منتدى الهندسة الكهربية

الإهداءات



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
الربط بين وحدة راس السرير b.h.u ونظام استدعاء الممرضات عبده الشاعر قسم التيار الخفيف 10 06-15-2013 12:21 PM

 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-03-2011, 09:16 AM   رقم المشاركة : [1]
عضو مميز
الصورة الرمزية م / على مدكور
 

م / على مدكور is on a distinguished road
افتراضي الطريق إلى وحدة الأمة


Google+

شارك إعجابك بالموضوع --» 



بسم الله الرحمن الرحيم

الطريق إلى وحدة الأمة

افتتاح:
الحمد لله الذي بعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ليخرج خير أمة أخرجت للناس، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي تألفت عليه قلوب المؤمنين وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وأعزنا به بعد ذل، وأنجانا بدعوته من الضلالة وقد كنا على شفا هلكة، وعلى آله وأصحابه وأنصاره إلى يوم الدين وبعد ،،،
مدخل:
فإن وحدة الأمة وتماسكها، مطلب شرعي، بل فريضة ثابتة وواجب من ألزم الواجب، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} (آل عمران:103)، وقال تعالى أيضاً: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} (الأنفال:46)، وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} (آل عمران:110) ، ولا نكون أمة إلا إذا كنا جماعة مؤتلفة على منهج وطريق واحد، وقال أيضاً سبحانه وتعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} (آل عمران:107)، وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} (الأنعام:159)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً مما يدل على أن وحدة الأمة عقيدة ومنهجاً، أمر واجب لازم لا خيار للمسلم في تركه وإهماله، وأن الفرقة والتفرق مدعاة للفشل في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
وبالرغم من أن وحدة الأمة وتماسكها فريضة شرعية فهي كذلك الوسيلة الوحيدة للعز والنصر والتمكين، فلا قيام للأمة الإسلامية إلا بائتلافها ووحدتها، وبالتالي فلا تحقيق لأهداف الرسالة إلا بالوحدة والائتلاف ومعلوم أن للرسالة الإسلامية أهدافاً عظيمة منها تبليغ الإسلام للناس كافة، وإقامة الحجة لله على عباده وجعل الإسلام فوق الأديان كلها، والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى كما قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} (التوبة:33)، وقال أيضاً: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال:39).
وهذه الأهداف العظيمة يستحيل تحقيقها في ظل فرقة المسلمين وشتاتهم واختلافهم ومعلوم أيضاً أن المختلفين هم في شقاق، وبلاء وقتال، والأمة المشغولة بنفسها التي يتنازع أبناؤها ويتفرقون شيعاً وأحزاباً فيكفر بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً يستحيل أن تقوم لهم قائمة، أو يرتفع لهم علم أو ينصب لهم لواء.
ولما كان أمر الوحدة الإسلامية، والأخوة الدينية فريضة شرعية، وسبيلاً لا غنى عنه لتحقيق شرع الله في الأرض، ومراده في عباده..
أصبح لازماً علينا أن نسعى في سبيل تحصيل هذه الوحدة وتثبيت أركانها، وإقامة بنائها.
واقع الأمة الحالي:
ولا شك أن الواقع الحالي للأمة الإسلامية مغاير تماماً لهذا المطلب الشرعي فقد تفرقت بالمسلمين السبل منذ وقت طويل فأصبحت عقائدهم شتى بعد أن كانت واحدة وأصبحت مناهجهم وسبلهم متفرقة متعددة وتمزق شملهم في دول مختلفة، وعصبيات كثيرة كثيرة للوطن، والمذهب، والحزب، والجماعة الخاصة. بل للهوى والمشرب الخاص. ولا شك أن هذا الواقع الأليم هو الذي أفرز الذل والمهانة والفشل، وهو الذي أطمع في هذه الأمة أعداءها، وجعلهم يتمكنون من رقابها، ويذلونها بكل سبيل..
ولا شك أنه لا يمكن الخروج من الواقع الحالي إلا بإعادة اللحمة من جديد وجمع كلمة الأمة، ولم شملها، وتوحيدها تحت راية واحدة وعلم واحد وإمام واحد.
ولا شك أن هذا المطلب الشرعي، بل الفريضة الدينية هو أولى الأولويات، ومقدم على كل ما سواه من الواجبات لأنه يقع في مقام الوسائل لغيره من الغايات، ولأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.. فلما كان إعلاء كلمة الله، وتحقيق النصر على الأعداء، بل الدفاع عن حوزة الدين والحرمات، كل ذلك لا يتم إلا بوحدة الأمة واتفاق كلمتها كان هذا ولا شك مقدماً على الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه لا جهاد على الحقيقة، ولا كسر لشوكة الباطل، ولا إعلاء لكلمة الله على الكفر إلا باتفاق كلمة المسلمين كما قال تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} (الأنفال:62)، فجعل الله نصره كائناً للرسول بمدد من عنده وباجتماع كلمة المؤمنين حوله، ولذلك قال تعالى بعد ذلك مباشرة: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (الأنفال:63).
ولا شك أيضاً أن توحيد الكلمة، وجمع الشمل، ورص الصفوف لا يكون إلا بأسباب، ومقصود هذه الورقة هي بيان الأسباب التي يمكن للمسلمين بواسطتها أن يوحدوا صفوفهم، ويجمعوا كلمتهم. هذه الورقة تضع الأسس أو بالأحرى تعرف بالأسس التي لا بد منها لإقامة بنيان الأمة الواحدة. وهذا أوان الشروع في بيان هذه الوسائل والأسس التي يجب إرساؤها ليتم بناء الأمة بناء سليماً وترص الصفوف رصاً صحيحاً. {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص} (الأنفال:63).

أسس الوحدة الإسلامية
أولاً: وضع القرآن في موضعه الصحيح:
أول هذه الأسس هو وضع القرآن في موضعه الصحيح من حيث أنه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن حيث أنه هدية الله إلى عباده المؤمنين والرحمة المهداة للبشر أجمعين والهداية التامة للناس جميعاً، كما قال سبحانه وتعالى: {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة:1،2)، وقال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185).
فالقرآن هداية خاصة لأهل التقوى والإيمان، وهداية عامة يوضح الطريق لكل إنسان. كما قال تعالى أيضاً: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (المائدة:15،16). وهذا خطاب لأهل الكتاب خاصة والناس عامة إن القرآن هداية إلى صراط الله المستقيم الذي لا يضل سالكه، وقال تعالى أيضاً: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون} (الجاثية:20).
فالقرآن بصائر، أي نور يبصر به كل إنسان طريق الحق لو أراد، ورحمة وهداية خاصة لأهل اليقين بالله.
ولا يستفاد من القرآن إلا باتباع هذه القواعد:
1- تقبُّله، والفرح به، وانشراح الصدر له، والعلم أنه أعظم نعمة من الله على عباده:
وهو ما أسلفنا القول فيه كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} (التوبة:124).
فأهل الإيمان بالله والثقة به يفرحون ويستبشرون كلما جاءهم جديد من هذا الكتاب وبذلك يزدادون إيماناً مع كل آية يعلمونها ويحفظونها وتتلى عليهم، وأما أهل النفاق والشقاق فإنهم مع كل آية يزدادون كفراً ورجساً لأنهم يقابلونها بالإنكار والتكذيب والكراهية لما فيها من الأوامر والنواهي. وبالتالي فيزداد كفرهم مع كل تكذيب ويزداد رجسهم مع كل استهزاء.. فالمؤمن يزداد مع تنزل القرآن، وتعلم القرآن علماً وأدباً وسلوكاً وعبادة، وبالتالي إيماناً وتقوى، وأما من كان في قلبه مرض من شك ونفاق فإنه يزداد مع كل آية تتلى عليه شكا وتكذيباً واستهزاء، وبالتالي رجساً إلى رجس.
2- اليقين بأنه كله من عند الله ورد المتشابه فيه إلى المحكم:
القاعدة الثانية التي يجب اتباعها نحو كتاب الله سبحانه وتعالى هي اليقين بأن هذا الكتاب المحفوظ بكل آياته هو من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه لا خلاف ولا اختلاف فيه وأن أخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل، قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته} (الأنعام:115)، أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام.
ومسلك الراسخين في العلم من أهل الإيمان هو رد ما أشكل عليهم فهمه، وما اشتبه عليهم أمره إلى المحكم البين الواضح من كتاب الله سبحانه وتعالى. كما قال عز وجل: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ربنا، وما يذكر إلا أولو الألباب} (آل عمران:7).
فالقرآن يفسر القرآن فلا خلاف بين جزئياته بوجه من الوجوه.. ولذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الغضب عندما رأى بعض أصحابه يتناقشون في مسألة من المسائل فقال بعضهم ألم يقل الله كذا، وقال الآخر ألم يقل الله كذا. فغضب الرسول حتى أن عبدالله بن عمر ليقول: (فكأنما فقئ في وجه رسول الله حب الرمان) وقال صلى الله عليه وسلم: [بهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا إلى ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه] (أخرجه أحمد وابن ماجة وحسنه الألباني في المشكاة (36/1)).
3- التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم في بيانه:
القاعدة الثالثة هي الاعتقاد بأن الشخص الوحيد الذي أنيط به بيان القرآن بياناً معصوماً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المخول من الله بالبيان والإيضاح كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44)، ولا شك أن بيان الرسول للقرآن كان بوحي من الله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: {إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} (القيامة:17-19). قال ابن عباس جمعه في صدرك، ثم أن تقرأه كما أنزل. وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الله بسنته العملية والقولية والتقريرية.
فكانت أخلاقه وشمائله تطبيقاً للقرآن، وكانت أقواله تفسيراً وبياناً له، بل كانت حياته كلها نموذجاً عملياً توضيحياً لهذا الكتاب الكريم، فعلى كل من أراد الاهتداء بكتاب الله أن يتعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطبق الدين كما طبقه، ويفهمه على النحو الذي علمه ولا خيار له غير ذلك.
4- رد مشكلاته واستنباط أحكامه، إلى أولي العلم:
القاعدة الرابعة لفهم القرآن هو وجوب رد ما أشكل منه، وما اشتبه فهمه وفقهه إلى أهل العلم كما أمرنا سبحانه وتعالى إذ يقول: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (الأنبياء:7). وكما قال أيضاً: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} (النساء:83).
وهذه الآية نص واضح جلي أنه لا يجوز الاستعجال في إشاعة ما لم يفقه ويفهم من أمر الدين بل يجب رده أولا إلى الرسول العليم بالأمر، وإلى أولي الأمر وهم القادة والعلماء المفسرون لكتاب الله، العالمون به وهذا أدب واجب يؤدبنا الله به، حتى لا نصدر إلا عن علم وبينة، ولا نقول في الدين إلا بمقتضى التثبت والتأكد.
ولا شك أن مخالفة هذا الأدب قد جر على الأمة بلاء عظيماً، وفتناً كثيرة.
5- الإخلاص للقرآن والنصح له، والإتيان إليه متجردين من كل العقائد والأفكار والتصورات السابقة:
القاعدة الخامسة والأخيرة التي يجب اتباعها مع القرآن هي التجرد الكامل من كل موروث يخالف الحق، والنصح لكتاب الله والإخلاص له، كما قال صلى الله عليه وسلم: [الدين النصيحة]، ثلاثاً: قلنا: لمن يا رسول الله. قال: [لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم] (أخرجه مسلم من حديث تميم الداري).
فالنصح للقرآن أن تأتي إلى هذا الكتاب الكريم مجرد القلب من موروث يخالفه، مستبصراً به مهتدياً بنوره، باحثاً عن الحق والصواب وإن خالف هواك وموروثك، وإلفك وعادتك فتكون باحثاً عن الحق لوجه الحق، متجرداً لله عن هوى النفس بهذا فقط يمكن الاهتداء بكتاب الله.
وإلا فإن الذين جاءوا للقرآن يلتمسون فيه تأييد باطلهم، ونصر مذاهبهم، ويبحثون في آياته عما يوافق أهواءهم، وينصر نحلتهم ومذهبهم وآراءهم ضلوا بالقرآن ولا شك كل مبطل وجد في القرآن ما استطاع تأويله وتحريفه بصورة أو بأخرى لتوافق هواه، وتؤيد باطله. ولا يتسع المجال هنا لبيان كيف استدل كل صاحب باطل لباطله من القرآن.
ثانياً: وضع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في موضعها الصحيح:
وسنة النبي تعني كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، (ما شاهده أو نمى إلى علمه وسكت عليه). والرسول هو النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، والمكلف بالتبليغ عن ربه والذي لا ينطق عن الهوى والذي طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، والذي لا طريق إلا عن طريقه، ولا دخول للجنة ولا نجاة من النار إلا باتباعه والسير على سنته ومنهاجه قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء:80)، وقال جل وعلا: {فليحذر الذين يخالفون عن أمرنا أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً وكذلك الأحاديث ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: [والله لا يسمع أحد بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار] (أخرجه مسلم عن أبي هريرة، شرح السنة (561) (1/104). وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: [والله لو أن موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني] (أخرجه أحمد (3/387)، وحسنه الألباني في الأرواء (6/34)، شرح السنة (126) (1/270). وقال أيضاً: [من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد] (أخرجه مسلم عن عائشة).
إن جعل السنة هي المصدر الثاني للتشريع، وجعلها مع كتاب الله عز وجل مصدري التلقي، والاتباع، وجعل تشريع الرسول صلى الله عليه وسلم كتشريع الله في وجوب القبول والإذعان شيء أساسي لوحدة الأمة وجمع كلمتها، ولا نتصور بتاتاً أن يكون هناك اتفاق واجتماع ونحن لم نحقق هذا الأصل الأصيل، والركن الركين من أصول الدين.
ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد من على الأمة، بحفظ هذا الأصل، كما حفظ القرآن الكريم، وذلك أن السنة شارحة ومبينة للكتاب كما سلف، وضياعها ضياع للقرآن، ولا شك أن ضياع البيان ضياع للنص وقد تكفل الله لرسوله بحفظ القرآن في صدره ثم بيانه له قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} (القيامة:16-19).
فبيان القرآن لازم له.. وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك خير قيام.
ولا شك أن المخالفين في هذا الأصل كثيرون قديماً وحديثاً. فقد نشأ في القرن الثاني الهجري من أنكر حجية السنة والعمل بها، ذكر الإمام الشافعي في كتابه الرسالة أقوالهم ورد عليهم. ونشأ من فرق بين أخبار التواتر فيها وأخبار الآحاد، وقد كتبت في هذا المطولات والمختصرات. ولا شك أن خبر الواحد الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب التصديق والاعتقاد والقبول كما هو منهج سلفنا الصالح قديماً وحديثاً، وقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه وفق هذا فكان يرسل الرجل والرجلين إلى الآفاق البعيدة ليبلغ الدين من كتاب وسنة ولا يشك عاقل أنه كانت تقوم الحجة على كل من وصلهم أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بنقل الفرد الواحد والرجلين..
وقد جاء أيضاً من فرق بين سنة واجبة وسنة واجبة أخرى بحجة أن هذا في المعاملات وهذا في العبادات وأراد أن يحجب التشريع النبوي عن الحياة فزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم تؤخذ سنته في أمور العبادات والقربات فقط وأما في البيع والشراء، والحلال والحرام، والجنايات والعقوبات فأراد أن يطبق عليها: [أنتم أعلم بأمر دنياكم] (أخرجه مسلم عن أنس وعائشة)، وهذا استشهاد في غير محله لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال هذا في مسألة فنية دنيوية هي تأبير النخل، والإسلام لم يأت لتعليم شئون الزراعة والصناعة، وإنما لإقامة العدل ووضع ضوابط المعاملات..
وكذلك انتشر بين جهلة الناس من يظن بأن كل ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يدخل في باب المستحبات والقربات، وليس فيه شيء من باب الإلزام والواجبات. وهذا خطأ وجهل فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم مشتملة على الواجب الحتم الذي لا يجوز مخالفته، ويجب الإتيان به، وكذلك النهي عن الحرام الذي يجب الابتعاد عنه وكذلك جاءت ببيان الحرام والحلال كما أنها جاءت أيضاً بالحث على المستحبات والتنفير من المكروهات.
والخلاصة أن السنة مشتملة على بيان الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام.
ومن عدم النصح للسنة تقديم قول بعض المتبعين من الأئمة والعلماء على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الواضح البيان بعد ظهوره في الذهن والعيان. وهذا من الباطل والانحراف بل قد يؤدي إلى الكفر والنفاق.
وقد نص الأئمة جميعاً رضوان الله عليهم أنه لا يجوز لمسلم استبانت له سنة الرسول، أن يتركها لقول قائل كائناً من كان وأن كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمقصود أنه قد نشأ في المسلمين أعداء كثيرون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلوا أصولاً ووضعوا قواعد تهدم الدين. وتفرق كلمة المسلمين، وتنشر الضلال والعقائد والزيغ بين المسلمين ويستحيل على المسلمين التئام واجتماع إلا بوضع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضعها من الاحترام والاتباع وجعل كل كلام غير كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم تابعاً لكلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فإن وافق ذلك أخذ وإن خالفه رد وترك.
وبغير تحقيق هذا الأصل يستحيل أن نسير في طريق واحد ويكون لنا صراط مستقيم. بل طرق مختلفة تتفرق بنا في كل اتجاه.
ثالثاً: الإجماع، واتباع سبيل المؤمنين:
الأصل الثالث الذي يجب اتباعه لتحقيق وحدة الأمة الإسلامية واجتماع كلمتها هي وجوب اتباع سبيل المؤمنين، والبعد عن الشذوذ، والانفراد، والعلم أن من مميزات هذه الأمة أنها معصومة عن الخطأ، كما قال صلى الله عليه وسلم: [إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة] (أخرجه الترمذي عن ابن عمرو وحسنه وصححه الألباني في ص.ج.ص (1844))، وهذا من تمام نعمة الله على هذه الأمة التي وصفها الله بقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110)، ولقد جعل الله سبيل المؤمنين هو سبيله وسبيل رسوله فقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} (النساء:115).
ولا شك أن خير قرون هذه الأمة هو قرنها الأول ثم الثاني ثم الثالث كما قال صلى الله عليه وسلم: [خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم] (أخرجه الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين وصححه الألباني في الصحيحة (699)). فالقرن الأول هم أصحاب النبي وأنصاره وأصحابه ومن قام الدين على أيديهم وأعلنت كلمة الله في الأرض بجهادهم كما قال سبحانه وتعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (الأنفال:62).
وأثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات كثيرة من كتابه، وأخبر أنه قد رضي عنهم، وتاب عليهم، وأنهم أهل رحمته ورضوانه.
ومن هذا كله نعلم أن السبيل الذي سار عليه هؤلاء الأصحاب، واجتمعت عليه كلمتهم لا شك أنه سبيل الله، وطريق النبي صلى الله عليه وسلم، والصراط المستقيم..
ولقد أجمع هؤلاء الأصحاب رضوان الله عليهم على أمور كثيرة من أمر الدين لا شك أن اجتماعنا عليها سيجمع كلمة الأمة على أمور كثيرة فرقت الأمة طويلاً. من هذه الأمور:
الإجماع على أنه لا معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الخلافة شورى، وأن الصديق هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيه الله ورضيه رسوله والمؤمنون، وأن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وخليفة خليفة رسول رب العالمين، واجتماع المسلمين كذلك على عثمان واتفاق كلمتهم عليه، وأجمعوا أن كتاب الله هو الذي بين أيدينا، وأجمعوا على الصلوات الخمس في مواقيتها والصوم في رمضان والحج، وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة الإتباع، واجتمعوا وأجمعوا على عامة أساسيات الدين، وفروضه العامة وأجمعت الأمة في كل عصورها على أن الصحابة رضوان الله عليهم هم خير قرون الإسلام وأفضل أجياله.
ولا شك أن الشذوذ عن كل ذلك بل بعض ذلك ضلال وباطل واتباع غير سبيل المؤمنين، وخروج عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي بعث به رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم.
إن الاجتماع على ما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة ملحة في وقتنا الحاضر، الذي نشأت فيه الفرق الباطنية الخبيثة التي قامت على أساس نسف هذا الأصل المكين والتي يقوم دينها على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلف إلا ركاماً، وظلاماً، ولم يترك إلا رجالاً ملأ النفاق قلوبهم، والكفر أفئدتهم وإنه لم يخلف صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أو خمسة فقط كانوا على دينه وملته وطريقته، وأما الآلاف المؤلفة الباقية فكانوا كفاراً منافقين، ولا عبرة لاجتماعهم، ولا وزن لإجماعهم.
وهذا نسف للدين من أساسه، واتهام للرسول صلى الله عليه وسلم بالفشل الذريع، بل بالفضيحة والجهل أنه وثق فيمن ليسوا أهلاً للثقة، ومدح من لم يكونوا أهلاً للمدح، وعاش في وسط جماعة لم يحسن تربيتهم وتهذيبهم، وتركهم لصوصاً متغلبة، ووحوشاً كاسرة وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فهم والجميع يشهد كانوا أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً وأقلهم تكلفاً، لقد كانوا هم الأبرار الأتقياء الذين شهد الله لهم بالإيمان والفضل والجهاد والخير وشهد لهم رسول الله أيضاً بذلك وكفى بالله شهيداً سبحانه وتعالى.
والخلاصة: أن اعتماد الإجماع، وما اتفق عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ائتلفت عليه قلوب المؤمنين جيلاً بعد جيل أصل مكين من أصول الدين يجب تعلمه والإيمان به، والسير بمقتضاه، وهذا سيوفر على المسلمين اليوم جهوداً عظيمة، تذهب هدراً وسيقضي على الخلاف في أمور كثيرة، وسيضع الأمور في نصابها الصحيح، وسيرشد إلى التطبيق السليم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الكتاب والسنة وهما مصدرا التشريع وأصلا الدين ظهر تطبيقهما على أفضل نحو وفي أكمل مستوى في عصر الصحابة، والخلافة الراشدة.. وبالتالي أصبح هذا هو النموذج الأمثل الذي يجب أن يحتذى في كل عصور الإسلام، فإذا جاء من يقضي على هذا الأصل ويقول بل كان هذا العصر هو أسوأ عصور الإسلام، وأظلم عهود الدين، وأن القرآن والسنة لم يطبقا فيه على الوجه الصحيح كان هذا يعني هدم الدين كله، وإعطاء تفسير آخر للقرآن والحديث، وفي النهاية عزل القرآن والحديث عن حياة المسلمين وهذا ما سعت إليه وسارت فيه الفرق الباطنية الخبيثة التي تسترت بالإسلام ودخلت فيه ظاهر لتهدم أصوله من الداخل وقد فعلت، وللأسف انطلت فعلتها على كثير من الناس.
والحق أنه ليس هؤلاء وحدهم هم الذين خالفوا في هذا الأصل بل إن كثيراً من المتنطعين الجاهلين والمتشددين المارقين خرجوا عن إجماع الأمة وشقوا عصاها قديماً وحديثاً وفي كل العصور ولا غرو في ذلك، فأولهم هو الذي أراد أن يقيم الرسول صلى الله عليه وسلم في زعمه على الحق ويرشده في زعمه إلى ما تعمد الخطأ فيه فقال (اعدل يا محمد فوالله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري)!! وكان هذا الأسلوب المارق أسلوب طوائف كثيرة من بعده، أنكروا على خلفاء الإسلام وخيرة أتقياء الأمة، وأرادوا إصلاح الهفوة الصغيرة، والخطأ اليسير فارتكبوا العظائم من شق عصا المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم.
ولقد عانى المسلمون الأمرين من هؤلاء وهؤلاء.. الفرق الباطنية التي خرجت على إجماع الأمة بخبث ومكر ودهاء، وشرعت في نسف أصول وحدة الأمة وتحطيم قادتها، وتشويه عظمائها وأشرافها، وفرق الخوارج المارقة والمتشددين الجهلة خرجوا على إجماع الأمة بجهل وغباء، فأعملوا السيف فيها، وشقوا عصاها وأرادوا حمل الأمة على ما ظنوه حقاً فأفسدوا على المسلمين دينهم، ووحدتهم وكانوا عوناً لأعداء الله المتربصين.
وهكذا ابتلي الإسلام في تاريخه بعدوين لدودين، عدو خبيث ماكر، وعدو جاهل غبي.
والعصمة من هؤلاء وهؤلاء في فهم أصل الإجماع، وتبرئة من برأهم الله، والحرص على اجتماع الكلمة ولم الشعث واجتماع الصفوف، والتنادي إلى نبذ الخلاف، والاعتصام بجماعة أهل الإسلام، والالتقاء على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: الاستبصار برأي أهل العلم والفقه والبصيرة:
الأصل الرابع من الأصول التي يجب معرفتها والعمل بها للوصول إلى وحدة الأمة وتوحيد كلمتها وصراطها، هو وجوب الرجوع في المشكلات والمتشابهات، إلى أهل العلم والرأي والفقه والبصيرة. وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الناس متفاوتين في الفهم والبصيرة، وليس كل من حمل علماً كان فقيهاً مستبصراً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه] (أخرجه أحمد وابن ماجة عن أنس). فشتان بين حفظ العلم وفهمه وفقهه.. الأول قد يكون مقدوراً عليه عند كثير من الناس والثاني يقل ويندر.. ألا ترى عند بعض الأطفال قدرة عظيمة على حفظ النصوص، ولكنهم مع ذلك يحملون قدرة محدودة على فقهها وفهمها.. وهناك أيضاً كثير من الكبار قد يحفظون القرآن ولا يفقهون معانيه وقد يحفظون جانباً عظيماً من الأحاديث وليست لهم خبرة كبيرة في فهم معانيها وطرق استنباط الأحكام منها.
ولهذا وجب على المسلم المستبصر أن يعود إلى من حباهم الله سبحانه وتعالى علماً وفقهاً وحسن رأي ومشورة فيما أشكل عليه من أمر الدين، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك حيث قال جل وعلا: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (النساء:83).
وفي الآية يعيب سبحانه وتعالى عن بعض ضعفاء البصائر والعقول ممن يذيعون كل خبر وينشرون كل ما يفيد أمنا في غير مكانه، وخوفاً في غير موضعه، فيرجفون ويفسدون.. يعيب الله على هؤلاء أنهم يجب عليهم أن يرجعوا كل خير إلى أهل الرأي والمشورة والعلم والاستنباط، ليدلوهم على مدلول الخير، ومفهوم النص ومراميه، ولماذا أمر الرسول بكذا ونهى عن كذا، ووجه إلى كذا، ولم يوجه إلى كذا.
وهذه القاعدة لو فهمت على وجهها الصحيح فإنها ستوفر على المسلمين جهوداً طويلة شاقة، وعناء كبيراً جداً بل إن كثيراً من الشرور والآثام إنما جاءتنا وابتليت بها الأمة من كل متسرع عجول يرى أو يسمع شيئاً من أمر الدين فيفهمه على غير وجهه، ويتسرع في حكمه فيفسد ويضل..
انظر إلى ذلك المتسرع الجاهل العجول الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوزع غنائم هوازن على غير القسمة المعهودة، فيعطي مسلمة الفتح ويحرم الأنصار والمهاجرين فيظن أن الرسول حابى أهله، وتودد إلى أقاربه وبني عمومته، وجافى خلّص أصحابه فقال للرسول (اعدل يا محمد فوالله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله!!) (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري).
انظر إلى كثير من المتعجلين الحمقى الذين انتشرت فيه إشاعة ابن سبأ اليهودي بشأن عثمان رضي الله عنه ففهموا أعماله على غير وجهها واتهموه بما هو براء منه. وانتهى بهم جهلهم وحماستهم الباطلة بأن استباحوا دمه، وقتلوه، وفتحوا أعظم باب للشر على هذه الأمة.
وانظر بعدهم فرقة الخوارج الذين فهموا الدين على غير وجهه وعابوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأنكروا عليه ما ظنوه مخالفاً للدين وليس كذلك من رضائه بالحكمين. وعدم إجهازه على جرحى موقعة الجمل، وامتناعه تقسيم غنائمهم على المحاربين معه ونحو ذلك مما لم تبلغه عقولهم، ولم يفقهوه.. فما كان منهم إلا سبه وتكفيره ثم استحلال دمه وقتله.. وهذه الطوائف الجاهلة ظلت تخرج على المسلمين بفقهها الأعوج، وحماسها الأهوج في كل وقت وحين مخلفة آثاراً مدمرة، وجراحاً عميقة في الجسد الإسلامي، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيهم: [يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان] (أخرجه البخاري عن أبي سعيد)!! وقوله: [يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم] (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وتقدم برقم (46))، أي لا يصل إلى قلوبهم من قلة الفقه والفهم.
ولو أن أمثال هؤلاء وعوا هذا الأصل، وهو وجوب التريث في الحكم، والأناة والصبر وسؤال أهل العلم والرأي، والرجوع في المشكلات والمستعصيات إلى أهل العلم والحلم لوفروا على المسلمين كثيراً من الجهود الضائعة، ولجنبوا أهل الإسلام كثيراً من الفتن الماحقة.
لقد حذر السلف رضوان الله عليهم من التسرع والجهل والحماسة في غير موضعها.
كما روى البخاري بإسناده إلى سهل بن حنيف رضي الله عنه قوله: (أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد كدت أن أرد على رسول الله أمره يوم حادثة أبي جندل) وهذه موعظة في غاية الحسن، فسهل بن حنيف من أحلم الناس ومن أوسعهم عقلاً وحكمة وهو يقول عن نفسه أنه كاد أن يخرج من الإسلام، ويرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيعته بعد ما وقع الرسول صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية والذي كان من شروطه أن يرد المسلمون إلى الكفار من جاء إليهم مسلماً ولا يرد الكفار من جاءهم من المسلمين كافراً وبعد توقيع هذه المعاهدة وفيها هذا الشرط القاسي المذل في ظاهره لأهل الإسلام والذي يبدو منه أنهم رضوا بالدون، وقبلوا بالدنية، وأن الكفار هم الأعز!!.
في هذا الوقت العصيب جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في أغلاله وهو يستغيث بالمسلمين أنقذوني من الكفار فإنهم يعذبوني، ولم يستطع المسلمون فعل شيء له تطبيقاً للمعاهدة بل إنهم ردوه إلى الكفار وهو يستغيث بالمسلمين فلا يجد من يغيثه والرسول صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يقول له: [اصبر يا أبا جندل فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً]!! وعند ذلك رأى سهيل بن حنيف وهو سيد قومه، والذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف من قومه يحملون السلاح لا يسألونه فيما غضب، رأى سهيل أن هذه ذلة ولا يرضاها فكاد أن يرد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ويعود إلى الكفر، لأنه رأى أن ما وقعه الرسول صلى الله عليه وسلم يضاد في ظاهره ما يدعو إليه وما يبشر به.. ولم يكن يدور بخلده آنذاك أن الذي وقعه الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم فتح في الإسلام!!.
ولذلك كان سهل يقول أيها الناس اتهموا الرأي في الدين!!.
والخلاصة أن تحقيق هذا الأصل يقتضي التريث وعدم التسرع في الحكم على الأشياء ووجوب التبصر في الدين والتفقه فيه.. ألا ترى أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسم بعض الصحابة أنه لم يمت وهدد من قال بموته بالقتل. وعندما عزم الصديق على قتال المرتدين قام في وجهه من ظنوا أنه حكم بالباطل، وأراد أن يقاتل من لا يجوز قتاله..
وكذلك هناك من عارض عمر بن الخطاب في كثير من سياساته التي جاء الواقع بعد ذلك مؤيداً لها، وكذلك جاء من عاب على عثمان ما ظنه باطلاً وهو حق وانتهى إنكارهم بمقتله واستحلال دمه.. وهكذا أمور كثيرة ودروس عظيمة مرت بأمة الإسلام توجب عليهم ما يلي:-
1- التريث عند الخلاف، وتعميق النظرة، وإحالة الفكرة وتقليب الأمور على كل وجوهها قبل إصدار الأحكام.
2- إرجاع الأمور المختلف فيها إلى أهل العلم والبصيرة والفقه، وعدم الاعتماد على النفس فقط، وعدم الاغترار بظاهر العلم وبريقه في النفس.
3- اليقين بأن الرأي يصيب ويخطئ، وأن مجال الاجتهاد في الشريعة واسع جداً، ومجال المشتبه فيها كبير جداً، وأن هذا يحتاج إلى الجهابذة الأفذاذ الذين يوفقهم الله لوضع الأمور في نصابها وتنزيل الأحكام على منازلها الصحيحة.
ومن أجل ذلك كله جعل الله الشورى أصلاً من أصول الدين ومعرفة الصواب من الخطأ والمصلحة من المفسدة، وكيفية تنزيل الأحكام في منازلها الصحيحة. وتطبيقها على الوجه الأمثل والأكمل. كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر} (آل عمران:159)، علماً أن النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل مستغن عن المشورة بما كمله الله به من العقل الراجح، والبصيرة النافذة والنبوة والرسالة، ومع ذلك أمره الله بمشاورة أصحابه. وقال أبو هريرة ما رأيت أحداً أكثر مشورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استشار أصحابه في السلم والحرب، وتولية الأمراء، كما استشارهم في الإفك الذي رميت به زوجته الطاهرة الشريفة أم المؤمنين.. وعلى هذا المنوال سار أصحابه الكرام فكان الخلفاء لا يصدرون إلا عن شورى، ولا يفعلون إلا بعد ترو وتأن ظاهر، حتى تتضح الرؤية، ويظهر السبيل.. وباختصار. هذا الأصل يعني أن المسلم لا يجوز له أن يتوجه إلى العمل الذي تشتبه فيه الأدلة ويضطرب فيه الرأي، وتختلف فيه العقول إلا بعد رؤية ومشورة، ورجوع إلى أهل الفضل، والرأي والتجربة ليستنير المؤمن في دينه، ويعرف المجتهد طريقه.
ولعلي بهذا الشرح والبيان لهذا الأصل العظيم أكون قد وضعت يد إخواني على أصل هام، وأهديتهم أصلاً من الأصول العظام، وهو التريث والتثبت قبل إصدار الأحكام والرجوع إلى أهل الرأي والعلم قبل التصدر للفتيا بين الأنام، وتنزيل نصوص القرآن والسنة منازلها حيث أنزلها الله ورسول الإسلام.
خامساً: رأي الإمام يحسم الخلاف:
الأصل الخامس من الأصول الواجب اتباعها وصولاً إلى وحدة الأمة، وتوحيد كلمتها وصراطها هو وجوب الإمام العام الذي يقيم الشورى، ويحكم بالإسلام، ويطبق شرع الله في الأرض، لأن مثل هذا الإمام هو الدرع الواقي لأمة الإسلام، وهو نقطة الالتقاء والملاذ عند الخلاف والاختلاف، وحكمه في النهاية المبني على الشورى، والنظر هو الحاسم للاختلاف، والقاطع لمادة الشقاق.
والنظر في تاريخ الأمة الإسلامية يوضح هذا الأصل تماماً. فطالما كان للمسلمين إمام واحد تجتمع عليه الكلمة، ويجتمع عنده الشمل كان للمسلمين صراط واحد، وموقف موحد من المشكلات والقضايا التي تعترض سبيلهم، وكانوا فوق الريح كما يقال، وكلما انشقت العصا وكان للمسلمين أكثر من إمام، أو لم يكن لهم إمام كان المسلمون كالشياه المضيعة المطيرة لا راعي لها، كل طائفة منهم تضرب في اتجاه، وكل فريق منهم يسير في ناحية، وهذا هو حال الأمة الإسلامية اليوم.. لما لم يكن لهم مرجع وموئل يرجعون إليه وإمام عام يوحد كلمتهم في الأرض كلها، ويجمع شتاتهم وينسق جهادهم وجهودهم، فأنت تراهم اليوم يضربون في كل اتجاه على غير هدى ويفتون في كل مشكلة بغير بصيرة إلا من رحم الله، ولا يجتمعون أو يجمعون على رأي واحد قط وكيف يجتمعون أو يجمعون، وهم شتات في كل جنبات الأرض والسهام تنوشهم من كل جانب، والمشاكل تعترضهم من كل اتجاه فهذه البوسنة وكشمير وغيرها تشتعل بما فيها، وهذه أوطان المسلمين يغترب فيها الإسلام ويلاحق ويطارد -من السلطات الحاكمة- إلا ما شاء الله. وها هو الشباب المسلم في أماكن كثيرة يعيش الضياع الفكري والعقائدي، ويقع فريسة لجهله، وهياجه وحماسه، تصارعه الضغوط من كل اتجاه ويجابه المشكلات من كل صوب، وفي هذا المناخ المضطرب تنمو أفكار التطرف ويصبح الصبر والتريث والتعقل بعيد المنال، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والخلاصة: أن الإمام عصمة من الخلاف وقاطع لدابر الشقاق، فهو موئل الأمة وملاذها ومن أجل ذلك أمرنا بالصبر عليه مع ظلمه، وعدم شق عصا الطاعة له مع انحرافه، وعدم الخروج عليه بالسيف إلا إذا كفر كفراً بواحاً لا تأويل له، ولا تفسير له إلا الكفر البواح.. وأما في غير ذلك فقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه، والإذعان لأمره، وذلك أن افتراق الأمة أعظم الشرين، والعاقل إذا خير بين مفسدتين اختار أيسرهما، فالصبر على إمام ظالم جائر منحرف بعض الانحراف، خير لا شك من افتراق الأمة وشق عصاها، لأن في هذا ذهاب ريحها، وتفرق كلمتها، ولا شك أنه يحصل بذلك من الشرور أضعاف أضعاف ما يحدث من الصبر على جور الإمام.
والمطالع لسيرة سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يجد أنهم كانوا يعظمون الإمامة الكبرى جداً ويضعونها في المقام اللائق بها.
فمن الأدلة على ذلك أن شأن الإمامة كان أول أمر فكر به المسلمون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.. ولذلك قدموه على دفنه صلى الله عليه وسلم، لأن أي تسويف وتأخير في ذلك يترك الناس دون مرجع فيتصرف كل منهم بما يشاء، وما يحلو له، وما يؤديه إليه اجتهاده كما ذهب الأنصار واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار الإمام منهم.. ولو تركهم المهاجرون لكان لهم ما أرادوا، ولما استطاع المهاجرون إلا الإذعان لاجتهادهم والنزول على رغبتهم لقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا بويع خليفتان فاقتلوا الآخر منها] (أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: [من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه بالسيف كائناً من كان] (أخرجه مسلم عن عرفجة).
ولا شك أنه لو اختار الأنصار أميراً منهم وأذعن الجميع لذلك لكان في هذا ضرراً عظيماً لم تكن لتجتمع على أنصاري ولأنه تقديم للمفضول على الفاضل مما يحرم أمة الإسلام من خير عظيم، وفضل واسع، ومما يدلك على تعظيم السلف للإمامة الكبرى اجتماعهم على الصديق، وتقديمهم لأمره واجتهاده، وتعظيمهم لذلك حتى إن عمر الفاروق ليجادل الصديق في قتال المرتدين ويقول له: كيف تقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون فيقول له: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال.. وهنا يقول عمر الفاروق: (فو الله ما إن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال حتى علمت أنه الحق) (أخرجه البخاري عن أبي هريرة).
فانظر إذعان عمر ورجوعه إلى رأي الصديق واجتهاده، لأنه يعلم أن الله سبحانه قد طهر قلب الصديق، ويستحيل أن ينشرح صدره لباطل!!.
وهكذا كان موقف عمار رضي الله عنه في قضية التيمم، وموقف حذيفة بن اليمان مع عثمان رضي الله عنه في الإتمام في السفر.. وكذلك موقف السلف وخيار الصحابة عندما اجتمعت الكلمة لمعاوية بن أبي سفيان، وتنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما له حقناً لدماء المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، وكذلك موقفهم من عبدالملك بن مروان لما اجتمعت له الكلمة.. وكذلك لأبي جعفر المنصور لما حاز الشوكة واجتمعت له الكلمة.. ولا شك أن هذه المواقف كلها أسهمت في جمع كلمة الأمة ولم شعثها واتحاد كلمتها، وكان هذا ولا شك خيراً من المواقف الأخرى التي أدت إلى وقوع السيف في الأمة وشق عصاها، وحصول المآسي والمصائب العظيمة التي لم يجن المسلمون من ورائها إلا المصائب والعلقم وانشغال المسلمين بأنفسهم وتركهم الجهاد الحقيقي والغزو الحقيقي في سبيل الله، وهدر دماء المسلمين في الباطل.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال لمحمد بن مسلمة: [خذ هذا السيف فقاتل به، فإذا رأيت السيف قد وقع بين المسلمين فاكسره على صخرة من جبل سلع] (أخرجه أحمد (4/225) عن سهل بن أبي الصلت عن الحسن مرسلاً وذكره الحافظ في الإصابة (9/132) عن الحسن كذلك، والذهبي في السير (2/373)، أخرجه أحمد (3/493).. وقد فعل محمد بن مسلمة رضي الله عنه ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وجد السيف قد وقع بين الأمة.
والخلاصة: لا شك أن الإمام العام أصل عظيم من أصول اجتماع الأمة بل هو الذي يجعل الأصول السابقة كلها في مقام التطبيق. فلا اجتماع على كتاب ولا سنة، ولا يكون إجماع واتفاق إلا بإمام يقيم الأمة على الكتاب ويجمعها على السنة، ويكون موئلاً لأهل الرأي والشورى ومفزعاً للجميع من الفرقة والخلاف.



سادساً: إخلاص الدين لله والقيام له وحده والبعد عن البغي والحسد والهوى:
ولا شك أن إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى شرط أساسي لقبول أي عمل من الأعمال كما قال تعالى: {فاعبد الله مخلصاً له الدين، ألا لله الدين الخالص} (الزمر:3). وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له ديني} (الزمر:11)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه] (أخرجه الشيخان من حديث عمر).
وهذه النصوص جميعها مبينة أنه لا يقبل عمل من أعمال الدين يراد به التقرب إلى الله سبحانه وتعالى إلا إذا كان خالصاً لوجهه الكريم، وابتغاء مرضاته.
وبالرغم من أن إخلاص العمل شرط في كل عمل إلا أن الإخلاص والقيام لله، والتجرد له وحده أشد طلباً، وأعظم إلحاحاً عند الإدلاء بالشهادة والتعامل مع الناس، واختلاف الآراء، فلا وصول إلى الحق مطلقاً إلا بالإخلاص لله والتجرد له، ولذلك أمر سبحانه وتعالى المؤمنين أمراً خاصاً بذلك عند الخصومات قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة:8).. وهذا لأن العداوة قد تكون مدعاة إلى الظلم والتعدي، والشهادة بالباطل واستحلال الحرمات وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وعلى أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} (النساء:135).
وذلك لأن الرغبة في نصر القريب، قد تدفع إلى الشهادة بالباطل، وإلى المماطلة في الحق..
ولا شك أن التحاسد والتباغض والتنافس على الغرض الدنيوي وكذلك الرغبة في الظهور والشرف والرفعة كل ذلك من أعظم الأمور التي أفسدت على أتباع الرسل اتباعهم، وبذرت الشرور فيما بينهم، وجعلتهم يختلفون من أجل البغي والشقاق، والحسد لا لأنهم لم يعرفوا معرفته والوصول إليه.. قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (البقرة:213).
وهنا نجد أن الله سبحانه وتعالى يبين أن أتباع الرسالات اختلفوا في الدين والكتاب بسبب البغي بينهم لا لأن الكتاب لم يوضح الحق، أو لأنهم عجزوا عن الوصول إليه، فما من رسول أرسله الله إلا وبين البيان الكامل، وأوضح الطريق، ووضح الحدود الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال.
ولكن أتباع الرسل ضلوا من بعدهم، واختلفوا في الحق بسبب التحاسد والتباغض والتدابر كما قال الله {بغيا بينهم} لا بسبب ضعف الدليل، وضمور الحجة، وخفاء السبيل ولكن الله برحمته سبحانه يهدي من يشاء من أتباع كل رسول إلى الحق من بعده، كما قال تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (البقرة:213). وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ما من رسول الله بعثه الله إلا كان له أصحاب وحواريون يهتدون بهديه، ويستنون بسنته ثم تحدث من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل] (أخرجه مسلم). والحديث يبين أنه يقع الاختلاف بعد الرسل زيادة في الدين ونقصاً وتقولاً.. وأنه توجد طائفة على الحق تجاهد عليه.
كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك] (أخرجه مسلم عن ثوبان).
ولا شك أن الضلال عن الدين متصل بأسباب كثيرة منها البغي والحسد كما جاء في الآية، ومنها الجهل والتقول والتحريف وكذلك منها التكاسل، والقعود عن نصرة الحق.
ولا شك أن أعظم أسباب الخلاف في الدين، وترك الاستقامة على الصراط المستقيم إنما هو بسبب الحرص على المال والشهرة كما قال صلى الله عليه وسلم: [ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأشد إفساداً.. من حرص المرء على المال والشرف لدينه] (أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان عن كعب بن مالك وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (5496)).. فحرص العلماء على المكانة الدنيوية، والرفعة الظاهرية، والأموال والدنيا الدنية هو الذي جعلهم يختلفون ويخالفون شريعة رب البرية ومن أجل ذلك قلنا هنا.. إن من الأصول الواجب اتباعها خروجاً من الخلاف بين المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، وتوحيداً لصفوفهم أن يقوم الجميع لله متجردين، وللدين خالصين مخلصين، لا يبتغون بجهادهم إلا وجه الله رب العالمين.
ولا شك أنه إذا اختفى الخلاف والشقاق، وظهر الوئام والاتفاق وارتفعت حظوظ النفوس، والتنافس والتحاسد حل مكان ذلك الوئام والتقارب والتوادد، ووجدت وحدة الأمة واجتماعها وهنا تظهر رحمة الله ورضوانه وهدايته.
وعلى كل حال هذا أصل عظيم يجب التفطن إليه وهو أننا نحتاج إلى منهاج تربوي، يخرج علماء مخلصين عاملين، لا منافقين عاملين باللسان فقط..
بل إن أعظم الأضرار على الدين أن ينشأ في الأمة علماء اللسان المنافقون كما قال صلى الله عليه وسلم: [أخوف ما أخاف على أمتي من كل منافق عليم اللسان].
بل إن المنافق عليم اللسان قد يكون أشد ضرراً من الشيطان نفسه كما قال تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الأعراف:175،176). فانظر كيف أصبح العالم الفاسد أستاذاً للشيطان وكيف أصبح الشيطان تابعاً له، لا متبوعاً وذلك أنه قد يهتدي إلى أساليب في الشر والغواية لا يعرفها الشيطان نفسه.
ومن أجل ذلك كله قلنا إن من أصول وحدة الأمة، وجمع كلمتها، ولم شعثها أن تحرص على إيجاد العلماء العاملين المؤمنين المتقين، الذين يراقبون الله في اجتهادهم وفتاواهم وأن ينزاح عن صدر الأمة كل منافق عليم اللسان. وبهذا يسهم العلماء المخلصون، والأئمة الحقيقيون المتجردون لله الذين يشهدون شهادة الحق دائماً، ويكون قيامهم لله خالصاً وهؤلاء هم الذين يسهمون في جمع كلمة الأمة ووحدتها، وتوحيد صراطها..
وأما إذا ترك الحبل على الغارب لعلماء اللسان المنافقين فإنهم سيزرعون الشقاق والنفاق ويبذرون بذور الفرقة والاختلاف، وذلك لتبقى لهم مراكزهم، وليستمر لهم الشرف الزائف وأموال السحت التي يأكلونها بفتواهم الباطلة وعدولهم عن الصراط المستقيم.
والخلاصة أنه من أجل توحيد صراط الأمة لا بد من السير وراء أئمة الحق والعدل وعلماء الدين الأتقياء الذين يعرفون من أخلاقهم ودينهم ومسلكهم أنهم من أهل التجرد لله والإخلاص له وهؤلاء هم أمل الأمة في جمع صفوفها وتوحيد كلمتها.
سابعاً: وضع ضوابط الأخوة والموالاة موضع التنفيذ:
ومن الأمور العظيمة التي أفسدت على المسلمين أخوتهم ووحدتهم ومزقت شملهم، وفرقت جمعهم أنهم لم يلتزموا بآداب الأخوة الإسلامية، ولم يتقيدوا بأحكامها. علماً بأن الله سبحانه وتعالى قد بين أصول هذه الآداب في كتابه الكريم، وجاءت السنة الشريفة مبينة موضحة لكل تفاصيلها. ولا يوجد عند أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب ما عند أهل الإسلام من تراث في هذا الصدد، بل الإسلام في مجمله رسالة أخلاقية ما جاءت إلا لإقامة المجتمع الصالح الذي يتحاب أفراده، ويتعاونون وتختفي بينهم الأثرة والطمع وكل مظاهر الفرقة والشقاق ويكونون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن الله تبارك وتعالى قد جعل مودة المسلم للمسلم ومحبته له، ديناً يتقرب به إليه، ويعبد الله به. فالتحابب في الله بين المسلم والمسلم قربة إليه سبحانه وتعالى وكل ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والزيارة، والإكرام والرحمة والتوقير، وستر المسلم، ومعونته، والأخذ بيده، والسعي في حاجته، وعيادته مريضاً، ومواساته في أحزانه، والتخفيف من آلامه، والفرح لفرحه، والنصح له..
كل ذلك من أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم سبحانه وتعالى، ومعلوم أن حاصل ذلك وغايته هو وجود الأمة المتراحمة المتآلفة المتحابة..
وكذلك أيضاً جعل الله سبحانه وتعالى معاداة المسلم وقطيعته، وظلمه والعدوان عليه، عدواناً على الله سبحانه وتعالى، وبعداً عن الهداية والدين..
والحق أن من يدقق النظر في هذا الصدد يجد أن الله سبحانه وتعالى جعل الدين مودة وأخوة ومحبة بين المسلم وأخيه المسلم، بل إن الله سبحانه وتعالى من رحمته وإحسانه لينزل نفسه في الخطاب منزلة العبد كما جاء في الحديث القدسي: [إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني..] (أخرجه مسلم عن أبي حربدة). أليس هذا من أعجب الأمور أن يجعل الرب سبحانه وتعالى ذاته العلية مكان المسلم المحتاج والسائل والفقير، والمريض المتطلع إلى زيارة إخوانه.. ثم يتكفل سبحانه وتعالى بنفسه بالجزاء والعطاء لمن فعل ذلك.
إن هذا أمر عظيم جداً ينبؤك أين وضع الله سبحانه وتعالى مودة المؤمن للمؤمن، ومحبته له، ومساعدته له، والعكس تماماً حيث جعل الله العدوان على المسلم عدواناً على أوليائه وجواره، وذمته. فقال سبحانه: [من عادى لي ولياً فقد آذنته بالمحاربة..] الحديث (أخرجه البخاري).
وقال صلى الله عليه وسلم: [من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء] ، وقال صلى الله عليه وسلم: [لعن المؤمن كقتله] (أخرجه البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك)، وقال: [أيما امرئ قال لأخيه: كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت إليه] (أخرجه مسلم عن ابن عمر).
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً وكلها شاهدة أن العدوان على المسلم صغيراً أو كبيراً عدوان على الدين وموجب للعقوبة، وحصول سخط الله وغضبه.
والخلاصة أن الأخوة دين.. بل لا دين إلا بأخوة.. كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا.. أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم.. أفشوا السلام بينكم] (رواه مسلم عن أبي هريرة).
وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم قتال المسلم للمسلم كفراً فقال صلى الله عليه وسلم: [لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض] (أخرجه البخاري ومسلم عن جرير) وللأسف الشديد فإن هذا الأصل العظيم الذي هو بهذه المثابة في تثبيت أركان الأخوة في الله لم يلق من أتباعه والمنتسبين إليه إلا إهمال هذا الأصل العظيم -إلا من رحم الله- ولقد نشأ بيننا التدين المغلوط الذي يعتقد أصحابه أن الالتزام بالدين إنما يكون فقط بأداء حقوق الله من الصلاة والصوم والحج والزكاة..
مهملين مع ذلك إهمالاً قد يكون تاماً حقوق العباد، بل قد يكون الرجل الذي يدعي الدين من أهل الظلم والبغي والفساد فتراهم آكلين لأموال غيرهم بالباطل، منتهكين حرمة المسلم لا يعبأون بظلمه أو غيبته أو عهده، أو أخذ حقه، ولا يجدون من القربة إلى الله مساعدة المسلم ومعاونته وستره، بل قد يرون هذا مسقطاً لمروءتهم قادحاً في شرفهم، منزلاً من مكانتهم.. فيخشى أحدهم أن يرى مع فقير أو يأخذ بيد محتاج، أو أن يقف مع مظلوم.. وقد يرى الدين والمكانة والشرف احتقار الناس وازدراءهم والتعالي عليهم وللأسف أن يكون بعض هؤلاء ممن ينسبون إلى العلم، ويأخذ الناس عنهم الدين..
إن هذا التدين المغلوط، والدين المبتور الذي يفرق بين الحقوق التي لله وحقوق العباد قد أصبح آفة الكثيرين من أهل الإسلام في الوقت الحاضر، لأجل ذلك فسدت معاملاتهم ومرجت عهودهم، وانتقض اجتماعهم وائتلافهم وأصبحوا أمثولة بين الناس، في فساد الذمم والتقاطع، والتدابر، والتشاجر، وفشو الكذب والخيانة، واللصوصية، والتعدي على الغير.. مما لا يوجد مثله -للأسف- ولا قريباً منه في أمم الكفر والضلال الذين ينشأ بينهم نوع من التعامل المستقيم في حياتهم الدنيا، حيث يعظمون الكذب والخيانة ويمجدون الصدق والأمانة ومن أجل ذلك كانت معاملاتهم الدنيوية، ومجتمعاتهم أحسن حالاً في بعض جوانبها من بعض مجتمعاتنا الإسلامية التي أهملت إهمالاً عظيماً ما شرعه الله سبحانه وتعالى من أصول المودة والأخوة والموالاة، وقواعد التعامل القائم على الطهارة الأخلاقية والاستقامة، والصدق والأمانة والعفاف وأعجب مرة ثانية وثالثة.. من أمة جعل الله معاملات بعضها مع بعض دينا وقربة، وجعل الكلمة الطيبة يلقيها المسلم للمسلم حسنة وأجراً، ثم يكون حالها على هذا النحو.
ألم يقل رسول الله: [الكلمة الطيبة صدقة] (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة)، ألم يقل: [لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق] (أخرجه مسلم عن أبي ذر).
ألم يقل: [يا معشر النساء لا تحقرن جارة أن تهدي جارتها لو فرسن شاة] (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة)!! والفرسن، هو ظلف الشاة.. ألم يقل صلى الله عليه وسلم: [لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له] (أخرجه أحمد وابن حبان عن أنس وصححه الألباني في ص.ج.ص (7056)). أدين تكون هذه هي تعاليمه، وأخلاقه ثم يكون هذا الذي نراه هو ناتجه وثماره.. أليس هذا أعظم دليل على أن أمتنا اليوم -إلا القليل القليل- إما أنها تفهم الدين ولا تطبقه أو أنها قد جهلته ولم تعرف حدوده؟.
والخلاصة: في هذا الصدد أنه من أجل وحدة الأمة ورأب صدعها، وجمع كلمتها فلابد كذلك من وضع قواعد الأخوة، ونظام التعامل في الإسلام موضع التنفيذ، ولا بد من النظر إلا الأخلاق في الإسلام، على أنها دين بل لا دين بغير أخلاق، بل الدين هو صالح الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم: [إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق] (أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة وصححه الألباني في صحيحه (45)).
ولا شك أن الأخلاق قضية واحدة لا تتجزأ كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا يشكر الله من لا يشكر الناس] (أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبي هريرة وصححه الألباني في صحيحته (416)). فمن كان الجحود عادته وديدنه مع الناس فلا شك أنه كذلك مع الله أيضاً، ومن كان كاذباً مع الناس فلا يمكن أن يكون صادقاً مع الله، ومن كان خائناً لعباد الله فكيف يكون أميناً ومؤمناً بالله؟..
وكذلك فإن الذي يحب الله يحب عباد الله، والذي يرجو رحمة الله لا يمكن أن يكون ظلوماً لعباده وأحبابه.. ومن كان حريصاً على دين الله لا يمكن أن يكون مبغضاً لأنصار هذا الدين ومن يعلون مناره وينشرون أحكامه..
ومن أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم: [آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار] (أخرجه البخاري ومسلم عن أنس)، فالمؤمن بالله المحب لدينه يجد لزاماً في قلبه أن يحب من نصر الدين.
وأما الكافر الذي يكره الدين، ويبغض رب العالمين فإنه كذلك يبغض كل من أعلى منار الدين وساهم في رفع شأنه ومع هذا تعلم السبب الذي حمل الرافضة على بغض أصحاب رسول الله وكل مخلص لهذا الدين، إنه كراهية الدين نفسه وبغضهم لله جل وعلا وإلا فمن أحب الله أحب أولياءه، ومن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أحبابه وأصحابه، أما من ادعى محبة الرسول وهو يبغض أولياء الرسول وأحباب الرسول فهو كاذب ولا شك في ذلك.
والحاصل أننا الآن أمة متفرقة ومن أسباب تفرقنا إهمال الجانب الأخلاقي العملي؛ فهو إما عامل ثانوي عند بعضنا، وإما مهمل إهمالاً كاملاً عند آخرين.
والحق أنه هو الدين، بل لا دين إلا بأخلاق واجتماع على أخوة في الله ومحبة في سبيله.
ثامناً: ترشيد جهاد الجماعات الإسلامية:
نشأت بسبب سقوط الخلافة، وتمزق أوطان المسلمين، وقيام الحكومات الإقليمية، وانصراف كثير من هؤلاء الحكام إلى المصالح الدنيوية فقط دون الاهتمام بشئون الدين.. نشأت بسبب ذلك كله فكرة الجهاد الجماعي وذلك من أجل سد هذه الثغور التي فتحت على الأمة الإسلامية ومن هذه الثغور تعليم أبناء المسلمين الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الفضيلة والأخلاق والعناية ببناء المساجد، وإقامة الصلوات وإيتاء الزكاة وكل هذه أمور أهملتها الحكومات المختلفة..
بل وصل الحد إلى إهمال الدفاع عن حرمات المسلمين وأوطانهم بل فتحت البلاد لأعداء الله ليعيثوا في الأرض الفساد، ومن أجل ذلك هب المسلمون إلى التصدي بأنفسهم لذلك لما تنكرت الحكومات لهذه المهام وضيعتها بل عملت أحياناً على هدم الدين ونشر الرذيلة وإضعاف الأمة، وتمزيق صفوفها، وتمكين عدوها منها..
ولما كانت هذه الفرائض لا يغني فيها جهاد الأفراد ولا يجدي فيها بذل الواحد والاثنين، وعمل الناس متفرقين.. فإنه نشأ بسبب ذلك الدعوة إلى الجهاد الجماعي فأنشأت الجمعيات والجماعات الإسلامية سرية وعلنية، رسمية وغير رسمية من أجل القيام بهذه المهمات، والتصدي لهذه المشكلات التي أضاعتها الحكومات..
ولا يشك منصف أنه كان لهذه الجمعيات والجماعات وما زال فضل عظيم في نشر الإسلام ونهضة المسلمين، والذود عن حياض الدين، ولا شك أن التدين الصحيح الذي نراه اليوم هنا وهناك ما هو إلا ثمرة لجهاد هذه الجماعات والجمعيات، وأثر من آثار هذا الجهد المنظم الذي لولاه.. لكانت حالنا اليوم غير ما نحن فيه من بعض حياة، وبقية حشاشة.
ولا يشك منصف كذلك أنه كان لهذه الجماعات والجمعيات بعض الآثار السلبية ويهمنا من هذه الآثار في هذا الصدد: إيجاد نوع من الفرقة والخصام. والتنافس المذموم والتعصب للجماعة الذي أسهم إسهاماً ما في فرقة الأمة الإسلامية.
وللأسف إن بعض من يرى هذه السلبيات، ويعمى عن الحق الذي من أجله قامت هذه الجماعات قد أفتى بأن التجمع لأمر الدعوة، والاجتماع تحت مسمى من هذه المسميات غير مشروع ظناً في زعمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا وأن هذا يؤدي إلى الفرقة والخصام.. فأما كون هذا العمل غير مشروع فقد رددنا عليه برسالة مستقلة أسميتها (مشروعية الجهاد الجماعي). وأما أنها تسبب الفرقة والخصام فإن هذا ليس سبباً لمنع المباح فكيف بالواجب الحتمي اللازم.. أعني ليس كل ما يسبب الفرقة والخصام يجب أن يحرم ويمنع.. ولو منعنا كل ما يسبب فرقة أو خصومة لحرمنا الناس من السعي لطلب الكسب والمشاركات، والتجارات وكل أنواع الاجتماع، ولحرمنا كذلك كل أنواع التميز فلا أنصار ولا مهاجرين، ولا قبائل ولا شعوب لأن كل تميز يؤدي في الغالب إلى الاختلاف ألا ترى أن (الأنصار) اسم يميز أناساً عن غيرهم من المسلمين (والمهاجرين) كذلك اسم مميز لطائفة من أهل الإسلام ألا ترى أنهم تقاتلوا أحياناً وتعصب بعضهم لهذه التسميات.. وقال لهم الرسول: [دعوها فإنها منتنة] (أخرجه البخاري عن جابر)!! فلماذا إذن لم تلغ هذه التسميات، ولم يكتف فقط بمسمى الإسلام الذي يجمع الجميع ولا يميز بين فريق دون فريق؟..
ألا ترى أن أتباع كل إمام من أئمة الفقه انتصروا لإمامهم، ونصروا فقهه ورأيه.. وأنه وقع بينهم مشاحنات ومخاصمات بل حروب ودماء.. أيكون هذا سبباً لإلغاء المذاهب الفقهية، وإمامة الدين، وعدم جواز النسبة لإمام من أئمة الفقه والعلم والدين؟ لا شك أنه لا يجوز إلغاء التجمع على إمام، والتفقه على فقيه بذاته، وتدوين علمه وأقواله والانتساب إليه، وإنما الذي لا يجوز هو التعصب له، ورد الحق من أجله، وجعل قوله هو المرجع النهائي في الدين دون قول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.
والخلاصة أن النسبة والتميز جائز في حد ذاته ما دام أنه يراد به التعاون على البر والتقوى والتجمع على ما أباحه الله أو فرضه أو حث عليه.. بل إن التجمع يكون واجباً إذا كان لأمر لا يتم إلا بالتجمع عليه، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وذلك كدفع عدو غزا أرض المسلمين لا يتم دفعه إلا باجتماع وجماعة وأمير ونظام.. فيكون التجمع والجماعة والأمير والنظام هنا واجباً فرضاً لأنه لا يتم الواجب إلا بذلك.
وكذلك الحال في فروض الكفايات التي ضيعها كثير من حكام المسلمين كنشر الإسلام، وتعليم المسلمين، وإقامة المساجد، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذب عن دين الإسلام.
لا شك أن كل ذلك لا يأتي إلا بجماعة ونظام وما دام أنه لا يتم إلا بذلك فيكون النظام والجماعة واجبين من أجل ذلك.
وأعود فأقول إن المنهي عنه شرعاً هو التعصب للجماعة والانتصار لرأيها حقاً وباطلاً. ومن أجل ذلك قلنا هنا إنه يجب ترشيد عمل الجماعات الإسلامية حتى تتمحص الإيجابيات وتختفي السلبيات ويكون هذا الترشيد كما يلي:
1- الاعتقاد بأن نصر الدين، وإعادة المسلمين إلى سلم المجد وإقامتهم على الحق وإعلاء كلمة الله في الأرض كل ذلك لا يكون إلا بتضافر جهود العاملين جميعاً في حقل الدعوة، وتعاونهم وتآزرهم وتآخيهم، وهذا التعاون لا يمنع التنافس الشريف، والتسابق في الخير والهدى والبذل والتضحية، كما كان شأن الأوس والخزرج، وبين الصحابة أنفسهم، كل يسابق الآخر، ويريد أن يسبقه، وكل يقدم ما يستطيع من أجل نصر الدين، وإعلاء كلمة رب العالمين.
2- إفساح المجال للنقد البناء، وكشف الأخطاء، والاستفادة من تجارب الماضي ومن سقطات الدعاة من أجل أخذ العبرة والذكرى وعدم تكرر هذه الأخطاء، وحتى لا تصبح أخطاء الدعاة، وسقطات الجماعات جزءاً من المنهج، ويظنها الناس عملاً صالحاً وأمراً متحرراً فتتحول البدع والأخطاء إلى معالم على طريق الدعوة، وكمالات عند الدعاة.
3- انتهاج طريق الإصلاح لما أفسده المفسدون والإبقاء على الصالح من بناء الأمة، وترميم ما هو آيل إلى السقوط، وبذلك ندعم البناء، ونجدده شيئاً فشيئاً.. ولا يمر زمن يسير حتى يكون البناء الإسلامي قد استكمل استواؤه وتجددت عمارته.. وأما طريق الهدم للأمة، ومحاولة البناء من جديد فهي طريقة تخريبية، ستؤدي، وقد أدت فعلاً إلى هدم ما هو قائم الآن من بناء الأمة وجعلها كلها في العراء، وكشفها لأعدائها وخصومها، بل معاونة هؤلاء الأعداء في الإجهاز على البقية الباقية من حشاشة الأمة.
هذه هي باختصار شديد.. الخطوات الأساسية لحركة ترشيد البعث الإسلامي، وقد كتبت بحمد الله في هذا كتابات مطولة في فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله، والطريق إلى ترشيد حركة البعث الإسلامي، والأمر يحتاج إلى كتابات كثيرة في مناهج الترشيد، والله الموفق إلى مزيد من السداد والرشاد وهو المعين على استكمال المنهج وإيضاح الطريق لشباب الإسلام، وهو المسئول أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يأخذ بأيدينا إلى الحق والصواب،،،
والحمد لله رب العالمين
*******************
***********
*****


م / على مدكور غير متواجد حالياً  

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
الأمة, الطريق, وحدة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الساعة الآن »03:55 AM.
Powered by vBulletin® Version 3.7.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
3y vBSmart
F.T.G.Y 3.0 BY: D-sAb.NeT © 2011