، وأما السبب الموجب للبطشة الكبرى ، هو إيذاءهم لرسوله الكريم ، بالرغم من تحذيرهم بالدخان .
( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ )
جاء في لسان العرب أن " جماع معنى الفتنة ، الابتلاء والامتحان والاختبار ، وأصلها ، مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب ، إذا أذبتهما بالنار ، لتميز الرديء من الجيد " . ويتضح معناها من قوله تعالى ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (35 الأنبياء ) ، وقوله تعالى ( الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ ، أَنْ يُتْرَكُوا ، أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا ، وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3 ) … وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11 العنكبوت ) ، ليكون معنى الفتنة ، هو الامتحان والاختبار ، ويكون ذلك بالابتلاء بالشر أو بالخير ، ليعلم الله الصادق من الكاذب ، وليعلم المؤمن من المنافق .
والملاحظ في الآيات أعلاه ، أن المخاطب في الآية ( 35 ) من الأنبياء ، هم المعاصرين لرسالة الإسلام ، وأن الحديث في الآية ( 2 ) من العنكبوت ، كان عن الناس إجمالا وبشكل عام . أما قوله ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) فالضمير ( هم ) يعود على المعاصرين لرسالة الإسلام ، والذين فتنوا من قبلهم ، هم كل من سبقت فتنتهم ، قبل مجي الإسلام ، إذ لم يكن في هذه العبارة ، تحديد لأقوام بعينها سبقت فتنتها ، فهي أسبقية زمانية لا مكانية .
وأما في سورة الدخان ، فيقول سبحانه وتعالى ، ( ولقد فتنا قبلهم ) ، وضمير الغائب ( هم ) في كلمة ( قبلهم ) ، يعود حصرا على أصحاب الدخان ، الموعودين بالبطشة الكبرى ، وبمجيء التحديد لقوم بعينهم ، بقوله تعالى ( قوم فرعون ) ، تصبح أسبقية ( قوم فرعون ) لهؤلاء الناس ، مكانية وزمانية في آن واحد ، ونلاحظ هنا ، أن الفتنة كانت للقوم بشكل عام ، إذ لم يقل سبحانه ( فرعون ) أو ( فرعون وقومه ) أو ( فرعون وملئه ) ، وإنما قال ( قوم فرعون ) .
ليصبح المعنى ، بأننا قمنا بامتحان واختبار ، هؤلاء القوم ( أصحاب الدخان ) ، فكان منهم ما كان ، من أمر رسولهم ، ورسبوا في الامتحان الذي قُدّم إليهم ، بمجيء محمد عليه الصلاة والسلام ، الرسول الكريم ، وتبيّن لنا وتأكّد أنهم كاذبون ، فاستحقوا بطشتنا الكبرى ، فبطشنا بهم ، كما كنا قد فتنا قبلهم في نفس الأرض ، قوم فرعون ، ببعث رسولنا الكريم موسى إليهم ، فكذبوه وحاربوه واتهموه بالسحر والجنون ، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر .
وهنا نفهم من قوله تعالى ، ( يغشى الناس ) ، بأن المقصودين هنا ، أناس بعينهم لا جملة البشر ، وحقيقة هؤلاء الناس موضحة ، في الآيات بشكل لا لبس فيه ، وأهم ما يتميّزون به هو الكفر والنفاق ، وأن هذا الدخان سيغشاهم كعذاب وليس كابتلاء ، وذلك لكفرهم ونفاقهم ، مما ينفي أن هذا الدخان سيُبتلى به عامة البشر ، من مؤمنين وكفار ومنافقين ، ويُفهم من قوله ( الناس ) ، أنه سيغشى عامة الناس المقيمين في المكان ، الذي أحدث الناس فيه ، ما وصفته الآيات أعلاه ، دون سائر البشر .
أما الإشارة الثانية للمكان فجاءت في قوله تعالى ( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ … ) ، ونجاتهم كانت بخروجهم من مصر ، وذكر بني إسرائيل أيضا جاء هنا ، لاشتراكهم مع الفراعنة بالفساد والإفساد في الأرض ، وانعدام الإيمان بالله واليوم الآخر ، ومحاربتهم لله ولرسله وأنبيائه والصالحين من الناس ، قبل العلو وبعده ، فأنزل الله بهم العذاب تلو العذاب .
وقوله تعالى ( … إِنَّ هَؤُلَاءِ … ) أصحاب الدخان ، ( … أَهْلَكْنَاهُمْ ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وفيه تهديد ضمني ، للمخاطبين بالقرآن ، من كفرة أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، بالإهلاك كما أُهلك الذين من قبلهم ، لما فعلوا مثل فعلهم .
ترتيب المشاهد حسبما وردت في سورة الدخان :
المشهد الأول : الشك واللعب .
المشهد الثاني : غشيان الدخان للناس ، ومن ثم زواله .
المشهد الثالث : العودة لما كانوا عليه ، بل والإمعان في التولي والإعراض ، وأخيرا الإساءة لرسول الله .
المشهد الرابع : البطشة الكبرى .
تساؤلات :
والسؤال الأول : هل ظهر الدخان في مصر ، حيث مكان إقامة فرعون وقومه ؟
والسؤال الثاني : هل كان أهل مصر ، ( فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) ، قبل ظهور الدخان ؟
والسؤال الثالث : هل أمعن أهل مصر ، في التولي والإعراض ، عما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام ، بعد ظهور الدخان ، ( وَقَالُوا _ عنه _ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) أيضا ؟




فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين
في هذا الفصل ، سنعرض من خلال صحيفة الأهرام المصرية ، المقالات التي تعرّضت لدخان ، غشيَ سكان القاهرة ، في الفترة الواقعة ، ما بين 20 – 30 /10 / 1999م .
سر سحابة الدخان التي أزعجت سكان القاهرة الكبرى !!‏
الصفحة الأولى / الأحد / 15 من رجب 1420 هـ ، 24 أكتوبر 1999 ، السنة 124 – العدد 41229
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : http://www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1.../24/FRON15.HTM
تزايدت طوال الليلة الماضية ، ظاهرة تراكم الأدخنة والغازات والروائح النفاذة ، في سماء مدينة القاهرة ، والمستمرة منذ نحو ثلاث ليال سابقة‏ ، وقد وصلت هذه الظاهرة ، في مساء أمس إلى حد ، تسبب في حالة من القلق ، بين سكان القاهرة‏ ، وطوال الليل ، لم تنقطع الاتصالات التليفونية من المواطنين ، إلى الأهرام ، يشكون ويستفسرون ، بعد أن اضطروا إلى إغلاق نوافذ منازلهم‏ ، وبعد لجوء بعضهم إلى المستشفيات ، لعلاج الالتهابات التي أصيبت بها عيون أطفالهم‏ .‏
وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة‏ ، أجرت الأهرام عدد من الاتصالات ، مع مسئولي الأرصاد الجوية والبيئة ، طوال ليلة أمس‏ .‏ فقد صرح مصدر مسئول بهيئة الأرصاد الجوية ، لفوزي عبد الحليم ، مندوب الأهرام ، بأن الظاهرة ناتجة عن حرق المزارعين ، في المحافظات حول القاهرة ، لمخلفات محصول الأرز‏ ، بالإضافة إلى تراكم الأدخنة ، الناتج عن عوادم السيارات والمصانع‏ ، وتزامنت هذه الأدخنة ، مع وجود مرتفع جوي شمال البلاد ووسطها ، أدى إلى احتباس حراري ، واستقرار الحالة الجوية‏ ، الأمر الذي أدى بدوره إلى تركيز الأدخنة ، في طبقة الهواء القريبة من سطح الأرض‏ ، واحتفاظ الهواء بكل مكوناته‏ .‏ وقال إنه من المنتظر ، انتهاء هذه الظاهرة ، فور تحرك المرتفع الجوي بعيدا عن القاهرة‏ .‏
ومن ناحية أخرى ، نفى الدكتور إبراهيم عبد الجليل ، الرئيس التنفيذي لجهاز شئون البيئة ، ما تردّد علي ألسنة المواطنين ، عن وجود حرائق بمناطق تجمّع القمامة ، حول القاهرة‏ والجيزة ، كمصدر لانتشار هذه الأدخنة في القاهرة‏ .‏ وقال إنه أجرى اتصالا بمحافظ القليوبية ، المستشار صبري البيلي ، أكدّ خلاله انتشار الأدخنة بالمحافظة ، نتيجة حرق قش الأرز بها‏ ، كما أكد الدكتور حسين كاظم ، محافظ الشرقية ، المعلومات نفسها في محافظته ، خلال اتصال مماثل‏ .‏ وأضاف عبد الجليل ، أن جهاز شئون البيئة ، طلب من وزارة الزراعة ، إصدار تعليمات بمنع حرق قش الأرز‏ ، أو أي مواد مماثلة لمنع تكرار هذه الظاهرة مستقبلا‏ .‏
وفي محاولة لطمأنة المواطنين‏ ، ناشد الدكتور محمود عمرو ، أستاذ ورئيس قسم الأمراض المهنية ، ومدير مركز السموم بقصر العيني ، المواطنين بعدم المبالغة في القلق‏ ، ووصف ما حدث بأنه ليس كارثة‏ ، على الرغم من أن الأعراض المبدئية للتعرض لها ، تشمل التهاب العيون والأنف والأذن والصدر‏ ، وأكدّ أن الاحتياطات اللازمة ، تستدعي التركيز على حماية الأطفال‏ ، وعدم إغلاق النوافذ ضمانا للتهوية اللازمة‏ ، وكذلك توفير الحماية اللازمة للمرضى بالمستشفيات‏ ، أما الأصحاء البالغين ، فلن يتعرضوا لخطورة من التعرض للأدخنة‏ ، مشيرا إلى أن ندى الفجر سيغسل الهواء‏ ، ويخفّف من حدة التلوث‏ .‏ وأكدّ الدكتور عمرو ، أن هذه الظاهرة قد حدثت من قبل عام‏ 1949‏م في لندن ، بسبب ارتفاع نسبة الرطوبة‏ ، والحماس الزائد للتوسع الصناعي‏ ، وانتشار المداخن‏ ، أما في مصر فالطبيعة الصحراوية للبلاد ، تمتص الملوثات الزائدة في المدن‏ ، لذا فلن يشعر بها سكان الصعيد‏ .‏

سحابة الدخان تتلاشى نهائيا من فوق القاهرة خلال‏ 48‏ ساعة
الصفحة الأولى / الاثنين / 16 من رجب 1420 هـ ، 25 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41230
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : http://www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1.../25/FRON13.HTM
صورة نهارية : واختفت القاهرة خلف دخان حريق قش الأرز
توقع خبراء الأرصاد الجوية ، أن تتلاشى نهائيا ، سحابة الدخان الكثيف ، التي خيّمت ليلة أمس الأول على القاهرة وضواحيها ، خلال الساعات الثماني والأربعين المقبلة‏ ، وأضافوا أن الكتلة الهوائية التي حملت هذه السحابة ، الناتجة عن إحراق مخلفات محصولي الأرز والقطن ، في المحافظات المجاورة ، آخذة في التحرك شرقا‏ ، لتحل محلها كتلة هوائية نظيفة ، مقبلة من الشمال الغربي‏ ، وأوضحوا أن نسبة الرطوبة ، سوف تنخفض أيضا ، بفعل هذه التغيرات في حالة الطقس‏ .‏
وقد قامت الدكتورة نادية مكرم عبيد ، وزيرة الدولة لشئون البيئة ، أمس بجولة في محافظتي الشرقية‏ والقليوبية ، بوصفهما المصدر الرئيسي للدخان ، الناتج عن إحراق مخلفات الأرز والقطن ، وصرّحت بأنه سيتمّ تدريب المزارعين ، على استخدام غاز الأمونيا ، لتحويل قش الأرز ، إلى أعلاف حيوانية‏ ، بحيث تنتفي الحاجة تماما ، إلى إحراقه‏ ، كما أعلنت الجهات المسؤولة في المحافظتين ، عن اتخاذ إجراءات حاسمة ، لوقف عمليات إحراق المخلفات الزراعية في الحقول‏ .‏

سر اختناق القاهرة‏ !‏
تحقيقات / الاثنين / 16 من رجب 1420 هـ ، 25 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41230
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/25/INVE1.HTM
حرق حطب القطن وقش الأرز ، مع خليط الغازات المركبة ، سبب سحابة الدخان . المواطنون‏ :‏ إصابات بالأنف والحلق ، وصعوبة في التنفس ، نتيجة للتلوث . مصدر أمني‏ : 5‏ بلاغات فقط حول حرائق المخلفات وتم إخمادها .
صورة نهارية : اختفاء القاهرة خلف سحابة الدخان
تحقيق‏ وجدي رياض ومحمود النوبي :‏
تعرضت سماء الدلتا والقاهرة حتى الجيزة‏ ، لتلوث هوائي شديد‏ ، خلق حالة من الهباء الجوي ـ بخار ماء مع ملوثات ـ أثار ذعر السكان‏ ، وسبب بعض حالات الاختناق‏ ، لمن لديهم حساسية صدرية‏ ، أو ربوية‏ أو أمراض سوء التنفس . كما تعرض بعض سكان القاهرة‏ ، إلى أزمات تنفسية‏ ، نتيجة لزمتة الهواء وغياب الأوكسجين الكافي‏ .‏
ويرجع سبب حدوث هذه الحالة النادرة ، إلى عدة اعتبارات تم رصدها ، كان من أبرزها‏ :‏
• صدور الأوامر إلى المزارعين من مديريات الزراعة‏ ، بضرورة حرق حطب القطن ، المتخلّف عن زراعات القطن‏ ، للتخلص من دودة اللوز‏ ، ومن المعروف أن الدلتا بخصوبة أرضها‏ ، تزرع حوالي‏750‏ ألف فدان ، بزراعات القطن الذي تم جمعه هذا الشهر‏ .‏
• ارتفاع نسبة الرطوبة في مثل هذا الوقت من السنة‏ ، مع ارتفاع في درجة الحرارة ، مما أدى إلى حدوث حالة من الهباء الجوي ، أدى إلى كتمة الهواء‏ ، وغياب الأكسجين الكافي‏ .‏
• ساعد على ذلك ـ أيضا ـ انتشار احتراق آثار الحصاد ، من حطب القطن وقش الأرز‏ .‏ ومع حركة الرياح أدى إلى تغطية هواء سكان القاهرة‏ ، بحالة من الدخان ، مع سكون للهواء ، وارتفاع في درجة الحرارة‏ ، مع رطوبة‏ ، مع ملوثات كربونية‏ ، آزوتية وغازية‏ ، وكبريتية‏ ، وذرات عالقة في الجو‏ .‏
ومن ناحية أخرى فقد أدت عمليات احتراق أحطاب القطن ، للقضاء على دودة اللوز ، وفقا للقرار الذي صدر من مديريات الزراعة بالمحافظات‏ ، بالعقوبات المقررة لمن يحتفظ بالحطب‏ ، مما دفع الفلاحين ، إلى سرعة حرق الأحطاب ، تنفيذا لقرارات وزارة الزراعة في الحقول .
ومن جانبه آثار المستشار صبري البيلي‏ ، محافظ القليوبية‏ ، مشكلة حرق حطب القطن في المزارع ، أمام وزيرة البيئة‏ ، ورئيس جهاز شؤون البيئة‏ ، في اجتماع هذا الأسبوع‏ .‏ وقال المستشار البيلي ، أن القانون‏ 4‏ لسنة‏ 1994‏ المادة‏ 37‏ ، بشأن البيئة ، يمنع منعا باتا حرق المخلفات‏ والقمامة‏ ومخلفات الحقول‏ ، حتى لا يتلوث الهواء ، وفي نفس الوقت ، يحتم القرار الوزاري على الفلاحين ، حرق الأحطاب . من هنا ، وقف المحافظ عاجزا ، عن إصدار قرار بمنع الحرق‏ ، أو الحرق في الحقول‏ !‏ ومن ناحية أخرى ، تدرس وحدة البيئة والتنمية ، في الصندوق الاجتماعي ، الاستفادة من دراسات عديدة‏ ، أشارت إلى أهمية الاستفادة ، من حطب القطن ، في صناعات خشبية ، كأحد مقومات المشاريع الصغيرة ، التي يدفع بها الصندوق ، إلى السوق لتشجيع الشباب ، على الدخول في هذه المشاريع التنموية ‏.
ومن المعروف ، أن هناك‏ 32‏ محطة ، أقامتها الدانمرك في الأرض المصرية ، لرصد حالة الهواء ، بالأكاسيد الآزوتية الكبريتية والكربونية‏ . وقد تم تركيب هذه المحطات‏ ، لتغطي أرض الدلتا‏ ، وهي تعمل لمدة‏24‏ ساعة‏ ، ويتم بها رصد حالة الهواء ومكوناته‏ ، ولم نسمع أن أحدا ، فتح هذه المحطات ، ورصد ما بها من تسجيل ، وما حدث من ملوثات ، بهواء الدلتا وعواصم مدنها ‏.
وفي القاهرة الكبرى ، حوالي‏40‏ محطة لرصد الهواء ، وقد أقام المشروع الأمريكي ، لتحسين هواء القاهرة ، حوالي‏ 33‏ محطة ، لرصد الذرات الصغيرة‏ ، العالقة من‏ 2.5‏ جزء في المليون ، إلى عشرة أجزاء في المليون ، كما تقوم برصد الرصاص‏ ، وهناك‏ 7‏ محطات دانمركية ، تقوم برصد أول وثاني أكسيد الكربون‏ ، وأول أكسيد الكبريت‏ ، والغازات الأخرى ، ولم تَبُح هذه المحطات ، بأسرار ما حدث من تلوث ، في هواء القاهرة الكبرى والدلتا والجيزة‏ .‏
قام اليابانيون ، بإنشاء معمل مركزي ، تابع لجهاز شؤون البيئة ، ومعامل أخرى متنقلة ، لرصد حالة الجو عند حدوث أزمة أو كارثة‏ ، أو رد فعل لأي شكوى ، ويشرف على المعامل جهاز شؤون البيئة‏ ، ويديرها خبراء مصريون‏ ، وتدرب عليها الخبراء‏ .‏
ومن المعروف أيضا أن المصادر الطبيعية ، لتلوث هواء القاهر‏ة ، مصدرها بخار الماء‏ الضار‏ ، والبكتيريا‏ والفطريات‏ والأملاح ، ونواتج الاحتراق‏ ذو النشاط الطبيعي . أما المصادر الصناعية . في تلوث هواء القاهرة الكبرى ، فهي حرق الوقود والطاقة‏ ، وعمليات الإنتاج الصناعي‏ ، ووسائل النقل والقطارات والطائرات والسفن‏ ..‏
ومن ناحية أخرى ، لم تنقطع الاتصالات التليفونية ، للمواطنين بالأهرام ، طوال ليلة أمس الأحد ، حيث اشتكوا من وجود ، سحابة دخان كثيفة ، غطّت أجواء القاهرة ، خاصة منطقتي مدينة نصر ومصر الجديدة ، ومناطق وسط البلد ومصر القديمة ، وأصابت الأطفال وكبار السن بالاختناق .
وتقول السيدة نجية الشال ، من سكان شارع مصطفى النحاس بمدينة نصر ، أن سحابة الدخان أصابتها وأطفالها ، بحالة اختناق ، حيث تعاني من حساسية في الصدر ، أدت إلى عدم قدرتها على التنفس ، رغم إغلاق النوافذ بالشقة ، وتتساءل هل عمال جمع القمامة هم السبب ، أم القائمون على حرق القمامة ؟! أم العمال المختصين ، بجمع القمامة من الشوارع ، هم الذين أحرقوا هذه القمامة ، التي أدت إلى هذا الدخان الكثيف ؟! وتتساءل السيدة نجية الشال ، أين وزيرة شؤون البيئة ، وأين القائمون على النظافة في بلدنا‏ ..‏ وكيف يتركون هذا الأمر دون متابعة‏ ، أدت إلى عدم قدرتها على التنفس ، رغم إغلاق النوافذ بالشقة
ومن الروضة بالمنيل ، استغاث بنا محمد أبو سريع عبد الكريم ، قائلا : ما هي حكاية الدخان الكثيف ، الذي يمتد من حلوان إلى المعادي والمنيل والمهندسين‏ ؟! ويقول أننا لا نستطيع التنفس ، ونكاد نصاب بحالة اختناق شديدة .
أما السيدة سمر عمر محمود ، من سكان مدينة نصر ، فقد وصفت الدخان ، بأنه عبارة عن دخان ، ينبعث من آبار بترول تحترق ، وليس دخانا عاديا ، ينبعث من مخلفات قمامة‏ ، كما أن الجو الحار ، ساعد على حدوث انقباض في حالة الجو ، جعلتنا لا نستطيع التنفس‏ .‏
أحمد علي أبو الحسن ، مشرف اجتماعي بجامعة الأزهر ، بمدينة نصر ، يقول إنه يشعر بحالة اختناق شديدة ، وحرقان بعينيه ، لم يستطع معها ، الإبصار بصورة جيدة‏ .‏
ومن جانبه أكد مصدر أمني بنجدة القاهرة ، بأن النجدة لم تتلق بلاغات حرائق ، ليلة أمس ، عدا حريق محدود شب في محطة بنزين التعاون ، بشارع قصر العيني‏ .‏ وذكر المصدر الأمني ، أن الإدارة تلقت ليلة أمس ، حوالي‏ 5‏ بلاغات حريق في مخلفات قمامة ، وتم إخمادها فورا ، وأوضح أن الإدارة تلقّت إشارة بأن الشبورة ، التي أحاطت سماء القاهرة ليلة أمس ، كانت نتيجة حرق ، مخلفات محصول القطن والأرز بالأرياف‏ .‏
وحول أسباب الظاهرة ، كتب عبد المجيد الشوادفي من الشرقية ، في محاولة سريعة وعاجلة ، لاحتواء الأسباب التي أدت إلى ظهور السحابة السوداء ، فوق سماء القاهرة‏ ، وعدد من محافظات الدلتا ، نتيجة لقيام الفلاحين بحرق قش الأرز المتخلف ، عن حصاد المحصول ، مما ترتب عليه ، حدوث اختناقات ، وإصابات في العيون ، بين الكثيرين من أبناء ومحافظة الشرقية .
قرّر المحافظ الدكتور حسين رمزي كاظم ، تنفيذ عدة إجراءات ، للقضاء على هذه الظاهرة ، التي انتشرت في مختلف مساحات الأراضي المزروعة بالأرز ، والتي تبلغ حوالي‏150‏ ألف فدان‏ .‏ وتم الاتفاق ، مع اللواء محمد صادق أبو النور ، مساعد وزير الداخلية لأمن الشرقية ، على تكليف رؤساء الوحدات المحلية ، بالقرى والمدن ومأموري مراكز الشرطة ، بتنظيم حملات لإخماد عمليات حرق قش الأرز ، والاستعانة بفرق الدفاع المدني ، والحريق لإطفاء النيران المشتعلة في الحقول‏ ، وتحرير محاضر للمخالفين‏ .‏
كما تم الاتفاق على تشكيل غرفة عمليات ، تضم ممثلين لأجهزة الحكم المحلي والشرطة ، لمتابعة هذه العملية ، وتجميع البلاغات بشأنها‏ .‏ وتم إخطار وزارة الزراعة ، للبحث في إمكانية الاستفادة ، من مخلفات محصول الأرز ، والتوصل إلى وسائل لاستثمارها ، بما يعود بالنفع العام على المزارعين ، وحتى لا تتكرر هذه الظاهرة مرة أخرى .‏
وكانت سحابة الدخان الكثيفة ، التي خيّمت على مدى الأيام الماضية ، فوق محافظة الشرقية ، نتيجة حرق قش الأرز‏ ، قد امتدت إلى مناطق متعددة ، في المحافظات المجاورة ؟ وغطّت الطرق الرئيسية التي تربط بينها ، وبين الطرق الصحراوية ، مما أدى إلى إعاقة الرؤية ، أمام سائقي السيارات ، وعرضتهم إلى ارتكاب حوادث التصادم‏ .‏
ومن جانبه صرح المهندس محمود الجمل ، وكيل وزارة الزراعة بمحافظة الشرقية ، بأن عمليات حرق قش الأرز ، التي يقوم بها الفلاحون ، وسط الحقول ، يستهدفون من ورائها ، زيادة نسبة التسميد للأراضي ، حيث أن مخلفات حريق القش ، تسهم في خصوبة الأرض ، وارتفاع الخصوبة فيها ، نتيجة لما يحويه القش المحروق ، من عناصر متعددة ومختلفة ، تؤدي إلى تحسين التربة الزراعية ، وترفع من إنتاجيتها ، في مختلف المحاصيل التي تزرع فيها‏ .‏
ومن القليوبية ، كتب أبو سريع إمام‏ ، أكد المستشار ، أحمد صبري البيلي محافظ القليوبية ، أنه بالنسبة للشبورة الملوثة ، الناتجة عن صرف مخلفات زراعة الأرز ، فإنني اتخذت الإجراءات ، منذ يوم‏ 12‏ أكتوبر ، وتمّت إحالة بعض المخالفين والمتسببين ، في هذه الأدخنة الملوثة ، إلى النيابة العامة ، طبقا لقانون البيئة ، والأكثر من ذلك ، بأنني قمت بعرض هذه المشكلة ، في مؤتمر حماية البيئة يوم‏ 14‏ أكتوبر ، برئاسة الدكتورة نادية مكرم عبيد ، وزيرة الدولة لشئون البيئة‏ .‏ وأوضح محافظ القليوبية ، أنه طلب من وكيل وزارة الزراعة ، اتخاذ الإجراءات لوقف عمليات حرق مخلفات الأرز ، فأكد أنه لا يوجد تعليمات ، بمنع الحرق بالأراضي الزراعية‏ .‏ ويقول المهندس عبد الحميد خاطر ، وكيل وزارة الزراعة بالقليوبية ، إن المحافظة غير مسموح لها بزراعة الأرز‏ .‏ وإنما زراعة هذا المحصول ، تمت على مساحة‏ 21‏ ألف فدان‏ بالمحافظة ، وقامت أجهزة الري ، بعمل محاضر لأصحاب هذه الأراضي ، لأن أجهزة الري ، هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تحرير محاضر ، بالمخالفات لمزارعي الأرز‏ .‏
وأوضح اللواء محمود وجدي ، مساعد وزير الداخلية لأمن القليوبية ، أنه تم على الفور عمل دوريات مرورية ، ليلية ونهارية ، لمحاولة السيطرة السريعة ، للحد من عمليات الحريق ، حتى يتم بشكل منظم‏ .‏
انتهاء السحابة الملوثة خلال‏ 48‏ ساعة
تحقيقات / الاثنين / 16 من رجب 1420 هـ ، 25 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41230
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/25/INVE2.HTM
أكد فوزي غنيمي ، مدير مركز التنبؤات ، أن خبراء الأرصاد الجوية ، يتوقعون انتهاء هذه الظاهرة الجوية ، خلال الساعات ال 48‏ المقبلة‏ ، بسبب تحرك هذه الكتلة الهوائية جهة الشرق‏ ، وتقدم الكتلة الهوائية المقبلة ، من جنوب وشرق أوروبا‏ ، مما يحرك الهواء ويجدده ويقلل نسبة الرطوبة‏ ، وبالتالي سيبدأ الدخان في الاختفاء التدريجي‏ ، وتنبه المسؤولون في المحافظات المجاورة للقاهرة ، لإعطاء تعليمات بمنع حرق مخلفات الزراعة ، إلا بأسلوب علمي‏ ، وفي الوقت المناسب‏ ، والهيئة على استعداد ، لإمدادهم بالبيانات اللازمة ، والأحوال الجوية المتوقعة‏ .
الزراعة تقول أحرقوه‏..‏ والبيئة تقول لا
تحقيقات / الاثنين / ‏16 من رجب 1420 هـ ، 25 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41230
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/25/INVE3.HTM
كتب عبد الوهاب حامد : تناقضات غريبة ، ومعادلات صعبة ، يتعرّض لها الفلاح المصري‏ ( نتيجة تخبط خبراء البيئة ) .‏ فبينما تطالبه وزارة الزراعة ، بضرورة حرق عيدان القطن بعد جنيه ، كشرط لتمتع الفلاح ، بالحصول على الدعم المقرر ، في عمليات المقاومة‏ ، الذي تحملّته الدولة بالكامل ، لأول مرة هذا العام‏ ، نظرا لانخفاض أسعار القطن عالميا‏ ، وهي على حق‏ ، وبناء على هذا الحق للمصلحة العامة ، تقوم مديريات الزراعة بالمحافظات ، بتحرير محاضر مخالفات للفلاحين ، الذين لا يقومون بحرق عيدان القطن‏ .‏ على الجانب الآخر ، نجد تعليمات وزارة البيئة ، تركز على الحماية من التلوث‏ ، وذلك بحظر حرق أية مخلفات ، بأساليب بدائية ، ومنها طبعا ، حرق مخلفات زراعات القطن والأرز‏ .‏
يقول المسؤولون بالبنوك الزراعية ، إن ما يجري من تعليمات الحرق ، وتقدير النسبة المقرّرة للمقاومة ، عن محصول القطن ، هو حق كامل لوزارة الزراعة ، ولا دخل لنا به‏ ، ومهمتنا تحصيل الديون ، وتقديم الخدمات الائتمانية للفلاح‏ .‏ والسؤال‏ :‏ لماذا لم يتم وضع خطة شاملة ، للاستفادة من هذه المخلفات ، في مجالات كثيرة أهمها صناعة الأعلاف ؟ ويضيفون‏ :‏ لو فعلنا ذلك ، لمنعنا وقوع مثل هذا التناقض ، بين وزارتي الزراعة والبيئة‏ ، ولحمينا الفلاح من الحيرة والتضارب في القرارات‏ .‏ ويمكن للدولة بإمكاناتها الكثيرة ، أن تجذب الفلاح ، إلى توريد فضلات القطن والأرز ، إلى مصانع الأعلاف والورق ، حماية للبيئة من التلوث‏ .‏
المزارعون‏ : القش بريء
تحقيقات / الاثنين / 16من رجب 1420 هـ 25 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41230
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/25/INVE4.HTM
صورة لحرق القش
كتبت أهداف البنداري : في قرية الناي بمحافظة القليوبية ، إحدى المحافظات التي تزرع الأرز ، قال عبد الله إبراهيم فلاح ، أنه يتم حرق‏ 5‏ أطنان قش في كل فدان أرز ، وتستغرق كل كمية يتم حرقها ربع ساعة ، ولا يصل دخان هذا الحريق ، إلى مدينة قليوب التي تبعد خمسة كيلو مترات ، عن قرية الناي‏ .‏ ويضيف عادل عطا أن مواعيد حرق القش ، تختلف في القرية الواحدة ، من مكان لآخر ، ومازالت أماكن لم تبدأ الحرق بعد‏ .‏ وتساءل فلاح آخر ، بأن رماد حريق القش يترسب ، ثم يتبخر ، فكيف يصل إلى القاهرة ، التي تبعد عن قليوب 30‏ كيلو مترا‏ ؟! ( تساؤل وجيه ) ، وأضاف أن ميعاد حرق القش ، يبدأ من‏ 15‏ أكتوبر ، ويستمر‏20‏ يوما ، وما يصل ارتفاع الدخان إلى حوالي عشرة أمتار‏ .‏ وفي مركز شبين القناطر ، أرجع فلاح سبب الدخان الغامق اللون ، الذي ظهر الأيام الماضية ، إلى طبقة مفتوحة في الأوزون‏ ، وقال انه شاهد شبورة مع دخان أزرق ( أي أنها أتت من السماء ) ، لا يعرف سببها وإدارات المرور ، هي المفترض أن تشرح أسبابها !
سر اختناق القاهرة‏ ( 2 )‏
تحقيقات / الثلاثاء / 17 من رجب 1420 هـ ، 26 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41231
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/26/INVE1.HTM
تحقيق أهداف البنداري : كشف اختناق القاهرة ، الذي استمر لثلاثة أيام متتالية ، عن وجود العديد من الملوثات ، في سماء العاصمة‏ .‏ ففي الوقت الذي تقوم فيه الدولة ، بالحفاظ على سلامة المواطنين ، والاهتمام بتجميل القاهرة الكبرى ، تنتشر مقالب القمامة بين الشوارع والميادين ، وعلى أسطح المنازل ، حسب ما شاهدته وزيرة البيئة ، في جولتها بالطائرة ، فوق القاهرة ، ويؤدي حرقها بلا أية ضوابط ، إلى تلوث هوائي ، يُصيب العديد من المواطنين بالأمراض‏ .‏
وعلى الرغم من أن مقالب القمامة الرسمية ، قد أوقفت حرق القمامة ، منذ أكثر من عام ، بقرار صادر من وزيرة البيئة ، إلا أن مقالب القمامة الخاصة ، مازالت تعمل بلا ضوابط‏ .‏ والسؤال الآن‏ ..‏ متى تختفي مقالب القمامة من شوارع العاصمة ؟‏!‏ في البداية ، تقول د‏.‏ نادية مكرم عبيد وزيرة البيئة ، إنها رصدت سحابة الدخان ، وشعرت بها مثل كل المواطنين ، وأدركت أن هناك شيئا غير طبيعي ، في الهواء منذ عشرة أيام ، فبحثت مع كل الجهات المعنية ، لتعرف حقيقة هذا الدخان‏ ..‏
وتضيف‏ :‏ قمت بجولة جوية بالطائرة ، لمدة ثلاث ساعات بعد استجابة فورية ، من المشير محمد طنطاوي وزير الدفاع ، شملت القاهرة الكبرى ، في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية‏ .‏ وشاهدت حالات اشتعال ذاتي في حوالي‏ 7 ‏ أو‏ 8‏ مواقع للقمامة ، في مناطق عشوائية ، وتلوث في جنوب القاهرة ، من بعض المصانع‏ .‏ كما شاهدت حرق قش الأرز ، ولفت نظري انتشار القمامة ، على أسطح المنازل‏ .‏
من هنا أرجعت هذه السحابة الدخانية ، إلى تزامن عدة عوامل ، في آن واحد‏ .‏ فالانبعاثات التي تصدر من الاشتعال الذاتي للقمامة ، التي يلقيها الأهالي بطريقة عشوائية ، نتيجة سلوك غير سوي ، مع استقرار الهواء بدون رياح ، أدى إلى تعلّق دخان القمامة المشتعلة والقش المحترق ، والذي يقوم الفلاحون ، بحرقه منذ سنوات ، لكننا شعرنا بدخان هذا الاحتراق ، نتيجة اتحاد العوامل السابقة معا‏ .‏ فالأدخنة المعلّقة سبب شعورنا ، بأن هناك شيئا يحرق في الهواء‏ .‏
وأضافت د‏.‏ نادية مكرم عبيد ، أنه سيتم إعداد برنامج تنفيذي ، للتعامل مع الحرق المكشوف‏ .‏ فقانون البيئة يعطي للمواطن ، الحق في البلاغ ، عن أية مخالفة بيئية في القسم ، وعلى ملوّث البيئة أن يدفع الثمن‏ .‏ وعلى الرغم أن الوزارة ، ليست لديها شرطة بيئية ، إلا أننا نعتمد في المحافظة على البيئة ، على60‏ مليون مصريا ، فبعد تصريحات الرئيس حسني مبارك ، أن الحفاظ على البيئة أصبحت ضرورة ، وليست ضربا من الرفاهية‏ .‏ وجهود السيدة سوزان مبارك ، في توعية المواطنين بذلك خاصة الأطفال ، أصبحت البيئة على الأجندة السياسية ، وقد لمست صحوة بيئية ، في آلاف الشكاوي ، التي تتلقاها الوزارة من المواطنين‏ .‏
وأوضحت أن قانون البيئة ، ينص على عقوبات لملوثي البيئة ، منها غرامة مالية ألف جنيه لحارق القمامة ، وهذا المبلغ من وجهة نظر وزيرة البيئة ، مناسب لكن المشكلة في تنفيذ العقوبات ، وهي مهمة منوط بها الوزارة والمحافظات ، والأهم سلوك المواطنين ، والجمعيات الأهلية ، وأجهزة الإعلام عليهم دور كبير لتحقيق الاستجابة المطلوبة ، من الموطنين ، للحفاظ علي بيئتهم‏ .‏
وكما يقول د‏.‏ أحمد نعيم البنداق ، المشرف على المجالس النوعية بأكاديمية البحث العلمي ، أن المحاور الرئيسية ، التي يجب أن تنتهجها الدولة ، لمعالجة مشكلة القمامة ، وكيفية الاستفادة منها ، عن طريق دراسة مكونات القمامة ، … ويؤكد د‏.‏ أحمد نعيم على أن كل هذا لا يتم دون وضع التشريعات الخاصة بالنفايات ، بشكل عام ، والتطبيق الذي تم إصداره بالفعل منها ، في قانون البيئة ، الذي صدر عام‏ 94‏ ، وعمل حصر للمؤسسات المختلفة ، لمتابعة تشريعات حماية البيئة من التلوث ، وكيفية الاستفادة منها بشكل نافع‏ .‏
أما الدكتور فوزي عبد القادر الرفاعي ، المشرف على قطاع تنمية التكنولوجيا والخدمات ، بأكاديمية البحث العلمي ، فقد طرح نموذجا عمليا ، بوحدات تحول القمامة إلى سماد ، ثم بنائها ، وتعميمها بأيد مصرية ، وبتكلفة أقل بكثير من مثيلها المستوردة ، …‏
ويقول د‏.‏ شريف عيسى ، رئيس المركز القومي للبحوث ، أن هناك خطة قادمة لتطوير التكنولوجيا المصرية ، في مجال تصنيع القمامة ، … .
ويوضح المهندس مدحت حسين ، مدير مصنع ( شبرامنت ) أحد المصانع الخاصة ، بتحويل القمامة إلى سماد عضوي ، بمدينة شبرامنت أن هذا المصنع أُنشئ بسعة كلية‏10‏ أطنان قمامة يوميا ، … .
ومن جانبه أكد د‏.‏ عبد الرحيم شحاته ، محافظ القاهرة ، أن سحابة الدخان ، التي غطت القاهرة ، ليست بسبب القمامة ، فالمحافظة خصصت‏ 18‏ مليون جنيه سنويا ، لميزانية شركات القمامة ، وأن الدولة تقوم بدورها ، من حيث توفير جهاز بمسئوليه ومعداته ، لنظافة القاهرة ، ولم تعد لدى إدارات مقالب القاهرة الرسمية أية محارق ، إلا أن المحافظة ، وكل الأجهزة المعنية ، لن تستطيع أن تقضي علي القمامة في الشوارع ، فذلك يتوقف بنسبة‏100%‏ على سلوك المواطنين ، واستشهد محافظ القاهرة بسلوك المواطنين ، الذي يساعد على استمرار تلال القمامة في الشوارع ، حيث إن‏ 50%‏ فقط من سكان القاهرة ، يتعاملون مع جامعي القمامة ، والباقي يرفض دفع‏ 3‏ جنيهات ، مفضلا إلقاء مخلفاته على الجزيرة الوسطية في الشارع‏ .‏.. .
رئيس هيئة النظافة وتجميل القاهرة‏ يُبرّئ مقالب القمامة ويتهم القش
تحقيقات / الثلاثاء / 17 من رجب 1420 هـ ، 26 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41231
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/26/INVE2.HTM
كتب عبد العظيم الباسل : أثارت سحابة الدخان الخانق ، التي غطت القاهرة ، أول أمس ، تساؤلات عديدة حول أسبابها‏ ..‏ البعض أرجعها لحرق ، مقالب القمامة المنتشرة حول القاهرة‏ ، وعلّلها البعض الآخر ، بحرق بقايا جذور نبات الأرز ، في الحقول المنتشرة حول القاهرة الكبرى .‏
وأياً كانت أسبابها الحقيقية ، فقد انزعج العديد من الأهالي ، التي أصابها احمرار بالعين ، وضيق بالتنفس الصدري ، نتيجة لهذا الدخان الخانق ، الذي لف القاهرة‏ .‏
من جانبه يؤكد اللواء مجدي البسيوني ، رئيس هيئة التجميل والنظافة بالقاهرة‏ :‏ إن هذه السحابة العالقة بسماء القاهرة ، لا ترجع إلى حرق القمامة ، خاصة أن لدينا ثلاث مقالب كبرى ، بالوفاء والأمل والقطامية ودار السلام ، مساحة كلٍ منها 15‏ فدانا ، ولم يتم حرق قمامة إحداها ، طوال الأيام الثلاثة الماضية‏ ..‏ فضلا عن أننا ، قمنا بالتفتيش على مقالب قمامة القطاع الخاص ، ووجدناها لا تعمل أيضا ، وقبل هذا وذاك ، فان رائحة حرق القمامة ، مميزة وهي تختلف عن رائحة الدخان ، التي انبعث فوق القاهرة‏ .‏
ومن هنا فقد تأكدنا ، وفقا لشكاوي المواطنين القادمين من الطرق السريعة ، والذين أكدّوا انهم فقدوا الرؤية على الطرق السريعة ، نتيجة لانبعاث الأدخنة من الحقول المجاورة ، على جانبي الطريق ، على غرار ما حدث في العام الماضي ، خلال نفس التوقيت‏ .‏ وأضاف‏ :‏ من المعاينة ، تأكدنا من اشتعال‏ 9‏ مواقع في المساحة المحصورة ، من مزارع الأرز ، بين الطريق الدائري والطريق الزراعي ، عند مدينة قليوب ، بالإضافة لمساحات أخرى ، كانت ظاهرة من طريق بلبيس الصحراوي ، باتجاه الخانكة‏ .‏.. .

عودة سحابة الدخان إلى سماء القاهرة
الصفحة الأولى / الأربعاء / 18 من رجب 1420 هـ ، 27 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41232
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/27/FRON1.HTM
صورة ليلية : سحابة الدخان حجبت مباني القاهرة مرة أخرى مساء أمس
تجدد انتشار الدخان ، في سماء القاهرة الكبرى ، مساء أمس‏ ، وتلقت الأهرام اتصالات هاتفية ، من قاطني الساحل‏ وشبرا مصر‏ ومصر الجديدة‏ ، ومدينة السلام‏ والعجوزة‏ والمنيل‏ والهرم‏ ، بإحساسهم بتكاثر الدخان ، وأنهم أغلقوا نوافذ مساكنهم‏ .‏ وصرحت الدكتورة نادية مكرم عبيد ، وزيرة شئون البيئة ، بأن كثافة سحابة الدخان‏ ، التي عادت إلى سماء القاهرة‏ ، أقل مما كانت عليه مساء السبت الماضي ، حين بلغت ذروتها‏ .‏ وقالت لمندوبي الأهرام ، أنها في اجتماع دائم مع خبراء البيئة المصريين ، وبعض الخبراء من الدنمارك‏ ، لرصد وتحليل الأدخنة الموجودة ، في سماء القاهرة الكبرى .‏ وأكدّت وجود مرتفع جوي ، قادم من شمال الجمهورية‏ ، وأنه أدى إلى عدم تشتت الملوثات العالقة في الجو‏ ، وزيادة شعور المواطنين بها ، في بعض مناطق القاهرة الكبرى .‏ وحذر الدكتور طارق صفوت ، رئيس قسم الأمراض الصدرية بجامعة عين شمس ، من أن هذه السحابة ، تزيد مخاطر التهاب الشعب الهوائية للمواطنين‏ ، وحدوث النزلات الربوية‏ ، وحساسية جهاز التنفس‏ .‏ ونفى مدير أمن القليوبية ، ما تردّد عن احتراق ، مخلفات أحد المصانع الكبرى بـ ( بنها‏ ) .

عودة الدخان الخانق‏ !‏ طوارئ في وزارة البيئة لفك لغز السحابة السوداء
تحقيقات / الأربعاء / 18 من رجب 1420 هـ ، 27 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41232
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/27/INVE1.HTM
متابعة‏ :‏ عبد العظيم الباسل وناجي الجرجاوي وسالي وفائي وأشرف أمين
صورة ليلية
في حوالي الساعة السابعة والنصف مساء أمس‏ ، 26‏ أكتوبر ، تلقت الأهرام العديد من المكالمات التليفونية ، تؤكد عودة سحابة الدخان مرة أخرى ، في مناطق الساحل وشبرا ومصر الجديدة ، ومدينة السلام والعجوزة والمنيل والهرم‏ .‏ وقد أغلق المواطنون النوافذ لشعورهم بالاختناق‏ .‏ وصرحت الدكتور نادية مكرم عبيد ، وزيرة شؤون البيئة ، بأن سحابة الدخان الخانق ، عادت إلى سماء القاهرة بالأمس ، ولكن ليست بكثافة السحابة ، التي غطت القاهرة منذ ثلاثة أيام‏ .‏ وقالت‏ :‏ أنها في اجتماع دائم ، مع خبراء البيئة المصريين وبعض الخبراء الدانماركيين ، لرصد وتحليل الأدخنة المنبثقة والمنتشرة ، في سماء القاهرة الكبرى .‏
وأشارت إلى أن التحليل المبدئي للأدخنة ، أكد وجود نسبة عالية ، من الجسيمات العالقة والأتربة الرفيعة ، ساعد على انتشارها سكون الجو ، وعدم تحريكها بواسطة الرياح ، ومازالت أبحاثنا مستمرة للوصول إلى حقيقة هذه الأدخنة ، خلال الـ‏ 48‏ ساعة المقبلة‏ .‏ وعلّلت عودة الأدخنة إلى تضافر مجموعة من العوامل ، أهمها المسابك والصناعات الملوثة للبيئة ، وحرق بقايا محصولي الأرز والقطن ، في الحقول المجاورة للقاهرة‏ .‏
أكدّت السيدة نادية مكرم عبيد ، أن استمرار ظهور الدخان المنتشر ، في سماء القاهرة الكبرى ، هو نتيجة وجود مرتفع جوي ، قادم من شمال الجمهورية ، أدى إلى عدم تشتت الملوثات العالقة في الجو ، والتي شعر بها المواطنون ، في بعض مناطق القاهرة الكبرى .‏ وقالت الوزيرة إن الوزارة تقوم حاليا ، بالتعاون مع الأجهزة المعنية ، بمتابعة الموقف للتخفيف من تركيز تلك الملوثات ، حيث أشارت مصادر الأرصاد الجوية ، إلى توقع استمرار هذه الظاهرة لمدة ‏3‏ أيام على الأقل‏ .‏
ومن جانبه ، قال الدكتور محمود نصر الله ، مدير معمل تلوث الهواء بالمركز القومي للبحوث‏ :‏ إن حرائق القمامة ، والملوثات الناتجة من العربات والصناعات الصغيرة ، ليست السبب الأوحد في هذه الحالة المناخية ، فهناك نوع من الركود للحركة الرئيسية والأفقية للهواء ، هذا بالإضافة إلى انخفاض سرعة الرياح ، وتغير العوامل الجوية ، مما يؤدي إلى حالة من الاحتباس الحراري ، لذلك يجب أن تشكل غرفة عمليات ، في مثل هذه الحالات لإيقاف الملوثات المنبعثة‏ .‏ ( تبريرات وتكهنات جديدة ) .
وشرح الدكتور محمود نصر الله مدير معمل تلوث الهواء ، أنه من المتوقع أن تكون الأدخنة ( وليس من المؤكد ) ، ناتجة عن احتراق وقود البترول أو القمامة‏ !‏ هذه الأدخنة عبارة عن جسيمات عالقة ، من الدخان الأسود‏ ، ثاني أكسد الكربون‏ ، وثاني أكسيد الكبريت‏ ، أول أكسيد الكربون ، وأكاسيد النيتروجين ، لذلك يجب أن يكون هناك حل سريع وفوري ، وتشكيل غرفة عمليات ، لرصد مصادر التلوث ، وكل منطقة سكنية ، بها محرقة أو مقلب زبالة ، يجب أن تبلغ الجهات المسؤولة ، مثل وزارة البيئة وجهاز شؤون البيئة ، حتى تخمد هذه الحرائق فورا‏ .‏
ويضيف الدكتور محمود نصر الله‏ :‏ إننا الآن أمام احتمالين ، إما أن تنشط حركة الهواء مرة أخرى ، ويعود المناخ لوضعه الطبيعي‏ ،‏ أو يستمر الوضع على ما هو عليه ، مما يؤدي إلى تركز الهواء‏ ، وبالتالي تراكم الملوثات ، والتي سيُضارّ منها ، مرضى الصدر والدورة الدموية والقلب‏ .‏ ويضيف الدكتور محمود نصر الله ، أنه للأسف لا توجد خريطة ، توضح مراكز التلوث بالقاهرة ، مثل المحارق وبعض الورش والمصانع‏ ، والتي من الممكن التحكم بها ، في مثل هذه الحالات بإيقاف مصادر التلوث ، بشكل تدريجي ومؤقت ، لحين عودة الرياح لنشاطها‏ .‏
ويضيف الدكتور محمود نصر الله : أن حادثا مشابها ، وقع في لندن عام‏ 56‏ ( المسؤول السابق قال أنه وقع عام 49 ) ، حيث ازدادت كثافة السحب المعبأة بالملوثات ، مما أدى إلى إصابة العديد بالالتهابات الشعبية ، وتطور الأمر إلى مرحلة الاختناق والوفاة‏ .‏ لذلك يطالب الدكتور محمود نصر الله ، بأن تتابع محطات الرصد ، التابعة لجهاز شؤون البيئة ، تغيرات مكونات الهواء ، في كل منطقة ، وتحدد مصادر التلوث سواء كانت محارق أو مصانع‏ .‏ ووقفها بشكل مؤقت ، لحين تحسن الحالة الجوية ، وعودة الرياح لسرعتها الطبيعية‏ .‏
ومن جانبه أكد مجدي البسيوني ، رئيس هيئة النظافة وتجميل القاهرة : أنه قام بجولة ميدانية ، للوقوف على مصادر انبعاث الأدخنة ، من جديد ، فوجد أن المقالب الرسمية ، لم يحدث بها أي اشتعال للقمامة ، بينما لاحظ وجود الأدخنة ، بكثافة في المناطق المتاخمة للأراضي الزراعية ، على امتداد المشروع البلبيسي‏ .‏ وأجمعت المصادر على أن الحرائق ، لا تزال مشتعلة في الحقول ، بمنطقة الخانكة والطريق الدائري‏ .‏ وطالب البسيوني : بضرورة تحرك الأرصاد والبيئة ، للكشف عن سر هذه الظاهرة ، التي تفاجئ القاهرة بين الحين والآخر‏ .‏
ومن جانبه أكد المستشار صبري البيلي ،ن محافظ القليوبية أنه بالأمس فقط ، تم تحرير‏ 35‏ محضرا ، بـ ( قها وطوخ ) لحرق قش الأرز المخالف‏ ، والحملات مازالت مستمرة من الزراعة ، ومجالس المدن لمتابعة المخالفين‏ .‏ مؤكدا أن سبب الدخان ، يرجع للأرز المحترق ، من بعض المزارعين ، بمنطقة الألج والخانكة بجوار الطريق الدائري‏ .‏ ونفى المستشار البيلي ، عدم حرق أي كاوتش كما تردّد عن أحد المصانع الكبرى .‏
ومن جانبه صرح د‏.‏ محمد عطية الفيومي ، رئيس مجلس محلي محافظة القليوبية : بأنه لا توجد حرائق في المنشآت الموجودة ، على أرض المحافظة ، حتى الساعة التاسعة ، مساء الثلاثاء‏ 26‏ أكتوبر ، ولم تتلق النجدة أو المطافئ ، أية بلاغات في هذا الخصوص ، إلا أنه قد توجد بعض حرائق ، يشعلها بعض المزارعين للمحاصيل المنتهية ، لكنها لا تخرج عن كونها ، حرائق محدودة الأثر ، وغير ذات تأثير‏.‏ وعلى الجانب الآخر ، لم يشعر سكان القليوبية بالدخان ، الذي شعر به سكان القاهرة ، ولم تتغير طبيعة المناخ ، ولا رائحة الجو ، عن الأمور المعتادة‏ ( بالرغم من أن الحرق يتم في القليوبية ، وهي تبعد عن القاهرة 25 كم ) .‏ ونفى مدير أمن القليوبية ، ما تردّد عن احتراق مخلفات أحد المصانع الكبرى بـ ( بنها ) مسببة الدخان ، الذي غطّى سماء القاهرة‏ .‏
مرضى الصدر ضحايا التلوث‏ !‏
تحقيقات / الأربعاء / 18 من رجب 1420 هـ ، 27 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41232
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/27/INVE2.HTM
تحقيق‏ :‏ عبد المحسن سلامة ونادية يوسف
أدى الدخان الكثيف ، الذي تعرضت له القاهرة مؤخرا ، إلى ازدياد معاناة مرضى الحساسية الصدرية ، وزيادة أعداد المترددين على أقسام الصدر بالمستشفيات ، بعد أن شعر المرضى بالاختناق ، وضيق التنفس ، الناتج عن تهيج الأغشية المخاطية للعين والأنف .‏ ويقول د‏.‏ محمد عوض تاج الدين ، أستاذ الأمراض الصدرية ، ونائب رئيس جامعة عين شمس‏ :‏ … وبالنسبة لدخان السحابة الأخيرة ، فقد اتسم بالكثافة ، ووجود رائحة نفاذه مصاحبة له ، مما أحدث تهيجا في الأغشية المخاطية ، للعين والأنف ، لمن تعرضوا له‏ ، وأدى ذلك إلى إصابتهم ، بضيق في التنفس ، نتيجة تهيج هذه الأغشية ، فارتفع عدد الحالات المصابة ، وزاد عدد المتردّدين على أقسام الصدر ، بالمستشفيات العامة والخاصة‏ .‏ وقد تلقى هؤلاء المرضى العلاج ، وخرجوا على الفور‏ ، لأن معظمها حالات مؤقتة كان الدخان السبب الرئيسي لها ، وتركز علاجهم ، في موسعات الشعب الهوائية ، وعلاج للأغشية المخاطية‏ .‏
وأكد د‏.‏ طارق صفوت ، رئيس قسم الأمراض الصدرية ، بجامعة عين شمس : أن هذه السحابة ، مبعث للتلوث ، وانتقال أمراض التهابات الشعب الهوائية والنزلات الربوية‏ ، وتشكل حساسية شديدة ، في الجهاز التنفسي لمرضى الأمراض الصدرية ، ومرضى الأنف والأذن ، لأنها تسبب التهابات في الجيوب الأنفية ، والعيون ، أي جميع الأغشية المخاطية‏ .‏ وينصح د‏.‏ صفوت : بوضع ماسكات واقية للذين لديهم حساسية ربوية ، لتجنب استنشاق هذه الأدخنة‏ .‏ وقد استقبل قسم الأمراض الصدرية ، أكثر من ضعف الأعداد التي يستقبلها القسم في الأيام العادية‏ .‏ ولابد من الالتزام بعلاج مرضى الصدر ، مع طبيبهم الاستشاري واستخدام بخاخات‏ .‏ وأضاف أنه لا يشترط أن تكون الأزمة حادة ، لكن تزيد أعراض المرض في فترة انتشار الدخان‏ .‏
ويقول الدكتور هشام قاسم أخصائي الصدر بمستشفى الصدر بالعباسية : أنه لم ترد أي حالات اختناق أو إعياء للمستشفى ، بسبب التلوث ، ويوصي الدكتور هشام مرضى الحساسية : بإغلاق النوافذ والابتعاد عن الملوثات بقدر الإمكان ، كما يجب وضع منديل مبلل ، على الأنف والفم والتنفس من خلاله‏ .‏ كما من الممكن ، أن يصاب الناس ، في حالة كثافة الأدخنة ، باحتقان الحلق والتهاب شديد ، في الشعب الهوائية والعينين‏ . ( يغشى الناس هذا عذاب أليم ) .
تقرير لرئيس مجلس الوزراء حول ظاهرة الدخان
الصفحة الأولى / الخميس / 19 من رجب 1420 هـ ، 28 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41233
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1999/10/28/FRON.HTM
مرتفع جوي فوق القاهرة ، تسبب في تكوين طبقة عازلة ، منعت انسياب الدخان والملوثات ، إلى طبقات الجو العليا .
تلقى الدكتور عاطف عبيد ، رئيس مجلس الوزراء ، تقريرا شاملا ، مساء أمس ، من الدكتورة نادية مكرم عبيد ، وزيرة الدولة لشؤون البيئة ، حول ظاهرة الدخان الكثيف‏ ، الذي غطى سماء القاهرة ، منذ يوم السبت الماضي‏ ، وعاد إلى الظهور ، يومي أمس وأمس الأول‏ .‏ وقال عبيد : أنه سيتم بحث هذا التقرير ، بشكل تفصيلي ، لمعرفة أسباب تلك الظاهرة‏ ، وكانت الأهرام ، قد تلقت طوال ليلة أمس ، سيلا من الشكاوي حولها ، من عشرات المواطنين ، الذين يشكون من الاختناق‏ ، وعودة الدخان إلى الظهور بشكل كثيف ، في أنحاء متفرقة من القاهرة‏ .‏
كما أكدت وزيرة البيئة : أن السبب وراء زيادة نسبة الدخان في الجو ، هو ظهور المرتفع الجوي ، الذي ساد منطقة شمال الجمهورية‏ ، وأدى إلى تحرك كتلة من الهواء المشبع ، ببخار الماء ، باتجاه الدلتا والقاهرة‏ ، وقالت : إن هذه الكتلة ، كونت طبقة عازلة فوق الهواء ، تمنع انسياب الملوثات ، إلى طبقات الجو العليا‏ .‏ وأضافت في مؤتمر صحفي ، عقدته بعد ظهر أمس : أن ذلك تزامن مع انخفاض سرعة الرياح‏ ، وحرق المخلفات الزراعية داخل الحقول ، في محافظات الدلتا القريبة ، وهي‏ :‏ القليوبية‏ والشرقية‏ ، بالإضافة إلى مصادر التلوث الموجودة ، على مدار العام‏ ، مما أدى إلى تكوّن سحابة من الدخان ، غطّت أجواء القاهرة الكبرى ، وشعر بها المواطنون ، نتيجة لتركيز تلك الملوثات‏ ، وعدم تشتتها أو انسيابها ، إلى طبقات الجو العليا‏ .‏
وكان بيان لهيئة الأرصاد ، قد أعلن : أن العاصمة تأثرت أمس ، بمرتفع جوي أدى إلى تباطؤ سرعة الرياح‏ .‏ كذلك أكدت الوزيرة : ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة ، حتى يمكن التخفيف من حدة تلك الظاهرة‏ ، بما في ذلك التنبيه على المصانع الكبرى ، حول القاهرة الكبرى ، للعمل على التقليل من حدة الانبعاثات الملوثة ، خلال الأيام القليلة المقبلة‏ ، وقيام الأجهزة المعنية ، بالإيقاف الفوري للأنشطة العشوائية الملوثة ، مثل‏ الجيارات‏ والفواخير ، والمسابك‏ ومصانع الطوب‏ والحرق المكشوف ، أيا كان مصدره‏ ، وقيام أجهزة الشرطة ، بمنع سير السيارات ، التي ينتج عنها عادم كثيف‏ ، تطبيقا لأحكام قانون المرور‏ .‏
والي يطلب سرعة وقف حرق مخلفات الزراعة
الصفحة الأولى/ الجمعة / 20 من رجب 1420 هـ ، 29 أكتوبر ‏1999م ، السنة 124 – العدد 41234
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : http://www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1.../29/FRON10.HTM
الأرصاد :‏ المرتفع الجوي مستمر اليوم
أصدر الدكتور يوسف والي ، نائب رئيس مجلس الوزراء ، ووزير الزراعة واستصلاح الأراضي ، تعليمات بسرعة وقف حرق قش الأرز وحطب القطن‏ ، للحد من ظاهرة تراكم الأدخنة ، في سماء القاهرة الكبرى .‏ وصرحت الدكتورة نادية مكرم عبيد ، وزيرة الدولة لشؤون البيئة ، بأن معدلات تلوث الهواء ، وصلت أخيرا إلى 300‏ ميكروجرام في المتر المكعب‏ ، بما يتجاوز أربعة أضعاف نسب التلوث الأمنية‏ ( إحدى الحقائق المرعبة ) .‏ ومن ناحية أخرى ، قال خبراء الأرصاد الجوية ، أن القاهرة الكبرى ، ستتأثر اليوم بامتداد مرتفع جوي ، قريب من سطح الأرض ، يؤدي إلى استمرار الاستقرار في الأحوال الجوية ، وهدوء في سرعة الرياح ليلا‏ ، مما يساعد على ظهور الأدخنة ، في سماء القاهرة الكبرى ، في حالة استمرار ، عملية حرق مخلفات المحاصيل الزراعية ، في الأرض المحيطة بإقليم القاهرة الكبرى .‏
وزيرة البيئة‏ :‏ استمرار متابعة ظاهرة الدخان للحد من أثارها
الصفحة الأولى / الجمعة / 20 من رجب 1420 هـ ، 29 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41234
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : http://www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1.../29/FRON11.HTM
كتبت سالي وفائي‏ :‏ صرحت السيدة نادية مكرم عبيد ، وزيرة الدولة لشؤون البيئة ، بأن غرفة العمليات المشكلة في الوزارة ، في حالة عمل مستمر لمواجهة ظاهرة الدخان ، والحد من آثارها‏ .‏ وقالت أنها تلقّت تقريرا ، من الدكتور حسين رمزي كاظم محافظ الشرقية ، أكدّ خلاله ، أنه تم إيقاف عمليات ، حرق قش الأرز وأعواد القطن ، وإخماد النيران عن طريق رشها بالماء‏ .‏
وأشارت الوزيرة إلى أنه يتم الاتصال بصورة دائمة ، بالسادة الوزراء والمحافظين‏ ، ومتابعة المصانع ، للتأكد من خفض نسب الانبعاثات الملوثة ، خلال الأيام القليلة القادمة ، وحتى ينتهي المرتفع الجوي المشبع ببخار الماء ، والذي يسود البلاد حاليا ، مع استمرار الجولات المفاجئة للوزيرة ، بالاشتراك مع قوات الشرطة ، لوقف الممارسات البيئية الخاطئة‏ .‏
وقالت السيدة نادية مكرم عبيد ، أن القياسات المسجلة لنسب تلوث الهواء ، والصادرة عن ثماني محطات ، منتشرة في نطاق القاهرة الكبرى ، وصلت أخيرا إلى300‏ ميكروجرام في المتر المكعب ، من الجسيمات العالقة ، في حين أن الحدود التي نص عليها قانون البيئة ، هي‏70‏ ميكروجرام ، حيث تسبب المنخفض الجوي ، في عدم انسياب تلك الجسيمات ، والتي تنتج عن الأنشطة الصناعية الكبرى ، وكذلك الصناعات التقليدية ، مثل المسابك والفواخير وقمائن الطوب ، بالإضافة إلى عوادم السيارات ، والرمال القادمة من الصحراء ، وكذلك الأنشطة الموسمية للزراعات‏ .
مشكلة الدخان وتطوير مطار القاهرة
الصفحة الأولى / السبت / 21 من رجب 1420 هـ ، 30 أكتوبر 1999م ، السنة 124- العدد 41235
موقع الصفحة على شبكة الإنترنت هو : http://www.ahram.org.eg/Arab/Ahram/1.../29/FRON10.HTM
يعقد الدكتور عاطف عبيد ، رئيس مجلس الوزراء ، اجتماعين متتاليين اليوم وغدا‏ ، لبحث عدد من المشكلات ، التي تهم الجماهير‏ .‏ يخصص اجتماع اليوم للمجموعة الوزارية‏ ، لبحث مشكلة الدخان ، الذي غطى سماء القاهرة في الأسبوع الماضي‏ ، والتعرف على أسبابها‏ ، واتخاذ الإجراءات الحازمة ، التي تقلل من حدوث مثل هذه الظاهرة ، مرة أخرى ، ويخصص الاجتماع الثاني ، لدراسة ارتفاعات المباني ، حول مطار القاهرة الدولي‏ ، واتخاذ الإجراءات الخاصة لتطوير المطارات‏ … انتهى .
صحيفة الشعب
* فيما يلي سنعرض تعليقا ، للكاتب عادل حسين من صحيفة ( الشعب ) المصرية ، في عددها الذي صدر يوم الجمعة 5 / 11 / 1999م . عنوان المقال على شبكة الإنترنت : ( www. elshaab.com/05-11-1999/2.htm ) ، تصدير المقال :
• السحابة وسقوط الطائرة وتهديد السودان : حلقات متكاملة لإرهابنا .
• بيرجر : المخاطر الصاروخية في الشرق الأوسط ، تتطلب التحرك الأمريكي القوي .
• إخضاع مصر بالكامل هو الهدف الأول : ما المطلوب ؟ وكيف نقاوم ؟
• السقوط المفاجئ للطائرة ، يضع دولتنا تحت رحمة أمريكا ، هل هذا مصادفة ؟
• التحرك المجنون لفصل جنوب السودان قد يورط مصر في مواجهة عسكرية حتى لا نموت عطشا .
• استمرار ( والي ) في مناصبه ، شجّع موريتانيا ، ويُشجّع غيرها على الاعتراف بإسرائيل .
• بقاء مجدي حسين وصحبه في السجن مرفوض … وتقديم الإخوان للمحاكمة ، مرفوض … مرفوض .
الجزء الخاص بالدخان من نص المقال :
لاحظ المواطنون ، أن المصائب توالت علينا ، منذ إعلان الانقلاب الوزاري الأخير ، بدءا من اختطاف طائرة بسكين ، وانهيار بعض المدارس ، ثم انتهاءً بالسحابة السوداء الغامضة ، والسقوط المروع للطائرة المصرية ، في المياه الأمريكية ، وهذه الملاحظة عن تتابع المصائب ، صحيحة بالقطع ، وقد استنتج الناس أن الوزارة ( وشّها نحس ) .
إلا أننا لا نتفق طبعا ، مع هذا التفسير ، ومن واجبنا أن ننتبه ، إلى ما جرى ، أخطر كثيرا من كونه مجرد أحداث متفرقة ، تتابعت بسبب النحس .
ونحن في تحليلنا نُفرّق بين نمطين من الأحداث ، الأول له أسبابه المحلية الظاهرة ، ومثل ذلك اختطاف الطائرة بالسكين ، وسقوط المدارس ، وما سبقه من تصادم القطارات ، وتهاوي ركابها فوق القضبان ، فمثل هذه الأحداث ، كوارث داخلية في أسبابها ومغازيها ، فهي تكشف عن مدى الانحطاط ، الذي بلغه جهازنا الإداري ، الذي لا يعرف كيف يُنظم العمل ، ، ولا كيف تتم الصيانة والمتابعة ، والذي أصبح لا يعرف العقاب الفوري ، للمهمل والفاسد . ويتفرّع عن هذا ، كل ما يُعانيه المواطن ، من ظلم وإذلال ، لدى تعامله مع أية مصلحة حكومية .
إلا أنني أُركّز هنا على النمط الثاني ، من المصائب التي اجتاحتنا ، والذي يتمثّل في السحابة السوداء ، وفي سقوط الطائرة في المياه الأمريكية ، وسأضيف أيضا ، التهديد باستقلال جنوب السودان .
لغز السحابة السوداء :
بالنسبة للسحابة السوداء ، مؤكد أن هناك إجماعا ، على رفض التفسير الرسمي المعلن ، بحكاية مقالب الزبالة ، وحرق قش الأرز وما شابه … طبعا لو صحّ التفسير ، لكان سببا إضافيا لعزل ( يوسف والي ) !! ولكننا لا نصدّق مثل غيرنا هذا التفسير ، المتهافت والمهين للعقول ، ونحن لا نتسقّط أسبابا ، لعزل ( والي ) ، فوالي مش ناقص ، والاتهامات الأخرى الثابتة في حقه ، تكفي وزيادة ، للإطاحة به ومحاكمته .
ولكن مع الرفض الجماعي ، لإعلان الحكومة عن حكاية قش الأرز ، حاول الناس أن يتوصلوا بمعرفتهم ، للأسباب الأكثر احتمالا ومنطقية ، لحكاية السحابة السوداء ، وفي سعيهم هذا ، حاولوا أن يرصدوا أي تغيّر جديد ، يربطونه بنشوء هذه الظاهرة ، المفاجئة وغير المألوفة ، فلم يجدوا أمامهم إلا مناورات النجم الساطع ، وانتشر بين الناس أنها السبب ، وهذا التفسير للظاهرة العجيبة والمؤذية ، يُعبّر في تقديري عن اتجاه سليم في التحليل ، فهو من ناحية يعكس وعيا شعبيا عميقا ، في التعامل مع الحلف الصهيوني الأمريكي ، على أمننا ووجودنا … ومن جهة أخرى ، فقد خمّن الناس ، أن لجوء الحكومة إلى كذبة مفضوحة وسخيفة ، يُخفي حرجها من إعلان السبب الحقيقي ، لمأساة السحابة السوداء ، فتأكد عندهم ، أن مناورات النجم الساطع ، قد تكون السبب ، المُثير للحرج .
وقد ذكرت ، أن ما وصل إليه جمهور الناس وخاصتهم ، يُعتبر تحليلا في الاتجاه الصحيح ، ولكن قد لا تكون مناورات النجم الساطع ، بالذات مسؤولة ، وبشكل مباشر عن هذه الظاهرة ، إذن كيف حدثت ؟ لا أستبعد أن تكون الحكومة عاجزة مثلنا ، عن الإمساك وبالدليل ، بالسبب الحقيقي لمصيبة السحابة السوداء ، ولا غرابة في قولي هذا ، فمن الثابت الآن ، أن ترسانة الأعداء ، في مجال الحرب البيولوجية والكيمائية ، فيها الكثير من الطلاسم والأسرار ، التي يصعب فهم كنهها ، وفيها تنويع هائل ، فبعضها يُمكن أن يقتل ، والبعض الآخر يُمكنه الإيذاء ، دون القتل ، وحسب الدرجة المطلوبة … ، وفي كل الأحوال ، فإن الميزة العظمى لهذه الأسلحة السرية ، أنها تُحدث فعلها المدمر ، دون أن تتمكن الضحية ، من معرفة السبب أو من التثبت ، من نوع الوسائل ، التي حملت إليها أسلحة القتل والإيذاء .
( ويسهب الكاتب قليلا ، في الحديث عن الأسلحة السرية ، ويضرب قصة المحاولة الإسرائيلية الفاشلة ، لاغتيال خالد مشغل ، واستخدام اليورانيوم المستنفذ في العراق ويوغسلافيا ، ومنتجات الهندسة الوراثية في الأغذية ، ومن ثم يختم كل ذلك بقوله ) :
في إطار ما سبق ، لم لا تكون سحابتنا الغامضة ، ضمن وسائل الحرب السرية ؟! ولا يعني هذا ، أن ما جرى كان بالضرورة ، في إطار أسلحة الإبادة الشاملة ، فقد ذكرت أن أسلحتهم ، أصبح فيها درجات متصاعدة من الإيذاء ، الذي قد لا يصل في كل الحالات إلى القتل .
إنّ الابتلاء الذي مثّلته السحابة السوداء الغامضة ، قد يكون مجرّد إشارة تحذير ( لقد أصاب الكاتب هنا كبد الحقيقة ، وهي كذلك ) ، وشدّ للأذن ، فالدولة قد تتوصل إلى نفس الاستنتاج الذي وصلناه ، وهذا في ظنهم يكفي – مع ضغوط أخرى - لكي تخضع الدولة ، وتُنفّذ ما يُطلب منها ، خوفا من تكرار الظاهرة وتصاعدها ، إن الدولة قد لا تتمكن من تقديم ، أدلة قاطعة ، تثبت وقوع الجريمة ، وإن كانت ترجح قيامها ، ولكن هذا الغموض ، هو ما يُميّز الأشكال الجديدة ، للحروب الكيماوية والبيولوجية ، والتي يُمكن أن تحقق ما يستهدفه القصف النووي بالصواريخ ، ولكن دون ضجيج ودليل … انتهى .
* صحيفة الشعب ، والتي أُخذ منها هذا المقال ، موقوفة عن العمل ، من قبل الحكومة المصرية .
قراءة سريعة في مقالات الأهرام والشعب
صحيفة الأهرام
وصف المسؤولين الصحفيين والأطباء والمواطنين للظاهرة :
الأدخنة والغازات والروائح النفاذة … ظاهرة غريبة بحاجة إلى تفسير … سحابة دخان كثيفة … الدخان الكثيف … السحابة العالقة بسماء القاهرة … دخان ينبعث من آبار بترول تحترق ، وليس دخانا عاديا … بأن هناك شيئا يحرق في الهواء‏ … هذا الدخان الخانق … وبالنسبة لدخان السحابة الأخيرة ، فقد اتسم بالكثافة ، ووجود رائحة نفّاذه مصاحبة له . تقول د‏.‏ نادية مكرم عبيد وزيرة البيئة ، إنها رصدت سحابة الدخان ، وشعرت بها مثل كل المواطنين ، وأدركت أن هناك شيئا غير طبيعي ، في الهواء منذ عشرة أيام … لغز السحابة السوداء .
مدى انتشار الدخان :
تعرضت سماء الدلتا والقاهرة حتى الجيزة‏ ، لتلوث هوائي شديد‏ … غطّت أجواء القاهرة ، خاصة منطقتي مدينة نصر ومصر الجديدة ، ومناطق وسط البلد ومصر القديمة … الدخان الكثيف ، الذي يمتد من حلوان إلى المعادي والمنيل والمهندسين‏ … نتيجة لهذا الدخان الخانق ، الذي لف القاهرة‏ .‏.. فوق سماء القاهرة‏ ، وعدد من محافظات الدلتا … التي خيّمت على مدى الأيام الماضية ، فوق محافظة الشرقية … تجدد انتشار الدخان ، في سماء القاهرة الكبرى ، مساء أمس‏ ، وتلقت الأهرام اتصالات هاتفية ، من قاطني الساحل‏ وشبرا مصر‏ ومصر الجديدة‏ ، ومدينة السلام‏ والعجوزة‏ والمنيل‏ والهرم‏ ، بإحساسهم بتكاثر الدخان .
الضرر النفسي والجسدي الذي أحدثه :
اختناق القاهرة ، الذي استمر لثلاثة أيام متتالية … وأياً كانت أسبابها الحقيقية ، فقد انزعج العديد من الأهالي … ، تسبب في حالة من القلق ، بين سكان القاهرة‏ … أثار ذعر السكان‏ … بعدم المبالغة في قلق ، ووصف الحدث ، بالكارثة …
الأعراض المبدئية للتعرض لها ، تشمل التهاب العيون ، والأنف والأذن والصدر‏ والحلق ، وصعوبة في التنفس … وسبّب بعض حالات الاختناق‏ … أزمات تنفسية‏ ، نتيجة لزمتة الهواء ، وغياب الأوكسجين الكافي‏ ، وأصابت الأطفال وكبار السن بالاختناق … عدم القدرة على التنفس ، رغم إغلاق نوافذ الشقق … لا نستطيع التنفس ، ونكاد نصاب بحالة اختناق شديدة … أصيب بحالة اختناق شديدة ، وحرقان بعينيه ، لم يستطع معها ، الإبصار بصورة جيدة‏ .‏.. وغطّت الطرق الرئيسية ، مما أدى إلى إعاقة الرؤية ، أمام سائقي السيارات ، وعرضتهم إلى ارتكاب حوادث التصادم‏ .‏.. وقد أغلق المواطنون النوافذ لشعورهم بالاختناق‏ .
ويقول د‏.‏ محمد عوض تاج الدين ، أستاذ الأمراض الصدرية ، ونائب رئيس جامعة عين شمس‏ :‏ … وبالنسبة لدخان السحابة الأخيرة ، فقد اتسم بالكثافة ، ووجود رائحة نفاذه مصاحبة له ، مما أحدث تهيجا في الأغشية المخاطية ، للعين والأنف ، لمن تعرضوا له‏ ، وأدى ذلك إلى إصابتهم ، بضيق في التنفس ، نتيجة تهيج هذه الأغشية ، فارتفع عدد الحالات المصابة ، وزاد عدد المتردّدين على أقسام الصدر ، بالمستشفيات العامة والخاصة‏ .
الأسباب المحتملة :
ثلاثة احتمالات : حرق المخلفات الزراعية ، حرق القمامة ، عوادم السيارات … أثارت سحابة الدخان الخانق ، التي غطت القاهرة ، أول أمس ، تساؤلات عديدة حول أسبابها‏ ..‏ البعض أرجعها لحرق ، مقالب القمامة المنتشرة حول القاهرة‏ ، وعلّلها البعض الآخر ، بحرق بقايا جذور نبات الأرز .
مقالب الزبالة بريئة من التهمة :
من جانبه يؤكد اللواء مجدي البسيوني ، رئيس هيئة التجميل والنظافة بالقاهرة‏ :‏ إن هذه السحابة العالقة بسماء القاهرة ، لا ترجع إلى حرق القمامة . ليُبرّئ مقالب القمامة ، ويتهم القش .
ـ أما المزارعون فقد برّءوا القش بحجج منطقية ، بالإضافة إلى أن دخان حرق القش والأخشاب ، ذو لون أبيض ، ورائحة خاصة ومميزة ، من الممكن احتمالها ، تختلف عن دخان حرق المواد البترولية ، ذو اللون الأسود ، والرائحة النفاثة ، وكذلك تختلف عن دخان حرق القمامة ، ذو اللون الأقل سوادا ، والرائحة الكريهة .
المختص لا يعرف الحقيقة ، ويُبرّئ القش ويتهم القمامة :
وشرح الدكتور محمود نصر الله ، مدير معمل تلوث الهواء ، أنه من المتوقع أن تكون الأدخنة ( وليس من المؤكد ) ، ناتجة عن احتراق وقود البترول ! ، أو القمامة‏ !‏ هذه الأدخنة عبارة عن جسيمات عالقة ، من الدخان الأسود‏ :
1. ثاني أكسد الكربون‏ ،
2. وثاني أكسيد الكبريت‏ ،
3. أول أكسيد الكربون ،
4. وأكاسيد النيتروجين .
لذلك يجب أن يكون هناك حل سريع وفوري ، وتشكيل غرفة عمليات ، لرصد مصادر التلوث ، وكل منطقة سكنية ، بها محرقة أو مقلب زبالة ، يجب أن تبلغ الجهات المسؤولة ، مثل وزارة البيئة وجهاز شؤون البيئة ، حتى تخمد هذه الحرائق فورا‏ .‏
ـ وبما أنه لا يوجد حقول نفط تحترق في القاهرة ، نجد أن هذا المختص ، يُبعد الشبهة عن القش ، ويعزوه لمقالب القمامة ، والتي أكد المسؤولون ، أنها موقوفة عن العمل منذ مدة ، وأنها ليست السبب .
عودة الدخان … ولا حرائق تؤخذ بعين الاعتبار … ؟!
ـ ورغم كلّ الإجراءات الاحترازية والاحتياطات اللازمة ، التي اتخذت على الأرض ، بمنع الحرائق في القاهرة وما حولها ، يعود الدخان بنفس الكثافة ، ويبقى عالقا في سماء القاهرة ، ليدبّ الذعر والرعب ، بين سكان القاهرة ، من جديد ، في ليل 26 / 10 / 1999م ، ليصبح لغزا غامضا ، لا يقبل تبريرا منطقيا ، ولا يجد تفسيرا علميا .
وقالت‏ الوزيرة :‏ أنها في اجتماع دائم ، مع خبراء البيئة المصريين وبعض الخبراء الدانماركيين ، لرصد وتحليل الأدخنة المنبثقة والمنتشرة ، في سماء القاهرة الكبرى . وأشارت إلى أن التحليل المبدئي للأدخنة ، أكد وجود نسبة عالية ، من الجسيمات العالقة والأتربة الرفيعة ، ساعد على انتشارها سكون الجو ، وعدم تحريكها بواسطة الرياح ( كمن فسّر الماء بعد الجهد بالماء ) ، وما زالت أبحاثنا مستمرة للوصول إلى حقيقة هذه الأدخنة .
ـ أي بالرغم من كل محطات الرصد ، التي عدّدها أحد المقالات أعلاه ، لم تستطع الوزيرة وخبرائها الدنمركيين من معرفة أسبابها .
ونفى المستشار البيلي ، حرق أي كاوتش ، كما تردّد عن أحد المصانع الكبرى .‏
ومن جانبه صرح د‏.‏ محمد عطية الفيومي ، رئيس مجلس محلي محافظة القليوبية : بأنه لا توجد حرائق في المنشآت الموجودة ، على أرض المحافظة ، حتى الساعة التاسعة ، مساء الثلاثاء‏ 26‏ أكتوبر .
اهتمام على مستوى رئاسة مجلس الوزراء :
تلقى الدكتور عاطف عبيد ، رئيس مجلس الوزراء ، تقريرا شاملا ، مساء أمس ، من الدكتورة نادية مكرم عبيد ، وزيرة الدولة لشؤون البيئة ، حول ظاهرة الدخان الكثيف‏ ، الذي غطى سماء القاهرة ، منذ يوم السبت الماضي‏ ، وعاد إلى الظهور ، يومي أمس وأمس الأول‏ .‏ وقال عبيد : أنه سيتم بحث هذا التقرير ، بشكل تفصيلي ، لمعرفة أسباب تلك الظاهرة‏ ، وكانت الأهرام ، قد تلقت طوال ليلة أمس ، سيلا من الشكاوي حولها ، من عشرات المواطنين ، الذين يشكون من الاختناق‏ ، وعودة الدخان إلى الظهور بشكل كثيف ، في أنحاء متفرقة من القاهرة‏ .‏
إحدى الحقائق المرعبة ، على لسان وزيرة الدولة لشؤون البيئة :
وصرحت الدكتورة نادية مكرم عبيد ، وزيرة الدولة لشؤون البيئة ، بأن معدلات تلوث الهواء ، وصلت أخيرا إلى 300‏ ميكروغرام في المتر المكعب‏ ، بما يتجاوز أربعة أضعاف نسب التلوث الأمنية‏ .
ـ فكيف وصلت نسبة التلوث بالدخان ، إلى هذه الدرجة بين عشية وضحاها … ؟! ولماذا لم تُطلع الوزيرة وخبراء الرصد الشعب المصري ، على تقارير التحليلات المخبرية ، أثناء حدوث الظاهرة أو بعد انتهائها ، واقتصرت على تبريرات وتفسيرات ، أشبه ما يكون بحكايا جدتي .
صحيفة الشعب :
تؤكد الصحيفة ، أن هناك إجماعا ، على رفض التفسير الرسمي المعلن ، بحكاية مقالب الزبالة ، وحرق قش الأرز وما شابه …!! وتصف التفسير الحكومي للظاهرة ، بالمتهافت والمهين للعقول . ولذلك ، حاول الناس أن يتوصلوا بمعرفتهم ، للأسباب الأكثر احتمالا ومنطقية ، لحكاية السحابة السوداء ، وفي سعيهم هذا ، حاولوا أن يرصدوا أي تغيّر جديد ، يربطونه بنشوء هذه الظاهرة ، المفاجئة وغير المألوفة .
التطيّر من الناس والأشياء من عادات أهل مصر قديما وحديثا :
وكما تطيّر فرعون وقومه بموسى ومن معه ، لما كان ينزل بهم العذاب ، تطيّر أهل مصر ( بالوشّ النحس ) للوزارة الجديدة ، وكان جواب رب العزة لأهل مصر القدماء ( أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) .
الأوصاف التي أطلقتها الصحيفة على ظاهرة الدخان :
الظاهرة العجيبة والمؤذية ، المفاجئة وغير المألوفة ، مأساة السحابة السوداء ، مصيبة السحابة السوداء ، سحابتنا الغامضة ، السحابة السوداء الغامضة .
هي ابتلاء ونذير شؤم لأهل مصر ؟!
وتخلص الصحيفة إلى القول : إنّ الابتلاء الذي ، مثّلته السحابة السوداء الغامضة ، قد يكون مجرّد إشارة تحذير ، وشدّ للأذن .
ـ وهنا أصاب كاتب المقال كبد الحقيقة ، نعم هو تحذير وإنذار نهائي ، ولكن من قبل من … ؟!

بل هم في شك يلعبون
* النصوص الكاملة لمادة هذا الفصل ، تجدها على موقع باسم ( ملف وليمة لأعشاب البحر ) ، على شبكة الإنترنت على العنوان :
www.mohammadabbas.com/books/alwaai/alwaai8.htm ، أو العنوان :
www.alshaab.com/GIF/31-08-2001/Walima.htm
" الرواية في ميزان الإسلام : ساقطة داعرة ..
في ميزان العقل : مختلة فاسدة ..
في ميزان الأدب : ضعيفة مهترئة .. " .
الأستاذ الدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب العربي
مقتطفات ، من مقالات د. محمد عباس في رواية وليمة لأعشاب البحر :
صحيفة الشعب : 28/4/2000 ، عنوان المقال :
لا إلـه إلا الله ..
من يبايعني على الموت ..
تبّت أيديكم.. لم يبق إلا القرآن ..
ماذا لو قلنا أن رئيس الوزراء خـراء ؟!
" لا إلـه إلا الله … بكيت …لم يكن طول الجرح بالمسافة بل بالزمن .. جرح طوله ألف وخمسمائة عام .. صرخت : تبت أيديكم .. أيما كنتم .. وأينما كنتم .. وأيما أنتم .. وأيا كان من وراءكم .. يا كلاب النار يا حطب جهنم ...
أمسكت بالـهاتف واتصلت بصديق كي أبثه همي … استطعت بعد جهد جهيد ، أن أقرأ للصديق بعض الجمل ، التي انصبت على جسدي كالنار .. كرصاص منصهر.. طفحت من كتاب داعر فاسق فاجر كافر .. طبعته لنا ونشرته بيننا ، وزارة الثقافة المصرية .. وليس الإسرائيلية ولا الأمريكية …
حرون هو القلم في يدي .. وقلبي لا يطاوعني ، أن أنقل لكم الكلمات الفاسقة الداعرة الكافرة ، التي أوردها كتاب فاسق داعر كافر.. نشرته هيئة ، لابد أن تكون فاسقة داعرة كافرة ، تحت رئاسة مسئول ، لابد أن يكون داعرا فاسقا كافرا ..
إليكم ما طبعته ونشرته وزارة الثقافة المصرية : " وهؤلاء يهمشون التاريخ ، ويعيدونه مليون عام إلى الوراء ، في عصر الذرة والفضاء والعقل المتفجر ، يحكموننا بقوانين آلـهة البدو ، وتعاليم القرآن .. خـراء "..
لا إلـه إلا الله.. لا إلـه إلا الله .. لا إلـه إلا الله ...
صرخت في نفسي : كيف يا صفيق قرأتها فلم تمت الفور.. كيف ؟! …
تراءى لي الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، يناظرني معاتبا ، يوم القيامة ، فصرخت من الخجل …
تراءى لي الزبير بن العوام ، يهتف صارخا في حروب الردة : من يبايعني على الموت ...
تراءى لي ملايين وملاين من الشهداء والصابرين .. بذلوا حياتهم واحتسبوا صبرهم ، لتقديس اسم الله ، ورفع كلمته .. ثم أتى الشيطان ، ليكتب ما يسميه كتابا ، تعتبره وزارة الثقافة المصرية – وهى الأخرى شيطان - أدبا ، فتنشره على الناس كي تنوّرهم ...
وزارة الثقافة المصرية في بلد الأزهر ، وصلاح الدين وقطز وخالد الإسلامبولي ، تنشر يا قراء كتابا ، يدعى أنه رواية ، يقول : أن القرآن خـراء .. ثم لا يلبث أن يقول : إخرأ بربك …
لا إلـه إلا الله … أول مرة ألقى مثل هذا الألم في حياتي ..
ولا حتى ، استدراجنا كقطيع من الخراف ، إلى مقتلة الخليج .. حين اندفع بالشرك والغباوة والخيانة والجهل والنفاق ، نصفنا يقتل نصفنا .. كقطيع .. قطيع من الخراف ، يندفع إلى المجزرة ، وهو فرح بها نشوان ..
ولا حتى ، عندما حمل السادات ، كفننا وكرامتنا وتاريخنا ، ليذهب مذموما مدحورا إلى القدس ..
ولا حتى مع الذبح اليومي ، الذي نشارك فيه للعراق .. ولا حتى يوم موت أبى .. أبدا .. لم أشعر بمثل هذا الألم ...
القرآن .. خـراء …
ملاذنا الأخير ينتهك ويهان ...
كان صديقي ما يزال على الـهاتف … وكنت ما أزال أبكى ، وأنا أقرأ له ، مما نشرته وزارة الثقافة المصرية .. رائدة التكفير لا التنوير : " الله قال انكحوا ما طاب لكم . رسولنا المعظم كان مثالنا جميعا ، ونحن على سنته .. لقد تزوج أكثر من عشرين امرأة ، بين شرعية وخليلة ومتعة .. "
ثم يدّعي الكتاب الفاجر - الذي لا ينشره إلا فاجر ، ولا يطبعه إلا فاجر _ على القرآن ما ليس فيه ، حين يقول ساخرا من القرآن : " والله تعالى قال في كتابه العزيز ، فإذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا … وصرخ مهدى ضاحكا : يا عمى الحاج ، رغبنا في الاستتار فإذا بمخابرات ربى ، تقرع علينا الأبواب الموصدة " .
ثم يستطرد الكتاب الفاجر الكافر ، الذي يلبس عباءة رواية ، وليس برواية ، إلا في عقول مخصية شاذة مريضة ، سعت وتسعى إلى نشر الكفر والفاحشة .. يستطرد مجترئا على الذات الإلـهية ، ليقول : " إن رب هذه الأرض ، كان يزحف وهو يتسلل من عصور الرمل والشمس ، ببطيء السلحفاة " .
ويسوق في حوار فاجر كافر : " هو من صنع ربى .. لا بد أن ربك فنان فاشل إذن .. "
لا إلـه إلا الله …
ويقول الفاجر بن الفاجر ، الفاسق بن الفاسق ، الكافر بن الكافر : مؤلفا وطابعا وناشرا ووزارة : " داخل هذه الأهواز التي خلقها الرب ، في الأزمنة الموغرة في القدم ، ثم نسيها فيما بعد ، لتراكم مشاغله ، التي لا تحد في بلاد العرب وحدها ، حيث الزمن يدور على عقبيه منذ ألفى عام " .
و " أقام الله مملكته الوهمية ، في فراغ السماوات " ..
و " الله الله يا ولد يا داود .. لقد غفرت لك .. انكح كل صبيان بونة ، وأنا شفيعك يوم القيامة " ..
و " وخلع الجلد المتخلف والبالي ، الذي خاطه الإسلام فوق جلودنا القديمة " ..
و " إن حبل السرة ، ما يزال موصولا مع الأزمنة الرعوية ، وأزمنة عبادة الله الواحد القهار في السماء والأرض ، وذلك الذي يقول للشيء ، كن فيكون " .
آه ينصدع لها القلب ، وينحطم الفؤاد ، وتنكسر الروح ...
برح الخفاء يا ناس ، وهذا وقت المفاصلة ، إما إيمان ، وإما كفر ...
للوهلة الأولى .. والدوار يكتنفني ، قلت لنفسي : اذهب إلى الأزهر على الفور ، واصعد منبره ، واصرخ : من يبايعني على الموت .. ؟!
ثم آخذ الرهط الذي يجتمع حولي ، وأتوجه بهم إلى قصر الرئيس مبارك .. عراة صدورنا ، نازفة قلوبنا ، دامعة عيوننا ، عُزّل أيدينا .. نسألـه ، والسؤال دم : ما هي الحدود بين الإسلام والكفر .. ؟ ما هي التخوم بين التنوير والتعهير .. ؟ ما هى الطخوم بين تجفيف المنابع ، والخروج من الملة .. ؟ ما هى البيون ، بين أن تكون مصر قائدة للتنوير حقا ، يرتضيها العرب والمسلمون ، وبين أن تكون قوادة ، للكفر والفسوق والعصيان .. ؟
نهتف فيـه : أنت ولى الأمر … وليس لنا أن نقيم الحد على الفجرة الكفرة الفسقة بأيدينـا …
تسلل إلى نفسي أمل ميت .. أن يكون ثمة لبس ، قد حدث أمام صحيفة الأسبوع ، عندما فجرت هذه الفضيحة منذ أسابيع قليلة .. لعل الكتاب طبع في إسرائيل مثلا .. وقلت لنفسي أن الإسلام يأمرني بالتثبت .. بحثت عن الكتاب .. ووجدته :
( وليمة لأعشاب البحر .. حيدر حيدر .. سلسلة آفاق الكتابة .. العدد 35- الـهيئة العامة لقصور الثقافة .. وعنوانها كما هو مثبت : 16 أ شارع أمين سامي- قصر العيني – القاهرة ت: 3564841 – 3564842 – فاكس 3564202 – أما الطابع فهو : شركة الأمل للطباعة والنشر ، أما قائمة العار الدنـسة ، المكتوبة على صفحات الكتاب الأولى ، فتجمع : رئيس مجلس الإدارة : على أبو شادي ، أمين عام النشر : محمد كشيك ، رئيس التحرير : إبراهيم أصلان ، الإشراف الفني : د .محمود عبد العاطي ، مدير التحرير : حمدي أبو جليـل ) ...
لا إلـه إلا الله …
كنت أظن أني محتاج ، لقراءة الرموز بين السطور ، كي أكشف الشرك الخفي .. حتى جاء هذا الكتاب ، وفجرت صحيفة الأسبوع قضيته …
ليس الشرك الخفي ، بل الكفر البواح ...
هو الخيانة لله ولرسوله .. هو الخيانة للأمة وللوطن .. هي العمالة الصريحة المباشرة ، لأمريكا وإسرائيل ...
هو التسلل إلى عقول أبنائنا ، لإخراجهم من الإسلام تماما ، كما قال ( زويمـر ) .. هو نشر الإباحية والسفالة والشذوذ ، وقتل روح الأمة …
إن العار لا يلحق بوزارة الثقافة فقط .. فتضامن المسؤولية الوزارية ، يجعل مجلس الوزراء كله مسئولا ، وكل وزير مسئول .. ورئيس الوزراء مسئول .. و..
لكن الفاجر يكتب والفاجر ينشر أن "القرآن خــراء " .. و " خرا بربك " .. ثم يجد من يدافع عنه .. أما من وزير يستقيل … ؟!
لا إلـه إلا الله ...
يا جلالة ملوك وفخامة رؤساء الدول الإسلامية .. لطالما تعاونتم على الإثم والعدوان .. فتعاونوا ولو مرة للدفاع عن القرآن .. اطلبوا الرئيس مبارك اليوم.. قولوا له أن ما نشرته وزارة الثقافة المصرية ، لم يذبح المسلمين في مصر فقط ، بل في العالم الإسلامي كله .. من لم يفعل منكم ذلك ، فليأت الله يوم القيامة ، والقرآن خصمه … !
من كان منكم يحب الله والرسول ، فليدافع عن القرآن …
من كان منكم مذنبا ، فليكفر عن ذنوبه ، بالدفاع عن القرآن ..
يا شيخ الأزهر ... لا إلـه إلا الله … يا فضيلة المفتى … يا شيوخ الأزهر ، ويا طلبة جامعة الأزهر … يا خطباء المساجد … لا إلـه إلا الله ...
يا كل هيئة ومؤسسة وصحيفة في العالم الإسلامي … اكتبوا أنهم في بلد الأزهر ، ينشرون أن القرآن خـراء …
يا شيخ يوسف القرضاوي … دافع عن القرآن بما أنت له أهل … إن الأمة تنتظر فتواك ، في كل مسئول عن نشر هذا الكتاب … أصرخ فيك … أهتف فيك : مصر لم تعد بخير .. مصر لم تعد بخير .. مصر لم تعد بخيـر … فالنجدة النجدة والغوث الغوث … فإنه القـرآن … ولا إلـه إلا الله …
يا سيادة الرئيس … أطفئ الفتنـة …
واعلم هدانا وهداك الله ، أن الأمر ليس أمر وزير فاسق ، أو وزارة فاجرة ، بل هو منهج مشرك تسلل إلى النظام ، مسئوليتك أمام الله أن تزيله ، وأن تحاربه ، حتى لو استشهدت دونه .. منهج مشرك ، لا يقتصر على وزارة ، ولا يقوم به مجرد أفراد ...
واعلم هدانا وهداك الله ، أن مثل هذا المنهج الفاجر ، هو الذي يغيب في السجون والمعتقلات ، عشرات الآلاف من شباب ، لم يأخذوا عليهم ، سوى أن الإسلام دينهم والقرآن كتابهم .. بينما يرى ذلك المنهج الخائن الفاجر الكافر العميل ، أن القرآن خـراء … وذلك ما ينقمونه عليهم …
واعلم هدانا وهداك الله ، أن أسوأ ما تفعل أن تكتفي ، بإقالة وزير أو تنحية مسئول ...
فالخطب أطم والمصيبة أعم ...
قل لي يا سيادة الرئيس : هل ترضى لعهدك – دون العهود جميعا – أن تصمه هذه الوصمة .. فالقرآن لم يتعرض ، لمثل ما يتعرض له الآن .. أبدا .. ولا حتى في عهد كرومر .. بل ، وحتى الفراعنة كانوا يقدسون كتب الدين ...
قل لي يا سيادة الرئيس : هل كانت الدولة تسكت ، لو أن من كتب هذا الكتاب ، أو طبعه ، أو نشره ووزعه ، كان قد وضع الإنجيل ، أو التوراة ، مكان القرآن ؟!.. ما كانت الدولة لتسكت .. وما كنا نحن أيضا سنسكت ..
يا سيادة الرئيس : إنك مسئول عن هذه الفئة المنحرفة الشاذة .. مسئول أمام الأمة ، وأمام التاريخ ، وأمام الله .. إن القانون في بريطانيا ، يحمي الإنجيل والتوراة .. وأخوتنا المسلمون هناك ، يجاهدون لمدّ مظلة الحماية إلى القرآن .. فهل ترضى لنفسك ، أن نجاهد أمامك ، لسن قانون يحمي القرآن ؟! …
يا سيادة الرئيس : إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه .. وإني والله لمشفق عليك ، من أن تلقاه وهذه الفعلة الشنعاء في كتابك .. توضع في ميزانك .. وما أثقلها .. ما أثقلها .. ما أثقلها ..!
وإنني أناشدك يا سيادة الرئيس - أبيت اللعن - أن تطفئ لهيب الفتنة ، ببيـان يصدر عن الرئاسة اليوم .. بيان استغفار إلى الله .. واعتذار إلى الأمـة ..
فإن لم تفعل يا سيادة الرئيس … فإنني أرجوك : مر رجالك بقتلي … قتلة غلام أهل الأخدود " .
* مقتطفات من مقال آخر ، د. محمد عباس ، صحيفة الشعب : 5/5/2000م ، تصدير المقال :
الجريمة مستمرة ..
ثلاثية الثقافة في مصر :
الكفر والعهر والتطبيع ..
هل الله جليسة أطفال .. ويعلمنا الحب ؟!
وهل الأنبياء آبقون .. ؟!
الجريمة مستمرة … وسوف تخطئون خطأ مروعا ، إذا ظننتم أنه مجرد كتاب داعر فاجر كافر أفلت .. وأن الأمر قد لا يتكرر مرة أخرى ...
ليس مجرد الكتاب ، بل إنه المنهج .. منهج متعمد مقصود .. منهج أخطبوطي ، ينفذ بالضبط تعاليم المستشرقين والمبشرين ، والاستعمار في صورته الحديثة .. منهج يدرك ، أن أخطر ما في الإسلام والقرآن ، هو ذلك الإيمان اليقيني ، الذي يجعل من المسلمين بشرا ، يمكن أن يتفوقوا حتى على الملائكة ، ويجعل من المنافقين ، أشبه بالخنازير والقردة .. وتلك هي النقطة ، التي تثير عجب وحنق المنافقين ، عندما يلاحظون استعلاءنا عليهم ، مهما أدبرت عنا الدنيا ، وأقبلت عليهم .. استعلاء البشر على الخنازير .. ولقد أدرك الغرب منذ قرون ، أنه هزم في المواجهة المسلحة مع الحضارة الإسلامية .. وأنه لا سبيل أمامه ، إلا إفراغ الإسلام من محتواه .. ولقد استعان على ذلك حينا بالاستعمار ، حتى اطمأن إلى أنه ربّى بيننا ، نخبة فاسدة مفسدة ، فتركها لتنوب عنه .. وهم منا ، لكن قلوبهم قلوب ذئاب ...
ليس مجرد كتاب يا أمة ... الجريمة مستمرة ولا إلـه إلا الله …
الجريمة مستمرة … والثقافة في بلدنا تهدف إلى ثلاثة أشياء لا تنسوها :
أن تكون حرية التفكير مرادفة للكفر ...
وأن تكون حقوق المرأة مرادفة للعهر ...
وأنه بعد نشر الكفر والعهر ، سيكون المجتمع الإسلامي ، قد غرق في غيبوبة ، فقد معها كل مناعة .. ليسهل التطبيع بعد ذلك مع إسرائيل ، والانسحاق أمام الغرب ...
الجريمة مستمرة يا ناس .. وسأعرض عليكم على الفور ، نماذج لا تقل سفالة وبشاعة ، عما عرضت عليكم في المقالة الماضية ... فلنتناول معا كتابا أخرجته وزارة الثقافة أيضا ، الـهيئة العامة لقصور الثقافة ، ( كتابات نقدية ، العدد 97 ، ديسمبر 99 ، والكتاب معروض ، عند باعة الصحف ، وإن كنت أحسب أن السيد الوزير ، الذي يطلقون عليه ( زين الرجال ) ، سوف يأمر بسحبه غدا ، قبل انتشار الفضيحة .. عنوان الكتاب : شعر الحداثة في مصر ، وقائمة العار للهيئة المشرفة عليه ، هي ذات قائمة العار ، التي نشرناها في الأسبوع الماضي ، وعلى رأسها أيضا : علي أبو شادي ) ...
ولقد وفّر علينا إدوارد الخراط ، مئونة البحث في عشرات ، من إصدارات وزارة الثقافة المصرية ، لعشرات الشعراء المصريين - وأغلبهم والله ليسوا شعراء ، وليسوا بشرا - حين استعرضها في هذا الكتاب : 700 صفحة تقريبا .. وسعره خمسة جنيهات .. وتذكروا يا قراء ، أن هذه الكتب هي التي يخرءونها – إذا صح التعبير- لتشكيل وجدان الأمة ...
فلندلف معا ، إلى كلمات السفالة والشذوذ والكفر البواح .. فلندلف دامعين إلى السخرية ، من الذات الإلـهية والمرسلين .. فلندلف إلى محاكاة هازلة هازئة ، كمحاكاة مسيلمة الكذاب .. فلندلف إلى خيوط الشبكة ، التي يصطادون بها الأمة .. إلا أنني أجد لزاما عليّ ، أن أنبه القراء ، أن ما سيقرؤونه على الفور ، بالغ الفحش ، وأن يبعدوه عن أيدي أبنائهم …
( لم نشأ أن نورد شيئا ، مما اقتبسه المؤلف من أمثلة ، على شعر الحداثة في مصر … حيث أن ما يطرحونه من تصويرات وتشبيهات ، تقشّعر منها جلود الذين كفروا ، وهي لا تقل سفالة وانحطاطا ، عن الرواية السابقة ، بل تفوقها أحيانا . تستطيع الاطلاع على ما لم نقم بإيراده هنا ، مما اقتبسه كاتب المقال ، وشيوخ الأزهر في تقاريرهم ، من نصوص ، على موقع الملف على شبكة الإنترنت ) .
ويستطرد الكاتب قوله :
لم ينته الـهزء بالقرآن ، ولكنني أكتفي – مؤقتا – بما ذكرت ، لننتقل إلى السخرية ، من الأحاديث النبوية الشريفة :
" زمليني أنا العاشق المرتبك " .. و: "دثريني وخلي نهودك تحرث قلبي بنصلين من وبر".. و: " نمضي إلى الوادي المقدس ، أنبياء آبقين ، نأمر بالمنكر ، وننهى عن المعروف ، دون أن نكظم الغيظ ، أو نعفو عن الناس " . ( مرجعية هذا الشاعر هي التوراة ، حيث أُتهم فيها الأنبياء بالفحش والكفر ) .
"دثريني دثريني .. ورطبي لي جبيني .. النار في عيوني .. والريح في يقيني " .
هذا هو تنوير وزارة الثقافة المصرية ، يا مسلمون ويا عرب ... هذا هو ما يحاربون به الإسلام ...
وأكثر من عشرين ألف معتقل ، يسومونهم سوء العذاب ، لأنهم يقرءون القرآن …
لا إلـه إلا الله …
يا عاطف عبيد .. هذا هو الفجر بعينه .. فُجر فاجر ، وعُهر عاهر ، لا يرعاه إلا فاجر وعاهر .. وتذكّر .. أن من ولّى أمر المسلمين فاجرا ، فهو فاجر مثله …
تصورت يا ناس أن نشر المقال ، سيسفر عن نسف ، كل مؤسسات وزارة الثقافة على الفور ..
لكن تصوُّري ، كان أملا جهيضا في القلب .. وعلى العكس .. وجدت من المثقفين والنخبة ، من يدافع عن الكفر البواح ...
لقد احتفظت حضارتنا ، بتراث أوغل في الفحش بل والكفر .. ونذكر أبي نواس والأغاني ، والفرق المختلفة التي زاغت عن الإسلام .. كان المجرى الرئيسي للنهر سليما ، ولم يكن يضره كثيرا ، أن يبول كلب أو خنزير فيه .. لكن عندما يكون الماء راكدا .. وليس لدينا سوى كوب من الماء ، ونحن تائهون في البيداء في الـهجير ، فكيف نسمح للكلاب ، أن تبول في مائنا الأخـير ..
* مقتطفات من مقال آخر ، د. محمد عباس ، صحيفة الشعب : 12/5/2000م ، تصدير المقال :
لا إلـه إلا الله ..
يا سيادة الرئيس : الفتنة تطل .. فأطفئها ..
يا شيخ الأزهر : دافع عن دين الله ..
يا فضيلة المفتي : صمتك مذهل ..
إن وزيرة في الحكومة المصرية ، هي التي صرحت أن 17% من طالبات الجامعة ، قد تزوجن زواجا عرفيا ...
فكم يا ترى ؟! لم يحتجن إلى ورقة التوت المغشوشة ، يغطين بها سوءاتهن ...
ولماذا نندهش لذلك ، إذا كانت مطبوعات وزارة الثقافة ، تتدنى حتى تنشر الفسق والفجور ، وتصف بعهر ، كل ما يهدم القيم والثوابت ...
لماذا نندهش ، عندما تتحدث بعض الدراسات ، إلى أن أكثر من 50% من طلاب الجامعة ، يتعاطون البانجو ( مخدر ) ...
وبرغم ذلك كله ، فإن اعتراضنا على تشبيه القرآن بالخـراء ، لم يتركّز على المؤلف ، ولا على روايته .. فليذهب إلى الجحيم ، ما دام قد اختار الطريق إليها .. لقد انصب اعتراضي ، على قيام وزارة الثقافة المصرية ، بإعادة نشر الرواية في مصر.. والرواية التي تباع في الأسواق ، بثلاثين أو أربعين جنيها ، دعمتها وزارة الثقافة ، حتى بيعت بأربعة جنيهات .. هل هذا هو الفكر ، الذي ننقله ونعلمه لأبنائنا …
نعم.. كذب المسؤولون في وزارة الثقافة ، وكانت مجلاتهم وصحفهم تكذبهم .. لقد صرحوا بأن الرواية مسموح بها ، في كل الدول العربية ...
لكن أخبار الأدب : تذكر بالنص على لسان حيدر حيدر : " عشت في بيئة تحاربني ، على المستوى الديني ، ولا يقولون أنني علماني ولا عقلاني وتنويري ، بل يقولون ملحدا "
ويسألونه : هل كنت تجد صعوبة في نشر أعمالك ؟ فيجيب : " صعوبة شديدة جدا … فقد عشت أنا وكتبي ، في حالة منع مستمر ، من بلاد عربية كثيرة " …
اقرءوا أيضا في نفس العدد من أخبار الأدب ، تعليق الأستاذ محمود أمين العالم : " أخذت أقلب بين يدي رواية ، وليمة لأعشاب البحر ، أو نشيد الموت ، للأستاذ حيدر حيدر . بحثا عن اسم ناشر أو مطبعة ، فلم أجد ، وأخيرا علمت ، أن دور النشر العربية جميعا ، رفضت نشر هذه الرواية ، فقام هو بطبعها على نفقته ، ولكن يبدو أن المطبعة التي قامت بطبع هذه الرواية ، قد آثرت هي أيضا السلامة ، فاكتفت بالطبع ، وامتنعت عن ذكر اسمها . صدرت الرواية مجهّلة ، إلا من اسم مؤلفها . ولقد علمت كذلك ، أن الرواية ، تكاد تعتمد في توزيعها على اليد . وعلى العلاقات الشخصية ، كما توزع المخدرات أو المنبهات المحظورة " .
فلماذا كذبت أجهزة وزارة الثقافة ... ؟!
لماذا يُكذب الوزير نفسه كل يومين .. لقد صرح أولا ، بأن الرواية مصادرة ، منذ منتصف نوفمبر الماضي .. وفى نفس يوم نَشْرِ بيانه ، كان بيان علي أبو شادي ، يقول : أن الرواية صدرت في منتصف نوفمبر ( أي بعد ظهور الدخان بأسبوعين ) ...
لماذا حاول الوزير باستمرار ، أن يخلط بين طبعة مصرية ، هو الذي أصدرها ورعاها ، وباعها بعشر ثمنها ، وبين طبعات لبنانية ، لم نسألـه ، ولم نطلب حسابه عنها ، رغم أنه بحكم مسئوليته الوزارية ، مسئول عما يدخل إلى البلاد ، من عناصر الثقافة …
إنني أتهم وزير الثقافة ، أنه بسبب مواقفه المتناقضة ، قد أشعل غضب الناس .. أشعل غضب الطلاب .. يوم الخميس نشرت صحيفة الوفد بدهشة ، تصريحا عن اللجنة التي شكلها ، وقوله أنها ليست لجنة تحقيق ، بل لجنة ستشرح للناس ما خفي عليهم ، من إبداع في الرواية .. يوم الجمعة الماضي نشرت صحيفة الأهرام ، في مكان بارز خبر مصادرة الرواية .. ويوم الأحد نشرت صحيفة الأخبار ، تصريح وزير الثقافة بأن الرواية لم تصادر .. وانفجرت مظاهرات الطلاب يوم الاثنين ...
إن القانون الإنجليزي مثلا ، يُجرّم الاعتداء على التوراة والإنجيل.. وهم لا يعتبرون القرآن كتابا سماويا مقدسا .. هم وشأنهم .. لكن ألا يحقّ للقرآن في بلاده أن يقدّس .. لقد منع فيلم العشاء الأخير للمسيح في لندن ، وخرجت المظاهرات تحطم دور السينما ، التي تعرضه في باريس ...
لماذا لجأ بعض مثقفينا ( المدافعين عن وزارة الثقافة ) إلى هذا الـهجوم الضاري ؟ …
لماذا اعتبرتم فاروق حسني فرعونكم ، فَرُحتم كالكهنة القدامى ، تدعون لعبادته من دون الله ؟ …
وأقول لكم على الرغم مني يا ناس ، أنهم حققوا بعض النجاح في خطتهم .. فقد وعدتكم في الأسبوع الماضي ، أن أتناول اليوم كتابا من كتب وزارة الثقافة ، تدعو فيه كاتبته ، إلى تعديل القرآن ، كي يتوافق مع النظام العالمي الجديد ، ومواثيق حقوق الإنسان …
وأن هؤلاء الناس ، ينظرون إلى الإسلام وإلينا ، كما ينظر مبدعهم حيدر حيدر ، الذي يقول في صفحة 510 ، من كتابه الملعون :
"ضحك الرجل وهو يرمم جثة البدوي فيه : لكنني ملحد كما تعرفين .. الشرف والبكاة ( لعله يقصد البكارة) ، وأخلاق المسلمين في مؤخرتي ، من عشرات الأعوام " .
لا تعترضوا يا قراء .. فنقادنا الجهابذة ، يرون أن هذا الكلام السافل البذيء إبداعا ..
" في تلك الليلة تحدث عن تحطيم الأوثان ، التي أقامها الآباء والأجداد ، وضرورة الانفصال عن الدين والله ، والأخلاق والتقاليد ، والأزمنة الموحلة والجنة والجحيم الخرافيين ، وطاعة أولى الأمر والوالدين ، والزواج المبارك بالشرع ، وسائر الأكاذيب والطقوس ، التي رسمتها دهور الكذب " .


بيان مجمع البحوث الإسلامية
بيان الأزهر
الأزهر / مكتب الإمام الأكبر / شيخ الأزهر ، بيان مجمع البحوث الإسلامية بشأن ، رواية ( وليمة لأعشاب البحر ) لمؤلفها السيد حيدر حيدر . طبع ونشر الـهيئة العامة لقصور الثقافة ، التابعة لوزارة الثقافة بالقاهرة .
تم عرض موضوع الرواية المشار إليها ، على لجنة البحوث الفقهية ، فكلّفت اثنين من أعضائها المتخصصين ، بكتابة تقريرين منفصلين عن الرواية ، لعرضها في جلسة استثنائية ، لمجمع البحوث الإسلامية ، حُدّد لها يوم الأربعاء 17 مايو سنة 2000 ، وقد تم عرض هذين التقريرين والرواية ، على المجمع في جلسته الاستثنائية ، وتبين ما يأتي :
أولا : أن وزارة الثقافة التي نشرت هذه الرواية ، لم تستطلع رأى الأزهر الشريف ، أو مجمع البحوث الإسلامية ، مع ما ورد فيها من أمور كثيرة ، تتصل بالإسلام والعقيدة والشريعة ، وذلك على خلاف ، ما يقضى به القانون 103 لسنة 1961 …
ثانيا: إن الرواية مليئة بالألفاظ والعبارات ، التي تحقّر وتهين جميع المقدسات الدينية ، بما في ذلك ، ذات الله سبحانه وتعالى ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، والقرآن الكريم ، واليوم الآخر ، والقيم الدينية .
ومن ذلك أنها تستهزئ بذات الله ، مثل وصفه بأنه فنان فاشل ( ص : 219 ) ، وأنه نسي بعض مخلوقاته ، من تراكم مشاغله التي لا تحد ، في بلاد العرب وحدها ( ص : 257 ) ، وأنه أقام مملكته الوهمية في فراغ السماوات ، ليدخل في خلود ذاته بذاته ( ص : 426 ) .
كما يفتري على الرسول عليه الصلاة والسلام ، بأنه تزوج أكثر من عشرين امرأة ، ما بين شرعية ، وخليلة ، ومتعة ( ص : 148 ) ، وأنه كان يتزوج من عذارى القبائل بغية توحيدها ( ص : 426 ، 427 ) .
وأنه حرّف في آيات القرآن الكريم ، ونسب إليه ، ما ليس منه ، كقوله " والله تعالى قال في كتابه العزيز: " إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا ) " ( ص : 148 ) ، كما أن الرواية تحرّض صراحة ، على الخروج على الشريعة الإسلامية ، وعدم التمسك بأحكامها ، وذلك بالدعوة إلى ضرورة الانفصال ، عن الدين والله والأخلاق والتقاليد والأزمنة الموحلة ، والجنة والجحيم الخرافيين ، وطاعة أولى الأمر والوالدين ، والزواج المبارك بالشرع ، وسائر الأكاذيب والطقوس ، التي رسمتها دهور الكذب ( ص : 348 ) .
ثالثا : إن الرواية خرجت على الآداب العامة ، خروجا فاضحا ، وذلك بالدعوة إلى الجنس غير المشروع ، واستعمال الألفاظ في الوقاع ، وأعضائه الجنسية للذكر والأنثى ، بلا حياء مما يعف اللسان عن ذكرها ، وكتابة نصها حفظا على الحياء العام ، الذي انتهكته الرواية .
رابعا: إن الرواية لم تكتف بذلك ، بل حرّضت صراحة ، على إهانة جميع الحكام العرب ، ووصفتهم بأقبح وأقذع الأوصاف ، مما يعف المقام عن ذكرها ، وطالبت بالخروج عليهم ، والثورة ولو بإراقة الدماء .
خامسا: اتضح لمجمع البحوث الإسلامية ، من كل ما سبق ، أن ما ورد برواية " وليمة لأعشاب البحر" ، لمؤلفها حيدر حيدر ، خروج عما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وينتهك المقدسات الدينية والشرائع السماوية ، والآداب العامة ، والقيم القومية ، ويثير الفتن ، ويزعزع تماسك وحدة الأمة ، التي هي الركيزة الأساسية لبناء الدولة ، ويضع على عاتق من نشروا هذه الرواية ، دون استطلاع رأي أهل الاختصاص ، المسؤولية الكاملة ، عن هذا التجاوز والآثار المترتبة عليه دينيا واجتماعيا ، وذلك على النحو الموضّح تفصيلا ، بالتقريرين المقدمين ، من عضويّ مجمع البحوث الإسلامية المشار إليهما .
والله ولى التوفيق .. تحريرا في 13 من صفر سنة 1421 هـ .. الموافق 17 من مايو سنة 2000 م ، شيخ الأزهر : الدكتور محمد سيد طنطاوي
تقرير عن رواية ( وليمة لأعشاب البحر )
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين
المؤلف : حيدر حيدر ، طبع ونشر الـهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة .
تقع في ( 690 ) صفحة ، من القطع المتوسط ، وهى القصة الخامسة والثلاثون ، في سلسلة آفاق الكتابة ، وسعر البيع 4 جنيهات ، بتكليف من لجنة البحوث الفقهية بالمجمع ، في جلسة الأربعاء 10/5/2000 ، قرأت هذه الرواية ، قراءة محايدة في خمس وعشرين ساعة ، وقد وجدت فيها ما يأتي :-
أولا : الدعوة إلى الشيوعية والكفاح المسلح والاستيلاء على السلطة بالعنف والدماء : ويورد صاحب التقرير 12 موضعا من الرواية للدلالة ) .
ثانيا : الاستهزاء بثوابت العقيدة الإسلامية وإهانتها ، ( لله ، والرسول ، والقرآن ، واليوم الآخر ) : ( ويورد صاحب التقرير 19 موضعا في الرواية للدلالة ) .
ثالثا : إهانة حكام العرب ، ووصفهم بأقذع وأقبح الأوصاف : ( ويورد صاحب التقرير 3 مواضع في الرواية للدلالة ) .
رابعا : عبارات فاضحة في الجنس ، ومنافية للآداب العامة : ( ويورد صاحب التقرير14 موضعا في الرواية للدلالة ) .
وبعد : فإنه من غير المعقول ، أن تقوم وزارة مسؤولة ، في نظام حكم لبلد مسلم ، بطبع ونشر هذه الرواية ( وليمة لأعشاب البحر ) ، وأن تدعمها ماليا ، لتُيّسر قراءتها للجميع ، وقد نقلت منها ما يدعو ويدعم الأفكار الآتية :-
1. الدعوة إلى الشيوعية ، والكفاح المسلح ، والاستيلاء على السلطة بالعنف ، وإراقة الدماء ، استجابة لتعاليم ماركس ولينين ! الأنبياء الجدد .
2. الاستهزاء بثوابت العقيدة الإسلامية وإهانتها بجرأة وبذاءة نادرة : الله، الرسول، القرآن، اليوم الآخر. كل مواريث الآباء والأجداد .
3. إهانة الحكام العرب ، ومنهم "حكام مصر" ، ووصفهم بأقبح وأقذع الأوصاف ، مع سيل من الشتائم المتناهية في القبح .
4. دعوة فاضحة ، إلى الجنس العاري من أي غلالة ، واستباحة قاموس الألفاظ الصريحة في الوقاع ، وأعضائه للذكر والأنثى ولا حياء .
قلت : غير معقول أن تقوم هيئة مسؤولة ، في نظام الدولة ، بطبع ونشر وتدعيم مثل هذه الرواية . ولعلها لا تدرى ما فيها ، وأن الذين اختاروها خدعوا رئاستهم ، ولكن الشاعر يقول : إن كنت لا تدري فتلك مصيبة .. وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم .
ولو أن أحدا ، أدخل هذه الرواية خلسة ، وضبطت عنده لحاكمته الدولة ، على جلب هذه المفاسد ، التي تصيب وحدة هذه الأمة ، وتدعو إلى الفتنة والحرب والدم بين أبنائها ... فهل صرنا في زمن اللامعقول !! نرجو ألا يكون .
أ.د. عبد الرحمن العدوي : عضو مجمع البحوث الإسلامية
تقرير عن رواية ( وليمة لأعشاب البحر )
بقلم : الدكتور محمد رأفت عثمان / عميد كلية الشريعة والقانون بالقاهرة / عضو مجمع البحوث الإسلامية
الرواية : من تأليف حيدر حيدر كاتب سوري ، طبع ونشر الـهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ، سنة 1999 ، وهي مكونة من 690 صفحة ، عدا الفهرست ، من القطع المتوسط .
والانطباع العام عن هذه الرواية ، أنها مكتوبة بأسلوب ركيك ، غامض في كثير من صفحاتها ، لا فكر فيها ، ولا تنبئ عن ملكة فنية عند كتابتها ، مليئة بالعبارات الفاحشة الخادشة للحياء ، والتي تحقّر وتهين المقدسات الدينية ، ما بين الاستهزاء بذات الله تبارك وتعالى ، والسخرية بأحكام شريعة الإسلام ، وإهانة القرآن الكريم ، ويتبين ذلك مما يأتي :
( ويورد صاحب التقرير 32 موضعا في الرواية للدلالة ) .
ويستطرد قائلا : وبعد ، فهذا قليل من كثير ، مُلئت به هذه الرواية المنحطة ، في التعبير والفكر والفن ، وأرى مصادرتها ، ومحاكمة مؤلفها ، وكل الذين ساعدوه على نشرها ، بل أرى كفر مؤلفها ، لذكره العبارات الساخرة ، بذات الله تبارك وتعالى ، وبرسوله ، وبالقرآن ، وبالإسلام كله .
وإذا كان بعض المدافعين عن هذا النوع ، من الكتابة الساقطة ، يقولون أنه يحكي ذلك ، على لسان أبطال روايته ، فالرد :
أولا: أن بعض العبارات ، التي تؤدي إلى السخرية ، من الله عز وجل ، ومن رسوله ، ومن القرآن ، والإسلام ، جاءت على لسان الكاتب نفسه .
ثانيا: العبارات التي قالـها المؤلف ، على لسان أشخاص روايته ، التي تؤدي إلى كفر قائلها ، تؤدي أيضا إلى كفر المؤلف ، وذلك لأن ذكر الكفريات ، سواء أكانت أقوالا أم أفعالا ، إما أن تكون على سبيل الحكاية ، عن إنسان قالـها ، أو صدرت منه فعلا ، أو تكون على سبيل التخيل والاختراع ، لقول أو فعل ، لم يحدث في الواقع .
فإن كان ذكر الكفريات حكاية عن إنسان قالـها ، أو صدرت منه فهذا جائز ، فيما يأتي :
أولا: إذا كان ذكر هذا ، في مقام بيان قبح ، هذا القول أو الفعل .
ثانيا: إذا ذكر هذا ، في مقام بيان حكمة .
ثالثا: إذا ذكر هذا ، في مقام بيان الرد عليه .
رابعا: إذا ذكر هذا ، في مقام الشهادة .
خامسا: إذا ذكر هذا ، في مقام بيان آراء الفرق والمذاهب .
وإما إن كانت الكفريات ، قد عبر بها المؤلف ، على سبيل التخيل ، ولم ينطق بها صاحبها ، أو يفعلها في الواقع ، وإنما هو فقط على لسان المؤلف ، فهذا محرّم ، بل ويصل في رأيي إلى درجة الكفر ، بدليل أنه لا يجوز ، لمؤلف رواية أو قصة مثلا ، أن يتخيل إنسانا معينا حقيقيا ، موجود على قيد الحياة ، أو توفاه الله ، في موقف مهين ، ويكتب عنه في الرواية أو القصة ، أنه كان يزني مثلا ، ويجري حوارا بينه ، وبين من يتخيل أنه يزنى بها ، فإن هذا يعد جريمة قذف ، في الشريعة والقانون ، مع أنه أجراه في قالب روائي .
ولا يشفع له أنه يتخيل ذلك ، وليس على سبيل الحقيقة والواقع ، فإذا كان هذا لا يجوز بالنسبة للإنسان ، فهل من المعقول أو المقبول ، أن يكون ذلك جائزا بالنسبة إلى ربنا تبارك وتعالى ؟! فأي عبارة تكتب تخيلا ، ولو على لسان شخصية وهمية ، من شخصيات الروايات أو القصص ، أو غير ذلك ، يصدر عنها عبارة أو فعل ، فيه سخرية بالله عز وجل ، أو برسوله صلى الله عليه وسلم ، أو بالقرآن ، أو بأحكام الإسلام ، تؤدي إلى كفر مؤلفها ، وقد وجدنا علماءنا رضى الله عنهم ، قد بينوا أنه ، إذا قال شخص عن عدوه : " لو كان ربى ما عبدته " فإنه يكفر ، وكذا لو قال : " لو كان نبيا ما آمنت به " ، مع أن هذه العبارة ، هي فرض لما قد يحدث .
إن الإبداع في الكتابة ، لا يكون بالسخرية من ذات الله عز وجل ، أو بإهانة المقدسات ، وإنما الإبداع تعبير سام راق ، عن فكر محترم دينيا ، يتفق وتقاليد المجتمع وثقافته ومثله العليا ، وأما غير ذلك ، مما يريدوننا أن نوافقهم عليه ، فهو ليس إبداعا ، ولا ينتمي إلى الأدب ، بل أحرى أن يوصف بقلة الأدب ، بل بانعدام الأدب .
القرضاوي يطالب مبارك بالتدخل لوقف الموجة الثقافية الفاجرة
ناشد فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي ، الرئيس المصري حسني مبارك ، أن يتدخل لوقف الموجة الثقافية الفاجرة - حسب وصفه- عند حدّها ، وشدّد فضيلته على أهمية الحرص ، على وحدة الأمة ، كما حيّا شـيخ الأزهر ، والأزهر ، ورئيس جامعة الأزهر ، والطلاب والطالبات ، الذين وقفوا موقفا موحدا ، ضد رواية الكاتب السوري ، وليمة لأعشاب البحر ، التي طبعتها وزارة الثقافة المصرية ، وتسببت في حالة الـهياج التي شهدها الشارع المصري مؤخراً ، واعتبر د. القرضاوي في خطبة الجمعة أمس ، أن الرواية تدخل في باب الكفر ، مستنداً في ذلك على بيان الأزهر الشريف ، ورأي فضيلته أن هذا العمل كفر ، بغض النظر عن الأشخاص ، واعتبر من قالـه ، ورضي به كــافرا .
" كُلُّ ما في وليمة لأعشاب البحر مُنكر "
العلامـة القـرضـاوي في خطبة الجمعة ( 15 صفر 1420 – 19/5/2000 )
أنا وأنتم وشيخ جامع الأزهر ، ومجمع البحوث الإسلامية ، ورئيس جامعة الأزهر ، وخطباء المساجد في العالم ظلاميون ، ووزير الثقافة المصري وحده يحمل النور !!!!!
تلخيص الخطبة ، بقلم د. حسن علي دَبَـا :
شنّ فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي ، هجوما شديدا على وزارة الثقافة المصرية ، على ما نشرته من رواية "وليمة لأعشاب البحر" لكاتب سوري ، واستنكر ما بها ، من منكر وتحقير وإهانة الذات الإلـهية ، والقرآن والرسول والقيم الدينية ، وتحريضها على الخروج على الشريعة الإسلامية ، وطالب فضيلته المسؤول الأول في مصر ، الرئيس حسني مبارك ، وناداه أن يوقف هذه الموجة الثقافية الفاجرة عند حدها ، وأن يعيد الثقافة عند حقيقتها ، فلا يجوز أن نقسم الأمة ، بين الثقافة الغربية المستغربة الصادة عن سبيل الله ، والسائرة في ركاب الشيطان ، والثقافة التي مع القيم الدينية ، مع الله ورسله وكتابه ومع الربانيين ، وشدّد فضيلته على أهمية وحدة الأمة ، خاصة في هذا الزمان التعيس – حسب وصفه – الذي استغلته إسرائيل ، وبغت فيه وطغت ، فينبغي أن نضم صفوف الأمة بعضها إلى بعضها .
ثمّ تابع الدكتور القرضاوي ، قائلاً : الكلمة الآن للرئيس مبارك ، الذي أسأل الله أن يهديه سواء السبيل ، وأن يوفّقه لموقف الحق ، الذي لا يخاف في الله لومة لائم .
كما حيا د. القرضاوي الأزهر وشيخ الأزهر ، ورغم اختلافه معه في قضية الربا وغيرها ، وحيّا جامعة الأزهر ، ورئيسها وطلاب الأزهر وطالباته ، وجريدة الشعب والكاتب الإسلامي د. محمد عباس ، الذي صرخ في الأمة قائلاً : "لا إلـه إلا الله : من يبايعني علي الموت" . قال : غضب الرجل لدينه ، لربه ، وربما في غمرة هذا الغضب ، خرجت منه بعض الألفاظ ، في بعض الناس ، لكن الإنسان في حالة غضبه ، يقول ما قد لا يحمد في بعض الحالات ، كما حيا الشاعر الكبير فاروق جويده ، في صحيفة الأهرام ، والمثقفين الشرفاء الذين وقفوا ضد هذا الباطل ، وهذا الفجور الأدبي ، الذين يحترمون عقائد الأمة ومقدساتها ، أقف مع كل هؤلاء أشد أزرهم ، وأصلب ظهرهم ، بكل قوتي ، وأقول الحق ، لا أخاف في الله لومة لائم .
وكان فضيلته قد بدأ خطبته ، متحدثا عن انشغال الأمة بهمّ جديد ، أضيف إلى همومها ، هو الـهم الثقافي ، الذي بدأ بنشـر وزارة الثقافة المصرية ، لرواية تسمى وليمة لأعشاب البحر – معبراً عن استغرابه من العنوان – لكاتب سوري مغمور ، أشهرته تلك الرواية شهرة كبيرة ، وقال : لم أشأ أن أتحدث عن تلك الرواية ، حتى أراها و( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) ، كما قال علماؤنا ، وقرأت ما يقارب نصفها ، أغالب نفسي ، فهي من أول صفحة ، تقزّز نفس الإنسان المؤمن ، وهي رواية ، لا تعرف شيئا اسمه الحرام ، ولا العيب ، ولا تعرف الله ، ولا تقدره حق قدره ، ولا عجب ، فقد كتبها إنسان نَصِـيري العقيدة ، شـيوعي الفكرة .
ثم ذكر فضيلته ، أن عقيدة الإنسان الدينية والأيدلوجية ، تنضح على فكره ، وعلى كتابته وعلى أسلوبه ، وكل إناء بالذي فيه ينضح ، وأضاف : لكني سأتجاوز عن عقيدة الرجل الدينية والأيدلوجية ، ونحاكم النص الذي كتبه : لم أستطع أن أستمر في قراءة الرواية ، في أكثر من النصف، لقد بلغ الاشمئزاز مني مبلغه ، فاكتفيت بتصفّح الباقي ، وكلما تصفّحتها ، وجدت أشياء وأشياء ينكرها الدين ، وينكرها الخلق ، والعقل والأعراف ، كل ما فيها والعياذ بالله منكر ، فوجدت فيها أكثر مما انتقد عليها الناقدون ، في السطور وما بين السطور .
المؤلف يرسم شخصياته :
وبدأ د. القرضاوي ، يرد على أصحاب الرأي الآخر ، الذين وقفوا مع الكاتب ، فقال : " قالوا إن ما ذكره الكاتب جاء على ألسنة شخصيات الرواية " ، وأقول نحن نعرف ، أن الرواية قصة يتخيلها الكاتب ، قد يكون لها أصل في الواقع ، وقد لا يكون ، هو الذي يرسم صورتها ، مبدأها ونهايتها وعقدتها وحلها ، وهو الذي ينشئ شخصياتها ، ويُنطق هذه الشخصيات ، بما يريد أن تنطق به ، يعبّر عن نفسه ، أو يعبّر عن هذه الأشخاص ، ولو كان له فكرة معينة ، فهو يجريها على لسان أحد الأشخاص ، ويقوي هذه الفكرة ، ثم يأتي الرد عليها من الطرف الآخر ضعيفا ، أو لا يأتي رد عليها قط ، هذه حيلة نجدها عند القصاصين والروائيين .
وأضاف إذا كان من حق الإنسـان ، ألا يعري جسده أمام الجمهور : فهل من حقه أن يُعري أدبه ، وفنه أمام الناس ؟ إن العري الذي في هذه الرواية ، عُريّ فضائحي بأهدافها وأسلوبها وكتابتها ، أشدّ من العري الجسدي ، هل من حق الإنسان المبدع ، أن يتجرأ على الله ، وعلى رسله ، وعلى كتبه ، وعلى اليوم الآخر ، وعلى القيم والدين والأخلاق، كما يفعل هذا الكاتب ؟ أيستطيع أن يقول ذلك لرئيس دولته ، يتجرأ عليه ، ويقول كذا وكذا ، أم أن الدين والله والكتب والرسل ، أصبحت الحائط الواطئ ، التي يتجرأ عليها كل الناس .
ورجع بالذاكرة إلى ما مضى ، فقال: لقد رأينا كثيرا من القصاصين الكبار ، يذكرون النواحي الجنسية ، ويتحدثون عن الشـواذ والجناة واللواطين وتجار المخدرات ، لكنهم لا يذكرونها ، بمثل هذه الألفاظ المسفة العارية ، رأينا ذلك في قصص محمود تيمور ، وتوفيق الحكيم ، ومحمد عبد الحليم عبد الله ، والطيب صالح ونجيب الكيلاني ، ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ، رغم أنهم ذكروا أشياء كثيرة ، تحدث في الفراش ، لكن لم يجرؤ أحدهم ، ولم ينزل أحدهم إلى مثل هذا الدرك .
واستمر د. القرضاوي ، يرد : قالوا في أدبنا أشياء مكشوفة ، مثل ما قالـه امرؤ القيس ، أو مثل ما ورد في خمريات أبي نواس ، أو في التغزل بالذكور ، وقال : بأن هذه الأشياء في أدبنا ، لا تمثل الاتجاه العام ، وليس لها أثر في مجرى الحياة ، وكانت أشياء خاصة يتداولها بعض الناس في مجالسهم ، أو يقرأها بعض الناس في كتبهم ، وكانت هذه الكتب محدودة الانتشار .
وتناول مظاهرة شباب الأزهر ، فقال : لقد عابوا على طالبات وطلاب الأزهر ، أن غضبوا لهذا الدين : وهل يلام الإنسان ، إذا غضب لدينه ! وقال مثلاً : إذا مشيت في الشارع ، ومعك زوجتك أو ابنتك أو أختك ، ثم اجترأ عليها أحد من أولئك الفاسقين ، فنبذها بكلمة نابية جارحة: ألا تغار لها ؟؟ ألا يثور الدم في عروقك ؟؟ ألا تقف له بالمرصاد ؟؟ هذا ما يفعله الإنسان الحر ، فالشريف لا يقبل أن يهان في عرضه .
أكان الدين أهون على الإنسان من العرض ، أكان الله وقرآنه ونبيه محمد ، أهون لدى الإنسان المسلم ، من الغيرة على ابنته وامرأته وأخته ؟
وقرّر : لقد كان طلبة الأزهر وطلابه معذورين ، حينما سمعوا ما سمعوا ، وقرؤوا ما قرؤوا .
قالوا: " إن طلبة الأزهر لم يقرؤوا الرواية " .
ورد : وهل يجب أن يقرأ جميع طلاب الأزهر وطالباته ، هذه القصة حتى يغضبوا من أجلها ، لقد رأينا في صحيفة الأهرام ، كاتبا يدّعي أنه تقدمي ، يدافع عن الرواية ، وفي نفس الوقت يقول : أنا لم اقرأها .
وزير الثقافة يدافع عن الخط التنويري :
ورد فضيلة الدكتور القرضاوي ، على وزير الثقافة المصري ، فقال :
لقد قال وزير الثقافة : إننا منذ بضع عشرة سنة ، ونحن ننشر هذه الثقافة المستنيرة ، لنقاوم بها ثقافة الظلاميين الرجعيين ، وارتفع صوت د. القرضاوي يرد عليه : أنا وأنت وانتم أيها الاخوة ظلاميون ! كل من يتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ، وفهم القرون الأولى لهذه الأمة خير القرون ، كل هؤلاء ظلاميون ‍‍! أنا وأنت ظلامي .. الأزهر ظلامي ..شيخ الأزهر ظلامي .. مجمع البحوث ظلامي .. ورئيس جامعة الأزهر .. واللجنة الدينية في مجلس الشعب .. وحزب العمل ، جريدة الشعب ، الجمعيات الإسلامية في مصر ، وخطباء المساجد كلها ظلامي . هم إذن أهل النور … !! وزير الثقافة وحده ، هو الذي يحمل النور … ! والثقافة المستنيرة … !! وهي هنا الثقافة التي تَسـخر بالدين ، وتستهين بالقيم الدينية ، ومن الله ومن رسله ومن كتب الله ، وقد سكت الناس ، على قصص وكتب وروايات دهر من الزمن ، ثم كان لابد أن يحدث الانفجار : " ومن استُغضِب ، ولم يغضب فهو حمار " .
لا بأس بالمظاهرات :
وأضاف : أنا لا أرى في تظاهرات الطلاب شيئا منكرا ، إذا كان تظاهرا سلميا ، يجب أن نعوّد أمتنا ، ما تعوّدته أمم الحضارة من التظاهر السلمي ، وقد كنا طلابا ، في المعاهد الدينية الابتدائية والثانوية في كليات الأزهـر ، وكنا نخرج نحتج على كل أمر يخالف الدين ، كل أمر يهتم به المسلمون : خرجنا من أجل فلسطين ، وتونس والجزائر ومراكش وسوريا ولبنان وكشمير ، الطلاب هم نبض الأمة ، لا يستطيعون العيش بعيدا عنها ، كل ما نمنعه هو التخريب ، أما التظاهر السلمي ، فلا مانع منه ( واستشهد في ذلك بتظاهرات سياتل ) .
وتابع : إن من حق الناس أن تغضب لدينها ، ومن حق أبناء الشارع ، خصوصا الطلبة في الجامعات ، فهُم أوعى الناس بهذه القضايا ، فهم الذين يحملون الروح الثورية ، ويتأججون من داخلهم ، فمن حقهم أن يقولوا : لا ، دون أن يدخلوا في تخريب ، أن يستغلوا من الآخرين .
وعلل عدم التغاضي عن الرواية ، بأنها نشرت من قبل مؤسسة ، من مؤسسات الدولة ، ووزارة تطبع طبعة شعبية 690 صفحة ، بأربعة جنيهات . ولو كان المؤلف ، نشرها على نفقته ، أو على نفقة دار نشر خاصة ، فلها من الأمر ، وكان يمكننا أن نسكت ، ويحكم في ذلك القارئ .
وقال : كنت أتمنى ألا أتحدث عن هذه الأشياء ، حتى لا أجعلها تشتهر ، فكم كنت أتمنى ألا يقف المسلمون ، من رواية سلمان رشدي ، ذاك الموقف ، الذي شهرها في الآفاق . ثم قال : لا يجوز لوزارة تحترم نفسها ، وتعمل من أجل الشعب ، أن تنشر أشياء ضد قيم الشعب ، وعقائد الشعب ومقدساته ، ومن هنا كانت غضبة ، كل المثقفين المسلمين ، إلا طائفة معينة للأسف ، إما لأنها جهلت دينها وتراثها ، أن باعت نفسها ، لما تنتفع به ، من وراء هذه الوزارة ، وإني أعجب كل العجب ، لبعض اللجان التي تشكّلها الوزارة ، تدافع عن هذه الرواية الساقطة ، في مضمونها وأساليبها .
السمة العامّة في الرواية :
وعاد إلى الرواية فذكر أنّ : الشرب والخمر من أول الرواية حتى آخرها ، فحين تزوج الرجل العراقي بفتاته الجزائرية احتفلوا بشرب الكونياك .. هذه هي السمة العامة في الرواية : ليس منها خشية لله ، ولا توقيرا له ، ولا اعتبارا لحسابه ، ولا ليوم الجزاء ولا الجنة والنار ، بل هي تسخر من هذا كله ..
واستشهد ببعض العبارات من الرواية ، منها مثلاً :
ما قالـه الرجل ، الذي قال للمرأة العاهرة ، التي كان يصف جسدها وصفا مكشوفا ، " إنّ الذي يقف بيني وبينك ، هو أنفك هذا ، قالت : له مـاذا أفعل ؟ هذا خلقة ربي ! قال لها : ربّك إذن فنان فاشل " .
أي أنّ ربك لا يحسن التصوير !! ورد القرضاوي عليهم : إن الله تعالى يقول : ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ (64 غافر ) … ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4 التين ) .
وتابع : لقد قالت اللجنة ، التي شكّلها وزير الثقافة ، أنه قال ذلك في مقام الدعابة والمزاح ، وردّ : يا عجباً ، هل هنا مقام دعابة ومزاح ؟! الحديث عن الله جل جلالـه ، يدخل فيه المزاح ؟! يقول تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ … (66 التوبة ) . وهذا في أمثال هؤلاء .
وأضاف مثالاً آخر ، مما ورد في الرواية : إنه يتحدث في روايته ، قائلاً :
" وهؤلاء الناس ، يهمّشون التاريخ ، ويعيدونه مليون عام إلى الوراء ، في عصر الذرة والفضاء والعقل المتفجر ، يحكموننا بقوانين آلـهة البدو ، وتعاليم القرآن . . خـراء " .
هكذا يذكر الكلمة خـراء !! وأنا أقولها مضطراً . وتتردّد كلمة آلـهة كثيرا في كلامه ، فهو لا يؤمن بإلـه واحد ، بل آلـهة .
* بعد انتهاء الخطبة ، اتصلنا بفضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي ، وسألناه عن مدى دخول هذا العمل الروائي ، في باب الكفر فأجاب :
" إن بيان مجمع البحوث الإسلامية ، بالأزهر الشريف ، يدل على أن هذا من الكفر ، لأنه خروج على ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وانتهاك للمقدسات الدينية والشرائع السماوية ، وهذا واضح لكل من قرأ الرواية ، لما فيه من ازدراء واستخفاف بالألوهية والقرآن والرسول والقيم الدينية كلها في مواضع شتى ، وأضاف :
ونحن نقول : إن هذا العمل كفر ، بغض النظر عن الأشـخاص ، فمن قالـه واعيا متعمدا ذاكرا ، فهو كافر ، ورضي به وهو يعلم هذا ، فهو كافر ، ومن كان يجهل بما فيه ، ثم أُعلم بمضمونه ورضيه ، فهو كافر ، هذا هو الحكم الشرعي ، أما الحكم على الأشخاص ، فلا ندخل فيه ، فهو يحتاج إلى تحقيق وقضاء " .
مقتطفات من حاشية الملف :
بقلم د. محمد عباس :
كانت صحيفة الأسبوع ، أول من تعرّض للموضوع ، تعرضت له بهدوء ، ولو أن في أجهزة وزارة الثقافة ، من يرى ويحس ويسمع ، لاستدركوا الأمر ، ولداروْا عورتهم ، وكان يمكن للأمر أن ينتهي باعتذارهم ، واعترافهم بالخطأ ، لكن الله شاء للأمور ، أن تتخذ مجرى آخرا ، كي يفضحهم على الأشهاد . لقد استنكروا علينا حدة أسلوبنا ، فماذا فعلوا عندما نشرت الأسبوع ، يوم 28/2/2000م ، مقالا صغيرا ، بقلم حسن نور ، يعترض فيه ، على قيام وزارة الثقافة بنشر الرواية …
لمدة شهر ونصف بعد ذلك ، لم تتدارك وزارة الثقافة الأمر .. وبدأت الشعب تناول القضية ، يوم 28/4/2000م ، بعد بداية النشر في الأسبوع ، بشهرين كاملين …
في البداية ، حاولت وزارة الثقافة ، التنصل من الأمر كله. وقد أوردت أخبار الأدب : العدد 356 ص6 ذلك بالتفصيل ، في مقال وائل عبد الفتاح ، عن تصريح وزير الثقافة المنشور في الأهرام ، في 30/4/2000م ، وهو أن الهدف من اللجنة العلمية التي شكلها ، " التحقيق في ظهور طبعة لبنانية ، من رواية وليمة لأعشاب البحر للسوري ، حيدر حيدر منسوبة لوزارة الثقافة ".. ويستطرد الكاتب أنه يبدو أن الوزير وجدها " واسعة " ، فغير أقواله بعد ذلك .
نفس الخبر نشرته بتفصيل أكثر ، صحيفة آفاق عربية ، في عدد 4 مايو ص11 ، تحت عنوان : وزارة الثقافة تزعم ، أن جهة مجهولة نشرت الرواية المجهولة ، ونسبتها إليها .
كان التخبط هائلا وشمل الجميع ، فرئيس الوزراء على سبيل المثال صرح : لست أدرى كيف؟! أنه استعان بخبير أجنبي لمواجهة الأزمة ، كما نشرت صحيفة الوفد ، و صرح الدكتور أحمد فتحي سرور ، بأنه طلب تقريرا عاجلا ، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ، ومحاكمة المؤلف طبقا للقانون الدولي ، ( أخبار الأدب14 مايو ) ، كانت الأمة تغلي بالغضب ، وكان قلبها متمثلا ، في طلبة جامعة الأزهر ، حيث تظاهر 25 ألف طالب ، وكانت الدولة مترددة ، حتى حسمت أمرها بإطلاق الرصاص ، على قلب الأمة ، على طلبة جامعة الأزهر . وأصبح من المستحيل مواصلة استطلاع الرأي ، تحت التهديد بإطلاق الرصاص مرة أخرى ، وبلغ النفاق ببعض التنويريين ومدعي الإبداع ، الذين أجازوا الاجتراء على الله ، أن وجهوا اللوم لصحيفة الشعب ، ولحزب العمل ولشخصي الضعيف ، فنحن الذين حرضنا ، ونحن الذين أخرجنا الطلبة ، فتسببنا فيما حدث لهم ، أكثر من مائة جريح ، منهم خمسة فقئت عيونهم . وجهوا اللوم لنا ، ولم يجرؤ منهم أحد ، على توجيه اللوم على المعالجة الأمنية الخاطئة، لا تعقيب على الأمن ، وكأنه القدر ، بل أكثر من القدر ، لأننا في القدر نسأل الله اللطف فيه ، هم لم يسألوا أجهزة الأمن اللطف ، وهذه الواقعة وحدها ، كافية لفضحهم تماما ونهائيا ، أمام الأجيال وأمام التاريخ ، لكن هذه الفضيحة لا تنفجر ، ولا تأتي بالتأثير المتوقع ، بسبب تهديد جاثم مستمر ، بإمكانية إطلاق الرصاص في أي وقت ، بعد ما حدث لطلبة جامعة الأزهر ، خفتت أصوات معظم الغاضبين لدينهم ، وارتفعت أصوات الحيدريين ، وأصبح الكذب مجانيا ، خاصة عندما أقدمت السلطة ، على عقاب صحيفة الشعب ، التي دافعت عن المقدسات ، وأصبح الاجتراء على الذات الإلـهية ، إبداعا وتقدما واستنارة ، وفي نفس الوقت ، أصبحت إدانة وزير ثقافة النظام الباقي ، في مكانه منذ أربعة عشر عاما ، رغم كل ما أثير حوله ، إرهابا وظلامية وتخلفا ، ووقف الوزير الذي قلت تناقضات تصريحاته ، بعد أن اطمأن إلى تدعيم الدولة له ، ليصرح أن مصر دولة علمانية ، وارتفعت أصوات ، تنادى بإلغاء المادة الثانية في الدستور ، والتي تنص على إسلامية مصر ، ونشرت صحيفة الحياة اللندنية ، مقالا لكاتب ، ظن أنه يفحم الإسلاميين ، بقوله أنه إذا كان علينا أن نحترم التراث ، فليس علينا أن نحترم التراث الإسلامي فقط ، بل علينا أن نعطي اهتماما مساويا ، لمصر المسيحية والفرعونية ، كان الإسلام بالنسبة للمسكين تراثا ، مجرد تراث، لم يكن دينا ، ولا مطلقا من المطلقات ، وبدا أن هؤلاء الناس وأقرانهم في مصر ، ينظرون إلى الإسلام تماما ، كما ينظر له المتعصبون من المستشرقين ، فالقرآن من تأليف محمد - صلى الله عليه وسلم – أما هو نفسه فكذاب – أستغفر الله العظيم- وأن أولئك التنويريين ، قد ابتلوا بمجموعة من المتخلفين أمثالنا ، وما القابضون على الجمر ، سوى حزب متخلف ، لا يستحق من الاحترام ما يستحقه ، حزب كحزب الأمة ، بل ولا الله نفسه ، يستحق من الأدب في الحديث معه ، ما يستحقه الشيخ الصباحي ، كان أسطورة قضت عليها الاستنارة ، وبقي المتخلفون يؤمنون به ، ولعل المؤمنين به ، يشفون من تخلفهم ذات يوم . وإنهم يحتملون تخلفنا ووجودنا ذاته على مضض ، فنحن ضيف ثقيل عليهم ، ألا يضاعف من ثقله بأن يتكلم . نظر كلاب جهنم ، إلى الدين ، كما لو كان مرضا ، كلّفهم الشيطان بالقضاء عليه ، وبدا لهم ، أنهم كلما أوشكوا على إنجاز مهمة الشيطان ، واجهناهم نحن ، لنصيب الأمة بنكسة جديدة …
وانفجر الألم بصحيفة ( آفاق عربية ) ، فنشرت بمانشيت كبير ، أنها لا تستبعد ، أن ينجح التنويريون ، في استبدال المادة الثانية في الدستور ، لكي يصبح حيدر حيدر ، هو المصدر الرئيسي للتشريع … !! …
بدلا من التوبة والاعتذار .. رفعوا عليّ قضية تبدأ محكمة جنايات جنوب القاهرة نظرها يوم 16/9/2000م …
مذيعة للبرامج الدينية في التليفزيون المصري ، وفي كتابها ( لله يا زمري ) ، نشرت ما لا يصدقه عقل ، من الاجتراء على الدين ، ورفض المسؤولين استمرار أي برنامج ناجح ، أو استضافة أي شخصية دينية لها شعبية ، فالشيخ محمد الغزاي والدكتور يوسف القرضاوي ، على سبيل المثال إرهابيان ، أما عندما حاولت ، تغطية أداء بعض كبار المسؤولين وزوجاتهم ، لأداء العمرة ، فقد رفض التليفزيون ذلك ، حتى مع السيدة سوزان مبارك ، وكانت حجتهم ، أنه لا داعي لربط كبار المسؤولين بالدين ، بأي شكل ، وأنهم يطبقون تعليمات ، تأتي من فوق بمحاصرة البرامج الدينية ، وتصرخ كاريمان حمزة في النهاية ، أنها تنزه وزير الإعلام ، ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ، أن يكونوا مصدر هذه التعليمات ، ولكنها في نفس الوقت ، تؤكد أن هذه التعليمات ، التي تأتي " من فوق " حقيقية ، لكن هذا الفوق لا يوجد داخل مصر ، إنما خارجها . في أحد برامجها ، كانت تعد موضوعا ، عن العشرة المبشرين بالجنة ، واحتج المسؤول الكبير على اقتصارها ، على شخصيات من عهد الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وطلب منها أن تختار جزءا منهم ، وأن تكملهم بالمعاصرين ، ( مثل عاطف صدقي ) ، لم تكن طرفة ، ولا مأساة جاهل ، بل كارثة أمة ...
صرح وزير الثقافة أنه لن يستقيل طول عهد الرئيس مبارك …
أما صحافته ( وزير الثقافة ) ، خاصة القاهرة وأخبار الأدب ، فقد بلغ بها ، أن اتهمت الأزهر ، بأنه ينصب من نفسه محكمة من محاكم التفتيش ، وأنه لا علاقة له بالأدب ، ولا حق له ، أن يحكم فيما هو خارج الدين ، بل وشبهت هذه الصحف ، رئيس جامعة الأزهر بالنازيين ...
يلخص مأساوية الوضع كله ، ما قاله الدكتور أحمد عمر هاشم ، في حديث نشرته مجلة المصور ، الصادرة في 25/5/2000م ، من أنه كرئيس للجنة الدينية ، في مجلس الشعب ، مُنِع من إلقاء بيان ، يُدافع فيه عن الله والقرآن والرسول ، صلى الله عليه وسلم ، بينما سُمح لفاروق حسني ، أن يلقي بيانه ، الذي يُدافع فيه ، عمن يسبون الله والقرآن والرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وراح الرجل يردد في ألم : حسبنا الله ونعم الوكيل ...
كان موقف شيوخ الأزهر وطلبته رائعا ، فقد أصدر 70 عالما أزهريا بيانا ، يطالبون فيه بوقف جرائم وزارة الثقافة ، وتطهيرها ممن أساءوا إلى الدين والوطن ، كما دعا البيان الرئيس مبارك ، إلى رفع الحصار عن الدعاة المخلصين . وأوضح البيان أن وزارة الثقافة ، قد دأبت منذ سنوات ، على إصدار مطبوعات ، استهدفت أخص خصائص الأمة ، في العقائد والأخلاق والسيرة النبوية . وندد البيان بسيطرة الماركسيين والشيوعيين ، على أبواب الثقافة ، مؤكدين أن لها رموزها ، من الألوان الأخرى ، ذات الانتماء إلى الثقافة العربية والإسلامية ، الرافضة لارتداء عباءة الآخر ، والذوبان في بضاعته . إن تسليم إدارة دفة الثقافة ، لرموز تغريبية أمر غير معقول ، ولا مقبول ، وهو لا يمكن أن يصب في صالح الوطن ، في الدول التي تحترم شعوبها وثقافتها ، يكون القائمون على الشأن الثقافي ، من أكثر المؤمنين بثقافة أمتهم وحضارتهم ، أما في بعض دولنا العربية والإسلامية ، فيؤتى بأعتى المتغربين ويُسلّمون تلك المواقع ...
بمجهود فردي ، أحصيت حوالي 700 مقالا ، في الصحف المصرية ، خلال شهر واحد ، ومثلها تقريبا في الصحف العربية ، كان 75% تقريبا ، من هذه المقالات ، يصب في اتجاه السلطة ، التي حددت اتجاهها مع أدعياء التنوير . الأمر قد يبدو محزنا ، لكننا من وجهة نظر أخرى ، نستطيع القول أن نسبة 25% ، انتصرت لربها ولدينها وللحق ، في هذا الخضم من الإرهاب والبطش وتزييف الوعي ، هي نسبة مرتفعة ومبشرة ...
بدأت المظاهرات في الأزهر ، مساء الأحد 7/5/2000م ، اشترك فيها 25000 طالب ، وأطلق الأمن الرصاص على الطلاب ، كان القناصة ، يصطادونهم داخل الحجرات في المدينة الجامعية ، وكانت رسائل البريد الإليكتروني من الطلاب ، أقسى على من ذوب الرصاص المنصهر ، فكتبت هذا النداء إلى الرئيس ونشرته صحيفة الشعب …
نداء ورجاء إلى سيادة الرئيس ..
أستحلفك بحق خالقك عليك .. أستحلفك بمن استرعاك علينا ، وجعل رعيتك أمانة في عنقك .. أستحلفك بحق القرآن .. أستحلفك بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أستحلفك .. أن تصدر أوامرك الشخصية ، بمنع أي تعذيب عن أبنائنا ، طلبة وطالبات جامعة الأزهر .. وأن توصي بهم خيرا ، تماما كما لو كانوا أبناءك ، فهم أبناؤك .. وهم رعيتك ، الذين يسألك الله عنهم يوم القيامة ...
تعرض الدكتور أحمد عمر هاشم ، لإهانات بالغة بسبب تصريحاته عن الرواية الكافرة . ونشرت بعض الصحف أخبارا ، عن استبعاده من عضوية مجلس الشعب ، وعن فصله من منصبه ، كرئيس لجامعة الأزهر .
من أعجب ما حدث ، كانت الأزمة ، في الظاهر ، تتكون من شقين ، شق مع الدولة ، وشق مع أدعياء التنوير ، لذلك عندما بدأت التهديدات بقتلي ، تصلني عبر الهاتف ، عجبت … كان معدل المكالمات ، يصل إلى خمس أو ست ، مكالمات في اليوم ، بعد البلاغ عنها ، لم يتكرر التهديد ولو لمرة واحدة .
كان موقف التلفزيون المصري غريبا ، والحق أنه طلب مني ، أن أسجل معه ، لكنني كنت قد لدغت من صحافة بلادي ، التي لم ترع إلا ولا ذمة ، فاعتذرت ، لكن غيري لم يعتذر ، وأذاع التليفزيون الحلقات ، التي تؤيد الحيدريين ، ومنع إذاعة الحلقات ، التي تنتصر للدين .
في مواجهة على قناة الجزيرة الفضائية ، في يوم 7/8/2000م ، كان حيدر حيدر ، يتكلم في برنامج الاتجاه المعاكس ، كان هو شخصيا ، لا أبطال الرواية المتخيلين ولا المؤلف ، بل هو بشحمه ولحمه ، وكان يكرّر : نعم ، كان للرسول خليلات ، وكان يتزوج زواج متعة …!!
بعد إغلاق صحيفة الشعب ، اطمأن الذين في قلوبهم مرض ، أننا لن نستطيع الرد عليهم ، فتضاعفت مساحات ما ينشرونه من كذب ، وتشويه وقلب للحقائق ، وكان يجب على أن أبحث عن طريقة للرد . لكن الصحف المتوازنة كالوفد ، اعتذرت ، والصحف الإسلامية اعتذرت أيضا ، بعد أن رأت أن الدولة ، قد كشرت عن أنيابها ، ويمكن أن تغلق صحف الاتجاه الإسلامي جميعا … انتهى الاقتباس .
مصر الفساد والإفساد
كانت مصر قد اضطلعت ، منذ استقلالها السياسي ، بدور ريادي في الفساد والإفساد ، والإضرار بالإسلام والمسلمين ، على مستوى العالمين العربي والإسلامي ، والذي تمثّل في كثير من المجالات ، ونذكر منها على سبيل المثال :
1. التخلي عن الحضارة الإسلامية وتراثها وقيمها ، والاعتزاز بالانتساب إلى حضارة الفراعنة ، الذين ظلموا أنفسهم ، فأخذهم الله بذنوبهم ، وتقديس آثارهم وأوثانهم ، التي ما تركها الله إلا عظة وعبرة . فها هم ينفقون نصف مليون دولار ، تحت سفوح الأهرامات ، على حفلات غنائية غربية حتى الصباح ، بمناسبة حلول عام ألفين ميلادي ، في شهر رمضان ، الذي أنزل فيه القرآن ، حيث قامت الحكومة المصرية مشكورة ، بحظر شرب الخمور أثناء الحفل ، إكراما لحرمة الشهر الفضيل . ويأبى عالم الكيمياء المصري ، إلا أن يتسلّم جائزة نوبل ، تحت سفوحها ، تعظيما منه لها ولبناتها ، واعتزازا بالانتماء لهم .
2. نشر رذائل الأخلاق ، وتعميمها كنموذج يُحتذى بين أبناء الأمة الإسلامية ، من خلال السينما والمسرح والغناء ، بالإضافة إلى تشويه صور أولياء الله ، من الرسل والأئمة والعلماء ، في أفلامهم ومسلسلاتهم وبرامجهم الدينية ، لتجد ممثلا يزني ويشرب الخمر ، في فيلم ، ومن ثم تجده في أحد البرامج الدينية ، يدعوا ويبتهل إلى الله ، متوشحا ثوب العفاف والتقى ، ممتهنا قدسية الدين وشعائره ، بالإضافة إلى ما يطرحونه في أفلامهم ومسلسلاتهم وأغانيهم ، من أفكار يُعلّمونها لأبنائنا وبناتنا ، تعجز الشياطين عن الإتيان بمثلها ؛ فتكلفة إعادة غشاء البكارة إلى طبيعته ، كما أخبرني أحدهم ممن شاهد أحد الأفلام المصرية ، وعلى لسان إحدى بغايا مصر ، في الفيلم ، داعية أخرى لممارسة الرذيلة مثلها ، لا تتجاوز المائة والخمسين جنيها ، " وكل شيء يرجع زي الأول " ، مصداقا لقول إبليس ( … وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ … (119 النساء ) ، لتتساوى البغي في الحصانة ، مع مريم ابنة عمران ، وشتان ما بين الثرى والثريا ، وهذا مما تُعلّمه السينما المصرية ، لفتيات أمة محمد ، عليه الصلاة والسلام .
3. تمجيد وتقديس سفلة الناس ، من الممثلين والممثلات والمطربين والمطربات ، وإقامة الأصنام والأوثان ، وزرعها في الميادين العامة ، وإن لم تصدّق بأنهم يُمجّدونها ويُقدّسونها ، فحاول أن تشتم أحد عمالقة الفن العربي ، في حضور أحد المصريين .
4. تأليه وعبادة أصحاب المال والسلطة من البشر ، كما عبد المصريون القدماء ، ربهم الأعلى فرعون .
5. موالاة أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى ، وبيع قضايا الأمة العربية والإسلامية المصيرية ، لقاء حفنة من الدولارات الأمريكية .
6. محاربة تعاليم الإسلام ورموزه ، في السرّ والعلن ، والعمل على محو أثارها من نفوس الناس .
الصور التي عُرضت في ملف الجريمة ، لما كان يجري في مصر ، من حرب شعواء مبرمجة ، شنّها الفراعنة الجدد على الله ورسوله ، منذ سنوات ، رسمتها ريشة فنان مبدع من أبناء مصر ، لا من غيرها . أشهد الله على أن قومه أصبحوا مجرمين ، بل وفاقوا الفراعنة القدماء في إجرامهم ، وكأنه أعذر الله سبحانه وتعالى ، في إنزال العذاب ببني جلدته ، من حيث لا يدري ، وهذه الأمر يُذكّرني بقصة النبي ارميا ، عندما أعذر ربه في عذاب قومه ، بني إسرائيل في المرة الأولى . التي أوردها الطبري ، في تفسيره ج3 ص ( 32 – 33 ) ، وهي قصة جميلة ، تُبين بعضا من الحكمة الإلهية في تصريف الأمور . وكما قال رب العزة في قوم فرعون ( فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56 الزخرف )
حيث يؤكد د. محمد عباس ، وبيان شيوخ وطلبة الأزهر ، الوارد ذكره في الحاشية ، أن هناك مخطط ، تنتهجه الحكومة المصرية ، منذ سنوات ، لتدمير معالم الإسلام ورموزه ، معلما تلو الآخر .
واستنادا لبيان علي أبو شادي ، رئيس مجلس الهيئة المشرفة على النشر ، والذي يقول : " بأن الرواية ( وليمة لأعشاب البحر ) صدرت في منتصف نوفمبر " ، أي 15/11/1999م ، نستطيع القول أن هذه الرواية المشؤومة ( أو وشّ النحس الحقيقي ) ، على الأقل ، كانت في مخازن دار النشر ، عندما غشيَ الدخان سكان القاهرة ، في الفترة الواقعة بين [ 20/10 – 30/10 ]1999م . ليأتي التحذير والنذير الإلهي ، قبل نشرها وتوزيعها بين الناس مجانا ، من قبل الحكومة المصرية . لكنهم نشروها ، ونشروا كتابا آخر ، كتابات نقدية ، العدد 97 ، ديسمبر 1999م ، بعنوان : شعر الحداثة في مصر ، بعد شهر واحد من نشر الكتاب الأول ، بعد أن كشف الله الدخان عنهم ، واستمروا في النشر .
بعد هذا العرض ، نكون قد عايشنا على التوالي ، مشهدين من المشاهد التي تعرضها الآيات ، هما الشك واللعب ، وظهور الدخان في مصر ، والآن إلى المشهد الثالث ، عندما يُتهم خير الأنام ، عليه الصلاة والسلام ، بالتعلّم والجنون والسحر ، في كتاب ( فترة التكوين في حياة الصادق الأمين ) ، الذي صدر في النصف الأول ، من العام الحالي 2001م ، وهو الكتاب السابع للمجرم ، خليل عبد الكريم .
قال تعالى
( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا ، حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)
( الزخرف )
وقال
( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)
( الطور )

ثم تولوا عنه وقالوا مُعلّم مجنون
ملف خليل عبد الكريم
في هذا الملف يجد القارئ ، جزءا يسيرا من التغطية الإعلامية ، التي نشرت مؤخرا ، عن خليل عبد الكريم وكتابه . ومنها صحيفة القدس العربي ، والأهرام الاقتصادي وصحيفة أخبار الأدب ، والأخيرة كرست نفسها ، للدفاع عن كل اجتراء على الذات الإلهية ، ويبدو أنها ذهبت في ذلك ، إلى أبعد مما نتصور ، ويكفي دليلا على ذلك ، أن محاميها في قضايا الرأي ، هو فريد الديب .. محامي الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وسعد الدين إبراهيم .. كما أنه محامي الشواذ عبدة الشيطان ..
نعم ..
جاسوسية .. وخيانة .. وشذوذ ..
فذلك هو الوجه الآخر ، للدفاع عن الكفر ..
الإسلام الشيوعي
سبعة كتب مشبوهة للمفكر اليساري خليل عبد الكريم
موقع المقال على شبكة الإنترنت : http://www.lailatalqadr.com/stories/p6260501.shtml
أو : http://www.alshaab.com/GIF/31-08-200...20Alkareem.htm
بقلم بدر الشبيب :
" خليل عبد الكريم ، كاتب يساري أو شيوعي أو تقدمي ، يكتب في الإسلام .. ولا بأس أن يكتب ، كائن من كان ، عن الدين الحنيف ، ولكن السؤال هو : ماذا يكتب ؟
وقد كان خليل عبد الكريم ، عضوًا في جماعة الأخوان المسلمين ، منذ سنوات طويلة خلت ، ولكنه ترك موقعه هذا ، وتحوّل من أقصى اليمين ، إلى أقصى اليسار ، فأصبح عضوًا في اللجنة المركزية ، لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي ، وهو حزب يساري يقول عنه الإسلاميون : إنه حزب شيوعي .
ومنذ عشر سنوات أو أكثر ، يثير خليل عبد الكريم عاصفة في مصر وخارجها ، بكتبه التي يضعها عن الإسلام .. وتتعرض هذه الكتب ، للمنع والمصادرة والهجوم العنيف ، ومع هذا ، فإن الرجل لم يتوقف عن الكتابة ، ولم يتوقف عن تغيير خطه الفكري ، الذي يصدم الجميع . ورغم أن عددًا من أساتذة الجامعات الكبار ، قد حاولوا كشف ما في دراساته هذه ، من زيف وافتراءات على الإسلام ، إلا أن شيئًا ، لا يمنع الرجل من الاستمرار ، بل إنه يزداد غلوًا ، مع كل كتاب جديد ، غير عابئ بما تثيره كتبه ، من رفض عنيف .
ويستخدم خليل عبد الكريم ، لغة جارحة في كتبه ، كما يطرح آراء وأفكار ، لا يمكن أن توصف ، إلا بأنها خروج على الملة ، وعلى رأي الجماعة ، وعلى رأي الجمهور .
وهو ينطلق في هذا من مقولة : إننا يجب أن نتمتع بالجرأة العقلية ، وأن نطرح كل الأفكار وكل الشخصيات ، على مائدة التشريح العقلي الموضوعي ، البعيد عن الهوى ، وعن الأفكار الجاهزة ، التي يكتب بها المؤرخون والدارسون للإسلام ، عن الدعوة والرسالة وسيدنا محمد .. يقول خليل عبد الكريم ، في صدر كتاب أخير له .. " وآمل - وهذا أمر متوقع - ألا يسيء البعض ، فهم هذه الدراسة ، على نحو لم يرد على خاطرنا ، وكنا قد طالبنا بضرورة كتابة التاريخ الإسلامي ، كتابة علمية موضوعية بداية بالحبيب المصطفى ، وكرّرنا أن الكتابة بطريقة مغايرة للكتابات التقليدية ، يتعين أن تقابل ، بأفق رحيب وعقلانية بعيدة عن التشنج ، ونذكر هؤلاء بأن الأمين نفسه ، أكد أن من اجتهد واخطأ فله أجر ، ونحن نأمل في أن نحظى بالأجرين .. أجر الاجتهاد ، وأجر الإصابة ".
وفى ظل ما يدعيه من جرأة عقلية ، على هذا النحو ، فإن خليل عبد الكريم ، يمضي في هذه الكتابات ، التي لا نجد لها مثيلاً في تاريخ الإسلام . ونحن لا ندعو بالطبع ، إلى مصادرة هذه الكتب ، أو الحجر على حرية الرجل ، ولكننا ندعو المتخصصين وعلماء الدين وشيوخ الأمة ، إلى مناقشة أفكار الرجل ، ودحض ما فيها من شبهات ، بشكل علمي هادئ بعيدًا ، عن الترويع والتخويف والإرهاب الفكري .
وهناك الآن ، ما لا يقل عن سبعة كتب هامة ، أصدرها الرجل في السنوات الأخيرة ، وهي تستحق المناقشة والتحليل ، لعرض ما فيها من آراء والرد عليها .
ولسنا هنا بالطبع ، في معرض تحليل هذه الكتب أو مناقشتها ، فليس هنا ، ولا الآن ، يتم هذا الأمر ، ولكننا قد نكتفي بالتعريف السريع بها ، خصوصًا أنها تكوّن الآن مشروعًا فكريًا ، لهذا الرجل . والكتب السبعة التي سنعرض لها هنا ، هي :
أولاً : كتاب ( للشريعة لا لتطبيق الحكم ) :
وهذا الكتاب يقوم على فكرة واحدة أساسية ، هي أن تطبيق الشريعة الإسلامية ، لم يعد صالحًا في هذا العصر ، لأن هذا التطبيق سوف يجر علينا ، من المشاكل ما لا حصر لها . ومع أن الإسلام ، وكما جاء في القرآن العظيم ، هو الدين الخالد ، الذي يصلح للبشر كافة ، ويصلح في كل زمان ومكان ، إلا أن خليل عبد الكريم ، له رأي آخر ، فهو يقول بالحرف : " إن الإسلام ليس عبادات فقط ، بل هو أيضًا تشريعات وعقوبات ونظام سياسي " ، وهنا الخطورة من وجهة نظره ، إذ يرى أن تطبيق الشريعة ، سوف يؤدي بنا إلى أضرار ، تفوق بمراحل الأضرار ، التي تترتب على إهمالنا لتطبيقها . وتلك هي دعوة العلمانيين واللادينيين ، الذين يفضلون القانون الوضعي على الشريعة الإسلامية .
ثانياً : كتاب ( الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ) :
وهذا الكتاب ، يعتبر استكمالاً وتأصيلاً للكتاب الأول ، إذ أنه ينطلق من نفس الفكرة ، التي ترفض الشريعة الإسلامية ، وترفض تطبيقها ، وهنا يقول خليل عبد الكريم : " إن هذه الشريعة التي ينادون بها ، هي مجرد تعاليم ، كان يقول ويأخذ بها عرب الجاهلية ، ثم جاء محمد ، فأخذ هذه التعاليم ، وأعمل فيها عقله وفكره ، حتى بدت وأنها شيء جديد " . ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه خليل عبد الكريم ، هو : هل تصلح هذه التعاليم ، التي كان يطبقها بدو الصحراء ، قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا ، لكي تحكمنا اليوم ؟! على أن ما هو أخطر من هذا السؤال ، ما معناه وخلاصته ، أنه ليس ثمة شيء منزل من السماء ، بل إن الأشياء كلها من صنع سيدنا محمد … !!
ثالثاً : كتاب ( الأسس الفكرية لليسار الإسلامي ) :
وفى هذا الكتاب ، يقول خليل عبد الكريم صراحة ، " إن الإسلام ليس شيئًا غير العبادات " ، مع أن طلبة المراحل التعليمية الأولى ، يعرفون أن الإسلام يقوم على دعامتين ، هما : العبادات ، والمعاملات . ولكنه يحصر الإسلام في العبادات فقط ، ولهذا فإن ميدانه الأصلي ، هو المساجد والجوامع والتكايا والحسينيات ، أو الخلاوي والخانقاهات والزوايا والمصليّات ، وحضرات الصوفية وحلقات الذكر ، ومجالس دلائل الخيرات . ومعنى هذا أن الإسلام دين للعبادة ، وليس دينًا للحياة . أنه يحصر وظيفته في دور العبادة ، أما شؤون الناس وتصريف حياتهم ، فليس للإسلام شأن بها . وهنا نعود إلى مقولات المغرضين ، الذين يقولون إن الإسلام ، ليس دينًا ودولة ، بل هو دين فقط .
رابعًا : كتاب ( مجتمع يثرب .. العلاقة بين الرجل والمرأة في العهدين المحمدي والخليفي ) :
وهذا كتاب مَعْيَبة ، لأنه يشوه الإسلام في أعظم عصوره ، أي في مرحلة النبوة ، وصدر الإسلام ، والخلفاء الراشدين . وسوف يلاحظ القارئ ، في اللحظة الأولى ، أن الكاتب يستخدم ، كلمة ( يثرب ) ولا يستخدم اسم ( المدينة المنورة ) علمًا بأن الاسم الأول ، قد نسخه الإسلام ، وألغاه النبي ، وأطلق عليها هذا الاسم الجديد الجميل . ولكن ليست هذه هي المشكلة في هذا الكتاب ، ولكن المشكلة ، هي في الدراسة الاجتماعية المزعومة ، التي قدّمها ، والتي شوه بها ، ومن خلالها ، أعظم المجتمعات وأعظم العصور وأعظم الشخصيات ، حين نكتشف ، أن المجتمع في مدينة رسول الله ، وهو المجتمع الذي أقام دولة ، ونشر دينًا ، هذا المجتمع ورجاله ، لم يكونوا مشغولين بشيء ، قدر انشغالهم بالمرأة والجنس معًا …‍‍‍!
خامساً: كتاب ( قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية ) :
وهذا الكتاب ، ينزع عن النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، صفات الرسالة والنبوة والوحي جميعًا ، إذ يحاول المؤلف أن يثبت ، أنه ليس هناك شيء من هذا كله ، ولكن الأمر كان ينحصر في رغبة قريش ، في أن تقيم دولة ، وأن تسود على القبائل العربية ، في شبه الجزيرة وما حولها . وقد تم هذا وفق تخطيط محكم قام به ، رجل داهية ، هو جدّ النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهو عبد المطلب الذي جاء بحفيده " محمد " ، ولم يكن أقل منه ذكاءً ، وصنع منه حاكمًا ومؤسسًا لهذه الدولة . لقد أراد عبد المطلب ، أن " يصنع " ملكًا فصنع نبيًا ، أي أن الحكاية كلها هي الحكم ، وهي السيطرة ، وهي السيادة إلى جوار ملوك وأباطرة ، يحيطون بقبائل العرب ، ابتداء من كسرى حتى هرقل .
سادساً: كتاب ( شدو الربابة بأحوال الصحابة ) :
وهذا كتاب لا يقل سوءًا ، إن لم يزد عن الكتب السابقة ، وهو أيضًا يأتي استكمالاً لكتابي مجتمع يثرب ، وقريش القبيلة والدولة . وفي هذا الكتاب الجديد ، يعرض المؤلف لأحوال صحابة رسول الله ، فيقول فيهم كلامًا ، لم يرد في كتب السيرة ، ولا في كتب التاريخ ، ومنه أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان يختلي بالصحابي الجليل سلمان الفارسي ، لأيام طويلة لكي يأخذ منه ، ويتعلم على يديه ، لأن سلمان ، فيما يقال كان من كبار مثقفي عصره ، وكان عالمًا بالعقائد والأديان ، وكان يحيط بالمذاهب المختلفة . وقد جلس النبي بين يديه ، كما يجلس تلميذ بين يدي أستاذه ، ليتعلم منه كل الأسس والقواعد والتجارب والتواريخ والسير ، التي استفاد منها النبي ، بعد ذلك في رسالته الإسلامية المحمدية .
سابعًا: كتاب ( فترة التكوين في حياة الصادق الأمين ) :
وهذا هو آخر كتب ، خليل عبد الكريم ، ولعله من أخطرها جميعًا . ويقوم هذا الكتاب على فكرة واحدة أساسية ، هي أن سيدنا محمد ليس نبيًا ، ولكنه تلميذ عبقري ، لمجموعة من الأساتذة هم : السيدة خديجة ، وابن عمها ورقة بن نوفل ، وبقية أفراد الأسرة وهم : ميسرة ، والراهب بحيرا ، والراهب عداس ، والبطرك عثمان بن الحويرت .. وكلهم مسيحيون .. ولقد قامت هذه المجموعة النصرانية ، على " صناعة" هذا النبي ، بعد أن عكفوا على تعليمه ، لأكثر من خمسة عشر عامًا ، حفظ فيها كتب الأولين والآخرين ، وعرف التوراة والإنجيل ، والمذاهب والعقائد ، وانتهى هذا كله بنجاح " التجربة " أي الرسالة ، وصنع هذا العبقري ، الذي أصبح نبيًا ، ووضع كتاب حيّر العاملين ، على امتداد القرون هو القرآن الكريم .
ويقول خليل عبد الكريم بالحرف الواحد : " وهذا الكتاب ، يقدم رؤية جديدة ، نزعم أنها غير مسبوقة ، لحل هذا اللغز الذي ملأ الدنيا ، وشغل الناس ، وقد بدأنا بمحمد ، قبل أن يلتقي أبوه بأمه ، حتى التقطته سيدة قريش ، بعد أن توسمت فيه ، بفراسة يعز مثلها ، أنه هو القادم المنتظر ، ثم قيامها بمعونة سخية ، من ابن عمها القس ، بدور لا نجد له في تاريخ الأديان مجرد شبيه ، أنها ملحمة خالدة ، سلخت من عمر الطاهرة والقس ، عقدًا ونصف العقد من الزمان ، في الإعداد والتصنيع والتهيئة والتأهيل ، حتى طرح ذلك العمل ، الصبور الدءوب المتأني المخطط ، والمرسوم بدقة متناهية ثمرته الناجحة ، وحدثت واقعة غار حراء ، بصورة فذة معجبة ، أدهشت حتى فاعليها ، وهما سيدة نساء قريش ، وورقة بن نوفل ، لأنها جاءت بصورة ، لم تخطر لهما على بال ، ولا شك أن هذا النجاح ، يؤوب بنسبة كبيرة إلى موضوع التجربة ، وهو " محمد " فقد كان عبقريًا ، لا يفري فرية أحد ، ذلك أن سيرته الذاتية ، وخبراته الشخصية وملكاته العقلية والنفسية واللسانية ، كانت ركائز أساسية في فلاح التجربة " .
ـ لا يفري فرية أحد : ( أي لا يكذب كذبة أحد ، بمعنى جاء بكذبة لم يسبقه إليها أحد من قبله ، حيث كان يُسمى الصادق الأمين في مكة ، وبذلك ينفي عنه الكاتب هاتين الصفتين ، فيكون إيرادهما في عنوان الكتاب ، من قبيل الاستهزاء والاستخفاف ، به وبمن صدّقوه على مدى 1400 سنة ، وهذا مما ملأ قلب مسيلمة الكذاب هذا ، وأمثاله ، غيظا وحسدا على خير الخلق وأكرمهم ، محمد عليه الصلاة والسلام )
ويقول أيضًا في نفس الكتاب ... " أما في المساء ، وفي ليل مكة الطويل شتاءً ، فكان مع الطاهرة - أي خديجة - بمفردها أحياناً ، وبحضور القس أحيانًا أخرى ، حيث تتم في تلك القعدات ، مذاكرة الإصحاحات مباشرة ( التوراة والإنجيل ) ، ثم إدارة الحوار بشأنها ، وأما بتلقّيها من الأم الرءوم والزوجة الحنون خديجة ، التي لا شك أنها أجادت القراءة والكتابة ، وقد قرأت تلك الإصحاحات ، وخزنتّها في ذاكرتها ، أو أنها طفقت تقرأها له مباشرة . وكل هذا يدور بالنهار ، في الأسواق والحوانيت والأعياد ، وما يتم سماعه من القس ورقة ، وخديجة من الإصحاحات ، التي عرّبها القس في الليالي الطوال ، ( لتخرج في شكل سور القرآن ) ، وما يعقبها من شروح وإيضاحات ( السنة النبوية ) ، وحوارات بالجلسات ، التي قد تستمر حتى بزوغ الفجر . نقول أن كل هذا ، كان يجري تخزينه ، وبرمجته في ذاكرة العبقري ، الذي لم تر جزيرة العرب له مثيلاً ، ولم تشهد له ضريبًا ، ولم تعاين له شبيهًا أو ندًا ، خاصّة وقد آمنا أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب ، والأمي - أيّ أُميّ - يتمتع بذاكرة حديدية ، وحافظة واعية أشد الوعي ، فما بالك إذا اجتمعت الأمية والعبقرية الفذة ، في شخص واحد .
ويقول في موضع آخر .. " ومهما كانت الجهود التي بذلتها الطاهرة ، وعاضدها فيها ابن عمها القس ، فأنها لا تنفي عن التجربة ، وفى مقدمتها حادث الغار ، جانبها الغيبي وناحيتها الميتافيزيقية ( المتافيزيقية : لفظ توصف به الظواهر الخارقة الطبيعية ، التي عادة ما تتأتى ، على أيدي الكهان والسحرة والمشعوذين والدراويش ومحضّري الأرواح ، وذلك لنفي الوحي ) ، إذ لا تعارض بين الأمرين ، بل إن كلا منهما يكمل الآخر ويدعمه . ويقول أيضًا .. " حتمٌ علينا ، أن نقرّ ونعترف بمهارة خديجة ، في المزج بين الأمومة الفياضة ، بالحب والحنان ، وبين الإعداد الكريم الدقيق ، لتلقى التجربة ( النجاح ) ، ولولا هذا الخلط البارع ، لما قُدّر للتجربة الفلاح والنجاح ، الذي ملأ الدنيا ، وشغل الناس منذ أربعة عشر قرنًا ، ومازال يشغلهم حتى الآن ، وربما لأمد بعيد ، ما لم تتبدل جذريًا ، أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وما لم يتحلّل حراس الأساطير ، وجلاَّس التراث المبارك ، عن أماكنهم الميمونة ، ( بمعنى ما لم يعمل جهابذة المفكّرين من أمثال الكاتب ، على رفع هالة القداسة عن محمد ورسالته ، فتعالى الله عما يُشرك به المجرمون ) " .
ثم يقول خليل عبد الكريم في موضع آخر وأخير .. " كان أسى محمد المرير ، على فقد خديجة أمرًا بديهيًا ، لأنها الأم الرءوم والزوجة الحبيبة ، ولولاها ما أكمل التجربة حتى نهايتها ، وهي التي أتاحت له التّماس ، مع ورقة وعداس وبحيرا ، وقضاء الليالي الطوال مع ابن نوفل ، في المدارسة والمذاكرة والمحاورة ، وهي التي كانت تقرأ له الصحف ، التي عرّبها القس نوفل ، وهي التي هيأت له الاختلاط ، بأصحاب جميع الملل والنحل والعقائد والأديان ، الذين اكتظّت بهم مكة ، ولولا التفرغ الدائم ، وهو أحد عطايا أم هند ، لما انفسحت له الفرصة الثمينة . ولا شك أن الخلطة بأصحاب الديانات ، شكّلت جزءًا من الخطة المرسومة . لما انضوت عليه الخطة ، من تمرّس واستماع ، وحفظ وحوار ومدارسة وتخزين معلومات . لقد أدركت خديجة ، منذ فجر التجربة ، أن احترامه التجارة لا يدع له فسحة من الوقت ، في حين أن التجربة ، تحتّم ضرورة التفرغ الكامل ، وطلاق كل ما يشغله عنها ، طلاقًا بائنًا بينونة كبرى " .
وبعد .. فهذه مجرد وقفة سريعة ، عند كتب خليل عبد الكريم .. وليس منها كتابًا أقل خطورة من الآخر .. ولكن ربما كان هذا الكتاب الأخير هو أخطرها .. فسوف نلاحظ هنا ، أن سيدنا محمد ، صلى الله عليهم وسلم ، ليس نبيًا يوحى إليه ، بل هو رجل عبقري ، تمت صناعته على يد السيدة خديجة وجماعتها ، وهم مجموعة من أقباط مكة ، وأنه تم تحفيظه الكتب السماوية ، التي سبقته كلها ، فكان النتاج هو هذا الرسول . وأغرب من هذا ، أن الكتاب كله ، لا ترد فيه كلمة " الرسالة " ، للدلالة على الدين الحنيف ، بل هو يسميها " التجربة " .. فلقد نجحت " تجربة " خديجة ومن معها ، بما يعني أنها شيء أرضي ، وليست شيئًا علويًا منزلاً ، من فوق سبع سماوات . وفي هذا السياق ، فهو يسمي السيدة خديجة باسم " الطاهرة " تيمنًا باسم مريم العذراء ، التي طهّرها رب العزة والجلال واصطفاها على نساء العالمين ، ودلالة الاسم هو أن السيدة خديجة كانت نصرانية ، وبعد هذا ، فهو لا يتورع ، عن وصف الوحي ، الذي نزل على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في غار حراء بأنه حادث غيبي ميتافيزيقي !
بين الإبداع والحرية
بقلم : الأستاذ بدر الشبيب .
الإبداع أمر لا يختلف على أهميته اثنان ، والاحتفاء بالمبدعين ، دأب المجتمعات الحضارية ، التي تنشد الرقي والتقدم دائما وأبدا .
ولكن كيف يكتسب عمل ما ، صفة الإبداع ؟ هذا سؤال جوهري ، ينبغي على المهتمين ، بالشأن الثقافي والفلسفي الإجابة عليه ، لأنه أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل ، بخاصة مع ظهور موجة في العالم العربي ، ترى الإبداع في الخروج على المألوف ، والحديث في المسكوت عنه ، وذلك في مجالين اثنين لا ثالث لهما ( الدين والجنس ) .
فباسم الإبداع وحرية النشر والتعبير ، تقذف لنا دور النشر كتابا هنا ، ورواية هناك ، يكون هذان المجالان محورهما ، مع كثير من التطاول ، على حرمة المقدسات والرموز الدينية ، وكثير من الإسفاف والابتذال ، والخروج على الآداب العامة .
وقائمة الأسماء طويلة ، تبدأ من المشرق ، ولا تنتهي في المغرب ، ويأتي على رأس القائمة ، جمع من الروائيين أمثال حيدر حيدر ( وليمة لأعشاب البحر ) ، محمد شكري ( الخبز الحافي ) ، منى فياض ( فخ الجسد ) ، إلهام منصور ( أنا هي أنتِ ) ، ... الخ .
وأما الكُتّاب فهم كثر أيضا ( نوال السعداوي ، ليلى العثمان ، نصر حامد أبو زيد ، خليل عبد الكريم ، ... الخ )
ولعل هذا الأخير ، أعني خليل عبد الكريم ، هو آخر المتطاولين في كتابه ( فترة التكوين في حياة الصادق الأمين ) ، حيث يتناول مرحلة ما قبل النبوة في حياة النبي ( ص ) محاولا النيل من قدسية الرسول ( ص ) ، والتشكيك في كونه مرسلا من عند الله .
والملاحظ أن هؤلاء الكتاب والروائيين يؤسسون لكتاباتهم بمصطلحات تبدو للوهلة الأولى حضارية وتقدمية ، من مثل الإبداع وحرية النشر والتعبير ، وإعادة قراءة النصوص التراثية ، بما فيها القرآن ، بالاستفادة من المناهج التاريخية ، والمدارس الألسنية الحديثة .
ولكننا حين نتأمل في مجمل إنتاجاتهم ، نجدها تهدف أولا وآخرا ، إلى المس من المقدّس الإسلامي ، وجعله غير مقدّس ، وإلى هدم قلاع الحياء والعفة ، في المجتمع المسلم ، وإلا فأي معنى لحصر الإبداع ، في كل ما من شأنه الحط ، من الذوق الجمالي الرفيع ، بدلا من أن يكون الإبداع أساسا ، لتدريب الذائقة وتنميتها ؟
وسؤال آخر يطرح نفسه : هل يحق لكل أحد ، أن يكتب في الدين ، ويناقش مسائله ، ولماذا يصبح النص الديني مباحا لكل أحد ؟ ألسنا نعيش عصر التخصص ؟
وأخيرا ، لماذا يغضب هؤلاء الكتاب ، عند رفع دعوى حسبية ضدهم أمام القضاء ، إذا كانوا متحضرين فعلا ؟ أليس التقاضي أسلوبا حضاريا ؟
ونقطة أخرى هامة ، ينبغي الإشارة إليها هنا ، فنحن لا نستطيع أن نعمم على جميع الكتاب ، تهمة التآمر ضد الإسلام والمجتمع المسلم ، فهناك طائفة من الكتاب ، تنشد الحق ، ولكنها تخطئ الوسيلة والمنهج ، و ( ليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه ) .
نحن لسنا ضد الإبداع ، ولسنا ضد الاستفادة من المنتجات الثقافية للآخرين ، ولا نريد هنا أن نؤسس لفقه المصادرة ، ولكننا نريد أن نؤسس منهجا منطلقا ، من ثقافتنا الإسلامية الأصيلة ، في تعريف مصطلحيّ الإبداع والحرية وحدودهما ، في نفس الوقت الذي ندعو فيه ، لإعادة صياغة فقه الحسبة ، بلغة عصرية ، وبثه في أوساط المجتمع .
وهذا التأصيل ضروري ، لكي نتعرف على قيمة المنفعة والمتعة وغيرهما ، في تحديد إبداعية العمل ، وكذلك للتعرف على الأطر ، التي تعمل الحرية في حدودها ، إذ لا يمكننا الاعتماد على المنهج الغربي ، الذي يكيل بألف مكيال ، فيحتفي بسلمان رشدي ، باعتباره مبدعا ، ويضيق صدرا بروجيه جارودي ، فيسن قانون ( جيسو – فابيو ) ليقدمه للمحاكمة ، لأنه كتب ( الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ) ، كما لم يتسع صدره لـ ( دافيد ايرفنج ) ، المؤرخ البريطاني ، الذي شكك في أرقام الهولوكوست " .
جولة الصحافة : الجزيرة نت ، ثورة المشايخ
" الكلام الوارد ، في كتاب فترة التكوين في حياة الصادق الأمين ، لا يحتمل حكماً آخر ، غير الكفر " د. يحيى إسماعيل ، الأهرام العربي .
ونشرت المجلة ملفاً عن الثورة ، التي أحدثها كتاب "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" ، لخليل عبد الكريم ، الكاتب اليساري ، الذي ينسب نفسه إلى ما يسمى بـ " اليسار الإسلامي " ، أو " الإسلام المستنير " .
وأصدر مجمع البحوث الإسلامية من جهته ، تقريراً عن الكتاب ، أوضح فيه أن الكتاب ، يعتبر إنكارا لرسالات الأنبياء . ويعرض الكتاب لحياة الرسول الكريم بشكل مزر ، حيث صار فاقد الإرادة أمام زوجته السيدة خديجة ، ثم خضع خضوعاً تاماً ، لما أرادته هي وابن عمها ورقة بن نوفل ، من تصييره نبياً ، تدين له جزيرة العرب وغيرها .
وانتهى التقرير ، إلى التوصية بمصادرة الكتاب ، الذي يمثل عملاً عدوانياً ، على عقيدة الأمة الإسلامية ، ينكر مبدأ الرسالات السماوية إنكاراً قاطعاً ، ويزعم أن جميع الأنبياء ، صناعة أرضية بشرية . من الجدير بالذكر ، أن التوصية بالمصادرة ، صدرت بإجماع آراء علماء مجمع البحوث .
من ناحيته ، أكد د. يحيى إسماعيل الأمين العام ، لجبهة علماء الأزهر ، أن الكلام الوارد في الكتاب ، لا يحتمل حكماً آخر غير الكفر . وأضاف قائلاً : لسنا أمام ثقافة أو فكر ، ولا يمكن أن تكون الوقاحة إبداعاً .
وليمة جديدة : وفي نفس الإطار ، نشرت صحيفة الوفد ، تقريرا تحت عنوان " وزارة الثقافة تطبع كتاباً يهاجم الإسلام " ، ويقول التقرير : أن مجمع البحوث الإسلامية ، طلب مصادرة كتاب " المرأة والجنوسة في الإسلام " ، والذي قامت بتأليفه ، ليلى أحمد باللغة الإنجليزية ، وطبعته وزارة الثقافة ، على نفقتها بعد ترجمته .
وكشف التقرير ، أن الكتاب يزعم ، أن القرآن اقتبس مادته التاريخية من التوارة ، وأن الإسلام سلب حقوق المرأة . واتهم التقرير المؤلفة بالتشكيك ، في سماوية القرآن ، وبالتحريف المتعمد لوقائع السيرة النبوية . وطلب التقرير ، مساءلة المجلس الأعلى للثقافة ، عن إضاعة أموال الدولة ، في عمل يدعو لهدم الإسلام " .
معارك الإسلاميين
* جزء من مقال في صحيفة القدس العربي :
" وإلى جماعة الإخوان المسلمين ، في جريدتهم آفاق عربية ، واندهاش الدكتور عبد العظيم المطعني ، الأستاذ بجامعة الأزهر ، من الحملة العنيفة ضد صحيفة النبأ ، بسبب نشرها موضوع الراهب برسوم المحرقي ، وغلقها وإسقاط عضوية ، صاحبها ممدوح مهران من نقابة الصحافيين ، وتقديمه للمحاكمة ، والحملة التي تعرضت لها الدكتورة نوال السعداوي ، بينما لم يحدث تحرك ضد خليل عبد الكريم ، بسبب كتابه فترة التكوين في حياة الصادق الأمين .
المهم أن الدكتور المطعني ، قال : د. نوال ، اخترقت جانباً من حصن العقيدة والتشريع ، وجريدة النبأ ، اخترقت جانباً من الإطار الأخلاقي ، بما يعد تحريضا علي الفسق والفجور ، وخدشاً للحياء وإساءة إلى مشاعر الشعب المصري كله ، مسلمين وأقباطا ، أما خليل عبد الكريم عبد الناصر ( الكاتب ) ، ومحمد هاشم ( الناشر ) ، فإن جريمتهما أفظع جريمة يشهدها المجتمع المصري ، جريمة تدعو إلى تقويض وهدم حقائق الإيمان ، ومحوها من الوجود ، حيث تصور كل أنبياء الله ورسله ، على مدى التاريخ النبوي كله ، بأنهم صناعة أرضية بشرية مفبركة !! وليست لهم صلة بوحي الله ، بل هم المُصَنفرون والمقلوظون في ورش بشرية ، تخصصت في إنتاج الأنبياء والرسل المخدوعين !!
هذه الجريمة الفظيعة ، لم تتجاوز مواجهتها ـ حتى الآن ـ سوى الرفض الإعلامي القولي ، ولم يتخذ ضد أطرافها أي موقف رسمي حاسم ، لوقف هذه المهاترات المشبوهة ، التي تمس نظام المجتمع من الجذور ، والواجب أن يُحاسب قانوناً ، كل من المؤلف والناشر ، وأن تحذو نقابة المحامين ، حذو نقابة الصحافيين ، بشطب اسم خليل عبد الكريم من جدول المحامين ، وأن يتخذ اتحاد الناشرين قرارا ، برفع دعوى لسحب ترخيص ، مكتبة ميريت للنشر والمعلومات ، من مزاولة مهنة النشر . أجل ، إن خليل أولى بالمحاكمة ، من نوال وإن ميريت أولى بالإغلاق من النبأ ، وإلا فان نجاة خليل ومحمد هاشم من المساءلة الرادعة ، سوف يفسح المجال للعشرات من أمثال خليل ، في مجال التأليف المخرّب ، وللعشرات من أمثال محمد هاشم ، من الناشرين المخربين . وحسبنا الله ونعم الوكيل " .
( يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً )
في نيجيريا تخرج الملايين من الناس ، لتجتمع في صعيد واحد مطالبة بتطبيق الشريعة ، فتبدأ ولاية تلو أخرى بتطبيقها ، بالرغم من معارضة الغرب النصراني ، أما في مصر أم الدنيا ، بلد الأزهر ، كما يُسمّيها الأشقاء المصريون ، وفي أرض الكنانة كما يُسميها الأشقاء العرب ، فالشريعة الإسلامية لديهم انتهت مدة صلاحيتها ، لذلك يتوجب علينا أن نُلقيها في سلة المهملات ، ليكون مصيرها الحرق في مقالب قمامة القاهرة .
هي نفسها ، حرب فرعون وملئه ، على موسى ومن معه من المؤمنين ، تتجدّد على نفس الأرض ، وعلى نفس الشاكلة ، ولا وازع ولا رادع ، بالرغم من سكنهم ، في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، فأخذهم وأبقى أثرهم ، لتذكير من يأتي بعدهم ، ببطشه وجبروته .
في مصر تُصدر المحكمة الإدارية في القاهرة ، في مطلع شهر 7/2001م ، قرارا بإغلاق صحيفتي ( النبأ ) و ( آخر نبأ ) ، لأنها أساءت لمشاعر الأقباط ، بنشر صور فاضحة ، انحرافات جنسية لراهب مطرود من الدير ، مما أثار تظاهرات غاضبة للأقباط في حزيران الماضي . وهذا القرار عادل بلا أدنى شك ، فديننا لا يقبل هذا الفعل .
ولكن ماذا عن إساءة مشاعر المسلمين ، وماذا عن الإساءة لكتاب الله ، وماذا عن الإساءة لرسول الله ، وماذا عن الاجتراء على الله ، لقد رُفعت قضايا ضد من قاموا بذلك ، ولكن هل اتخذت تلك المحكمة قرارا مشابها ... ‍‍‍‍؟‍! نعم .. لقد أخذت الحكومة المصرية قرارا ، ولكن بإغلاق الصحف التي دافعت عن مقدسات الأمة ، بدعوى الإرهاب الفكري للمبدعين ، الذين انهالوا على الإسلام ليحطموا أوثانه وأصنامه ، التي ألفوا آباءهم وأجدادهم عليها عاكفين ، منذ أربعة عشر قرنا من الزمان … !!
ما يلفت الانتباه إلى أن أقباط مصر ، غضبوا لدينهم بشكل جماعي ، وهم أقلية في مصر ، ومن حق الإنسان ، بل واجب عليه أن يغضب ، ولا يكون الغضب محمودا إلا في هذا الموقف ، ولكن هل غضب المسلمون في مصر ، عندما انتهكت ، وما زالت ، مقدّساتهم الدينية جملا وتفصيلا .
يقول د. محمد عباس : " كانت الأمة تغلي بالغضب ، وكان قلبها متمثلا ، في طلبة جامعة الأزهر ، حيث تظاهر 25 ألف طالب ، وكانت الدولة مترددة ، حتى حسمت أمرها بإطلاق الرصاص ، على قلب الأمة ، على طلبة جامعة الأزهر " . ويقول : " كان موقف شيوخ الأزهر وطلبته رائعا ، فقد أصدر 70 عالما أزهريا بيانا " .
رائعا ، لكونهم أصدروا بيانا ، ولكن ما شاهدناه على شاشة التلفزيون هو مظاهرة ، تضم بضعة عشرات من فتيات الأزهر ، وأدتها الشرطة المصرية ، من قبل أن تبدأ ، حسبما جاء في النشرات الإخبارية ، وما نود أن نُشير إليه هنا ، أن الأمة المصرية ، لم تُحرك ساكنا ، فهي منشغلة بدنياها ، من رأسها حتى أخمص قدمها ، لتستمر المعركة على صفحات الصحف من قبل القلة ، من أبناء الذين انتصروا لدينهم ، وخذلتهم أمتهم وخذلت دينها ، قبل أن تخذلهم حكومتهم ، وما نسبة 25 ألف طالب ، مما يزيد عن 50 مليون مسلم في مصر … ؟!
وهذا الوضع المؤسف والمأسوي في مصر ، الذي حاول د. محمد عباس تجميله ، والذي يبعث الأسى والحزن في قلب كل مسلم ، هو ما تستشعره في ثنايا مقالات وبيانات ، د. محمد عباس نفسه ، وهو ينادي في أمته ، فلا سامع ولا مجيب ، مما اضطره للاستنجاد بالأزهر وطلبته والمفتي والقرضاوي ، بعد أن وجد نفسه وحيدا محاصرا ، بين فكيّ كماشة إعلام الكفر والضلالة ، وجبروت فرعون وسطوته ، فاستجابوا له بعد حين .
فلماذا انتصرت الحكومة ، لنصارى مصر وحاربت مسلميها ؟! أليس لأنهم يخشون الناس ، من نصارى الغرب ، كخشية الله أو أشد خشية ، نعم .. هذا هو الشرك بعينه ، لذلك اعتقد بعض المفسّرون القدماء ، أن المقصود في الآيات هم مشركي قريش ، ظنا منهم أن الشرك ، ولّى من غير رجعة .
نعم .. إنهم يشكّون بربوبية الله وألوهيته ، ولا يدينون له بالعبادة ، ويشكّون في قدرته على نصر أوليائه ، والانتقام من خصومه ، ويُضاف إلى شركهم صفة أخرى ، هي النفاق ، وهو ما لم ينتبه إليه ، من ذهبوا إلى ذلك القول من المُفسّرين ، فمشركو قريش أخذتهم العزة بالإثم ، فلا حاجة بهم ليُنافقوا رسول الله وصحبه ، ولم يُعطوا الدنية في معتقدهم بالرغم من بطلانه ، حتى فُتحت مكة ودخلوا في الإسلام ، وما ظهر النفاق إلا في المدينة .
وفي خضم هذه الموجة ، ومع ضعف نور الإسلام ، وأفول شمسه ، سيتحول النفاق قريبا ، إلى كفر بواح ، فلن يكون هناك داعيا للخجل . حينها ستكون بطشة ربك الكبرى ، على الأبواب ، ويكون أهل مصر قد أعذروا الله في أنفسهم ، بما كسبت أيديهم ، وبما سكتوا عن الحق ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس ، لنعود إلى قوله تعالى ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59 القصص ) ، ورحمة من ربك ، بعث رسله الكرام ، مبشرين بعظم ثواب الدنيا والآخرة ، ومنذرين من بأسه الشديد في الدنيا والآخرة ، ورحمة بأهل مصر ، ها قد أنذرهم بالدخان ، حتى يوقظهم من غفلتهم لعلهم يرجعون ، مصداقا لقوله ( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ ، مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ، وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131 الأنعام ) ، وقوله ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ، وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117 هود ) .
( قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )
قال تعالى ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ، وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ، قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ ، لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ ، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ، وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74) وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78 التوبة ) .
قال تعالى
( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57 الأحزاب )
وقال
( وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً ، وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا ، لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12 الأحقاف )

يوم نبطش البطشة الكبرى
وهكذا نكون قد عايشنا أجواء المشهد الثالث ، قبل الأخير ، من فصول سورة الدخان ، وبقي المشهد الرابع والأخير ، المشهد الأكثر رعبا ، إنها البطشة الكبرى ، التي سينتقم فيها رب العزة ممن آذوا رسوله ، وهو وعد خاص لمحمد عليه الصلاة والسلام ، ولا يخلف الله وعده ، قال تعالى ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا ، وَالَّذِينَ ءَامَنُوا ، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) ، وقال ( فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47 إبراهيم ) .
أما المؤمنون من أهل مصر ، فربهم أعلم بهم ، وهو كفيل بأن يقيهم العذاب ، حيث وعدهم بالنصر كما وعد رسله ، ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا ، إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ، فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47 الروم ) ، ووعدهم بالنجاة كما وعد رسله ، قال تعالى ( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ ، إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ، قُلْ فَانْتَظِرُوا ، إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا ، وَالَّذِينَ ءَامَنُوا ، كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103 يونس ) .
وبعد جدال طويل ، لمؤمن آل فرعون ، مع أئمة الكفر من قومه ، في حوار يمتد من الآية 28 في سورة غافر وحتى الآية 44 ، يقول لقومه : ( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ، وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ، أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) ، وكذلك سيفعل الذين من بعدهم ، عندما يسمعون بأمر هذا الكتاب ، فسيُمارون ويُكثرون من الجدل الجدال ، ليُثبتوا أن هذه السورة ، لم تكن بأي حال من الأحوال بشأن مصر ، وما يجري في مصر ، وما ذلك بمنجيهم من العذاب ، فالأولى بهم أن يُصلحوا ما فسد من أمرهم ، ويعودوا إلى ربهم .
ماهية هذه البطشة :
المكان هو القاهرة ، بشكل خاص حيث ظهر الدخان ، ومن المرجح ألا يمتد إلى غيرها من المدن المصرية الكبرى ، وربما يمتد ، والله أعلم .
النتيجة هي دمار القاهرة وخرابها ، وهلاك أهلها ، دمارا وهلاكا عاما ، غاية في البشاعة ، وهذا مستفاد من قوله تعالى ( بطشتنا ) عند حديثه عن عذاب قوم لوط ، التي أوضحنا صفتها ، في فصل سابق ، فتلك بطشة ، وهذه بطشة كبرى .
ومما يُدعّم ما ذهبنا ، أنني لم اصطدم بأي حديث نبوي ، من أحاديث آخر الزمان ، تأتي على ذكر مصر ، كما لم تأتي أي منها على ذكر اليهود ودولتهم .
ومن المرجح ، والله أعلم ، ألا تكون هذه البطشة ، بفعل إلهيّ خاص وظاهر ، كعذابات الأقوام السابقة ، مع بقاء الاحتمالية قائمة ، كالخسف والزلازل . ومن المحتمل أن تكون ضربة أو ضربات نووية ، تترافق وتتزامن مع أحداث الحرب القادمة ، في ظرف ثلاثة سنوات على الأكثر ، والله أعلم .
ومما يدعم احتمال ضرب القاهرة نوويا ، هو ما جاء في أسفار التوراة ، من أخبار بخراب مصر وحريقها بالنار ، وهلاك أهلها ، وجفاف النيل وروافده ، فربما تصدق إن كانت هي المقصودة فعلا ، في النصوص التالية :
ـ نص من سفر إشعياء ، وهو السفر الأقل تشويها وتحريفا ، وهو السفر الذي مازال يحتفظ بنصوص البشرى ، بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإليك نصه :
" إشعياء : 19: 1-16: نبوءة بشأن مصر ، ها هو الرب قادم إلى يركب سحابة سريعة ، فترتجف أوثان مصر في حضرته ، وتذوب قلوب المصريين في داخلهم ، وأُثير مصريين على مصريين فيتحاربون ، ويقوم الواحد على أخيه ، والمدينة على المدينة ، والمملكة على المملكة ، فتذوب أرواح المصريين في داخلهم ، وأُبطل مشورتهم ، فيسألون الأوثان والسحرة وأصحاب التوابع والعرّافين ، وأُسلّط على المصريين مولىً قاس ، فيسود ملك عنيف عليهم ، هذا ما يقوله الرب القدير .
وتنضب مياه النيل ، وتجف الأحواض وتيبس ، تُنتن القنوات ، وتتناقص تفرّعات النيل وتجف ، ويتلف القصب والأسل ، وتذبل النباتات على ضفاف نهر النيل ، والحقول والمزروعات كلها تجف ، وكأنها لم تكن مخضرّة . فيئن الصيادون وطارحو الشصوص في النيل وينوحون ، ويتحسّر الذين يلقون شباكهم في المياه ، ويتولّى اليأس قلوب الذين يصنعون الكتان الممشّط ، ويفقد حائكو الكتان الفاخر كل أمل ، ويُسحق الرجال ، أعمدة الأرض ، ويكتئب كل عامل أجير .
رؤساء صوعن حمقى ، ومشورات أحكم حكماء فرعون غبية , كيف تقولون لفرعون ، نحن من نسل حكماء ، وأبناء ملوك قدامى ؟! أين حكماؤك يا فرعون ، ليطلعوك على ما قضى به الرب القدير على مصر ؟! قد حَمق رؤساء صوعن ، وانخدع أمراء نوف ، وأضلّ مصر شرفاء قبائلها . جعل الرب فيها روح فوضى ، فأضلّوا مصر في كل تصرّفاتها ، حتى ترنّحت كترنّح السكران في قيئه ، فلم يبق لعُظمائها أو أدنيائها ما يفعلونه فيها . في ذلك اليوم ، يرتعد المصريون كالنساء ، خوفا من يد الرب القدير التي يهزّها فوقهم " .
ـ ومقتطفات من نص آخر لارميا ، يُنبّئ بخراب مصر :
" ارميا : 46: 13- : النبوءة التي أوحى بها الرب إلى ارميا النبي ، عن زحف نبوخذ نصر لمهاجمة مصر : أذيعوا في مصر ، وأعلنوا في مجدل ، خبّروا في ممفيس ، وفي تحفنحيس ، قولوا : قف متأهبا لأن السيف يلتهم مِن حولك . … فتقول بقية اليهود آنذاك : " قوموا لنرجع إلى قومنا ، وإلى أرض موطننا ، هربا من السيف الطاغي " . ويهتفون هناك : " إن فرعون ملك مصر ، ليس سوى طبل أجوف ، أضاع فرصته " . … تأهبوا للجلاء يأهل مصر ، لأن ممفيس ستصبح أطلالا ، وخربا مهجورا . مصر عجلة فاتنة هاجمها الهلاك من الشمال ، حتى مرتزقتها في وسطها كعجول مسمّنة ، قد نكصوا على أعقابهم هاربين معا ، ولم يصمدوا لأن يوم بلائهم ، قد حل بهم في وقت عقابهم … " .
ـ ومقتطفات من نص آخر لحزقيال ، يُنبّئ بخراب مصر :
" حزقيال : 30: 1-13: وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : يا ابن آدم ، تنبّأ ، وقل : … ، إنّ يوم الربّ بات وشيكا ، … ، إنّه يوم مُكفهرّ بالغيوم ، ساعة دينونة ( نهاية ) للأمم ، إذ يُجرّد سيف على مصر ، فيعُمّ الذعر الشديد إثيوبيا ، عندما يتهاوى قتلى مصر ، ويستولي على ثروتها ، وتُنقض أُسسها . ثم تسقط معهم بالسيف ، إثيوبيا وفوط ولود ، وشبه الجزيرة العربية وليبيا ، وشعوب الأرض المُتحالفة معهم … فيتهاوى سُكّانها من مجدل إلى أسوان ... فتُصبح أكثر الأراضي المُقفرة وحشة ، وتُضحي مُدنها أكثر المُدن خرابا … في يوم هلاك مصر ، الذي لا بد أن يتحقّق .
لأني سأفني جماهير مصر بيد نبوخذ نصّر ملك بابل ،إذ يُقبل بجيشه ، أعتى جيوش الأمم لخراب ديار مصر ، فيُجرّدون عليها سيوفهم ، ويملئون أرضها بالقتلى ، وأُجفّف مجاري نهر النيل ، وأبيع الأرض لقوم أشرار ، وأُخرّب البلاد فيها بيد الغرباء ، أنا الربّ قد قضيت . ثمّ أُحطّم الأصنام ، وأُزيل الأوثان من ممفيس ، ولا يبقى بعد ، رئيس في ديار مصر ، وأُلقي فيها الرعب " .
( وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ )
قال تعالى في سورة القمر ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا ءَالَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40 القمر ) .
فتماروا بالنُذر : جماع معنى كلمة مراء ، هو الإكثار في الجدال بلا طائل ، بغية إلباس الحق بالباطل ، والصورة التي تشكّلت لدينا ، مما جاء من معاني في لسان العرب ، هو أن قوم لوط ، عندما أنذرهم وحذّرهم عليه السلام من العذاب ، استهزءوا به وبتحذيره ، بل وطفقوا في مجالسهم ، يتبارون فيما بينهم أيهم أقوى حجة ، بكل ما أُتوا من ملكات وبيان ، لاستخراج واستنباط البراهين ، لتفنيد ما يدّعيه لوط ، من قدرة ربه على إهلاكهم ، دون أن يألوا جهدا في التشكيك بذلك ، مظهرين أكبر قدر من الصلابة والثبات ، في مواقفهم المخالف للوط ، وأكبر قدر من الخصومة ، كل من بما يدعيه من الحق ، فيما يقول . وهذا ما يقوم به عادة ، المدافعين عن الباطل ، لإضلال الناس ، وهذه الصورة كثيرا ، ما نراها هذه الأيام ، في حوارات أهل الباطل ومناقشاتهم ، حتى من بعض رجال الدين ، عندما يجتمعون فيما بينهم ، على منابر الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة . قال تعالى ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56 الكهف )
والسؤال الآن : هل سيتمارى أهل مصر بهذا الكتاب ، فيما لو وقع تحت أيديهم ، كما تمارى الذين من قبلهم ؟ نقول : نعم بلا أدنى ! ألم يقل سبحانه ( أنّى لهم الذكرى ) ، وقد كذّبوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام ، فالأحرى بهم أن يُكذبوا من هو دونه من البشر ، أيا كانت درجتهم أو صفتهم ، وألم يقل سبحانه ( يوم نبطش … ) وعقب على هذا اليوم ، بقوله ، ( فارتقب إنهم مرتقبون ) ، فالمسألة باتت مسألة وقت ، لا أكثر … فلنرتقب … ونرى … !
ولكن هل يفيد هذا الإنذار ، السابق للعذاب ؟ نقول : نعم ، لو لم يكن فيه فائدة ، لما أنزله الله في كتابه :
أولا : إذ لو عاد أهل مصر عامة ، عمّا هم عليه ، لرُفع عنهم العذاب ، كما رُفع عن قوم يونس عليه الصلاة والسلام ، وأما التأكيد على أنهم سينزل بهم ، كان لسبق علم الله ، بما سيكون من إصرارهم على ما هم عليه ، بعد كشف الدخان .
ثانيا : وربما سيكون هناك عودة ، لبعض أهل مصر على المستوى الفردي ، فيما لو انتبه أحدهم ، لهذا الأمر ، من خلال قراءته لسورة الدخان ، أو تم تنبيهه لهذا النذير الإلهي . وكون الناس منشغلون بدنياهم عن قراءة القرآن ، فذلك حجة إضافية عليهم ، يوم القيامة فيما لو تذرّعوا بأن لم يأتهم نذير ، في أنهم كانوا حقا معرضين عن كتابه ، كما أخبر سبحانه بحالهم ، من سابق علمه ، في كتابه العزيز ، ليكون النذير في متناول أيديهم وهم لا يشعرون . وربما يكون أحدهم قد انتبه . ولما لم يُكلّف نفسه بالبحث ، إذ لا يرى نفسه ملزما ، بفهم كتاب الله ، فتساءل … ؟! فضلّله عامّي أو عالم أو فقيه ، بغير علم … !
ثالثا : ليكون في كل هذا عبرة ، لمن يعتبر من المصريين ، وغيرهم من الأمم . قال تعالى ( فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56 الزخرف )
مسألة إهلاك العامة والخاصة :
قد يستنكر البعض إهلاك الله للعامة ، كونهم مسلمين … ! نقول أن ربهم أعلم بهم ، وهو الأقدر على كيفية التعامل معهم ، وحكمه في خلقه عدل ، وقضاؤه فيهم حقّ .
ـ ومما قاله رب العزة في سنن إهلاك القرى ، موضحا أسباب استحقاق أهلها للعقاب بفعل ساداتها :
قال تعالى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ، أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ، وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123 الأنعام ) ، وقال ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ، أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ، فَفَسَقُوا فِيهَا ، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ، فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16 الإسراء )
- وأما أسباب استحقاق العامة للعقاب ، كما يُبيّنوها هم بأنفسهم :
قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ، لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ، وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70 الأحزاب )
وقال تعالى ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101 الشعراء ) .
وقال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ ، وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلَوْ تَرَى ، إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ، لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ، لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31 سبأ )
وذلك بسبب طاعتهم وتأليههم لسادتهم وكبرائهم من المجرمين ، ورضاهم واتباعهم لمنهج كبرائهم ، سواء كان ذلك كرها أم طوعا ، وممارستهم للفساد والإفساد كل حسب طاقته . وفساد الحكام عادة ما يكون مسبوقا ، بفساد الشعوب وانحرافها ، وليس العكس كما يتصور الكثير من المنظّرين ، الطامعين في السلطة ، صابين جام غضبهم على الحكام ، والأجدى بهؤلاء والأجدر . بأن يشعروا بالرثاء لحال الملوك ، والإشفاق عليهم من حسابهم العسير ، بين يدي ملك الملوك ، إن كانوا من الظالمين ، وليصلحوا أنفسهم أولا ، ورب العزة كفيل ، بأن يولّي عليهم من هو خير منهم ، ولا أذكر بالضبط من القائل : " لو يعلم الملوك ، ما نشعر به من حلاوة الإيمان ، لقاتلونا عليها بالسيوف " . وهل يضمن هؤلاء ألا يُفتنوا ببريق المال والسلطة ، كما افتُتن الملوك والحكام ، على مرّ العصور ، فيما لو تحصّلوا عليهما . قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11 الرعد ) .
وتدبّر دعاء نوح عليه السلام على قومه ، حيث شملت دعوته من هم في ظهور آبائهم : ( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27 نوح )
وتفكّر وتدبّر في قصة أصحاب السبت ، فيما يلي من آيات :
( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166 الأعراف ) .
إذن ، هناك نجاة لمن ينهون عن السوء أولا ، ومن ثم هناك عذاب للذين ظلموا ثانيا ، بما كانوا يفسقون ، والفسق اصطلاحا هو الخروج من الدين ، ولاحظ هنا أن النجاة ، كُتبت لمن أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، فهل نجرؤ أو نقوى هذه الأيام على فعل ذلك ، وإيمان الواحد منا على حرف ، وخوفنا على فقدان متاع الحياة الدنيا ، أشد من خوفنا من أمر الله … ؟!
قال تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ، انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11 الحج )
وعن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ، قال : كَانَ النَّاسُ ، يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ ، قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ، قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ؟! فَقَالَ : هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ، قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ، قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ " . رواه البخاري ومسلم ، وأخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن وأحمد .
وعَنْ سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، قَالُوا : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ " . رواه البخاري ومسلم ، وأخرجه وأبو داود وابن ماجه وأحمد .
وقال تعالى ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ ، الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25 الأنفال )
( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا ، عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ )
قال تعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا ، عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ ، تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ ، يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ ، فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا : رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ، نُجِبْ دَعْوَتَكَ ، وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ، أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ، مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ، وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ ، مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47 إبراهيم ) …
… هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ، وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52 إبراهيم )
من هم الظالمون ومن هي القرى الظالمة ؟!
جاء في إهلاك القرى الظالمة :
( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48 الحج )
( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102 هود )
( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52 النمل )
( وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11 الأنبياء )
( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) … ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131 الأنعام ) .
( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ ، بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ، هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47 المائدة )
مفهوم الظلم بالمنظور الإلهي ، على المستوى الفردي والجماعي :
1. إدعاء البشر للألوهية : ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ، إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ، كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29 الأنبياء )
2. الشرك بالله : ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13 لقمان )
3. الشرك في الدعاء والولاء : ( وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106 يونس )
4. الكذب على الله أو التكذيب بآياته : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21 الأنعام )
5. الإعراض عن آيات الله : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22 السجدة )
6. الكفر بعد الإيمان : ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86 آل عمران )
7. إنكار البعث وقدرة الله على الخلق : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99 الإسراء )
8. التكذيب المسبق بدون علم ، ممن أخذتهم العزة بالإثم : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39 يونس )
9. الخوض في آيات الله : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68 الأنعام )
10. تكذيب الرسل : ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113 النحل )
11. اتهام الرسل بالمس ، إنكارا للوحي : ( إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47 الإسراء )
12. اللهو والتجني على الرسل في السر والعلن : ( لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ، وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3 الأنبياء )
13. اتهام الرسول بالكذب والتعلّم من البشر : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4 الفرقان )
14. الإعراض عن هدي الرسل واتباع سبلهم : ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27 الفرقان )
15. منع ذكر الله في المساجد والسعي في خرابها : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا (114 البقرة )
16. كتم ما أُوتي الناس من علم من عند ربهم : (قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ (140 البقرة )
17. شهادة الزور : ( … فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107 المائدة )
18. اتباع الهوى : ( بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29 الروم )
19. اتباع أهواء أهل الكتاب : ( وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ (145البقرة )
20. السعي في الفتنة : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193 البقرة )
21. معصية أمر الله : ( وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (35 البقرة )
22. الاعتداء على حدود الله : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (229 البقرة )
23. القتل وسفك الدماء : ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29 المائدة )
24. الحكم بغير ما أنزل الله : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (45 المائدة )
25. الاستنكاف عن القتال في سبيل الله : ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246 البقرة )
26. خيانة العهد ونكران المعروف : ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23 يوسف )
27. موالاة الذين يقاتلون المسلمين ، ويُخرجونهم من ديارهم ، وموالاة الذين يُؤيدونهم ويُساندونهم في فعلهم : ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9 الممتحنة )
28. موالاة اليهود والنصارى : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51 المائدة )
29. موالاة الكافرين ولو كانوا أولي قربى : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (23 التوبة )
30. إخراج الناس من ديارهم وتشريدهم : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13إبراهيم )
31. إضلال الناس : ( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24 نوح )
32. الشعور بالفوقية ، والتكبر والاستعلاء على الناس : ( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35 الكهف )
33. ازدراء فقراء المؤمنين والإعراض عنهم : ( وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52 الأنعام )
34. الاستهزاء بالآخرين والتقليل من شأنهم : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11 الحجرات )
35. الاستعاضة عن الإيمان بالله واليوم الآخر ، والجهاد في سبيله ، بخدمة الحجاج : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19 التوبة )
36. حمل القرآن والعمل بنقيض ما جاء به : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5 الجمعة )
هذا الكتاب يؤكد على أن زمن النهاية قد اقترب ، وأن الحلقة الأولى من مسلسل أحداثها ، ستبدأ على أبعد الاحتمالات ، خلال فترة زمنية ، لا تزيد عن أشهر معدودة . وأن أحداث النهاية ، سيهلك فيها الكثير من الناس ، وتنهار فيها الكثير من الأمم ، وقد يستنكر الكثيرون هذا الأمر .
قال تعالى ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ (17 الإسراء ) ولو رجعنا إلى الوراء قليلا ، واستذكرنا تلك الأقوام التي أُهلكت لمّا ( عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ (8 الطلاق ) ، لوجدنا أن أشكال الظلم التي مارستها تلك الأقوام ، لا تُقارن مع ما تمارسه الأقوام المعاصرة . أفلا تستحق الأقوام المعاصرة الهلاك ؟ وإن كانت كذلك أليس هلاكها بقريب ؟!
ولو استذكرنا تاريخ الأمة الإسلامية ، سنجد أنها مُنيت بكثير من النكبات والمصائب ، كلما كانت تبتعد عن الآخرة وتلتصق بالحياة الدنيا . والحالة التي نعيشها الآن ، هي الأسوأ على مر التاريخ ، فنحن منغمسون في الحياة الدنيا ، من الرأس حتى أخمص القدم ، وأما الإسلام ، فهو مجرد شعار تسويقي ، نلبَسه كلما اقتضت الحاجة لذلك . أفلا نستحق الهلاك ، أو الاستبدال ، أو التأديب على الأقل :
ولو ( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ( 155 البقرة ) ؟!
أو ( أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ، أوَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65 الأنعام ) ؟
وعلى ما يبدو أن إهلاك القرى ، سيبدأ بثلاثية الإفساد والظلم في الأرض ، على مستوى الديانات الثلاث ، اليهودية والنصرانية والإسلام ، متمثلة في إسرائيل وأمريكا ومصر ، ومن ثم بقية القرى المفسدة والظالمة تباعا ، على قاعدة الجزاء من جنس العمل ، بإذن الله ، وما ذلك على الله بعزيز .
( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )
قال تعالى ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10 الأحزاب ) ، كان هذا حال صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام ، أكثر الناس إيمانا وعزيمة وصبرا وثباتا على دينهم ، لقد بلغ منهم الخوف مبلغا عظيما ، حتى ساورتهم الشكوك والظنون ، في غزوة الأحزاب ، عندما تألبّ عليهم من بأقطارها ، من ملل الكفر والشرك ، جمعتها الصهيونية اليهودية الحاقدة قديما ، لوأد دولة الإسلام الحديثة ، خوفا من ضياع السيطرة اليهودية ، على مجريات الأمور في الجزيرة العربية ، بإثارة الفتن والحروب بين القبائل ، حيث كان اليهود المرجعية الاستشارية ، لمشركي قريش وغيرهم من القبائل ، فيما يتعلّق بأساطير الأولين .
وفي العالم العربي والإسلامي شرقا وغربا ، يشعر الناس بالإحباط واليأس والخوف ، من الوضع المُتأزم الذي يعيشونه في السنوات الأخيرة إجمالا ، وفي هذه الأيام على وجه الخصوص ، وهم يشاهدون ما يجري على أرض الإسراء والمعراج وغيرها ، من هجمة شرسة شنها أوغاد الصهانية في الشرق ، مدعومين بأوغاد الصهانية من يهود ومسيحيين في الغرب ، حتى بدأ اليأس والقنوط من رحمة الله ، يتسرّب إلى قلوب الكثير منهم ، لدرجة أن منهم من ظنّ بالله ظنّ السوء ، بل ومنهم من كفر بالله ربّا ، وبالإسلام دينا في لحظة من اللحظات ، ومنهم من دعا على أهله وولده ، وعلى الشعوب العربية وحكّامها بالهلكة والخراب .
لمثل أولئك في هذا الزمان ، يقول سبحانه وتعالى ، قبل ما يزيد على 1400 سنة ، في كتابه المجيد ، في نهاية سورة النحل ، قبل أن يبدأ في الأخبار ، عن وعد الآخرة في السورة التي تليها :
( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ، وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
وفي معرض تعقيبه على وعد الآخرة ، الذي نعيشه الآن بكل حيثيّاته ، يقول :
( وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ، وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11 الإسراء )
ويقول أيضا في نفس السورة : ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83)
ويقول في سورة فُصّلت : ( لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ، وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49)
وعَنْ صُهَيْبٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " . رواه مسلم .
كثير من الناس ، ببعدهم عن القرآن والسنة ، لا يفهمون الكثير من الغايات والمقاصد الإلهية ، من تصريف أمور الناس بالشكل المنظور والمحسوس ، وخاصة فيما يتعلّق بالابتلاء ، سواء بالخير أو الشرّ ، ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35 الأنبياء ) مع أن الله سبحانه وتعالى ، وضّح وبيّن في كتابه العزيز للمؤمنين ، أن عاقبة الأمور ، هي ما يجب أن نُركّز عليه أنظارنا وعقولنا وقلوبنا . وأن نعلّق آمالنا دائما وأبدا على العاقبة ، أي المنتهى الذي ستؤول إليه الأمور فيما بعد ، سواءً في الدنيا أو الآخرة ، مهما طال الزمن أو قصر ، وألا نعلّق آمالنا على الواقع الذي نعيش فيه ، فبعد غزوة الأحزاب ، التي زعزعت قلوب المؤمنين ، فُتحت مكة ، وكانت تلك الفئة المؤمنة الصابرة والثابتة ، هي نفسها التي قادت جيوشا ، لتزلزل عروش أكبر دول الكفر والطغيان ، في ذلك الزمان .
كان يوسف عليه السلام قد أُبعد عن أبويه طفلا ، ورُمي في البئر ، وأُخذ من قبل أُناس غرباء إلى أرض غريبة ، وبيع عبدا بدارهم قليلة ، وعاش غريبا حتى بلغ أشدّه ، واتُهم بمراودة زوجة سيده ، وألقي في السجن سنينا طويلة . ولكن بعد كل تلك المعاناة ، وفي نهاية المطاف ، كان الأمر مختلفا كليا ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56 يوسف ) وأما في الآخرة ( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57 يوسف )
ويؤكد سبحانه بأن بداية التمكين ليوسف ، كانت منذ دخوله لبيت العزيز ، مع كونه دخله عبدا ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ … ) ، ولكنّ الناظر إلى يوسف عبدا سجينا ، قابعا في زوايا النسيان والإهمال ، ولو كان أكثر الناس تفاؤلا ، لم يكن يخطر بباله ، أن حال هذا العبد السجين ، المتهم بالخيانة ، سينقلب رأسا على عقب ، ليُصبح وزير مالية مصر ، أكبر دول العالم القديم ؟! ولكن حكمة الله اقتضت ، عكس ما قد يتصوّره ، أغلب الواقعيون من أُناس ذلك العصر ، وعلى رأسهم العزيز وامرأته . لذلك أكد سبحانه ، على أن الناس – خاصة غير المؤمنين بالله وصفاته ، جلّت قدرته – يُعانون في الغالب ، من قصر النظر والفكر ، بأنه قادر على تنفيذ مشيئته ، في أقسى الظروف وأحلكها واستحالتها ، مخالفا كل معطيات الواقع ، الذي يتذرّع به الناس هذه الأيام ، لذلك قال في تكملة الآية ( … وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) ، وفي سورة الروم ، يُوضّح سبحانه ، حقيقة ما يعلمه الناس ويؤمنون به ، في قوله ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) ، وظاهر الحياة الدنيا ، هو الواقع المشاهد .
أما بالنسبة لواقع الأمة الإسلامية الحالي ، وما يواجهه الشعب الفلسطيني ، من معاناة ، من قبل المفسدون الصهاينة في الغرب والشرق ، فإن الله وعد المؤمنين بالنصر من عنده ، ووعد عدوهم قبل ثلاثة آلاف سنة ، بالعذاب إن أفسدوا في الأرض ، وقد أفسدوا فيها ما يزيد على خمسين سنة ، وبلغ إفسادهم هذه الأيام عنان السماء ، فهذان وعدان ، صدرا ممن لا يخلف الميعاد ، ولكن الأمر يحتاج إلى الإيمان بالله ، والصبر والثبات على الدين ، وعلى مواجهة عدوهم ، وحسن ظنهم بالله .
يقول سبحانه في شأن المفسدين في الأرض مخاطبا رسوله وأمته ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ ، كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47 الحج ) وقال ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35 الأحقاف ) .
هذه الأيام ، يأس الناس من الشرّ ، فهم يستعجلون زواله ، ورغبوا في الخير ، وهم يستعجلون إطلاله ، فقد استقوى الباطل وزادت سطوته ، وغاب الحقّ وطالت غيبته . ( فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11 غافر ) ؟ !
الفرق بين الميقات السماوي الميقات الأرضي :
عادة ما يشعر الإنسان ، في حالات الفرح ، بأن الزمن ينقضي كلمح البرق ، فالأسبوع يمرّ وكأنه يوم ، واليوم وكأنه ساعة ، والساعة وكأنها دقيقة ، أما في حالات الفراغ أو الحزن ، فيشعر بأن الزمن يسير ببطئ شديد ، ويكاد أن يتوقف ، فالدقيقة تمرّ وكأنها ساعة ، والساعة وكأنها يوم ، واليوم كأنه شهر ، فالإحساس بالزمن أمر نسبي ، يعتمد على الحالة النفسية التي تعتري الإنسان بين حين وآخر .
وحتى لا يتخبّط الإنسان ، في تقديراته للزمن تبعا لحالته النفسية ، اتُخذت الأيام والشهور والسنون ، وهي مقاييس ثابتة ومنتظمة ، لاعتمادها على الحركة المنتظمة ، والثابتة للأجرام السماوية ، التي أبدعها رب هذا الكون . وبقيت مسألة كيفية تقدير الزمن ، بالنسبة لليوم الواحد ، فاصطلح على تقسيم اليوم ، إلى 24 ساعة ، والساعة إلى 60 دقيقة ، والدقيقة 60 ثانية .
ويرى كثير من المسلمين ، أن فترة الظلم والإفساد على الأرض ، طالت جدا ، وربما ستطول أكثر عند البعض . ونقول هي في الميقات السماوي قصيرة جدا ، ولتوضيح الفكرة وتقريبها إلى الأذهان ليس إلا ، سنقوم بعملية حسابية بسيطة .
اليوم في الميقات السماوي = 1000 سنة ، واليوم في الميقات الأرضي = 24 ساعة
فإذا قمنا بقسمة 1000 سنة ، على 24 ساعة ، سنكون قادرين ، على التوصل لمعرفة نسبية لمقدار الساعة الواحدة ، في الميقات السماوي : 1000 ÷ 24 = 41,6 سنة
إذن الساعة الواحدة في الميقات السماوي تقابل 41,6 سنة أرضية
أي أن الساعة في الميقات السماوي ، تُقابل 42 سنة تقريبا ، بالمقارنة مع الميقات الأرضي
ولحساب عمر الدولة اليهودية ، على سبيل المثال ، بالميقات السماوي ، وبما أن العمر المتوقع لها ، لن يتجاوز 56 سنة ، نجد أن
( 1 ) ساعة سماوية : 41,6 سنة أرضية
( س ) ساعة سماوية : 56 سنة أرضية
ومن خلال الضرب التبادلي :
نجد أن ( س ) = ( 41,6 × 1 ) ÷ 41,6 = 1,344 ساعة سماوية
أي أن عمرها ، هو ساعة واحدة و 0,344 من الساعة . وبما أن الساعة لدينا ، تتكون من ( 60 ) دقيقة .
فإن 0,344 من الساعة = 0,344 × 60 = 20 دقيقة .
ليتبين لنا ، أن إحساس أهل السماء ، بانقضاء 56 سنة أرضية ، يُماثل إحساسنا بانقضاء ، ساعة واحدة وعشرين دقيقة فقط على الأرض ، وهو زمن قصير جدا بالنسبة لأهل السماء ، وطويل جدا بالنسبة لأهل الأرض .
لذلك يشعر الناس على الأرض ، بطول الزمن وامتداده ، فتجدهم يستعجلون الوعود الإلهية ، بإهلاك القرى الظالمة وبنصر المؤمنين ، ويعجبون من تأخّرها ، وأما أهل السماء ، فهم على العكس تماما ، يرون أن العذاب أو النصر ، يتنزل على الناس بسرعة كبيرة جدا ، وأن الأحداث تجري كلمح البصر ، وهذا ما يؤكده الإخبار الإلهي ، عن الساعة في القرآن ، حتى ظنّ صحابة رسول الله ، من كثرة ما أكّد سبحانه وتعالى على قربها ، أن ستقع في زمانهم ، لذلك كان الناس آنذاك يكثرون السؤال عنها ، إشفاقا من أمرها ، وها قد مرّ أكثر من 1400 سنة ، ولم تقم بعد ، وهذه الحقيقة هي ما يُقرّره سبحانه وتعالى ، في مطلع سورة المعارج ، حيث قال : ( سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7 المعارج ) ، وقال تعالى :
( فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ )
الطوفان الأخير وطوق النجاة
الأرض حبلى بالفساد :
قال تعالى ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41 الروم )
لم تحمل الأرض ، حملا فاسدا ومفسدا ، في تاريخها الطويل ، كهذا الحمل ، الذي حملته في المائة سنة الأخيرة . فقد حوت في رحمها ، جميع خطايا ومعاصي الأمم السابقة ، التي كانت فيما مضى ، تُهلك لمجرد خطيئة أو معصية واحدة تُصرّ عليها ، كعبادة الأصنام ، أو إتيان الفواحش ، أو تطفيف الكيل ، وذلك بالرغم من وجود ، تعاليم موسى وعيسى ومحمد ، عليهم الصلاة والسلام ، حية مسطورة بين دفات الكتب . فالأرض حبلى بالفساد ، ولا بد لهذا الحمل ، الذي عظم شأنه وكبر حجمه ، من جراحة قيصرية مؤلمة جدا ، لإنقاذ رحم الأرض ، قبل أن تتسرّب لبقيته العفونة ، فلا يُسمح له بحمل آخر .
قال تعالى ( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24 يونس )
هذه الآية تحمل في ثناياها سنة إلهية ، جاءت على شكل شرط وجواب للشرط ، والشرط ، ( أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ) ، هو أن تأخذ الأرض أبهى صورها ، وأن يُصبح أهلها منشغلون بمظاهرها ، مفتونون بجمالها ، يبذلون قصارى جهدهم في تحصيل متاعها ، غافلين عن شكر خالقها وبارئها ، ظانين أنهم قادرين ، وبلا منازع ، على تصريف شؤونها ، وشؤون من على ظهرها من المخلوقات ، منتقصين قدر وقدرة ، خالقهم وخالقها .
أما جواب الشرط ، فهو مجيء أمر الله ، ( أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ) ، وماهية أمر الله تتبين من النتيجة ، في تعقيبه سبحانه وتعالى ، (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ) ، وهي خراب الأرض ، بزوال زينتها وزخرفها ، التي أشغلت الناس عن عبادة الله ، وهي تشمل كل ما تراه من حولك ، من مفاتن الحياة ، التي اغتر بها الناس ، إلا من رحم ربي وهم قليل ، وذلك يعني هلاك الكثير من الناس . وإن لم تستخدم الأسلحة النووية ، في جعل الأرض صحراء قاحلة ، أينما وقع من أهلها ، ما أخبرت عنه الآيات ، فما الذي سيجعلها كذلك ، مع حتمية زوال هذه الأسلحة ، كما كنا قد أوضحنا في فصول سابقة .
وهذه السنة الإلهية ، ستمضي في عصرنا ، وقريبا جدا ، كما مضت مرارا وتكرارا في الأقوام ، كلما ابتعد الناس عن الغاية الإلهية ، من جعل الإنسان خليفة في الأرض ، ويُعقّب سبحانه ، أنه فصّل الآيات ، وأن هذا الأمر المفصّل في الآية ، مطروح للتفكّر فيه ، بمعنى أنك متى عاينت ما أخبرت عنه الآيات ، متمثّلا على أرض الواقع ، فتوقع أمر الله في أي لحظة ، هذا إن كنت ممن يتفكّرون .
الأمة الإسلامية فسقت عن أمر ربها وموعودة بالعقاب أيضا :
قال تعالى ( قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ ، وَأَبْنَاؤُكُمْ ، وَإِخْوَانُكُمْ ، وَأَزْوَاجُكُمْ ، وَعَشِيرَتُكُمْ ، وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ، وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24 التوبة ) .
وهنا شرط آخر خاص بأمة الإسلام ، فإن تحقّق منها ما تُخبر عنه الآيات ، وقد تحقّق هذه الأيام ، بل حالنا أسوأ من ذلك بكثير ، إذ لمن نكتفي بحب الحياة الدنيا ومفرداتها ، فقد بدأنا مؤخرا ، نمارس الفساد والظلم والعصيان ، والتعدي على حدود الله في وضح النهار ، وفي الأماكن العامة ، في الشارع ، في الجامعة ، في التلفاز ، في الصحف ، في الكتب ، ولكن الرحمن الرحيم ، لم يُنزل بنا غضبه حتى هذه اللحظة ، ولا شكّ أنه على وشك … !
أمر الله سيحيق بنا قريبا ، وأقلّه شيء من الخوف والجوع ، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، وأكثره الهلاك العاجل في الدنيا ، ونار جهنم في الآخرة ، هذا لمن فسق عن أمر ربه ، من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، أما من ضرب بمظاهر الحياة الدنيا عرض الحائط ، وتاجر بما عند ربه ، فآمن وصبر وعمل صالحا ، فأولئك لهم البشرى من ربهم ، في الدنيا والآخرة .
قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ، وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8 يونس )
صراع بين مذهبين :
مرت البشرية بعدة محطات ، بدأت بهبوط آدم عليه السلام ، بمذهب إلهيّ يدعو إلى الصلاح والإصلاح ، وهبوط إبليس بمذهب شيطاني يدعو إلى الفساد والإفساد . ومنذ ذلك اليوم بدأ الصراع الحقيقي بين مذهبين ، بين مذهب إبليس ومذهب رب العزة ، وكل له جنده ، وتُركت للبشر حرية الاختيار ، في تجنيد أنفسهم لنصرة أحد المذهبين ، وكل من الفريقين سيتحمّل تبعة اختياره .
حين بدأت الحياة البشرية على الأرض ، كان مقام آدم عليه السلام ، في أرض الجزيرة العربية ، حيث كانت جنة الله في الأرض ، فقام ببناء أول بيت وضع لعبادة الله ، في مكة المكرمة . وتناسل فيها وكثر أولاده وأحفاده . ومع مرور الزمن ، بدأ المذهب الشيطاني ينتشر في نسله ، والمذهب الإلهي يضمحل شيئا فشيئا . وبعد وفاة آدم عليه السلام ، استفحل المذهب الشيطاني ، حتى عمّ أرجاء المعمورة ، التي لم تتجاوز حدود الجزيرة العربية آنذاك .
في هذه الأجواء ، بُعث سبحانه نوح عليه السلام ، لدعوة قومه ، فلم يستجب له ، إلا قلة من المستضعفين ، ولما واجهوه بإصرارهم على الكفر ، واستمرارهم بالإفساد في الأرض ، ولما انقطع رجاءه في هدايتهم . هنالك دعا ربه ليقطع دابر الكافرين ، فأُمر بصناعة الفلك . وبدأ بإقامته وسط اليابسة ، حيث أقرب بحر يبعد آلاف الأميال ، وإقامة الفلك في ذلك المكان هو الجنون بعينه ، فما كان من قومه إلا أن سخروا منه وممن معه ، وهم لا يعلمون ، وعن عاقبتهم غافلون . وفجأة … انقلب كل شيء رأسا على عقب ، كان الطوفان الذي رافقه انقلاب كوني هائل ، في جغرافية الأرض ، جعلت من الجزيرة العربية صحراء قاحلة .
ورست سفينته على جبل الجودي ، في الموصل شمالي العراق ، فنزل الذين انتصروا للمذهب الإلهي ، واستوطنوا العراق في بادئ الأمر ، ومع مرور الزمن ، ومن هناك بدءوا بالانتشار ، شيئا فشيئا ، في شتى بقاع الأرض . وعادت الأمور بعد الطوفان ، كما كانت في بداية عهد آدم عليه السلام ، وبدأ الناس في التناسل والتكاثر .
وبعد نوح عليه السلام ، ومع مرور الزمن ، بدأ المذهب الشيطاني دورته الثانية ، أخذ سبحانه يبعث الرسل تباعا ، إلى تلك الأقوام التي كانت محصورة ، في هذه منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية ، حيث أن المناطق الأبعد ، لم تكن مأهولة آنذاك ، وأُخذت معظم أقوام الرسل السابقين بالعذاب ، ومن ثم بدأ الناس منذ تلك اللحظة ، في الانتشار إلى البلدان الأبعد شيئا فشيئا - حتى عمروا الأرض كلها في عصرنا الحالي – ومع ذلك بقيت الكثافة السكانية آنذاك ، متمركزة في هذه المنطقة ، ولذلك اختصت بالرسالات السماوية دون غيرها . ومن ثم بُعث إبراهيم عليه السلام ، إلى قومه في بلدة أور جنوب العراق ، فلم يؤمنوا له ، فتركهم وهاجر إلى الأرض المقدّسة ، ليُسلم الراية إلى نسله من بعده .
وبعد مرور الزمن ، وبعد ضلال بني إسرائيل ، أثناء تواجدهم في مصر ، عن شريعة آبائهم إبراهيم واسحق ويعقوب عليه السلام ، بُعث فيهم موسى عليه السلام ، فلم يؤمنوا له ولا لمن بعده إلا قليلا . وبعد سنين طويلة ، من انتصار بني إسرائيل للمذهب الشيطاني ، بُعث فيهم عيسى عليه السلام رسولا مجدّدا ، فلم يؤمنوا له ، بل حاولوا قتله ، فتوفاه الله ورفعه إلى السماء ، ليعود آخر الزمان ، وينهي آخر حلقات مسلسل الطوفان الأخير ، والذي ستبدأ حلقاته بالتتابع ، بعد شهور قليلة ، والناس لاهية قلوبهم ، وهم عنه غافلون .
ويكمل المذهب الشيطاني مشواره ، ومع مرور الزمن ، وفجأة يتعطل هذا المذهب ، في هذه البقعة من العالم ، لفترة دامت ما يقارب (1350) عام ، بِبعث نبي الهدى عليه أفضل الصلاة والسلام ، بخاتمة الرسالات السماوية ، ومن ثم يتوفاه الله ، ليترك لنا هذا القرآن العظيم ، حبلا متينا ممدودا ما بين السماء والأرض ، لمن ابتغى الهداية ، ووجد في نفسه العزم والقوة . فدُحر ذلك المذهب اللعين وولى هاربا . وفي السنوات الأخيرة ، عادت أمة الإسلام لتحذوا حذو سابقيها من الأمم ، وتحتضن ذلك المذهب ، لينبُت في هذه البقعة من العالم ، وينموا ويزدهر مشمولا بالعناية والرعاية ، بحجّة التقدم والحضارة ، فعاد ذلك المذهب وشمل كافة أرجاء الدنيا ، بما فيها مهد الرسالات السماوية ، بلاد الشام والعراق وجزيرة العرب ، فأصبح العالم أجمع ، أسوأ مما كان عليه قبل طوفان نوح عليه السلام .
وفي نهاية الطوفان ، يُبعث عيسى بن مريم عليه السلام ، ليعيد الأمور إلى نصابها ، وتستعيد الأرض بركتها ، ويمضي المهدي ، ويمضي عيسى عليه السلام ، بعد أن يبلغ سن الكهولة ، وتبقى القلة المؤمنة ، فيبدأ المذهب الشيطاني من جديد ، انتشار النار في الهشيم في نسل تلك القلة ، وتخطف ريح لينة أرواح البقية المؤمنة ، وتبقى الأغلبية الكافرة ، وتجري الأزمنة مسرعة إلى حيث الساعة .
مراحل الطوفان القادم
هذا الطوفان الذي نتحدث عنه ، هو ما سيُعيد البشرية إلى ما كانت عليه ، بعد الطوفان الأول زمن نوح عليه السلام ، ليعيد التاريخ نفسه مرة أخرى . وهو يختلف بعض الشيء عن سابقه ، حيث ستكون بدايته من صنع البشر ، وسيأتي على عدة مراحل : -
المرحلة الأولى : أكبر وأبشع مذبحة ، في تاريخ الشعب اليهودي ، على يد العراقيين في فلسطين .
المرحلة الثانية : تحالف العرب مع الروس ، في حرب عالمية نووية ثالثة ، تنتهي فناء الحضارة الغربية ومظاهرها .
المرحلة الثالثة : احتمالية عودة أجواء داحس والغبراء ، في المنطقة العربية ، فيما بعد الحرب .
المرحلة الرابعة : خروج المهدي من مكة ، وحروبه لضم الجزيرة العربية ، وإيران وتركيا ، والملحمة الكبرى مع الروس .
المرحلة الخامسة : سقوط عبدة المادة وظاهر الحياة الدنيا بين براثن الدجّال ، في حرب الجوع والعطش .
المرحلة السادسة : نزول عيسى عليه السلام ، والذبح النهائي للدجال وأتباعه من اليهود ، على مشارف القدس .
المرحلة السابعة : فناء من بقي من الشعوب الشرقية ، في حرب يأجوج ومأجوج ، وحصر الصفوة من عباد الله ، مع عيسى عليه السلام ، في جبال فلسطين .
المرحلة الثامنة : فناء يأجوج ومأجوج ، وتغيّر في جغرافية الأرض ، وعودة مناخها الفردوسي ( جنة آخر الزمان ) ، كما كانت على عهد آدم عليه السلام .
المرحلة التاسعة : عصر الأمن والسلام ، تحت حكم عيسى عليه السلام ، مكملا سنين عمره ، حتى يبلغ سن الكهولة .
* ملاحظة : المراحل تحمل ترتيبا زمنيا ، وقد يكون هناك اندماج بين المراحل ، أو تقديم أو تأخير ، والله أعلم .
إذا بقي البصر حيث موطئ القدم … فلن ترَ النجوم في بطن السماء … ولا القمر في ليل تمامه … ولا الشمس في عزّ الظهيرة … فمنذ هذه اللحظة …
ابدأ هدانا وهداك الله بصناعة الفُلك
وابذل قصارى جهدك في إتقان صنعته .. فلعلك تنجو من الغرق .. كلفته ليست باهظة جدا .. أو لا تُقدّر بثمن .. أو لا تُشترى بمال .. وحتى لو كانت كذلك .. فالنجاة أغلى وأثمن … هذا الفلك … خشبه صفحات من ذهب .. محصورة بين دفتي كتاب .. يقبع في إحدى زوايا المنزل .. ومساميره كلمات من نور .. إذا عرفت ما هو .. ستجد فيه رسالة أُنزلت من أجلك .. واجتهد كثير من الناس .. في حملها وبيانها … على مدى أربعة قرنا من الزمان .. لإيصالها إليك .. فلا تُذهب جهدهم أدراج الرياح ..
قال تعالى ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا ، أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ، وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16 الحديد )
وقال ( قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53 الزمر )
وقال ( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) … وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155 البقرة )

أخي القارئ … تابع موقعنا على شبكة الإنترنت … وساهم معنا في نشر هذا الكتاب … بتوزيع نسخة على قرص مرن … أو مطبوعة على الورق … أو بإرسال دعوة لزيارة الموقع عبر البريد الإلكتروني
قال تعالى
( وَمَنْ أَظْلَمُ ، مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )
(140 البقرة )
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين

[ نهاية الكتاب ]


م / على مدكور غير متواجد حالياً